كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤجج الجرائم الإلكترونية؟

خبير أمني من «كاسبرسكي» يجيب

تنصح «كاسبرسكي» بتنزيل التطبيقات من المتاجر الرسمية حصرياً والتحقق من أذونات التطبيقات التي تستخدمها (شاترستوك)
تنصح «كاسبرسكي» بتنزيل التطبيقات من المتاجر الرسمية حصرياً والتحقق من أذونات التطبيقات التي تستخدمها (شاترستوك)
TT

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤجج الجرائم الإلكترونية؟

تنصح «كاسبرسكي» بتنزيل التطبيقات من المتاجر الرسمية حصرياً والتحقق من أذونات التطبيقات التي تستخدمها (شاترستوك)
تنصح «كاسبرسكي» بتنزيل التطبيقات من المتاجر الرسمية حصرياً والتحقق من أذونات التطبيقات التي تستخدمها (شاترستوك)

أصبح الذكاء الاصطناعي (AI) موجوداً في كل مكان، قادراً على تمكين الأفراد والشركات على حد سواء من خلال قدراته التحويلية. وإلى جانب مساهماته الإيجابية، ظهر الذكاء الاصطناعي أيضاً بوصفه سلاحاً ذا حدين، ما أدى إلى تضخيم ترسانة مجرمي الإنترنت. وقد فتحت إمكانية الوصول إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي سبلاً جديدة أمام الجهات الخبيثة لاستغلال نقاط الضعف وارتكاب الجرائم، بما في ذلك هجمات برامج الفدية.

إمكانية الوصول إلى الذكاء الاصطناعي لأغراض إجرامية

على هامش فعاليات حدث شركة «كاسبرسكي السنوي للأمن السيبراني لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا» الذي حضرته «الشرق الأوسط» في مدينة كوالالمبور الماليزية، قال أمين حاسبيني، مدير فريق البحث والتحليل العالمي في «كاسبرسكي»، إن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي كانت تعد ذات يوم مجالاً للخبراء والباحثين فقط، أصبحت الآن في متناول أي شخص تقريباً، بمن فيهم المستخدمون الشرعيون والجهات الشريرة.

 

انتشار برامج الفدية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي

يتوفر الآن عدد كبير من محركات الذكاء الاصطناعي في «الشبكة المظلمة» مما يمكّن المجرمين من تحقيق أهدافهم الشائنة. يتم نشر هذه الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بطرق مختلفة، مثل صياغة رسائل بريد إلكتروني متطورة للتصيد الاحتيالي وتطوير برامج ضارة مصممة خصيصاً لتجنب الكشف وتجاوز الإجراءات الأمنية. ويرى أمين حاسبيني، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن الذكاء الاصطناعي يمكّن المهاجمين من تخصيص المحتوى لضحايا محددين، مما يعزز فاعلية هجماتهم ويزيد من احتمالية النجاح.

ارتفاع في عدد مجموعات برامج الفدية المستهدفة

أظهر بحث عميق أجراه خبراء «كاسبرسكي» ارتفاعاً في عدد مجموعات برامج الفدية المستهدفة بنسبة 30 في المائة على المستوى العالمي خلال الفترة من 2022 إلى 2023. وبالتوازي مع هذه الزيادة، ارتفع عدد ضحايا هجمات برامج الفدية المستهدفة بنسبة 70 في المائة خلال الفترة الزمنية ذاتها. وتولى باحثو «كاسبرسكي» مهمة مراقبة نحو 60 مجموعة من برامج الفدية المستهدفة في عام 2023، مقارنة بنحو 46 مجموعة خضعت للمراقبة في عام 2022، ليتمكنوا من اكتشاف حوادث تشير إلى وجود علاقات تعاون تجمع بين مجموعات برامج الفدية المستهدفة. وتبيّن أيضاً قيام المجموعات المعروفة في بعض الحالات بتداول نقاط الوصول في شبكات وأنظمة الشركات، عن طريق بيع نقاط الدخول الأولية إلى مجموعات برامج الفدية المتقدمة القادرة على شن هجمات أكثر تعقيداً. وبما أنه يتعين على المجرمين السيبرانيين عبور مراحل متعددة لشن هجوم مستهدف باستخدام برامج الفدية، فإن مثل هذه الحالات من التعاون تتيح لهم توفير الوقت، والانتقال مباشرة إلى رصد الشبكة واستطلاعها أو استهدافها بالإصابة.

 

خبراء «كاسبرسكي» يكتشفون ازدياد عدد مجموعات برامج الفدية المستهدفة وتعاظم تعقيدها (كاسبرسكي)

دور الذكاء الاصطناعي في الدفاع السيبراني

في حين أن الذكاء الاصطناعي قد يستخدم من قبل البعض لتغذية الجريمة السيبرانية، فإنه يعمل أيضاً على أنه أداة حيوية في مكافحة الأنشطة الضارة. يتم نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي الجيدة لاكتشاف ومنع استخدام برامج الفدية والبرامج الضارة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي. تقوم محركات الكشف المجهزة بقدرات الذكاء الاصطناعي بتحليل النصوص والصور والبيانات التعريفية لتحديد المحتوى الضار وتعيين درجات المخاطر. كما تعمل هذه التقنيات، التي ينشرها موردو خدمات الأمن مثل «كاسبرسكي»، على مستوى المؤسسة والمستخدم على حد سواء، مما يوفر الحماية ضد التهديدات المتطورة.

المسؤولية المشتركة في ضمان الأمن السيبراني

إن التصدي للتحديات التي تفرضها الجرائم الإلكترونية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي يتطلب جهداً جماعياً. ويجب على الأفراد توخي الحذر والوعي فيما يتعلق بالمحتوى الذي يشاركونه عبر الإنترنت، في حين تقوم الحكومات بسن القوانين واللوائح التي تحكم الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي. ويرى أمين حاسبيني في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من مدينة كوالالمبور أن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا أمر ضروري لخلق بيئة رقمية آمنة لجميع المستخدمين. ويتابع أن تطوير الذكاء الاصطناعي يتطلب ضمانات لمنع سوء الاستخدام وضمان تحقيق فوائده دون أي تنازلات.

 

حقائق

بعض نصائح «كاسبرسكي» لحماية الشركات من هجمات برامج الفدية المستهدفة

  • الحرص على تحديث جميع الأجهزة والأنظمة لمنع المهاجمين من استغلال نقاط الضعف.
  • إعداد نسخ احتياطية وعدم ربطها بشبكة الإنترنت حتى لا يتمكن المتسللون من إساءة استخدامها.
  • التأكد من إمكانية الوصول إلى النسخ بسرعة في حالات الطوارئ.
  • تثبيت حل للأمن السيبراني يعتمد على نهج أمني متعدد الطبقات لتوفير الحماية للأنظمة من برامج الفدية.

كيفية التخفيف من تأثير الهجمات السيبرانية

في حالة وقوع هجوم إلكتروني، يُعد اتخاذ إجراء سريع أمراً بالغ الأهمية للتخفيف من تأثيره ومنع المزيد من الضرر. وينصح حاسبيني باتخاذ بعض التدابير مثل تغيير كلمات المرور، وتمكين المصادقة الثنائية، والاتصال بوكالات إنفاذ القانون وهي خطوات حيوية في مكافحة التهديدات السيبرانية. ويُعد التعاون بين الأفراد المتضررين ومطوري التكنولوجيا وكيانات إنفاذ القانون أمراً ضرورياً لتعقب المهاجمين ومحاكمتهم ومنع وقوع حوادث مستقبلية.

 

مع استمرار الذكاء الاصطناعي في التغلغل في كل جانب من جوانب حياتنا، فمن الضروري أن ندرك إمكاناته للخير والضرر. ومن خلال تعزيز ثقافة الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا وتنفيذ تدابير قوية للأمن السيبراني، يمكننا الاستفادة من فوائد الذكاء الاصطناعي مع الحماية من إساءة استخدامه. يعد التعاون بين الأفراد والشركات والحكومات أمراً أساسياً للتعامل مع المشهد المعقد للتهديدات السيبرانية التي يقودها الذكاء الاصطناعي وضمان مستقبل رقمي آمن للجميع.


مقالات ذات صلة

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

خاص التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

تقول «غوغل كلاود» إن هدوء الهجمات لا يلغي الخطر، وإن المرونة السيبرانية تبدأ من الثغرات والاستعداد المبكر قبل التصعيد.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا التحديث الأمني العاجل يعالج ثغرة حرجة في برنامجي «Reader» و«Acrobat» على «ويندوز» و«ماك أو إس» (شاترستوك)

ثغرة خطيرة في «Reader» و«Acrobat » تدفع «أدوبي» إلى تحديث عاجل

أصدرت «أدوبي» تحديثاً عاجلاً لسد ثغرة خطيرة في «Reader» و«Acrobat» استُغلت فعلياً عبر ملفات «PDF» ما يتطلب التحديث فوراً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا قالت الشركة إن بيانات الدفع وحسابات المستخدمين نفسها لم تتعرض للاختراق لكنها لم تكشف عدد المتضررين (شاترستوك)

«Booking.com» تؤكد اختراق بعض بيانات حجوزات العملاء

أكدت «Booking.com» اختراق بعض بيانات الحجوزات، ما يثير مخاوف من استغلالها في التصيد، والاحتيال، رغم عدم تسرب بيانات الدفع.

نسيم رمضان (لندن)
خاص الاحتيال تحوّل من استهداف الأنظمة التقنية إلى التلاعب بالسلوك البشري ما يغيّر طبيعة التهديد بشكل جذري (رويترز)

خاص هل أنهى الذكاء الاصطناعي عصر أنظمة كشف الاحتيال الرقمية التقليدية؟

يُضعف تحول الاحتيال إلى استهداف السلوك البشري الأنظمة التقليدية، ويفرض اعتماد تحليلات سلوكية، ومقاربات جديدة لحماية الثقة الرقمية، والهوية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا حماية البيانات المالية لم تعد تعتمد على الحلول التقنية فقط بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل التنظيم والسلوك البشري (شاترستوك)

دراسة: حماية البيانات المالية تحتاج إلى أكثر من حلول تقنية

تشير الدراسة إلى أن حماية البيانات المالية تتطلب مزيجاً من التقنية والتنظيم وسلوك المستخدم مع تزايد التهديدات التي تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية.

نسيم رمضان (لندن)

«المراقبة الحسّية» تحوّل الحياة اليومية إلى مجموعة أدلة

«المراقبة الحسّية» تحوّل الحياة اليومية إلى مجموعة أدلة
TT

«المراقبة الحسّية» تحوّل الحياة اليومية إلى مجموعة أدلة

«المراقبة الحسّية» تحوّل الحياة اليومية إلى مجموعة أدلة

في كل مرة تفتح هاتفك الذكي أو تشغل سيارتك المتصلة بالإنترنت، فإنك تُنشئ سلسلة من الأدلة الرقمية، التي يمكن استخدامها لتتبع كل تحركاتك.

ويكشف أندرو غوثري فيرغسون أستاذ القانون في كتابه «بياناتك ستُستخدم ضدك: العمل الشرطي في عصر المراقبة الذاتية»، الصادر حديثاً عن دار نشر جامعة نيويورك، كيف تحوَّلت إنترنت الأشياء، بهدوء، إلى شبكة مراقبة واسعة، محولاً أجهزتنا الشخصية إلى أدوات استخبارات رقمية.

حوادث رصدتها أدوات الاستشعار

يتناول المقتطف الآتي من الكتاب مفهوم «المراقبة الحسية» (مراقبة أدوات الاستشعار)، مفصلاً الآليات المحددة - مثل «مخزن غوغل للاستشعار» (Google’s sensorveillance)، ومذكرات التفتيش ضمن نطاق جغرافي محدَّد، وقياس بيانات المركبات عن بُعد - التي تُمكِّن أجهزة إنفاذ القانون من إعادة توظيف التكنولوجيا الاستهلاكية، لتصبح أدوات فاعلة للتحقيق والسيطرة.

* حادثة سطو على بنك. «دخل رجلٌ إلى بنك في ميدلوثيان، بولاية فرجينيا، وكان يرتدي قبعةً سوداءَ ونظارةٍ شمسيةٍ داكنة. سلَّم ورقةً للصراف، ثمّ أشهر مسدساً، وغادر حاملاً معه 195 ألف دولار أميركي. لم يكن لدى الشرطة أيّ خيوطٍ تقودهم إلى الجاني، لكنّهم كانوا يعلمون أنّ اللص كان يحمل هاتفاً ذكياً عند دخوله البنك. وبافتراض أنّ الهاتف، مثل معظم الهواتف الذكية، كان يحتوي على خدمة من خدمات «غوغل»، أمرت الشرطة شركة «غوغل» بتسليم معلوماتٍ عن جميع الهواتف الموجودة بالقرب من البنك، في أثناء عملية السطو. واستجابةً لسلسلةٍ من أوامر التفتيش، قدّمت «غوغل» معلوماتٍ عن 19 هاتفاً كانت مُفعّلةً بالقرب من البنك وقت السرقة. وبالفعل، قاد التحقيق الشرطة إلى أوكيل شاتري، الذي وُجّهت إليه التهمة في نهاية المطاف.

> حادثة اصطدام سيارات. واجهت كاثي بيرنشتاين صعوبةً في تفسير سبب إبلاغ سيارتها عن حادثٍ للشرطة. كانت بيرنشتاين تقود سيارة فورد مُجهّزةً بنظام 911 Assist، الذي جرى تفعيله تلقائياً عندما اصطدمت بسيارةٍ أخرى. وبدلاً من البقاء لتبادل معلومات التأمين، انطلقت بيرنشتاين مسرعةً. غير أن سيارتها الذكية رصدت الاصطدام، واتصلت بمركز الشرطة. وسرعان ما أُلقي القبض عليها وحُررت لها مخالفة مغادرة مكان حادث. وجرى تقديم سيارتها دليلاً على إدانتها.

«إنترنت الأشياء»

فيما مضى، كانت أغراضنا مجرد أشياء. كانت الدراجة وسيلة للتنقل، تنقلك من مكان إلى آخر، لكنها لم تكن «تعرف» عن رحلاتك أكثر مما يعرفه أي جماد آخر. في الواقع، كانت بسيطة بطريقة مريحة، وكنا نستخدمها كما هو مُصمم لها. في المقابل، نجد اليوم أنه يمكن لأحدث الدراجات تتبع مسارك، وحساب متوسط سرعتك على طول الطريق. على سبيل المثال، بمجرد أن تستقل دراجة كهربائية من خدمة مشاركة الدراجات التجارية، ستتولى جمع بيانات رحلتك، بالإضافة إلى رحلات جميع من استخدموها في ذلك الشهر.

في مجملها، تنتمي هذه الأجهزة «الذكية» إلى ما أطلق عليه خبير التكنولوجيا كيفن أشتون اسم «إنترنت الأشياء». واقترح أشتون إضافة علامات تعريف الترددات الراديوية (RFID) وأجهزة استشعار إلى الأجهزة المستخدمة في الحياة اليومية، ما يتيح لها جمع بيانات يمكن إدخالها في أنظمة شبكية دون تدخل بشري. مثلاً، يمكن لجهاز استشعار في نهر مراقبة نظافة المياه، ويمكن لعلامة على زجاجة شامبو تتبع مسارها عبر سلسلة التوريد. وعبر إضافة عدد كافٍ من أجهزة الاستشعار إلى عدد كافٍ من الأشياء، يمكن صياغة نموذج صحة نظام بيئي كامل، أو معرفة ما إذا كنت ترسل كمية كبيرة للغاية من مخزونك إلى ماساتشوستس وكمية ضئيلة للغاية إلى تكساس.

من جهته، وضع أشتون نظريته الأولى عن إنترنت الأشياء أواخر التسعينيات. واليوم، يتجاوز إنترنت الأشياء رؤيته الأولية بكثير، ليشمل ليس فقط علامات تعريف الترددات الراديوية، بل كذلك أجهزة استشعار مزودة باتصالات «واي ـ فاي» و«بلوتوث» وشبكات خلوية ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS). وتسجِّل هذه المستشعرات الصغيرة منخفضة التكلفة، بيانات حول الحركة والحرارة والضغط والموقع، ويمكنها إجراء اتصال ثنائي الاتجاه.

وبالطبع، يعتبر هذا النظام، بالضرورة، نظام مراقبة. اليوم، أصبحت «المراقبة الاستشعارية» - مصطلح ابتكرته لتسليط الضوء على التداخل بين أجهزة الاستشعار والمراقبة - تُعتبر الوضع الافتراضي في جميع أنحاء العالم المتقدم.

شبكات مراقبة الهواتف المحمولة

دعونا نبدأ بالهواتف؛ ربما لا تستغرب أن شركة الاتصالات الخاصة بك تتعقب موقعك؛ فهذه آلية عمل الهواتف المحمولة. تستخدم كل من الهواتف الذكية والهواتف المحمولة التقليدية أبراج الاتصالات المحلية، المملوكة لشركات الاتصالات، لربطك بأصدقائك وعائلتك، مما يعني أن هذه الشركات تعرف الأبراج الموجودة بالقرب منها في جميع الأوقات.

إذا كنت تحمل هاتفك معك طوال الوقت، فإن موقعه - المسجل كمعلومات موقع خلية الاتصال (CSLI) - يكشف عن هويتك.

في الواقع، فإن إشارات الهاتف المحمول ليست سوى غيض من فيض البيانات. فإذا كنت تملك هاتفاً ذكياً، فأنت على الأرجح تستخدم منتجاً من منتجات «غوغل». والمعروف أن «غوغل» تجني أرباحها من الإعلانات، وكلما زادت معرفة «غوغل» بالمستخدمين، تمكنت من توجيه الإعلانات إليهم بشكل أفضل. وتتوفر خدمات تحديد المواقع من «غوغل» على جميع هواتف «أندرويد»، التي تستخدم نظام تشغيل الشركة، كما تتوفر كذلك على تطبيقات «غوغل»، بما في ذلك «خرائط غوغل» و«جيميل».

لسنوات، كانت جميع معلومات الموقع تُخزَّن فيما أطلقت عليه الشركة اسم «مخزن المستشعرات». وكما يوحي الاسم، جمع «مخزن المستشعرات» بيانات من نظام تحديد المواقع العالمي و«البلوتوث» وأبراج الاتصالات وعناوين «آي بي» الإنترنتية وإشارات «واي فاي»، لإنشاء نظام تتبع قوي قادر على تحديد موقع الهاتف بدقة شديدة. وكما هو متوقع، اعتبرته الشرطة بمثابة معجزة في مجال الأدلة الرقمية. مثلاً، عام 2020، تلقت «غوغل» أكثر من 11500 طلب إذن من جهات إنفاذ القانون، للحصول على معلومات من «مخزن المستشعرات».

اللافت أن «المراقبة عبر المستشعرات» - مصطلح ابتكرته لتسليط الضوء على التداخل بين المستشعرات والمراقبة - أصبح تدريجياً السائد في جميع أنحاء العالم المتقدم.

عام 2024، أعلنت «غوغل» أنها لن تحتفظ، بعد الآن، بكل هذه البيانات في السحابة. وبدلاً من ذلك، سيجري تخزين معلومات الموقع الجغرافي على الأجهزة الفردية، ما يتطلب من الشرطة الحصول على إذن قضائي لجهاز محدد. وجاء زوال نظام «مخزن المستشعرات» نتيجةً لتغيير في سياسة الشركة، وهو تغيير قابل للتراجع. غير أنه في الوقت الراهن، على الأقل، خلقت «غوغل» صعوبة أكبر بكثير أمام الشرطة، فيما يخص الوصول إلى بياناته.

بيانات السيارات

وفي الوقت الذي كان «مخزن المستشعرات» المصدر الأكبر لأدلة تحديد الموقع الجغرافي، فإنه ليس المصدر الوحيد؛ فحتى التطبيقات التي لا علاقة لها بالخرائط أو الملاحة قد تجمع بيانات موقعك. مثلاً، في إحدى القضايا بولاية بنسلفانيا، اكتشف المدعون أن لصاً استخدم تطبيق مصباح يدوي على هاتفه الآيفون لتفتيش منزل، واستخدموا بيانات التطبيق لإثبات وجوده في المنزل وقت الاقتحام. وعليه، فإنه ربما يجري تسويق هذه التطبيقات باعتبارها «مجانية»، لكنها تنطوي على تكلفة خفية.

وتجمع السيارات، بشكل متزايد، معلوماتٍ تُقارب حجم المعلومات التي تجمعها الهواتف؛ إذ تستطيع أجهزة استخراج البيانات المحمولة جمع أدلة رقمية حول سرعة السيارة، ووقت انفتاح الوسائد الهوائية، ووقت استخدام المكابح، وموقعها وقت وقوع كل ذلك. إذا وصلت هاتفك لتشغيل «سبوتيفاي» أو قراءة رسائلك النصية، يُمكن تنزيل سجلات مكالماتك، وقوائم جهات اتصالك، وحساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي، ومحتوى الترفيه المُختار مباشرةً من سيارتك. ونظراً لتورط السيارات في الكثير من الجرائم (سواءً كأداة للجريمة أو كوسيلة نقل)، أصبحت عمليات البحث عن هذه البيانات أكثر شيوعاً.

وحتى دون استخراج المعلومات فعلياً من السيارة، فلدى الشرطة سبل أخرى للحصول على البيانات؛ فنظام القياس عن بُعد المُدمج في السيارة يُشارك المعلومات مع جهات خارجية. وبالإضافة إلى المعلومات الشخصية المعتادة التي تُقدمها عند شراء سيارة (الاسم، العنوان، رقم الهاتف، البريد الإلكتروني، رقم الضمان الاجتماعي، رقم رخصة القيادة)، عند امتلاكك سيارة من علامة «ستيلانتيس»، تتولى الشركة جمع معلومات حول عدد مرات استخدامك للسيارة، وسرعتك، وحالات التسارع أو الكبح.

من جهتها، تؤكد شركة «نيسان» للسيارات حقها في جمع معلومات حول «النشاط الجنسي، وبيانات التشخيص الصحي، والبيانات الجينية»، بالإضافة إلى «التفضيلات، والخصائص، والاتجاهات النفسية، والاستعدادات، والسلوك، والمواقف، والذكاء، والقدرات، والكفاءات». وتحتفظ سياسة خصوصية «نيسان»، تحديداً، بحقها في تقديم هذه المعلومات إلى كلٍ من وسطاء البيانات، وجهات إنفاذ القانون.

حماية الخصوصية

بمرور الوقت، تحوَّلت المخاوف حيال كمية المعلومات الشخصية، التي قد تُكشف من خلال المراقبة طويلة الأمد عبر نظام تحديد المواقع العالمي، إلى واقع ملموس. اليوم، لم تعد الشرطة بحاجة إلى زرع جهاز لتتبع تحركاتك، بل يمكنها الاعتماد على سيارتك أو هاتفك لإنجاز ذلك.

إذا كنا لا نرغب في أن يجري تتبعنا، فيمكننا دوماً العودة إلى استخدام الخرائط الورقية وتدوين الاتجاهات يدوياً. وإذا كان قليل منا على استعداد بالفعل لفعل ذلك، فاللوم يقع علينا. غير أن الأمر ليس بهذه السهولة. وتبقى هناك خطوات تكنولوجية يمكننا اتخاذها لحماية الخصوصية؛ إذ يمكن للشركات تخزين البيانات، التي تولدها المستشعرات داخل الأجهزة نفسها، بدلاً من تخزينها في موقع مركزي، مثل «مخزن المستشعرات». وبالمثل، تبقى المعلومات التي تتيح لك فتح قفل هاتف «آبل آيفون» الخاص بك عبر خاصية التعرف على الوجه مخزنة داخل الهاتف. هذه حلول تكنولوجية إيجابية، لكن حتى البيانات المخزنة محلياً تصبح متاحة للشرطة بموجب مذكرة قضائية.

في الواقع، هذه باختصار معضلة العصر الرقمي. لا يمكننا - أو لا نرغب - في تجنب إنشاء البيانات، لكن هذه البيانات، بمجرد إنشائها، تصبح متاحة لأغراض قانونية... وموجز القول إن هذه السلطة الهائلة يمكن إساءة استخدامها، بل وسيُساء استخدامها حتماً.


الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود»: مراكز بياناتنا «مقاوِمَة للأزمات» ولا ترتبط بحدود

توماس كوريان الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود» متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
توماس كوريان الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود» متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
TT

الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود»: مراكز بياناتنا «مقاوِمَة للأزمات» ولا ترتبط بحدود

توماس كوريان الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود» متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
توماس كوريان الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود» متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

في «غوغل كلاود نيكست» في لاس فيغاس، تجاوز رد توماس كوريان، الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود»، على سؤال لـ«الشرق الأوسط» بشأن الهجمات على مراكز بيانات الحوسبة السحابية فائقة النطاق في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة، مسألة الحماية المادية سريعاً. فالقضية، كما ألمح، لم تعد تقتصر على كيفية الدفاع عن البنية التحتية، بل أصبحت تتعلَّق بكيفية ضمان ألا يبقى العملاء عالقين في موقع واحد عندما يقع الاضطراب. وقال الرئيس التنفيذي لـ«غوغل كلاود»: «لقد تعاملنا مع عدد من حالات الصراع العالمية على مدى سنوات طويلة جداً»، مضيفاً أن «غوغل كلاود» لا تملك فقط وسائل حماية مادية، بل تمتلك أيضاً القدرة على ربط مراكز بياناتها عالمياً عبر «شبكتنا الخاصة، التي تتمتع بدرجة عالية جداً من التكرار».

وسرعان ما انتقل رد كوريان من الأمن على مستوى المنشأة إلى فكرة أوسع تتعلق بالاستمرارية الرقمية قائلاً: «لدينا القدرة على نقل عبء العمل من ذلك الموقع وإعادة نسخه عالمياً»، لأن مواقع «غوغل كلاود» مواقع «موحدة ومتناسقة باستمرار». وبالنسبة إلى العملاء، فإن الفائدة هي أنهم «غير مرتبطين بموقع مادي واحد». وقد نقل هذا الجواب النقاش من مستوى إطلاق المنتجات إلى سؤال أكثر استراتيجية: هل أصبحت معمارية السحابة نفسها جزءاً من تخطيط استمرارية الأعمال؟

من التجربة للتشغيل

يُقدِّم هذا الطرح أيضاً واحدة من أوضح الطرق لفهم رسالة «غوغل كلاود» الأوسع في «نيكست 2026». فعلى امتداد الحدث الذي حضره أكثر من 30 ألف مشارك، سعت الشركة إلى التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي المؤسسي ينتقل من مرحلة التجربة إلى ما تسميه «المؤسسة الوكيلة». وذكرت «غوغل كلاود» أن نحو 75 في المائة من عملائها يستخدمون بالفعل منتجاتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بينما عالج 330 عميلاً أكثر من تريليون رمز خلال الأشهر الـ12 الماضية، وتجاوز 35 عميلاً حاجز 10 تريليونات رمز. كما أشارت إلى أن نماذجها الطرفية الأولى تعالج الآن أكثر من 16 مليار رمز في الدقيقة، ارتفاعاً من 10 مليارات في الربع السابق. وكان الهدف من هذه الأرقام هو الإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد تجربة جانبية، بل طبقة تشغيلية تريد الشركات استخدامَها عبر أعمالها.

المنافسة المقبلة لن تُحسم بالنماذج وحدها بل بقدرة الشركات على تحسين المنظومة الكاملة من الرقاقات إلى البنية التحتية والأدوات (غوغل)

التكامل والانفتاح معاً

الأكثر دلالة في جلسة الأسئلة والأجوبة الخاصة مع كوريان كان ما كشفه عن المكان الذي تنتقل إليه المنافسة. لقد أفاد بأن «غوغل كلاود» هي «شركة الحوسبة السحابية فائقة النطاق الوحيدة التي تمتلك رقاقاتها الخاصة ونماذجها الحدودية الخاصة»، بما يتيح لها «تحسين المنظومة بأكملها، من الحوسبة إلى مدى كفاءة تشغيل الوكلاء». وكانت هذه محاولة واضحة لوضع ميزة «غوغل كلاود» في الطبقات الأعمق من التطبيق، في الجمع بين الرقاقات والنماذج والبنية التحتية والأدوات. وبعبارة أخرى، تقول الشركة إن المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي لن تتحدد فقط بمن يملك نموذجاً قوياً، بل بمن يستطيع تصميم النظام الأوسع المحيط به بأكبر قدر من الفاعلية.

لكن كوريان قرن هذا الطرح بحجة أخرى لا تقل أهمية لعملاء المؤسسات وهي الانفتاح، مصرحاً بأنه «لا يتوقع أن تستخدم شركة ما كل شيء من (غوغل كلاود)، لقد أبقينا المعمارية مفتوحة». وأضاف أن شركته تدعم نماذج متعددة، وتدعم رقاقاتها الخاصة، لكنها أيضاً «شريك قريب جداً لـ(إنفيديا)»، كما تدعم منصات بيانات مختلفة، وتعمل مع أطراف ثالثة في الطبقة الأمنية. وتكتسب هذه النقطة أهميتها لأن المؤسسات تريد كفاءة التكامل الأعمق من دون أن تُحبس داخل بيئة مغلقة. وتحاول «غوغل كلاود» هنا الإشارة إلى أنها قادرة على تقديم منظومة متكاملة رأسياً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على القدرة على العمل داخل بيئات تقنية مؤسسية متنوعة.

السيادة في الواجهة

برزت السيادة أيضاً بوصفها عنصراً مهماً في اللقاء. فعندما سُئل كوريان عمّا إذا كان العملاء الأوروبيون سيحصلون على المنتج كاملاً، قال إن «المنتج العام متاح اليوم في أوروبا بما يتوافق مع لوائح السيادة الأوروبية»، وإنه مستضاف للعملاء الأوروبيين عبر عدة مواقع، بينها ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وفنلندا والمملكة المتحدة. ورغم أن الجواب كان خاصاً بأوروبا، فإن دلالته الأوسع تتجاوز القارة حيث إن عملاء المؤسسات ومن بينها المملكة العربية السعودية يريدون بشكل متزايد خدمات ذكاء اصطناعي متقدمة من دون التخلي عن السيطرة على مكان استضافة بياناتهم ومعالجتها، وهي ليست مسألة جانبية، بل جزء من معمارية الثقة نفسها.

تحاول الشركة الجمع بين التكامل الرأسي والانفتاح المعماري عبر دعم نماذج متعددة ورقائق مختلفة وأدوات أمن من أطراف أخرى (غوغل)

الموصِّلات تصنع الفارق

تناول كوريان في الجلسة نقطة عملية أخرى تمس مباشرة أحد الاختناقات الحقيقية في الذكاء الاصطناعي المؤسسي. فعندما سُئل عمّن سيبني الروابط بين «جيميناي إنتربرايز» والتطبيقات الكثيرة التي تستخدمها المؤسسات بالفعل، قال إن «غوغل كلاود» تبنيها بنفسها. وأردف: «لدينا أكثر من 100 موصّل متاح بالفعل» تغطي مستودعات الوثائق، وتطبيقات البرمجيات كخدمة، وقواعد البيانات. وتابع أيضاً أن «غوغل كلاود» توفر إطاراً لبناء الموصلات، وتدعم معايير مثل «Bring Your Own MCP» للأنظمة المصممة خصيصاً. وتكمن أهمية هذا الجواب في أنه يصل إلى جوهر سبب تعثر كثير من مشروعات الذكاء الاصطناعي المؤسسي حيث يكون النموذج مبهراً في عزلة، لكنه لا يصبح مفيداً حقاً إلا عندما يستطيع الاتصال بالأماكن التي يجري فيها العمل فعلاً كالوثائق وتطبيقات الأعمال والسجلات وقواعد البيانات.

الذكاء الاصطناعي والدفاع

لم يكن الجزء المتعلق بالأمن السيبراني في الجلسة بدرجة أقل من الأهمية. صرح كوريان بأن «غوغل كلاود» أدركت منذ فترة أنه كلما أصبحت النماذج أفضل في فهم البرمجيات، فإن الجهات الخبيثة ستستخدمها لتحليل الشيفرة، واكتشاف الثغرات، ومهاجمة الأنظمة. وبرأيه، فإن الردَّ يجب أن يكون مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي أيضاً. وشرح طبقة أولى تركز على تحليل الشيفرة الخاصة بالشركة نفسها وإصلاحها، مشيراً إلى نموذج جديد باسم «Code Defender» يساعد على إصلاح الشيفرة. وتركز طبقة ثانية على التهديدات الخارجية، بما في ذلك صيد التهديدات واستخبارات التهديدات. وأشار إلى «استخبارات الويب المظلم» التي أُعلن عنها في المؤتمر، قائلاً إنها «دقيقة بنسبة 90 في المائة» في ترتيب التهديدات التي ينبغي على العملاء الدفاع ضدها. كما ربط هذا المنطق باستحواذ «غوغل كلاود» على «ويز»، وشرح دور «وكيل أحمر» يهاجم الأنظمة لاكتشاف نقاط الضعف، و«فريق أزرق» يحدد الإصلاح المطلوب، وطبقة «خضراء» تقوم بإصلاح المشكلة.

إنتاجية تقاس بالجودة

خلال اللقاء، قدَّم كوريان أيضاً صورة أكثر واقعية لكيفية استخدام «غوغل كلاود» نفسها للذكاء الاصطناعي داخلياً. فعندما سُئل عن إنتاجية المهندسين، أجاب أن القضية لا تتعلق فقط بحجم الشيفرة التي يمكن للذكاء الاصطناعي توليدها، بل بـ«جودة الشيفرة». ونوه بأن «غوغل كلاود» تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات الترحيل وفحص الثغرات وتوليد الاختبارات ومراجعة الأقران، حيث أصبحت النماذج تراجع الشيفرة إلى جانب المراجعين البشريين قبل اعتمادها. وقال: «مقياسنا طويل الأمد للإنتاجية لا يتعلق فقط بحجم الأشياء، بل بجودتها». وهذه النقطة مهمة لأنها تنقل النقاش حول إنتاجية الذكاء الاصطناعي بعيداً عن الأرقام اللافتة، إلى معيار مؤسسي أكثر واقعية: أنظمة أفضل اختباراً، وأفضل مراجعة، وأكثر أماناً.

أوضحت تصريحات كوريان أن «غوغل كلاود» تريد نقل النقاش حول الذكاء الاصطناعي إلى ما هو أبعد من حداثة المنتجات. فالشركة تحاول القول إن المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي المؤسسي ستعتمد على مجموعة أكثر صعوبة من الأسس. إنها بنية تحتية مرنة وقابلية نقل عبر المواقع وانفتاح عبر مكونات المنظومة، ونشر متوافق إقليمياً، واتصال مباشر بأنظمة المؤسسة، ودفاع سيبراني مؤتمت. وإذا كان الفصل الأول من طفرة الذكاء الاصطناعي قد دار حول إظهار قدرات النماذج، فإن رسالة كوريان في لاس فيغاس كانت أن الفصل التالي سيتحدد بقدرة هذه الأنظمة على الاستمرار في العمل بأمان ومرونة وعلى نطاق واسع عندما تصبح جزءاً من العمليات الواقعية اليومية.


«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.