وكيل الذكاء الاصطناعي الخصوصي: هل نحن جاهزون له؟

يتمتع بقدرات مبهرة ومفيدة جداً... قد تكون خطرة

صورة توضيحية لروبوتات الذكاء الإصطناعي و«تشات جي بي تي»
صورة توضيحية لروبوتات الذكاء الإصطناعي و«تشات جي بي تي»
TT

وكيل الذكاء الاصطناعي الخصوصي: هل نحن جاهزون له؟

صورة توضيحية لروبوتات الذكاء الإصطناعي و«تشات جي بي تي»
صورة توضيحية لروبوتات الذكاء الإصطناعي و«تشات جي بي تي»

عند النظر إلى تاريخ روبوتات المحادثة الحديثة، نلاحظ أنّه ينقسم إلى مرحلتين. بدأت الأولى العام الماضي مع إطلاق «تشات جي بي تي»، ولا تزال مستمرّة حتّى يومنا هذا، وترتكز بشكلٍ أساسي على روبوتات محادثة قادرة على الحديث عن كلّ شيء.

هذه القدرة مبهرة ومفيدة جداً ولكنّها في الواقع ليست إلّا مقدّمة للمرحلة التالية: الذكاء الاصطناعي القادر حقاً على القيام بأشياء مطلوبة منه.

مهمات وكلاء الذكاء الاصطناعي

تزعم شركات التقنية أنّ ما يُسمّى «وكلاء» الذكاء الاصطناعي «AI agents» سيكونون قريباً قادرين على إرسال الرسائل الإلكترونية، وجدولة المواعيد، وتثبيت حجوزات المطاعم وبطاقات الطائرة، والقيام بمهام معقّدة كـ«التفاوض على علاوة مالية مع ربّ العمل» أو «شراء هدايا عيد الميلاد لجميع أفراد العائلة».

بدت هذه المرحلة، التي لا تزال بعيدة، أقرب قليلاً منّا في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي عندما أعلنت «أوبن إي آي.»، الشركة المطوّرة لروبوت «تشات جي بي تي»، أنّ المستخدمين يستطيعون اليوم ابتكار روبوتات المحادثة الخاصّة بهم.

أدوات شخصية مبرمجة

بعد لمحة مبكرة على هذه الروبوتات، التي أسمتها الشركة GPTs، التي ستصبح متوفرة لزبائنها ومشتركي خدمة «تشات جي بي تي بلاس»، وجدنا أنّها تختلف عن «تشات جي بي تي» التقليدي بأمور قليلة ولكن مهمّة.

أولاً - برمجة لمهمات محددة

برمجت الروبوتات الشخصية الجديدة للقيام بمهام محدّدة - مثلاً، تشمل ابتكارات «أوبن إي آي» روبوت «مدرّب الكتابة الإبداعية» «Creative Writing Coach» وروبوت «خالط الموكتيل» «Mocktail Mixologist» الذي يقترح على مستخدمه مشروبات غير كحولية.

ثانياً - سحب ودمج البيانات

تستطيع هذه الروبوتات سحب ما تريد من البيانات الخاصّة كمستندات الموارد البشرية في أيّ شركة، أو قاعدة بيانات للوائح العقارية، وأن تدمج هذه البيانات في استجاباتها. ثالثاً، إذا سمحتم لها، تستطيع هذه الروبوتات الاتصال بأجزاء أخرى من حياتكم الإلكترونية كالرزنامة، ولائحة المهام، وحساب «سلاك»، ومن ثمّ التحرّك باستخدام بياناتكم الثبوتية.

صورة توضيحية لروبوتات الذكاء الإصطناعي و«تشات جي بي تي»

* عناصر خبيثة قد تبتكر عمداً ذكاءً اصطناعياً فاسداً لخدمة أهداف خطرة *

مزايا عظيمة ومخاوف من الكوارث

هل يبدو لكم الأمر مخيفاً؟ لأنّه كذلك فعلاً. فإذا سألتم بعض باحثي سلامة الذكاء الاصطناعي، سيقولون لكم إنّهم يخشون منح روبوتات المحادثة المزيد من الاستقلالية؛ لأنّ خطوة كهذه قد تؤدّي إلى كارثة. وكانت منظّمة «مركز سلامة الذكاء الاصطناعي» البحثية غير الربحية، قد وضعت هذا العام الوكلاء المستقلّين على لائحة «مخاطر الذكاء الاصطناعي» الكارثية؛ عازيةً الأمر إلى «العناصر الخبيثة التي قد تبتكر عمداً ذكاءً اصطناعياً فاسداً لخدمة أهداف خطرة».

ولكنّ المساعدين المدعومين بالذكاء الاصطناعي قادرون فعلاً على أداء مهام مفيدة للنّاس، حتّى أنّ الزبائن التجاريين (الشركات) يتوقون لتدريب روبوتات المحادثة باستخدام بياناتهم الخاصّة. وهناك من يحاجج أيضاً بأنّ الذكاء الاصطناعي لن يصبح مفيداً حقاً قبل أن يستطيع فعلاً فهم مستخدميه – أساليبهم في التواصل، وما يحبّون وما لا يحبّون، وما يبحثون عنه ويشترونه عبر الإنترنت.

إذن، ها نحن اليوم، نسارع إلى عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلّين - ولا عزاء للمعترضين!

عروض لأعمال آمنة

لنكن منصفين، لا بدّ من الاعتراف بأنّ روبوتات «أوبن إي آي» ليست خطرة. فقد شاهدتُ عرضاً لأكثر من نموذج GPT خلال مؤتمر المطوّرين الذي أقامته الشركة أخيراً في سان فرنسيسكو، ظهرت خلاله وهي تؤدّي مهام غير مؤذية كتلوين رسومات الأطفال وشرح قواعد لعب الورق.

لا تستطيع هذه الروبوتات الشخصية القيام بالكثير بعد، حيث إنّ أداءها لا يتعدّى البحث في المستندات والاتصال مع التطبيقات الشائعة. شاهدتُ في واحدٍ من العروض أحد موظّفي «أوبن إي آي» يطلب من روبوت GPT البحث عن اجتماعات متضاربة المواعيد في رزنامته في «غوغل» وإرسال رسالة عبر تطبيق «سلاك» لربّ عمله. وشاهدتُ عرضاً آخر على المسرح، عمد فيه سام ألتمان، الرئيس التنفيذي (السابق) لـ«أوبن إي آي» إلى ابتكار روبوت محادثة أسماه «مرشد الشركة الناشئة»، ومهمّته تقديم النصائح للمؤسسين الطامحين باستخدام ملف خطاب كان قد ألقاه العام الماضي.

قد تبدو هذه المهام كحيَل لجذب الاهتمام، إلّا أنّ فكرة تخصيص روبوتات المحادثة والسماح لها بالتحرّك نيابة عنّا تمثّل خطوة مهمّة في ما يسمّيه ألتمان استراتيجية «أوبن إي آي» «للتوظيف التدريجي المكرّر»، أي إدخال تحسينات طفيفة على الذكاء الاصطناعي بمسار سريع بدل إحداث قفزات كبيرة بفوارق زمنية طويلة.

اختبارات مساعد ذكي شخصي

بعدما منحتني «أوبن إي آي» وصولاً مبكراً لمبتكر روبوت GPT الشخصي، أمضيت أيّاماً عدّة ألهو به.

كان «مساعد في الحضانة» «Day Care Helper» أوّل روبوت محادثة مخصّص ابتكرته لنا شخصياً، وهو عبارة عن أداة للإجابة عن أسئلة بخصوص حضانة ابني. فكأبٍ يعاني قلّة النوم ويجد صعوبة في تصفّح دليل الأهل في كلّ مرّة، دائماً ما أنسى بعض التفاصيل، كما إذا كان يمكننا إرسال وجبة خفيفة مع الفول السوداني (وهو أحد مسببات الحساسية لدى بعض الأطفال) أم لا، وما إذا كانت الحضانة مقفلة أو مفتوحة في بعض الأعياد.

لهذا السببّ؛ حمّلت دليل الأهل على أداة ابتكار الروبوت GPT، وفي غضون ثوانٍ، أصبح لديّ روبوت محادثة يمكنني استخدامه بسهولة للبحث عن إجابات على أسئلتي. كان أداؤه مبهراً لا سيّما بعد تغيير التعليمات لإفهامه أنّه من المفترض أن يعطي إجابات مستخدِماً المعلومات المتوفر في الدليل، لا أن يبتكر إجابات لأسئلة لم يعالجها الدليل.

أسميتُ الروبوت الثاني «نصيحة الجدّ رووز المالية» الذي اعتمد على مستند آخر: كتيّب من 23 صفحة يضمّ نصائح كتبها جدّي، الخبير الاقتصادي الشغوف في دراسة الأسهم وصاحب الخبرة الطويلة في التخطيط المالي. أستخدم هذا الكتيّب عند الحاجة، ولكنّني تساءلتُ ما إذا كان سيلهمني أكثر إذا ما وضعته في روبوت محادثة.

حمّلتُ نصّ الكتيّب، وفي أقلّ من خمس دقائق، أصبح لديّ روبوت محادثة يردّد لي نصيحة جدّي المالية ويجيب على أسئلتي. (ولو أنّه في بعض الأماكن انزلق من كلام جدّي وعاد إلى أسلوب «تشات جي بي تي» في الحديث عن الأمور المالية).

لم يكن أداء أيّ من روبوتات المحادثة خاصتي مثالياً وعجزت جميعها عن أداء الكثير من المهام. ولكن إذا دقّقنا في الفكرة وطريقة عمل هذه الأدوات، سيتبيّن لنا نوع الأعمال التي قد يقوم بها وكيل الذكاء الاصطناعي إذا ما أصبح متقناً.

عواقب الذكاء الاصطناعي

في المقابل، ينطوي تعزيز استقلالية وكلاء الذكاء الاصطناعي، ومنحهم الوصول إلى بياناتنا الشخصية، ووضعهم في قلب كلّ تطبيق نستخدمه، على تبعات وعواقب مقلقة جداً. وإذا صحّت التوقعات، سيتمكّن الذكاء الاصطناعي قريباً جداً من معرفتنا بعمق أكثر، وفي بعض الحالات، سيعرفنا أكثر ممّا نعرف أنفسنا وسيكون قادراً على القيام بأفعال معقّدة مع أو من دون إشرافنا.

وإذا صحّت مزاعم «أوبن إي آي»، قد نكون على مشارف الانتقال إلى عالمٍ يكون فيه الذكاء الاصطناعي شريكاً أقلّ إبداعاً، بل يصبح توسعاً سيليكونياً لنا نحن البشر، يأتي على شكل أدمغة صناعية قادرة على التنقّل حول العالم لجمع المعلومات والتصرّف نيابة عنّا. إذا كنتم غير جاهزين تماماً لهذا العالم بعد، ننصحكم بأن تبدؤوا بتهيئة أنفسكم له.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

رئيس «إريكسون» السعودية لـ«الشرق الأوسط»: شبكات الحج مختبر لتقنيات تمتد إلى «إكسبو» والمونديال

خاص «إريكسون»: أكثر من نصف مستخدمي الاتصالات في السعودية مستعدون لدفع المزيد مقابل سرعة أو زمن استجابة أو سعة مضمونة عند الحاجة ( أدوبي)

رئيس «إريكسون» السعودية لـ«الشرق الأوسط»: شبكات الحج مختبر لتقنيات تمتد إلى «إكسبو» والمونديال

تبحث «إريكسون» في السعودية توسيع قيمة شبكات الجيل الخامس عبر الأتمتة والذكاء الاصطناعي والاتصال المضمون والاستعداد التدريجي للجيل السادس.

نسيم رمضان (الرياض)
أميركا اللاتينية المرشح الرئاسي البرازيلي فلافيو بولسونارو، من الحزب الليبرالي، خلال حملته الانتخابية في إستيو - البرازيل 2 سبتمبر 2026 (رويترز)

محكمة برازيلية تضع معايير للتزييف بالذكاء الاصطناعي بقضية مرتبطة ببولسونارو

وضعت المحكمة العليا للانتخابات في البرازيل معايير جديدة لما تعتبره تزييفاً عميقا مولداً بالذكاء الاصطناعي في الإعلانات السياسية.

«الشرق الأوسط» (ساو باولو)
خاص تنتقل المؤسسات السعودية بالذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب وإثبات المفهوم إلى مرحلة التشغيل وإثبات القيمة الاقتصادية الفعلية

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تنتقل بالذكاء الاصطناعي من التجربة إلى إثبات القيمة

تنتقل السعودية بالذكاء الاصطناعي من التجارب إلى التشغيل وإثبات القيمة مع تركيز شركة «سيسكو» على الشبكات الآمنة والسيادة وتطوير المهارات.

نسيم رمضان (الرياض)
الاقتصاد زوار في جناح الحكومة الرقمية خلال «ليب 2026» (الحكومة الرقمية)

«السعودية الرقمية» في «ليب 2026»... منظومة ترسم مستقبل الخدمات الحكومية

تستعرض «السعودية الرقمية» في «ليب 2026» توسع الخدمات الحكومية، والذكاء الاصطناعي، وربط 62 جهة، وتطور تجربة المستفيد في المملكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مساعد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات د.سلطان بن سعيد خلال كلمته الافتتاحية (الشرق الأوسط)

293 مليون دولار استثمارات جديدة في الشركات الناشئة السعودية خلال «ليب 2026»

د اليوم الثالث من مؤتمر «ليب 2026» الإعلان عن جولات واستثمارات في رأس المال الجريء تجاوزت 293 مليون دولار، في عدد من الشركات الناشئة في السعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

رئيس «إريكسون» السعودية لـ«الشرق الأوسط»: شبكات الحج مختبر لتقنيات تمتد إلى «إكسبو» والمونديال

«إريكسون»: أكثر من نصف مستخدمي الاتصالات في السعودية مستعدون لدفع المزيد مقابل سرعة أو زمن استجابة أو سعة مضمونة عند الحاجة ( أدوبي)
«إريكسون»: أكثر من نصف مستخدمي الاتصالات في السعودية مستعدون لدفع المزيد مقابل سرعة أو زمن استجابة أو سعة مضمونة عند الحاجة ( أدوبي)
TT

رئيس «إريكسون» السعودية لـ«الشرق الأوسط»: شبكات الحج مختبر لتقنيات تمتد إلى «إكسبو» والمونديال

«إريكسون»: أكثر من نصف مستخدمي الاتصالات في السعودية مستعدون لدفع المزيد مقابل سرعة أو زمن استجابة أو سعة مضمونة عند الحاجة ( أدوبي)
«إريكسون»: أكثر من نصف مستخدمي الاتصالات في السعودية مستعدون لدفع المزيد مقابل سرعة أو زمن استجابة أو سعة مضمونة عند الحاجة ( أدوبي)

وفق دراسات أجرتها «إريكسون»، فإن أكثر من نصف مستخدمي الاتصالات في السعودية مستعدون لدفع المزيد إذا حصلوا على سرعة أو زمن استجابة أو سعة مضمونة في اللحظة التي يحتاجون إليها، في مؤشر على تحول توقعات المستهلكين من مجرد الاتصال بالشبكة إلى المطالبة بأداء يمكن ضمانه وقياسه.

ويرى هوكان سيرفيل، رئيس «إريكسون» في المملكة العربية السعودية، أن هذا التحول يضع شركات الاتصالات أمام مرحلة جديدة من شبكات «الجيل الخامس»، تقوم على تقديم مستويات مختلفة من الخدمة، بالتوازي مع استخدام الذكاء الاصطناعي لأتمتة الشبكات وتقليل استهلاك الطاقة وتحسين قدرتها على التعامل مع الضغط المفاجئ.

ويقول سيرفيل، خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «ليب 2026» في الرياض، إن موسم الحج يمثل أحد أوضح الاختبارات لهذه المرحلة؛ إذ تتعامل الشبكات خلال فترة قصيرة مع نحو 2.5 مليون حاج في مساحة محدودة، ما يجعل الاعتماد على الضبط اليدوي للشبكة غير عملي، ويدفع نحو أنظمة قادرة على إعادة توزيع السعة واكتشاف المشكلات والتعامل معها بصورة أكثر استقلالية.

من السرعة إلى ضمان الأداء

بالنسبة إلى سيرفيل، فإن التحدي الذي واجه مشغلي الاتصالات بعد استثماراتهم الكبيرة في شبكات الجيل الخامس لم يكن في زيادة السرعة وحدها، بل في كيفية تحويل هذه الشبكات إلى خدمات تحقق عائداً إضافياً. وهنا يظهر مفهوم «الاتصال المتمايز»، الذي يسمح للمستخدم بالحصول على مستوى محدد ومضمون من الأداء وفق حاجته.

وضرب مثالاً بحضور مباراة رياضية أو حفل موسيقي، حيث يحاول آلاف المستخدمين رفع مقاطع الفيديو والتواصل في الوقت نفسه. ففي مثل هذه الحالات لا يبحث المستخدم عن سرعة نظرية مرتفعة فقط، بل يريد ضماناً بأن الخدمة ستعمل عند ازدحام الشبكة. ويفيد سيرفيل بأن استعداد أكثر من نصف المستهلكين في السعودية لدفع مقابل إضافي لهذا النوع من الخدمة يعطي المشغلين فرصة لاستخراج قيمة أكبر من البنية الحالية للجيل الخامس، بدلاً من انتظار جيل جديد من الشبكات حتى تظهر نماذج إيرادات مختلفة.

ويتطلب تقديم هذا النوع من الخدمات الانتقال إلى شبكات (الجيل الخامس المستقلة) «5G SA»، التي تسمح بتطبيق قدرات مثل تقسيم الشبكة «Network Slicing»، بحيث يمكن تخصيص موارد محددة لفئة معينة من المستخدمين أو التطبيقات.

هوكان سيرفيل رئيس «إريكسون» في المملكة العربية السعودية (الشركة)

الذكاء الاصطناعي داخل الشبكة

لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي، وفق سيرفيل، على التطبيقات التي يستخدمها المستهلك أو المؤسسة؛ إذ يجري دمجه أيضاً داخل الشبكة نفسها. ويعد بأن «إريكسون» تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين أداء الشبكات وإدارة الموارد وتقليل استهلاك الكهرباء، بما يسمح للمشغل بتشغيل البنية بصورة أكثر كفاءة.

وفي الاتجاه الآخر، توفر الشبكات الاتصال الذي تحتاج إليه تطبيقات الذكاء الاصطناعي للوصول إلى مراكز البيانات ومصادر المعلومات والمستخدمين والأجهزة. وأردف سيرفيل أن الذكاء الاصطناعي «لن يعمل من دون الاتصال»؛ لأن النماذج والتطبيقات تحتاج إلى نقل البيانات باستمرار بين مصادر مختلفة، ما يجعل السعة وزمن الاستجابة جزءاً أساسياً من أداء النظام نفسه. وأضاف أن هذه العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والشبكات ستصبح أكثر أهمية مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات والقطاعات الصناعية والخدمات الحكومية.

الحج مختبر للشبكات الذاتية

يصف سيرفيل موسم الحج بأنه من أكثر البيئات تطلباً لشبكات الاتصالات، ليس فقط بسبب عدد المستخدمين، بل أيضاً بسبب تجمعهم في منطقة محدودة وحجم البيانات التي ينقلونها خلال فترة قصيرة.

وقال إن مقارنة الحج بحدث رياضي عالمي لا تعكس حجم التحدي بالكامل؛ إذ قد يستقطب ملعب كرة قدم نحو 100 ألف متفرج، بينما تتعامل شبكات الحج مع نحو 2.5 مليون شخص يستخدمون هواتفهم ويتبادلون الصور والفيديوهات والتواصل مع عائلاتهم. في هذه البيئة، يصبح تعديل الشبكة يدوياً استجابة لتحركات المستخدمين وتغير حركة البيانات مهمة شديدة الصعوبة. ولهذا يرى أن الشبكات الذاتية قادرة على إحداث فارق واضح؛ إذ تستطيع تحليل أماكن المستخدمين وحجم الاستهلاك ثم تغيير توزيع السعة تلقائياً. وينوه بأن الشبكة يجب أن تتمكن من «تعديل نفسها» وفق مكان المستخدمين وما يقومون به، وأن تتعامل مع الأعطال كذلك من دون انتظار تدخل يدوي في كل حالة. ويرى سيرفيل أن الحج لا يمثل حالة استثنائية لا يمكن تكرارها، بل اختباراً أقصى لتقنيات يمكن استخدامها بعد ذلك في ظروف أقل تعقيداً.

ويقول: «إذا نجحت في حدث مثل الحج، فإنها تنجح في أي مكان»، مشيراً إلى إمكانية الاستفادة من التجربة نفسها في أحداث مستقبلية مثل كأس العالم و«إكسبو 2030».

موسم الحج يمثل اختباراً رئيسياً للشبكات الذاتية مع نحو 2.5 مليون حاج وحاجَة متزايدة إلى الأتمتة وإعادة توزيع السعة تلقائياً (واس)

ماذا تفعل شبكة من المستوى الرابع؟

عند الحديث عن شبكات ذاتية من (المستوى الرابع) «L4»، لا يقوم المشغل بإدخال الإعدادات التفصيلية لكل محطة، وإنما يحدد الهدف المطلوب، وتقرر الشبكة كيفية تحقيقه. ويوضح سيرفيل أن المشغل قد يحدد مثلاً هدفاً يتمثل في توفير تجربة فيديو جيدة لجميع الحجاج، ثم تستخدم الشبكة الذكاء الاصطناعي لتحديد توزيع الموارد المطلوب بين المواقع المختلفة. وإذا خرج أحد المواقع عن الخدمة، فمن الممكن أن تعيد الشبكة توزيع حركة البيانات على مواقع أخرى إلى حين إصلاح المشكلة. وقد تمتد الأتمتة إلى وسائل الطاقة الاحتياطية أو التعامل مع تغيرات السعة، وفق تصميم البنية المتاحة.

ولا يتعلق الأمر برد الفعل على الأعطال فقط.

ويشير سيرفيل إلى أن الشبكة الذاتية يجب أن تكون استباقية أيضاً، بحيث تستطيع التعرف على مؤشرات مبكرة لمشكلة محتملة والتدخل قبل أن تتحول إلى انقطاع أو تراجع ملحوظ في الخدمة.

فانخفاض حركة البيانات بصورة غير طبيعية في موقع محدد، على سبيل المثال، قد يكون إشارة إلى خلل بدأ في الظهور، ويمكن للذكاء الاصطناعي تحليل ذلك واتخاذ إجراء قبل أن يلاحظ المستخدم المشكلة.

متى تصبح الشبكة مستقلة بالكامل؟

رغم هذا التقدم، لا يتوقع سيرفيل أن تصبح الشبكات مستقلة بصورة كاملة في المدى القريب. ويعد أن الانتقال إلى الأتمتة الكاملة سيستغرق مزيداً من الوقت؛ لأنه مسار تدريجي تطبقه شركات الاتصالات خطوة بعد أخرى. ويرى أن المشغلين في المملكة يركزون بصورة متزايدة على رفع مستويات الأتمتة والوصول في النهاية إلى مستويات متقدمة مثل شبكات ذاتية من المستوى الرابع «L4». لكن حتى في هذه المرحلة، لا يعني الاستقلال أن البشر يختفون من المعادلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالشبكات الحساسة أو الحالات غير المتوقعة.

من يتحمل مسؤولية قرار الذكاء الاصطناعي؟

مع حصول الشبكة على قدرة أكبر لاتخاذ القرارات، يظهر سؤال حول المسؤولية عندما يصدر النظام قراراً خاطئاً أو يسبب مشكلة في الخدمة. وبرأي سيرفيل، الذكاء الاصطناعي يعتمد على التعلم المستمر، وإن الخوارزميات تبدأ التعلم خلال مراحل الاختبار قبل دخولها البيئة التجارية. لكنه يقر بأن ذلك لا يعني الوصول إلى نظام خالٍ تماماً من الأخطاء، ويقول: «هل يعني ذلك أنه سيكون بلا أخطاء؟ لا».

ويضيف أن المسؤولية في مثل هذه الأنظمة تصبح مشتركة بدرجة ما بين مزود التقنية والمشغل؛ فعلى مزود التقنية التأكد من تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه بطريقة مسؤولة، بينما يظل المشغل مسؤولاً عن الشبكة والخدمة التي يقدمها. ويتابع أن الحالات الحرجة تتطلب وجود آليات تسمح بالتدخل والسيطرة عندما تظهر ظروف لا يمكن تركها بالكامل للنظام الآلي.

«إريكسون» ترى أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي دوراً متزايداً داخل الشبكات لتحسين الأداء وتقليل استهلاك الطاقة ومعالجة المشكلات بصورة استباقية (أدوبي)

شبكات منفصلة للمهام الحرجة

يشكل توسع ما يعرف بـ«الشبكات ذات المهام الحرجة» محوراً رئيسياً آخر في استراتيجية «إريكسون» في المملكة. ويشرح سيرفيل أن الطلب على هذا النوع من الشبكات ازداد، لكنه لا يقتصر على الاستخدامات الدفاعية أو الأمنية؛ فالمطارات والسكك الحديدية والمنشآت الحيوية تحتاج جميعها إلى شبكات لا يمكن التعامل معها بالطريقة نفسها التي تدار بها شبكة هاتف محمول تجارية. ويتابع أن شبكة السكك الحديدية، على سبيل المثال، لا يمكن أن تفشل لأنها تدخل في تشغيل أنظمة ترتبط بصورة مباشرة بالسلامة واستمرار الخدمة. ولهذا قد يتم بناء شبكة منفصلة بالكامل عن الحركة التجارية، بما يمنع التطبيقات الحرجة من المنافسة على السعة مع المستخدمين العاديين. كما تحتاج هذه الشبكات إلى طبقات احتياطية من البنية.

ويوضح أنه إذا تعطل جزء من الشبكة، فيجب أن تكون هناك بنية أخرى تتولى الخدمة مباشرة، وفي بعض الحالات قد لا يكون نظام احتياط واحد كافياً، وقد تكون هناك حاجة إلى مستويات متعددة من التكرار.

اتفاق «stc» يمتد 5 سنوات

تعمل «إريكسون» بالتوازي ضمن اتفاق إطاري مدته خمس سنوات مع «stc» لتطوير البنية التحتية الرقمية.

ويصرح سيرفيل بأن التعاون سيشمل عدة مجالات، في مقدمتها تطوير شبكات «الجيل الخامس» والاستفادة بصورة أكبر من بنيتها الحالية. ومن بين الخطوات المهمة الانتقال إلى «5G SA» التي تعد أساساً لتقديم خدمات تقسيم الشبكة والاتصال المتمايز. كما يشمل المسار زيادة الاعتماد على الشبكات الذاتية، فيما بدأت «إريكسون» و«stc» أيضاً مناقشة متطلبات الجيل السادس. لكن سيرفيل شدد على أن الأولوية الحالية يجب أن تبقى للاستفادة من «5G». وقال إن من السهل افتراض أن «الجيل التالي سيحل كل شيء»، بينما تمتلك الشركات اليوم بنية تحتاج إلى تطوير نماذج الأعمال والخدمات التي تعمل فوقها. وأضاف أن «التقنية المهيمنة في السعودية اليوم هي الجيل الخامس»، ولذلك ينصبُّ التركيز على توسيعها واستخراج قيمة أكبر منها.

«6G» يبدأ قرب 2030

في الوقت نفسه، بدأ التخطيط لـ«الجيل السادس» بالفعل؛ لأن شبكات الاتصالات تحتاج إلى سنوات من البحث والتجارب والتخطيط قبل الوصول إلى التشغيل التجاري. وقال سيرفيل إن «6G» قد يبدأ تجارياً قرب 2030، مع احتمال ظهور أحجام أكبر من الاستخدام خلال 2031. ويرى أن الجيل الجديد لن يكون مجرد زيادة إضافية في السرعة أو السعة، بل يمكن أن يغير الطريقة التي يتفاعل بها العالم الرقمي مع البيئة المادية. وأشار إلى مفهوم «إنترنت الحواس»، حيث قد تتوسع التجربة الرقمية مستقبلاً من الصوت والصورة والفيديو إلى محاكاة مزيد من الحواس.

ولم يستبعد أن تستمر أجيال الاتصالات بعد 6G، لكنه اعتبر أن الحديث الآن عن تفاصيل 7G سابق لأوانه؛ لأن البحث والتطور التقني سيحددان ما يمكن أن تصبح عليه الشبكات في مرحلة لاحقة.

اتفاق «إريكسون» مع «stc» يمتد 5 خمس سنوات ويركز على تطوير «5G» والانتقال إلى «5G» المستقلة ورفع مستويات أتمتة الشبكات (الحكومة الرقمية)

تجربة مختلفة في «إكسبو» والمونديال

بالنسبة إلى رئيس «إريكسون» في المملكة العربية السعودية،، فإن نجاح قطاع الاتصالات السعودي بحلول 2030 لن يقاس فقط بسرعة الشبكات أو بعدد المواقع التي تم تشغيلها. إحدى العلامات المهمة ستكون مستوى رقمنة الخدمات الحكومية والصحية والنقل وغيرها من الخدمات التي يستخدمها السكان يومياً. ويرتبط المقياس الآخر بتجربة المستخدم، خصوصاً مع الاستعداد لاستضافة أحداث عالمية كبرى. وأشار إلى أن توقعات المشجع الذي يحضر مباراة في كأس العالم 2034 ستكون مختلفة تماماً عن تجربة الملاعب الحالية. وقد تتيح تقنيات مثل النظارات الذكية والواقع المعزز للمستخدم مشاهدة المباراة بالتزامن مع الوصول إلى معلومات وإحصاءات وتجارب رقمية مرتبطة بما يحدث أمامه. وقال إن أحد مؤشرات النجاح سيكون أن يغادر زوار المملكة بعد «إكسبو 2030» وهم يقولون إنهم عاشوا «تجربة لم يسبق لهم رؤيتها».

السياحة تبدأ من المطار

يربط سيرفيل جودة الاتصال كذلك بطموحات السعودية في قطاع السياحة. ويفسر أن رضا السائح لا يقاس فقط بالفندق أو الشاطئ أو النشاط الذي يقوم به، وإنما بالتجربة الكاملة منذ وصوله إلى المطار.

وتدخل في ذلك قدرته على الاتصال بالإنترنت والوصول إلى التطبيقات والترجمة والتنقل واستخدام الخدمات المختلفة. ومع زيادة تطبيقات الذكاء الاصطناعي والترجمة الفورية والواقع المعزز، تصبح الشبكة جزءاً أكثر أهمية من تجربة السائح، حتى وإن لم ير البنية التي تقف خلف هذه الخدمات. ويلفت سيرفيل إلى أن هذه الأمثلة توضح بصورة مباشرة ما تفعله «إريكسون»: ربط المستخدمين ومراكز البيانات ومصادر المعلومات وتوفير السعة وزمن الاستجابة اللازمين لتشغيل الخدمات.

نحو نصف قرن في المملكة

تتزامن هذه التحولات مع مرور 150 عاماً على تأسيس «إريكسون» عالمياً، واقتراب وجود الشركة في السعودية من نصف قرن. ويصرح سيرفيل لـ«الشرق الأوسط» بأن أهمية هذه الفترة بالنسبة إلى الشركة لا تكمن في التأكيد على عمرها، بل في تقديم رسالة بأنها تعمل في السوق على المدى الطويل. ويضيف أن هذا الأمر يصبح أكثر أهمية مع توسع التعامل مع الحكومة ومشروعات البنية التحتية طويلة الأجل، حيث تحتاج الجهات إلى شركاء يستمرون في تطوير التقنية ودعمها لسنوات. ويتابع أن الشركة تريد أن تكون موجودة في السعودية «للمدى الطويل»، وأن تبني على ما يقارب 50 عاماً من العمل في المملكة.

وخلال السنوات المقبلة، ستتحرك شبكات المملكة على أكثر من مسار في الوقت نفسه: استخراج قيمة أكبر من «5G» والانتقال إلى الاتصال المضمون، وزيادة مستويات الأتمتة، والتوسع في الشبكات ذات المهام الحرجة، والاستعداد تدريجياً للجيل السادس.

لكن العنصر المشترك بين هذه المسارات سيكون قدرة الشبكة على تقديم الأداء المطلوب في اللحظة المناسبة، سواء لمستخدم يريد رفع فيديو من حدث مزدحم، أو شبكة سكك حديدية لا يمكنها التوقف، أو تطبيق ذكاء اصطناعي يحتاج إلى نقل البيانات بين المستخدم ومركز الحوسبة بزمن استجابة منخفض. وبذلك تنتقل شبكة الاتصالات من كونها طبقة غير مرئية خلف الخدمات الرقمية إلى عنصر يحدد بصورة مباشرة جودة تلك الخدمات وقدرتها على العمل والتوسع.


«سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تنتقل بالذكاء الاصطناعي من التجربة إلى إثبات القيمة

تنتقل المؤسسات السعودية بالذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب وإثبات المفهوم إلى مرحلة التشغيل وإثبات القيمة الاقتصادية الفعلية
تنتقل المؤسسات السعودية بالذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب وإثبات المفهوم إلى مرحلة التشغيل وإثبات القيمة الاقتصادية الفعلية
TT

«سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تنتقل بالذكاء الاصطناعي من التجربة إلى إثبات القيمة

تنتقل المؤسسات السعودية بالذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب وإثبات المفهوم إلى مرحلة التشغيل وإثبات القيمة الاقتصادية الفعلية
تنتقل المؤسسات السعودية بالذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب وإثبات المفهوم إلى مرحلة التشغيل وإثبات القيمة الاقتصادية الفعلية

يتغير النقاش حول الذكاء الاصطناعي في السعودية مع انتقال عدد متزايد من المشاريع من مرحلة التجربة إلى التشغيل الفعلي. فبعد أن تركز الاهتمام لسنوات على النماذج والمعالجات والقدرة الحاسوبية، يبرز تحدٍّ آخر يتعلق بالبنية التي تربط هذه المكونات بعضها ببعض، وتحافظ على حركة البيانات وأمنها، وتتيح للمؤسسات تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

على هامش مؤتمر «ليب 2026» المنعقد في الرياض حتى نهاية الأسبوع، قال بدر الماضي، نائب الرئيس والمدير التنفيذي لشركة «سيسكو» في المملكة العربية السعودية، إن الشبكات أصبحت عنصراً حاسماً في المرحلة الجديدة من بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، حتى وإن كانت أقل ظهوراً من وحدات معالجة الرسوميات أو النماذج اللغوية.

وأوضح خلال مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» أن الشركة، التي تعمل في المملكة منذ أكثر من 25 عاماً، توسع دورها من البنية الشبكية والتعاون الرقمي والأمن إلى بناء البنية التي تحتاج إليها مراكز الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق، بالتوازي مع تطوير القدرات البشرية والأمن والسيادة الرقمية.

ويَظهر هذا التحول بوضوح في التعاون بين «سيسكو» و«AMD» و«هيوماين»، إذ أعلنت الشركات خلال «ليب» أن البنية الحاسوبية المعتمدة على معالجات «AMD Instinct MI355X» وبنية شبكات «Cisco Silicon One» أصبحت قيد التشغيل في السعودية، وتخدم عملاء «هيوماين» داخل المملكة وخارجها.

بدر الماضي نائب الرئيس والمدير التنفيذي لشركة «سيسكو» في المملكة العربية السعودية (الشرق الأوسط)

البنية تدخل مرحلة التشغيل

يمثل الإعلان انتقالاً من الخطط الاستثمارية إلى تشغيل قدرة حاسوبية فعلية يمكن استخدامها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتنفيذ عمليات الاستدلال. وتجمع المنظومة بين وحدات «AMD Instinct MI355X» ومعالجات «EPYC» وشبكات «سيسكو» المبنية على «Silicon One»، إضافةً إلى أنظمة «N9000» وتقنيات اتصال بصري بسرعة 800 غيغابت، لربط وحدات المعالجة داخل بيئة مصممة للأحمال المكثفة للذكاء الاصطناعي.

وستقدم «هيوماين» هذه القدرة بصيغة «GPU-as-a-Service» لتشغيل أحمال تتراوح بين تدريب النماذج وتشغيلها، فيما تخطط الشركات الثلاث للمرحلة التالية التي تصل إلى 250 ميغاواط من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، على أن يبدأ تنفيذها في 2027، مع بدء دخول جزء من القدرة إلى الخدمة في النصف الثاني من العام. ويبقى المستهدف الأوسع للمشروع المشترك الوصول إلى ما يصل إلى 1 غيغاواط بحلول 2030. وأوضح الماضي أن أهمية دور «سيسكو» في هذه المنظومة تكمن في توفير «العمود الفقري» الذي تتحرك عبره البيانات بين المكونات المختلفة.

وأضاف أن الحديث عن الذكاء الاصطناعي غالباً ما يبدأ بالمنصات والمعالجات، لكن المؤسسات تكتشف عند الانتقال إلى التشغيل أن نجاح أي منصة يعتمد على بنية شبكية قادرة على التعامل مع هذا الحجم من البيانات، موضحاً أن شبكة «سيسكو» هي الطبقة التي تنتقل عبرها البيانات داخل البنية المادية للمشروع.

من التدريب إلى الاستدلال

لا يرتبط الطلب المتوقع بنوع واحد من أحمال الذكاء الاصطناعي، إذ تختلف التطبيقات حسب القطاعات. وأشار الماضي إلى الخدمات المالية، حيث يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في مكافحة غسل الأموال ومعالجة طلبات القروض، إلى جانب التصنيع، حيث يمكن أتمتة عدد متزايد من المهام المتكررة. وقال إن أي قطاع تقريباً أصبح يملك حالات استخدام يمكن تحويلها إلى تطبيقات للذكاء الاصطناعي، من الرعاية الصحية والسيارات إلى الخدمات المالية والصناعة. لكن هذه التطبيقات تضع متطلبات جديدة على البنية التحتية. فكلما زادت عمليات التدريب والاستدلال وتدفقت البيانات بين آلاف المعالجات، أصبحت سرعة الشبكة وزمن الاستجابة والقدرة على العمل دون انقطاع جزءاً مباشراً من أداء النموذج نفسه. وتأتي هذه الحاجة في وقت تظهر فيه فجوة بين طموحات المؤسسات والقدرة التقنية المتاحة لها. ففي مؤشر جاهزية الذكاء الاصطناعي الذي نشرته «سيسكو» سابقاً، قالت 91 في المائة من المؤسسات السعودية إنها تخطط لنشر وكلاء للذكاء الاصطناعي، في حين أفادت 29 في المائة فقط بامتلاكها قدرة قوية على وحدات معالجة الرسوميات.

من إثبات المفهوم إلى إثبات القيمة

يرى الماضي أن السوق السعودية قطعت بالفعل شوطاً في تبني الذكاء الاصطناعي. ويوضح أن الشركات مرت منذ 2023 بمرحلة كانت فيها معظم النقاشات حول التجربة واستكشاف الإمكانات، ثم بدأت التطبيقات تنتقل إلى الإنتاج، لتدخل الآن مرحلة تتعلق بتحسين الاستخدام وإثبات القيمة. ويرى أن السؤال لم يعد فقط عمّا إذا كان بالإمكان بناء تطبيق ذكاء اصطناعي، وإنما عمّا إذا كانت المؤسسة تستطيع تحقيق عائد واضح منه. ووصف التحول بأنه انتقال من مرحلة إثبات المفهوم إلى إثبات القيمة. وأفاد: «الشركات تريد أن ترى القيمة»، موضحاً أن ذلك قد يعني تحسين العمليات، وزيادة الكفاءة، ورفع الإيرادات، أو تحسين الربحية. ويرى أن العقبة أمام هذه المرحلة قد لا تكون نقص التطبيقات نفسها، وإنما عدم جاهزية البنية الأساسية التي تعتمد عليها. فالتطبيق الذي يعمل بصورة جيدة في تجربة صغيرة لا يعني بالضرورة أنه قادر على التعامل مع آلاف المستخدمين أو كميات ضخمة من البيانات داخل بيئة تشغيل حساسة.

ترى «سيسكو» أن تحديث الشبكات وجعلها أكثر صلابة ومرونة وأمناً يمثل شرطاً أساسياً لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات (الشرق الأوسط)

الشبكة لم تعد مجرد أنابيب

يصف الماضي أحد التحديات بأنه ميل السوق إلى التركيز على الطبقات الأكثر وضوحاً في الذكاء الاصطناعي ونسيان البنية التي تعمل تحتها. فالمنصات والنماذج لا تعمل بمعزل عن الشبكات ومراكز البيانات وأنظمة التخزين والحماية. ويشير إلى أن المؤسسات تحتاج إلى تحديث بنيتها لتصبح أكثر «صلابة ومرونة وأمناً»، خصوصاً مع دخول الذكاء الاصطناعي في العمليات الحكومية والقطاعات المنظمة.

وتزداد هذه المتطلبات لأن حركة البيانات في أنظمة الذكاء الاصطناعي مختلفة عن تطبيقات المؤسسات التقليدية، إذ تتطلب بعض الأحمال اتصالاً كثيفاً بين أعداد كبيرة من المعالجات بزمن استجابة شديد الانخفاض. لهذا توسع «سيسكو» عالمياً ما تسميه «Secure AI Factory»، الذي يجمع الشبكات والحوسبة والأمن والمراقبة ضمن بنية واحدة تستهدف الأحمال الضخمة، من تدريب نماذج تضم تريليونات المعلمات إلى تنفيذ الاستدلال عند الحافة.

السيادة تتجاوز موقع البيانات

تحتل السيادة الرقمية موقعاً متقدماً في قرارات المؤسسات السعودية، خصوصاً الجهات الحكومية والخدمات المالية والقطاعات المنظمة. وشدد نائب الرئيس والمدير التنفيذي لشركة «سيسكو» في المملكة العربية السعودية، على أن السيادة كانت من الموضوعات الأساسية في النقاشات المتعلقة بالسحابة حتى قبل انتشار الذكاء الاصطناعي، وأن توسع الذكاء الاصطناعي جعلها أكثر تعقيداً. فالأمر لا يرتبط فقط بمكان تخزين البيانات، بل بحمايتها في أثناء الحركة وعند التخزين، والقدرة على معرفة كيفية استخدامها ومراقبة دورة حياتها. ونوه إلى أن «سيسكو» تجمع بين الشبكات والأمن والمراقبة، بما في ذلك القدرات التي أضافتها بعد استحواذها على شركة «سبلانك Splunk»، لتمكين المؤسسات من رؤية ما يحدث داخل بنيتها والتعامل مع المتطلبات الأمنية والتنظيمية. واستشهد الماضي بالبنية السحابية المحلية لخدمات التعاون التابعة للشركة، قائلاً إنها تسمح لجهات حكومية ومؤسسات في قطاعات منظمة باستخدام الخدمات بما يتماشى مع متطلبات السيادة المحلية. ويمتد مفهوم السيادة إلى البنية الجديدة مع «هيوماين» و«AMD». فالتعاون مصمَّم لإعطاء العملاء تحكماً أكبر في مكان وجود البيانات، وكيفية تخصيص النماذج، والطريقة التي يتم بها تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي وإدارتها.

تغير معادلة الأمن

يضيف انتشار الوكلاء المستقلين طبقة أخرى من التعقيد؛ إذ ينفِّذ المستخدم معظم القرارات مباشرةً في التطبيقات التقليدية، بينما تستطيع الأنظمة الوكيلة الوصول إلى البيانات والأدوات واتخاذ خطوات متتالية بصورة مستقلة. وبرأي الماضي، السعودية تتحرك بسرعة في هذا المجال، وجاهزيتها لتبني الذكاء الاصطناعي الوكيل مرتفعة مقارنةً بكثير من الأسواق. لكنّ زيادة الاستقلالية تعني أن المؤسسات تحتاج إلى رؤية أكبر لما تقوم به الأنظمة، وما البيانات التي تصل إليها، والصلاحيات التي تستخدمها. وهنا تصبح الشبكة والأمن والمراقبة أجزاء مترابطة، لأن المؤسسات لا تريد الاستفادة من سرعة الذكاء الاصطناعي مقابل التضحية بالسيطرة على البيانات أو الالتزام بمتطلبات السيادة.

توفر «سيسكو» البنية الشبكية الأساسية لمشروعها مع «AMD» و«هيوماين» بما يسمح بتدفق البيانات وتشغيل أحمال الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق (رويترز)

قرابة نصف مليون متعلم... و500 ألف إضافي

لا تضع «سيسكو» البنية التحتية وحدها في قلب شراكتها مع المملكة. فعبر «Cisco Networking Academy»، دربت الشركة حتى الآن نحو نصف مليون متعلم في المملكة. وفي مايو (أيار) 2025، تعهدت بتوفير تدريب رقمي مجاني لـ500 ألف متعلم إضافي خلال خمس سنوات في مجالات تشمل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وعلوم البيانات والبرمجة. وكانت الشركة قد أفادت في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بأن عدد المستفيدين تجاوز 480 ألف متعلم، مع مشاركة نسائية بلغت 36 في المائة.

ويشدد الماضي على أن تطوير رأس المال البشري يجب أن يتحرك بالتوازي مع الاستثمار التقني، لأن بناء مراكز البيانات وحده لا يكفي إذا لم تتوافر الكفاءات القادرة على تصميم الأنظمة وتشغيلها وتأمينها. ويشير إلى شراكات مع الجامعات والمؤسسات الكبرى لسد فجوات المهارات الجديدة التي يخلقها الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في الشبكات والأمن والبنية التحتية المتقدمة. ومن بين هذه المبادرات معهد الذكاء الاصطناعي الذي أطلقته «سيسكو» بالتعاون مع جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست»، ويركز على البحث والتطوير وبناء المواهب المحلية.

23 مشروعاً للتحول الرقمي

يمتد وجود الشركة أيضاً عبر برنامج «Country Digital Acceleration» الذي بدأ في السعودية عام 2016. وحسب «سيسكو»، أسهم البرنامج في تنفيذ 23 مشروعاً في قطاعات تشمل الصحة والتعليم والمدن الذكية والخدمات الحكومية. وذكر الماضي أن هذه المبادرات تعكس تحول العلاقة مع المملكة من تقديم منتجات منفردة إلى شراكات تتعلق بالتقنية ورأس المال البشري والأثر الاجتماعي.

ويرى أن الهدف النهائي هو استخدام التقنية لتحسين جودة الخدمات الحكومية والخاصة، وليس قياس نجاح الشراكة بحجم المعدات أو عدد المنصات المنشورة فقط.

ما الفجوة المتبقية؟

مع توسع الاستثمارات السعودية في مراكز البيانات والحوسبة، يرى الماضي أن واحدة من كبرى الفجوات المحتملة تتمثل في تحديث البنية المؤسسية القائمة. فعديد من المؤسسات لديها أنظمة وشبكات صُممت لعصر مختلف، بينما تتطلب تطبيقات الذكاء الاصطناعي بنية أكثر كثافة وسرعة وقابلية للمراقبة. ورأى أن «AI يغيِّر كامل مشهد البنية التحتية وطريقة عمل الشركات»، ولذلك تحتاج المؤسسات إلى تحديث شبكاتها من دون التضحية بالأمن أو السيادة. وتظهر أهمية هذا التحديث مع زيادة أعداد التطبيقات الوكيلة، وارتفاع حركة البيانات بين مراكز الحوسبة، وتوسع استخدام «GPU-as-a-Service»، إذ تصبح الشبكة نفسها جزءاً من القدرة الحاسوبية وليست مجرد وسيلة اتصال بينها.

اختبار السنوات المقبلة

بالنسبة إلى بدر الماضي، لا يوجد مؤشر منفرد يمكن من خلاله الحكم على نجاح السعودية في بناء اقتصاد للذكاء الاصطناعي. لكنه يرى أن العناصر الأساسية موجودة: استثمارات كبيرة في البنية، وشراكات تقنية، وبرامج لتطوير المهارات، وطلب متزايد من المؤسسات الحكومية والخاصة. وسيكون الاختبار في كيفية جمع هذه العناصر وتحويلها إلى تطبيقات تعمل على نطاق واسع وتحقق قيمة اقتصادية.

ومع بدء تشغيل بنية «AMD» و«سيسكو» و«هيوماين»، والاستعداد لمرحلة تصل إلى 250 ميغاواط اعتباراً من 2027 ثم مستهدف يصل إلى غيغاواط واحد بحلول 2030، ينتقل جزء من النقاش من حجم القدرة التي يتم الإعلان عنها إلى مقدار ما سيستخدم منها فعلياً، وما التطبيقات التي ستُبنى فوقها؟

ويرى الماضي أن ارتفاع التبني يجب أن يصاحبه تحسن في الأمن والسيادة، مع قدرة المؤسسات على الانتقال من إثبات أن الذكاء الاصطناعي يعمل تقنياً إلى إثبات أنه يقدم قيمة فعلية.

وفي هذه المرحلة، تصبح الشبكات التي لا يراها المستخدم عادةً عنصراً أساسياً في المعادلة. فهي التي تربط المعالجات، وتنقل البيانات، وتوفر الرؤية الأمنية، وتحدد في النهاية ما إذا كانت البنية الضخمة للذكاء الاصطناعي قادرة على التحول من قدرة حاسوبية إلى خدمات وتطبيقات تعمل بصورة مستقرة على مستوى الاقتصاد.


تطبيق ذكي يحوّل صور الأشياء اليومية إلى أرشيف... بطابع جمالي

تطبيق ذكي يحوّل صور الأشياء اليومية إلى أرشيف... بطابع جمالي
TT

تطبيق ذكي يحوّل صور الأشياء اليومية إلى أرشيف... بطابع جمالي

تطبيق ذكي يحوّل صور الأشياء اليومية إلى أرشيف... بطابع جمالي

يتيح لك تطبيق جديد بناء أرشيف خاص بك يستحق أن يُعرض في المتاحف. وهو يضم أشياء من حياتك اليومية، ويمكنك اصطحابه معك أينما ذهبت، كما كتبت غريس سنيلينغ(*).

تطبيق تحت الاختبار

يُعد تطبيق «أرشيف Archiv» ثمرة أفكار مصمم الغرافيك ديفيد ماكغيليفري. ويعمل التطبيق -الذي لا يزال حالياً في مرحلة الاختبار التجريبي- بمنزلة «نظام تجميع لتنظيم العالم المادي وتصنيفه»، وذلك حسب تعبير ماكغيليفري.

التطبيق يحسّن الصور مع شروحها

يمكن للمستخدمين التقاط صور لأي شيء يصادفونه -بدءاً من التماثيل ووصولاً إلى صنابير إطفاء الحرائق وقطع الأثاث- وسيقوم التطبيق بتحويلها إلى صور واضحة وجذابة بصرياً، مرفقة بوصف موجز لطبيعة الشيء ومصدره. وبمجرد أن يبني المستخدم مجموعته الخاصة، يصبح بإمكانه مشاركة ما جمعه مع الأصدقاء ومناقشة الأنماط التي لاحظها في مقتنياته.

تصوير المقتنيات لأرشفتها

بُعد جمالي للعالم المادي

يقول ماكغيليفري: «لقد نبعت فكرة التطبيق حقاً من رغبة في التفاعل مع العالم المادي بشكل أعمق، بدلاً من الانكفاء أكثر داخل العالم الرقمي. أنا مهتم بالأدوات الرقمية عندما تنجح في إضافة بُعد جديد للعالم المادي وتساعدنا على ملاحظته أو فهمه بشكل أفضل».

من الناحية العملية، يعمل تطبيق «أرشيف» كتدريب على «اليقظة الذهنية» للمهتمين بالتصميم، الذين يبحثون عن عادة تساعدهم على استشعار الجوانب المبهجة وغير التقليدية في الأشياء العادية والمألوفة.

تطبيق يصحح المنظور والإضاءة والتشويش البصري

عندما يستخدم الأشخاص التطبيق لمعالجة صورة ما، فإنه يستعين بتقنية الذكاء الاصطناعي من «غوغل» لتوليد الصورة وإعادة صياغتها، حيث يعمل على تصحيح المنظور والإضاءة والخلفية والتشويش البصري وتفاصيل الجسم المصوَّر نفسه، حتى تبدو الصورة كأنها صورة أرشيفية حقيقية. كما يقوم برنامج الذكاء الاصطناعي بتوليد بعض التفاصيل الأساسية حول العنصر، بما في ذلك اسمه وطبيعته وتاريخ التقاطه وأرشفته من المستخدم.

نسخة تجريبية

تتضمن النسخة التجريبية من التطبيق معظم الميزات الأصلية التي وضعها ماكغيليفري في حسبانه، بما في ذلك نظام تصنيف تلقائي يضع العناصر في فئات مبسطة وموجزة (مثل «البنية التحتية» و«عناصر التصميم»)، بالإضافة إلى ميزة المشاركة التي تتيح للمستخدمين متابعة أصدقائهم. وينصبّ تركيزه الحالي على إصلاح أي أخطاء برمجية قد تظهر في أثناء تجربة المستخدمين للتطبيق. أما في المستقبل، فهو يطمح لإضافة إمكانات العرض ثلاثي الأبعاد (3D-rendering) وإيجاد طرق أكثر ثراءً ليتيح للتطبيق فهم وتحليل مجموعات المستخدمين، كأن يرصد أنماطاً معينة فيما يقومون بجمعه.

ويشير ماكغيليفري إلى أنه لاحظ، خلال مراحل الاختبار الأولية، أن التطبيق يتيح للمستخدمين إيلاء اهتمام أكبر للعالم المحيط بهم؛ فهو أداة رقمية صُممت لإثراء العالم المادي وتعزيزه، لا لصرف الانتباه عنه.

* مجلة «فاست كومباني»