ولايات أميركية ترفع دعوى ضد «ميتا» بتهمة الإضرار بصحة الأطفال

شعار «ميتا» (أ.ف.ب)
شعار «ميتا» (أ.ف.ب)
TT

ولايات أميركية ترفع دعوى ضد «ميتا» بتهمة الإضرار بصحة الأطفال

شعار «ميتا» (أ.ف.ب)
شعار «ميتا» (أ.ف.ب)

عادت المتاعب القضائية لتلاحق «ميتا»، بعدما رفعت أكثر من أربعين ولاية أميركية، أمس الثلاثاء دعوى قضائية ضد الشبكة الاجتماعية العملاقة، متهمة تطبيقيها «فيسبوك» و«إنستغرام» بالإضرار «بالصحة العقلية والجسدية للشباب».

وأكد المدعون العامون في الشكوى المرفوعة أمام محكمة في كاليفورنيا أن «(ميتا) استغلت تقنيات قوية وغير مسبوقة لجذب الشباب والمراهقين وفي نهاية المطاف الإيقاع بهم من أجل تحقيق الأرباح»، وفقا لما ذكرته وكالة «الصحافة الفرنسية».

وتتهم الولايات المدعية، الديمقراطية والجمهورية على السواء، المجموعة العملاقة التي تتخذ من كاليفورنيا مقراً، بأنها «أخفت الطريقة التي تستغل بها هذه المنصات المستخدمين الأكثر ضعفا وتتلاعب بهم»، و«أهملت الضرر الكبير» الذي تسببه على صعيد «الصحة العقلية والجسدية لشباب بلادنا».

ويمثل هذا الإجراء القانوني تتويجاً لتحقيقات أجريت على مدى عامين في أساليب المنصتين التي تعتبرها السلطات «مسببة للإدمان».

وقالت «ميتا» في اتصال مع وكالة «الصحافة الفرنسية» إنها تشعر «بخيبة أمل لأن المدعين العامين اختاروا هذا المسار بدلاً من العمل بشكل مثمر مع الشركات في هذا القطاع لوضع معايير واضحة ومناسبة عمرياً عبر التطبيقات الكثيرة التي يستخدمها المراهقون».

وأوضح ناطق باسم المجموعة «نشاطر المدعين العامين التزامهم بتزويد المراهقين بتجارب آمنة وإيجابية عبر الإنترنت، وقدمنا بالفعل أكثر من 30 أداة لدعم المراهقين وأسرهم».

«الكذب على الجمهور»

وأطلقت الولايات في خريف عام 2021 هذه الجهود بعد أن حذّرت موظفة سابقة في «فيسبوك» من ممارسات شركتها السابقة.

وسرّبت المهندسة فرانسس هوغن أكثر من 20 ألف صفحة من الوثائق الداخلية، وأكدت أمام جهات برلمانية مختلفة على أن عملاق وسائل التواصل الاجتماعي يعطي أولوية لتحقيق الأرباح على حساب سلامة مستخدميه.

ومن وقتها، تحاول «ميتا» طمأنة السلطات بإضافة أدوات لمساعدة الأهل على مراقبة أنشطة أطفالهم أو لتشجيع المراهقين خصوصاً على تقليل فترات استخدامهم للتطبيقات.

لكنّ المجموعة سعت أيضاً إلى تحسين موقعها التنافسي بمواجهة «تيك توك»، الذي يحظى بشعبية كبيرة بين الشباب. وقد نسخت «إنستغرام» في هذا الإطار نسق الفيديو المعتمد في الشبكة المنافسة عبر إطلاق الـ«ريلز» («Reels»)، وهي مقاطع ديناميكية تجذب الانتباه ويسهل على المستخدمين تصفحها.

وبحسب الدعوى المرفوعة الثلاثاء، فإن ميزات «فيسبوك» و«إنستغرام» صُممت «للتلاعب بالمستخدمين الشباب بهدف دفعهم لاستخدام المنصات بصورة قهرية ومطولة».

كما يتهم المدعون «ميتا» بالكذب على الجمهور (من خلال التأكيد بأن منتجاتها آمنة ومناسبة للمراهقين)، وانتهاك قانون خصوصية الأطفال.

ويقول ما يصل إلى 95 في المائة من المراهقين الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً، إنهم يستخدمون شبكة اجتماعية واحدة على الأقل، فيما ثلث هؤلاء قالوا إنهم يستخدمونها «بشكل شبه دائم»، بحسب مركز «بيو» للأبحاث.

في مايو (أيار) الماضي، حذر كبير المسؤولين الطبيين في الولايات المتحدة فيفيك مورثي من «الآثار الضارة للغاية» التي يمكن أن تُحدثها وسائل التواصل الاجتماعي، مبدياً اعتقاده بأنها تؤدي دوراً رئيسياً في «الأزمة الوطنية للصحة العقلية للشباب».

وأشار تقريره بشكل خاص إلى الدراسات التي تربط بين استخدام المنصات وظهور أعراض الاكتئاب، خصوصاً لدى الفتيات الصغيرات، اللواتي هنّ أكثر عرضة لمخاطر التحرش عبر الإنترنت أو اضطرابات الأكل.

ورغم أن الكونغرس لم يتمكن منذ سنوات من الاتفاق على قوانين لتحسين تنظيم عمل عمالقة تكنولوجيا المعلومات، سواء فيما يتصل بمسائل إساءة استخدام المركز المهيمن أو حماية المستهلك، فإن موضوع الأطفال يميل إلى توحيد المسؤولين المنتخبين من الحزبين السياسيين الرئيسيين.

لكنّ هذا ليس كافياً للدفع باتجاه إصلاح كبير في هذا المجال.

وفي هذه الأثناء، يحشد مسؤولون منتخبون محليون وجمعيات وأسر جهودهم. وفي الربيع، اعتمدت ولاية يوتا ثم أركنسا قوانين تلزم الشبكات الاجتماعية بالحصول على موافقة الوالدين قبل منح القاصرين حق الوصول إلى منصاتها.

وقال المدعي العام في كاليفورنيا روب بونتا في بيان الثلاثاء «مع الإجراء القانوني اليوم، نرسم الخط الذي لا يجب تجاوزه»، مضيفاً «يجب أن نحمي أطفالنا ولن نتراجع في هذه المعركة».

وتطالب الولايات المحاكم بإجبار «ميتا» على وضع حد لممارساتها وتطالب بفرض غرامات عليها.


مقالات ذات صلة

زوكربيرغ يعمل على تطوير وكيل ذكي لمساعدته في مهامه

تكنولوجيا صورة للرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» مارك زوكربيرغ وشعار الشركة (أرشيفية - أ.ف.ب)

زوكربيرغ يعمل على تطوير وكيل ذكي لمساعدته في مهامه

يعمل مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا» على تطوير مساعد مدعوم بالذكاء الاصطناعي لمساعدته في أداء مهامه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُسبب التعاسة بين الشباب حول العالم (رويترز)

تعرف على وسائل التواصل الاجتماعي الأسوأ لصحتك النفسية

كشف تقرير عالمي حديث عن أن تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل «إنستغرام» و«تيك توك» ترتبط بتأثيرات سلبية أكبر على الصحة النفسية مقارنة بـ«فيسبوك» و«واتساب».

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا إحدى نظارات «ميتا» في برشلونة (أ.ف.ب)

تقرير: نظارات «ميتا» تتجسس على مرتديها في المرحاض

زعم تقرير صحافي أن لقطات مصورة بنظارات «ميتا»، التي تتضمن أشخاصاً يخلعون ملابسهم أو يجلسون في المرحاض، تُشاهد من قبل موظفين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
إعلام مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
الولايات المتحدة​ مارك زوكربيرغ مؤسس «فيسبوك» والرئيس التنفيذي لشركة «ميتا بلاتفورمز» (أرشيفية - رويترز)

زوكربيرغ يواجه استجواباً في محاكمة تتعلق بإدمان صغار السن وسائل التواصل الاجتماعي

من المقرر استجواب الملياردير مارك زوكربيرغ مؤسس «فيسبوك» والرئيس التنفيذي لشركة «ميتا بلاتفورمز» لأول مرة في محكمة أميركية اليوم بشأن تأثير إنستغرام على الصغار.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)

«ميتا» تطور نظارات ذكية تدعم العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام اليومي

دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)
دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)
TT

«ميتا» تطور نظارات ذكية تدعم العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام اليومي

دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)
دمج العدسات الطبية في التصميم يجعل النظارات الذكية أقرب إلى الاستخدام اليومي بدلاً من كونها جهازاً إضافياً (ميتا)

تدعم نظارات «ميتا» الذكية العدسات الطبية لتوسيع الاستخدام، لكنها تواجه تحديات في القيمة اليومية والخصوصية، واعتماد المستخدمين على نطاق واسع.

لطالما بقيت النظارات الذكية تقنية متقدمة، لكنها غالباً بعيدة عن الاستخدام اليومي الفعلي، لسبب بسيط، وهو أن معظم الناس الذين يرتدون نظارات يحتاجون إلى تصحيح البصر. ومن دون معالجة هذه النقطة، تبقى أي تقنية قابلة للارتداء محدودة الانتشار.

تحاول شركة «ميتا» تغيير هذا الواقع، عبر تطوير جيل جديد من النظارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والمصممة منذ البداية لاستيعاب العدسات الطبية، تسعى الشركة إلى مواءمة التكنولوجيا مع أحد أبسط متطلبات الرؤية.

عنصر أساسي في التصميم

في الإصدارات السابقة، كانت العدسات الطبية تُعامل غالباً كإضافة لاحقة، يتم تكييفها مع التصميم بدلاً من دمجها فيه. أما في النماذج الجديدة، فقد أصبحت جزءاً من التصميم الأساسي، حيث تم تطوير الإطارات لتناسب مجموعة واسعة من درجات النظر. هذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً فحسب. فمع اعتماد مليارات الأشخاص حول العالم على النظارات الطبية، فإن أي جهاز لا يراعي هذا الاحتياج سيبقى خارج الاستخدام اليومي. ومن خلال دمج التصحيح البصري في التصميم، تحاول «ميتا» تحويل النظارات الذكية من منتج تقني إلى أداة يومية.

تستمر النظارات في تقديم مجموعة من الوظائف المعروفة، كالتواصل دون استخدام اليدين، والتقاط الصور وتشغيل الصوت والتفاعل مع مساعد ذكي. لكن الجديد هنا لا يكمن في الوظائف بحد ذاتها، بل في توسيع نطاق المستخدمين المحتملين. فبدلاً من أن تكون هذه النظارات خياراً إضافياً، تصبح قابلة للاستخدام بديلاً مباشراً للنظارات التقليدية. وهذا يغيّر طبيعة التبني من تجربة تقنية إلى جزء من الروتين اليومي.

توسيع قاعدة المستخدمين لا يعتمد فقط على التقنية بل على توافقها مع احتياجات الحياة اليومية (ميتا)

سوق تنمو... وتحديات قائمة

يأتي هذا التوجه في وقت تشهد فيه سوق النظارات الذكية نمواً متزايداً، مع دخول شركات تقنية كبرى واستكشافها لهذا المجال. لكن التحديات الأساسية لا تزال قائمة. من الناحية التقنية، لا تزال قيود، مثل عمر البطارية، وقدرة المعالجة، والاتصال تؤثر على الأداء. أما من ناحية المستخدم، فالتحدي الأكبر يكمن في مدى اندماج هذه الأجهزة في الحياة اليومية دون إحداث احتكاك. كما أن إضافة العدسات الطبية تعالج جزءاً من المشكلة، لكنها لا تقدم حلاً كاملاً.

تعتمد قيمة النظارات الذكية إلى حد كبير على كيفية استخدامها. تُعد الوظائف الحالية مثل التقاط الصور والحصول على معلومات أو التفاعل مع الرسائل مفيدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الضرورة اليومية لمعظم المستخدمين. في المقابل، تظهر إمكانات أوضح في الاستخدامات المتخصصة، مثل مساعدة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية على فهم محيطهم. هذه التطبيقات تعكس قدرة حقيقية للتقنية، لكنها لا تزال محدودة من حيث الانتشار.

نجاح النظارات الذكية يعتمد على تكامل التجربة بين العتاد والبرمجيات والذكاء الاصطناعي (ميتا)

الخصوصية... العامل الحاسم

إلى جانب التحديات التقنية، تبقى مسألة الخصوصية من أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل هذه الأجهزة. فالقدرة على التقاط الصور أو الفيديو بشكل غير ملحوظ تثير تساؤلات حول الموافقة والرقابة، خصوصاً في الأماكن العامة. هذه المخاوف لا تتعلق بالقوانين فقط، بل بكيفية تقبل المجتمع لمثل هذه الأجهزة. وقد يكون هذا العامل الاجتماعي أكثر تأثيراً في تبني التكنولوجيا من أي تطور تقني بحد ذاته.

من جهاز إلى منصة

تعكس هذه الخطوة تحولاً أوسع في كيفية تقديم الأجهزة القابلة للارتداء. فبدلاً من التركيز على العتاد فقط، تتجه الشركات نحو بناء منظومات متكاملة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والبرمجيات والخدمات. في هذا السياق، لا تمثل العدسات الطبية مجرد تحسين بصري، بل تصبح جزءاً من محاولة أوسع لتقليل الحواجز بين المستخدم والتكنولوجيا، وجعلها أكثر اندماجاً في الحياة اليومية.

لا تعني هذه التطورات أن النظارات الذكية أصبحت منتجاً ناضجاً بالكامل. لكنها تمثل خطوة نحو جعلها أكثر واقعية وقابلية للاستخدام.

فمن خلال معالجة أحد أهم العوائق العملية، تقترب «ميتا» من تحويل الفكرة إلى منتج يومي. ومع ذلك، يبقى نجاح هذه الأجهزة مرتبطاً بعوامل أوسع، تشمل القبول الاجتماعي، والقيمة الفعلية للمستخدم، وتطور التجربة. قد يكون إدخال العدسات الطبية خطوة ضرورية لكنها ليست كافية بمفردها لجعل النظارات الذكية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية.


لم يعد الطبيب وحده… كيف يشارك الذكاء الاصطناعي في القرار الطبي؟

تتجه الرعاية الصحية نحو دمج مصادر بيانات متعددة لتكوين فهم أكثر شمولاً لحالة المريض (شاترستوك)
تتجه الرعاية الصحية نحو دمج مصادر بيانات متعددة لتكوين فهم أكثر شمولاً لحالة المريض (شاترستوك)
TT

لم يعد الطبيب وحده… كيف يشارك الذكاء الاصطناعي في القرار الطبي؟

تتجه الرعاية الصحية نحو دمج مصادر بيانات متعددة لتكوين فهم أكثر شمولاً لحالة المريض (شاترستوك)
تتجه الرعاية الصحية نحو دمج مصادر بيانات متعددة لتكوين فهم أكثر شمولاً لحالة المريض (شاترستوك)

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية يدور حول وعود مستقبلية أو تحولات مفاجئة، بل بات أقرب إلى مسار تطور تدريجي يعيد تعريف كيفية فهم المرض وعلاجه وإدارة الأنظمة الصحية. ففي عام 2026، تتجه الصناعة نحو مرحلة أكثر نضجاً، حيث تتحول البيانات من مجرد مورد داعم إلى بنية أساسية تقود القرارات والابتكار.

هذا التحول لا يقوم على تقنية واحدة، بل على تقاطع عدة اتجاهات كتكامل البيانات وتطور النماذج التحليلية وتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية، وظهور بيئات تنظيمية تسمح بتجريب هذه التقنيات دون الإخلال بالمعايير.

يتوسع دور الذكاء الاصطناعي ليصبح جزءاً من دعم القرار السريري وتحسين دقة التشخيص والعلاج

من بيانات متفرقة إلى منظومات متكاملة

أحد أبرز التغيرات يتمثل في كيفية التعامل مع البيانات الصحية. فبدلاً من الاعتماد على مصادر منفصلة، يتجه القطاع نحو دمج تدفقات متعددة تشمل الجينوم، والتصوير الطبي والسجلات السريرية والبيانات الناتجة عن الأجهزة القابلة للارتداء.

هذا التحول نحو البيانات المتعددة الوسائط لا يهدف فقط إلى زيادة حجم المعلومات، بل إلى وضعها في سياق متكامل يسمح بفهم أعمق للحالة الصحية لكل مريض. ومع تزايد هذا التكامل، تصبح هندسة البيانات نفسها عاملاً حاسماً في نجاح التحليل، وليس مجرد خطوة تقنية في الخلفية.

في الوقت نفسه، يتوسع دور الذكاء الاصطناعي من كونه أداة تحليل إلى شريك في اتخاذ القرار. فأنظمة دعم القرار السريري المدعومة بالذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على تحسين دقة التشخيص وتقديم توصيات علاجية أكثر تخصيصاً، مدعومة ببيانات واسعة النطاق. لكن هذا لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة توزيع الأدوار. فالأنظمة الذكية تبرز المخاطر وتقدم الخيارات، بينما يبقى القرار النهائي بيد الإنسان. هذا التوازن بين الأتمتة والحكم البشري يشكل أحد ملامح المرحلة الحالية في تطور الرعاية الصحية.

الرعاية تتجاوز المستشفى

من التحولات اللافتة أيضاً انتقال الرعاية الصحية تدريجياً من المؤسسات إلى المنازل. فمع تزايد استخدام أجهزة إنترنت الأشياء وتقنيات المراقبة عن بُعد، أصبح من الممكن متابعة المرضى بشكل مستمر، خصوصاً في حالات الأمراض المزمنة. هذه النماذج الجديدة لا تقتصر على تقليل التكاليف، بل تهدف إلى تحسين النتائج الصحية من خلال التدخل المبكر. ومع ذلك، لا تزال هذه المقاربات في مراحل التوسع التدريجي، حيث يتم اختبارها عبر مشاريع تجريبية قبل تعميمها على نطاق واسع.

يساهم الذكاء الاصطناعي في تسريع اكتشاف الأدوية وتحسين كفاءة التجارب السريرية (شاترستوك)

تسريع الابتكار عبر بيئات تنظيمية مرنة

في موازاة ذلك، بدأت الجهات التنظيمية تلعب دوراً أكثر مرونة في دعم الابتكار. إذ ظهرت بيئات تجريبية تسمح باختبار نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام بيانات اصطناعية أو محاكاة، ما يسرّع عملية التحقق دون تعريض خصوصية المرضى للخطر. هذا النهج يعكس تحولاً في طريقة تنظيم القطاع، من نموذج يعتمد على الموافقة المسبقة فقط، إلى نموذج يوازن بين التجريب والرقابة.

على مستوى البحث العلمي، تبرز تقنيات جديدة مثل التعلم الآلي الكمي، التي تُستخدم لتحسين التنبؤ بسلامة الأدوية في مراحل مبكرة. هذه الأدوات قد تقلل من معدلات الفشل في التجارب ما قبل السريرية، وهو أحد أكبر التحديات في تطوير الأدوية. إلى جانب ذلك، يساهم الذكاء الاصطناعي في تحليل التفاعلات الجزيئية وتسريع اكتشاف المركبات الدوائية، ما يقلص الوقت والتكلفة في المراحل الأولى من البحث.

بعيداً عن الاستخدامات الطبية المباشرة، يتوسع حضور الذكاء الاصطناعي في العمليات الإدارية والتشغيلية. فبحلول عام 2026، يُتوقع أن تعتمد المؤسسات الصحية بشكل متزايد على أنظمة ذكاء اصطناعي لإدارة مهام مثل الفوترة، وسير العمل، وتحسين الكفاءة. هذا التوجه يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة متخصصة، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية اليومية، على غرار الأنظمة السحابية أو إدارة علاقات العملاء.

تتزايد أهمية الرعاية الصحية المنزلية المدعومة بالمراقبة عن بُعد وتقنيات إنترنت الأشياء (شاترستوك)

جودة البيانات... العامل الحاسم

رغم هذا التوسع، تبرز حقيقة أساسية: نجاح الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية يعتمد بدرجة كبيرة على جودة البيانات. فحتى أكثر النماذج تقدماً لا يمكنها تقديم نتائج دقيقة إذا كانت البيانات غير مكتملة أو غير متسقة. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على جمع بيانات عالية الجودة، وربطها بشكل متكامل، عاملاً حاسماً في تحديد الجهات القادرة على تحقيق قيمة حقيقية من هذه التقنيات.

وكما هو الحال في أي تحول رقمي، لا تخلو هذه التطورات من تحديات. فزيادة الاعتماد على البيانات تثير قضايا تتعلق بالخصوصية، وأمن المعلومات، وإمكانية إساءة الاستخدام. ولهذا، يترافق التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي مع استثمارات موازية في الحوكمة والامتثال، لضمان تحقيق الفوائد دون تعريض النظام لمخاطر جديدة.

نحو نموذج جديد للرعاية الصحية

ما يتضح من هذه الاتجاهات هو أن قطاع الرعاية الصحية لا يشهد ثورة مفاجئة، بل تحولاً تدريجياً يعيد بناء أسسه. فبدلاً من الاعتماد على تدخلات متأخرة، يتجه النظام نحو الوقاية والتنبؤ، مدعوماً ببيانات متكاملة ونماذج تحليلية متقدمة.

في هذا النموذج، لا تكون البيانات مجرد سجل للماضي، بل أداة لتوقع المستقبل. ولا يكون الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الإنسان، بل امتداد لقدراته.

وبينما لا تزال العديد من هذه التحولات في مراحلها الأولى، فإن الاتجاه العام يبدو واضحاً: مستقبل الرعاية الصحية سيُبنى على البيانات، لكن قيمته الحقيقية ستعتمد على كيفية استخدامها.


تعليم روبوت بشري مهارات لعب التنس… من بيانات غير كاملة

يمكن للروبوتات تعلم مهارات حركية معقدة باستخدام بيانات بشرية غير مكتملة بدلاً من الاعتماد على بيانات مثالية (المصدر)
يمكن للروبوتات تعلم مهارات حركية معقدة باستخدام بيانات بشرية غير مكتملة بدلاً من الاعتماد على بيانات مثالية (المصدر)
TT

تعليم روبوت بشري مهارات لعب التنس… من بيانات غير كاملة

يمكن للروبوتات تعلم مهارات حركية معقدة باستخدام بيانات بشرية غير مكتملة بدلاً من الاعتماد على بيانات مثالية (المصدر)
يمكن للروبوتات تعلم مهارات حركية معقدة باستخدام بيانات بشرية غير مكتملة بدلاً من الاعتماد على بيانات مثالية (المصدر)

في مسار تطوير الروبوتات البشرية، ظل التحدي الأكبر يتمثل في تعليم الآلات مهارات حركية معقدة تحاكي الإنسان. فالمهام التي تبدو طبيعية للبشر، مثل الجري أو القفز أو حتى لعب التنس، تتطلب تنسيقاً دقيقاً بين التوازن، والتوقيت، واتخاذ القرار في أجزاء من الثانية. تقليد هذه القدرات آلياً لم يكن ممكناً إلا في بيئات محدودة، وغالباً عبر بيانات مثالية يصعب الحصول عليها في الواقع.

لكن دراسة حديثة تقترح مساراً مختلفاً: ماذا لو لم تعد الحاجة إلى بيانات مثالية شرطاً أساسياً لتعليم الروبوتات؟

يركز البحث على تطوير نموذج لتعليم روبوت بشري مهارات لعب التنس، باستخدام بيانات حركة بشرية غير مكتملة أو غير دقيقة. وبدلاً من الاعتماد على تسجيلات كاملة ومضبوطة للحركات، يعمل النظام على استغلال مقاطع جزئية من البيانات، ثم إعادة تركيبها لبناء سلوك حركي متكامل.

يعتمد النموذج على تقسيم الحركات إلى مقاطع صغيرة وإعادة تركيبها لتكوين سلوك متكامل (المصدر)

من البيانات المثالية إلى البيانات الواقعية

تقليدياً، تعتمد أنظمة التعلم الحركي للروبوتات على بيانات عالية الجودة، يتم التقاطها باستخدام أنظمة متقدمة لتتبع الحركة. هذه البيانات توفر وصفاً دقيقاً لكل حركة، لكنها مكلفة وصعبة التوسّع، كما أنها لا تعكس دائماً تعقيد العالم الحقيقي. في المقابل، ينطلق هذا البحث من فرضية مختلفة، حيث إن البيانات الواقعية حتى وإن كانت غير كاملة، يمكن أن تكون كافية لتعليم مهارات معقدة، إذا تم التعامل معها بطريقة مناسبة.

وهنا، لا يحاول النموذج «تنقية» البيانات بقدر ما يعمل على فهم الأنماط الكامنة فيها، واستنتاج كيفية تحويلها إلى حركات قابلة للتنفيذ.

نموذج يتعلم من أجزاء متفرقة

يعتمد النظام المقترح على تقسيم البيانات الحركية إلى مقاطع صغيرة، تمثل كل منها جزءاً من حركة أكبر. ثم يقوم بربط هذه الأجزاء معاً داخل بيئة محاكاة، بحيث يتعلم الروبوت كيفية الانتقال من حركة إلى أخرى بسلاسة. هذه المقاربة تشبه إلى حد ما الطريقة التي يتعلم بها الإنسان مهارة جديدة، حيث يتم الجمع بين تجارب جزئية لتشكيل أداء متكامل. والنتيجة هي نموذج قادر على توليد حركات ديناميكية، دون الحاجة إلى مسار واحد محدد مسبقاً.

التنس كنموذج لاختبار التعقيد

اختار الباحثون لعبة التنس كبيئة اختبار، نظراً لما تتطلبه من تنسيق بين الحركة والإدراك. فالتعامل مع كرة متحركة يستدعي تقدير السرعة والاتجاه، واتخاذ قرار فوري بشأن كيفية الرد، ثم تنفيذ الحركة بدقة. في التجارب، تمكّن الروبوت من تعلم ضرب الكرة والتفاعل مع مواقف مختلفة، بما في ذلك الحفاظ على تبادل الكرات في بعض الحالات. ويشير ذلك إلى أن النموذج لا يقتصر على تكرار حركات محفوظة، بل يطوّر استجابة قابلة للتكيف مع السياق.

اختيار التنس كنموذج يبرز قدرة النظام على التنسيق بين الإدراك والحركة في بيئة ديناميكية (المصدر)

فجوة بين المحاكاة والواقع

كما هو الحال في كثير من أبحاث الروبوتات، يعتمد جزء كبير من التدريب على بيئات محاكاة. هذه البيئات تتيح تسريع عملية التعلم وتقليل المخاطر، لكنها لا تعكس دائماً تعقيدات العالم الحقيقي.

لذلك، يمثل نقل المهارات من المحاكاة إلى الواقع أحد التحديات الأساسية. وقد عمل الباحثون على تقليل هذه الفجوة عبر تصميم النموذج بحيث يأخذ في الاعتبار التباين وعدم الدقة في البيانات، وهو ما يجعله أكثر قدرة على التكيف عند التطبيق العملي.

ما الذي يتغير فعلاً؟

لا تكمن أهمية هذا البحث في قدرة الروبوت على لعب التنس بحد ذاتها، بل في ما تشير إليه من تحول أوسع في منهجية التعلم. فإذا كان بالإمكان تدريب الأنظمة على مهارات معقدة باستخدام بيانات غير مثالية، فإن ذلك يفتح الباب أمام استخدام مصادر بيانات أكثر تنوعاً، مثل الفيديوهات العامة أو التسجيلات غير المنظمة. وهذا بدوره قد يسرّع تطوير ما يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي المجسّد»، حيث تتفاعل الأنظمة مع العالم الفيزيائي بشكل مباشر.

حدود وتحديات قائمة

مع ذلك، لا تزال هذه المقاربة في مراحلها الأولى. فالروبوت لا يصل إلى مستوى الأداء البشري، ولا تزال قدرته على التعامل مع مواقف غير متوقعة محدودة. كما أن الاعتماد على المحاكاة يفرض قيوداً على مدى تعميم النتائج. لكن رغم هذه التحديات، يقدم البحث دليلاً على أن الطريق نحو تعليم الروبوتات قد لا يمر عبر الكمال، بل عبر القدرة على الاستفادة من النقص.

يشير هذا التوجه إلى إعادة التفكير في العلاقة بين البيانات والتعلم. فبدلاً من السعي إلى جمع بيانات مثالية ومكتملة، قد يكون التركيز مستقبلاً على تطوير نماذج قادرة على التعلم من الواقع كما هو بما يحمله من نقص وتباين. وفي هذا السياق، لا يمثل التنس سوى مثال تجريبي. أما الهدف الأوسع، فهو تمكين الروبوتات من اكتساب مهارات حركية متنوعة، تتراوح بين العمل الصناعي والخدمات اليومية.