لماذا لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي «اجتماعية»؟

المحتوى الذي نراه تتحكم فيه الخوارزميات أي إننا نرى بالضبط ما يريدنا التطبيق أن نراه (رويترز)
المحتوى الذي نراه تتحكم فيه الخوارزميات أي إننا نرى بالضبط ما يريدنا التطبيق أن نراه (رويترز)
TT
20

لماذا لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي «اجتماعية»؟

المحتوى الذي نراه تتحكم فيه الخوارزميات أي إننا نرى بالضبط ما يريدنا التطبيق أن نراه (رويترز)
المحتوى الذي نراه تتحكم فيه الخوارزميات أي إننا نرى بالضبط ما يريدنا التطبيق أن نراه (رويترز)

خصص مارك زوكربيرغ وقتاً خلال فصل الصيف لمشاركة أفكاره حول مستقبل منصات التواصل الاجتماعي، في الوقت الذي أطلق فيه منصة أصبحت أكثر التطبيقات نمواً.

منصة التواصل الاجتماعي الجديدة «ثريدز» من شركة «ميتا»، شهدت تسجيل 100 مليون مستخدم في أول 5 أيام، وهو معدل ليس سيئاً على الإطلاق لمنصة هي نسخة من تويتر. ووفقا لزوكربيرغ، فكرة المنصة هي إنشاء تطبيق ليتناقش المليارات من الناس.

تقول إيليان مور، في مقالها لصحيفة «فايننشيال تايمز»، إن الاستماع إلى مليارات الأشخاص يتحدثون لبعضهم البعض هو أمر كابوسي، وليس هذا ما يقصده زوكربيرغ. «ثريدز» يشبه المسرح، وزوكربيرغ لا يريد أن نكون ضمن «المحادثة» بل أن نكون الجمهور.

شبكات التواصل الاجتماعي لم تعد «اجتماعية» الآن، المحتوى الذي نراه تتحكم فيه الخوارزميات، أي أننا نرى بالضبط ما يريدنا التطبيق أن نراه.

تقول مور: «بعدما انضممت إلى (ثريدز)، لم أعد أعرف ماذا نشر أصدقائي، ولكن يمكنني أن أخبرك ماذا كتبت نجمة برامج الواقع بيثاني فرانكيل عن فيلم (باربي) الجديد».

كان ياما كان، انضم الناس لمنصات التواصل الاجتماعي بهدف التواصل مع بعضهم البعض. أنا انضممت إلى منصة «فيسبوك» في عام 2007 لأرى ماذا يفعل أصدقائي على الإنترنت، ولا أتذكر ما المثير في مشاهدة الكثير الصورة المغبشة للخروجات الليلية، لكني قضيت الكثير من الوقت أشاهدها.

هذا اختفى الآن خلف محتوى من أناس غرباء، ما زلت أحتفظ بحساباتي على منصات التواصل الاجتماعي، لكني نادراً ما أنشر شيئاً.

للعديد منا، أصبح هدف منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب» و«تويتر» ليس نشر منشوراتنا الخاصة أو مشاهدة ماذا يفعل أصدقاؤنا، بل لمشاهدة عدد صغير من صناع المحتوى المشهورين. وبدلاً من التواصل بين بعضنا البعض أصبحنا مشاهدين صامتين.

كل هذا بسبب هيمنة «تيك توك» على التواصل الاجتماعي، في «تيك توك» مقاطع الفيديو ليست للتواصل بين الأصدقاء. بل هي محتوى مصمم لاستهلاكه من أكبر جمهور ممكن.

والخوارزميات تظهر محتوى من مجهولين، ويمكن أحياناً أن تشاهد أحد صناع المحتوى يفتتح فيديو قائلاً: «إذا كنت تعرفني... لا أنت لا تعرفني». لقد أصبح الجمهور المستهدف هو الغرباء.

هذا كله يعني أن شركات التواصل الاجتماعي لم تعد تعتمد على تأثير الشبكة على العلاقات في الحياة الواقعية، الأمر الذي جعل «فيسبوك» مثيراً للانتباه في أول الأمر.

من يهتم الآن إذا لم ينضم أصدقاؤك إلى شبكة اجتماعية معينة؟ لم يعد أصدقاؤك من تهتم بمحتواهم على أي حال.

نظرياً، من المفترض أن يفتح هذا الأمر مجالاً للتنافس. وبالفعل ظهر العديد من التطبيقات خلال آخر عامين. لكن لتجذب المستخدمين يجب أن يكون الاسم كبيراً.

لهذا يبدو «ثريدز» مليئاً بالحسابات المعروفة التي تروج لنفسها بشدة، ولهذا قسم إيلون ماسك الخط الزمني في «تويتر» إلى قسمين؛ أحدهما يسمى «من أجلك». ولهذا أضاف «سنابشات» جزءاً خاصاً في التطبيق لصناع المحتوى، ولهذا لم تعد المنشورات تظهر بالترتيب الزمني في «فيسبوك».

هذا التحول أدى لتغير العلاقة بين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والشركات المالكة لها. فإذا أردت أن ينتقل «السيد فلان» من قناته على «يوتيوب» التي يتابعها 167 مليون مشترك إلى منصتك فيجب أن يكون الأمر يستحق. أي مع الأخذ في الاعتبار اتساع فكرة مشاركة الأرباح.

ومع ازدياد تأثير صناع المحتوى اتسع نفوذهم لمناطق أخرى. سابقاً حاولت غرف الأخبار تحويل الصحافيين إلى نجوم على السوشيال ميديا وحققت نجاحات متباينة. الآن تحويل صناع المحتوى إلى صحافيين يعني المزيد من المشاهدات.

وسائل التواصل الاجتماعي كانت لديها علاقة شائكة مع الأخبار وتلومها على السلبية والجدل غير المطلوب. شركة «ميتا» أنشأت برنامج «فيسبوك» للصحافة في عام 2017 لكنها قالت مراراً وتكراراً إنها ستزيل الأخبار من المنصة. آدم موسيري الرئيس التنفيذي لتطبيق «ثريدز»، قال إن التطبيق الجديد لن يشجع السياسة أو «الأخبار الجادة».

الشاب الأميركي مايكيا مايلز الذي يتابعه 58 ألف شخص على «تيك توك»، حقق مليون مشاهدة على «سنابشات» لفيديو يتحدث فيه عن اختفاء غواصة تيتان. قد يتفاجأ الصحافيون من هذا الرقم، لكن المعلنين سيكونون سعداء.

العام الماضي، شهدنا تراجعاً في النمو أدى إلى إعلان البعض أننا نشهد انتهاء عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لكننا في الحقيقة نشهد وفاة «التواصل الاجتماعي» نفسه. نحن في عصر صناع المحتوى. دور وسائل التواصل الاجتماعي في عالم الترفيه الرقمي سوف يبدأ.


مقالات ذات صلة

التعليم والتدريب الهجين في السعودية... كيف تصنع التكنولوجيا فرقاً؟

خاص تساهم تقنيات  الذكاء الاصطناعي وأنظمة الكاميرات المتقدمة في تحسين جودة التعلّم الهجين وتعزز التفاعل في البيئات التعليمية (غيتي)

التعليم والتدريب الهجين في السعودية... كيف تصنع التكنولوجيا فرقاً؟

يتطور التعليم السعودي بالذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي لدعم التعلم الهجين والاقتصاد المعرفي تماشياً مع «رؤية 2030».

تكنولوجيا يرى خبراء صعوبة  إجراء تحليل دقيق للعبة باستخدام الذكاء الاصطناعي إلا عندما يتداخل اللاعبون الرقميون والحقيقيون بشكل مثالي (ETH)

ثورة في التحكيم والتحليل... مشروع لخفض تكلفة الذكاء الاصطناعي في كرة القدم

تسعى جامعة «ETH» زيورخ و«فيفا» لنشر تقنيات الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة في كرة القدم لتعزيز التحكيم وتحليل الأداء بشكل شامل وعادل.

نسيم رمضان (لندن)
تحليل إخباري تهدد الرسوم الجمركية الجديدة على التكنولوجيا برفع أسعار الأجهزة للمستهلكين بشكل مباشر (رويترز) play-circle 02:37

تحليل إخباري كيف تهدد الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة مستقبل المستهلك التكنولوجي؟

تهدد الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة بارتفاع أسعار الأجهزة التكنولوجية وتعطل سلاسل التوريد وتقلص الابتكار، كما تضع المستهلك أمام خيارات أقل وتكاليف أعلى.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا «كوبايلوت» هو محور الحدث المرتقب في الذكرى الـ50 لـ«مايكروسوفت» ويمثل انتقال الشركة من ريادة البرمجيات إلى قيادة الذكاء الاصطناعي (شاترستوك)

في الذكرى الخمسين لتأسيسها... هل يتحوّل «كوبايلوت» إلى عقل «مايكروسوفت» الجديد؟

يُتوقع أن تكشف «مايكروسوفت» عن توسعات كبيرة في مساعدها الذكي «كوبايلوت» ضمن احتفالها بمرور 50 عاماً، مؤكدة انتقالها نحو ريادة الذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا كشف تلسكوب «هابل» التابع لـ«ناسا» عن تفاصيل مذهلة من بقايا نجم ضخم انفجر قبل نحو 8000 عام (ناسا)

تلسكوب جديد لـ«ناسا» يرسم خرائط ثلاثية الأبعاد للكون بأكمله!

سيُحدث التلسكوب «SPHEREx» ثورة في علم الفلك برسمه أطلساً ثلاثيّ الأبعاد، بحثاً عن أصول الكون والماء والمجرات باستخدام تقنيات متطورة.

نسيم رمضان (لندن)

ثورة في التحكيم والتحليل... مشروع لخفض تكلفة الذكاء الاصطناعي في كرة القدم

يرى خبراء صعوبة  إجراء تحليل دقيق للعبة باستخدام الذكاء الاصطناعي إلا عندما يتداخل اللاعبون الرقميون والحقيقيون بشكل مثالي (ETH)
يرى خبراء صعوبة إجراء تحليل دقيق للعبة باستخدام الذكاء الاصطناعي إلا عندما يتداخل اللاعبون الرقميون والحقيقيون بشكل مثالي (ETH)
TT
20

ثورة في التحكيم والتحليل... مشروع لخفض تكلفة الذكاء الاصطناعي في كرة القدم

يرى خبراء صعوبة  إجراء تحليل دقيق للعبة باستخدام الذكاء الاصطناعي إلا عندما يتداخل اللاعبون الرقميون والحقيقيون بشكل مثالي (ETH)
يرى خبراء صعوبة إجراء تحليل دقيق للعبة باستخدام الذكاء الاصطناعي إلا عندما يتداخل اللاعبون الرقميون والحقيقيون بشكل مثالي (ETH)

يُحدث إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في كرة القدم ثورة في هذه الرياضة من خلال تحسين أداء الحكام وتطوير الخطط التكتيكية داخل الملعب. لكن هذه التقنيات المتقدمة بقيت حكراً على البطولات الكبرى، بسبب تكلفتها العالية ومتطلبات البنية التحتية المعقدة. إدراكاً لهذه الفجوة، تتعاون جامعة «ETH» زيورخ مع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لإتاحة الذكاء الاصطناعي بشكل أوسع، وجعل هذه الابتكارات التكنولوجية متاحة لبطولات كرة القدم في جميع أنحاء العالم.

قاعدة بيانات «WorldPose» تضم أكثر من 2.5 مليون حركة ثلاثية الأبعاد من مباريات كأس العالم وهي أساس لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي (ETH)
قاعدة بيانات «WorldPose» تضم أكثر من 2.5 مليون حركة ثلاثية الأبعاد من مباريات كأس العالم وهي أساس لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي (ETH)

الذكاء الاصطناعي في كرة القدم

أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من كرة القدم الحديثة، من خلال أدوات تدعم الحكام وتحلل أداء الفرق بشكل دقيق. ومن أبرز الأمثلة على ذلك «تقنية التسلل شبه الآلية» (SAOT) التي يستخدمها حكام الفيديو (VAR) لاتخاذ قرارات دقيقة وعادلة، حيث تعتمد على تتبع لحظي لحركة اللاعبين ومواقعهم على أرض الملعب.

لكن على الرغم من مزاياها، تبقى هذه الأنظمة مكلفة ومعقدة، مما يجعل استخدامها مقتصراً على البطولات الكبرى. يتطلب تنفيذ هذه التقنيات عادة من 10 إلى 12 كاميرا ثابتة توضع في أماكن محددة داخل الملعب، بالإضافة إلى تزامن دقيق بين الكاميرات لجمع البيانات. هذا النظام يتطلب استثمارات كبيرة ومعرفة تقنية عالية، وهو ما لا يتوفر للعديد من البطولات والاتحادات المحلية.

مبادرة مشتركة

استجابة لهذه التحديات، يعمل باحثو مختبر «التقنيات التفاعلية المتقدمة» في «ETH» زيورخ، بالتعاون مع «فيفا»، على تطوير حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي منخفض التكلفة وسهل التنفيذ. الهدف الأساسي هو تطوير أنظمة يمكنها العمل باستخدام كاميرا بث واحدة فقط، مستفيدين من البنية التحتية الحالية للبث التلفزيوني، التي تتوفر في معظم المباريات الاحترافية.

ومن أهم الإنجازات في هذا المشروع هو إطلاق قاعدة بيانات «WorldPose» التي تضم أكثر من 2.5 مليون حركة ثلاثية الأبعاد للاعبين، تم استخراجها من نحو 50 دقيقة من لقطات مباريات كأس العالم 2022.

توفر هذه البيانات تمثيلات دقيقة ثلاثية الأبعاد لحركة اللاعبين، مما يشكل مرجعاً علمياً مهماً لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على تحليل الأداء باستخدام بيانات محدودة.

نجاح هذه المبادرات قد يؤدي إلى تحكيم أكثر دقة وتحليل أداء متقدم وتجربة جماهيرية غنية بالبيانات حتى في البطولات الصغيرة (ETH)
نجاح هذه المبادرات قد يؤدي إلى تحكيم أكثر دقة وتحليل أداء متقدم وتجربة جماهيرية غنية بالبيانات حتى في البطولات الصغيرة (ETH)

تحدي أبحاث الذكاء الاصطناعي

لتشجيع البحث والابتكار، أطلق «فيفا» تحدياً بحثياً دولياً يدعو الخبراء والمبتكرين لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي تستخدم قاعدة بيانات «WorldPose». يركز التحدي على تطوير خوارزميات قادرة على تحليل مجريات المباريات بدقة باستخدام لقطات من كاميرا بث واحدة فقط. الهدف هو تصميم أنظمة فعالة ومنخفضة التكلفة وقابلة للتنفيذ في بطولات مختلفة حول العالم، مما يتيح استخدام أدوات تحليل الأداء ودعم التحكيم والتفاعل الجماهيري حتى في الدوريات ذات الموارد المحدودة.

الآثار الواسعة للنموذج

في حال نجاح تطوير هذه الأنظمة، يمكن أن تحدث تحولاً كبيراً في جوانب متعددة من اللعبة؛ من حيث تحسين التحكيم إذ سيتمكن الحكام في الدوريات الأقل تمويلاً من استخدام أدوات دعم القرار بالذكاء الاصطناعي، مما يؤدي إلى قرارات أكثر دقة وإنصافاً. كذلك تحليل الأداء حيث يستطيع المدربون والمحللون الاستفادة من رؤى متقدمة حول تحركات اللاعبين وتكتيكات الفرق دون الحاجة إلى أنظمة تصوير متعددة الكاميرات. من التحولات أيضاً تعزيز تجربة الجماهير واستمتاعهم بتجربة مشاهدة غنية بالبيانات والتحليلات لتعزيز فهمهم للعبة وتفاعلهم معها.

إن خفض الحواجز أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في كرة القدم يعزز الشمولية ويفتح المجال للابتكار على مستوى الأندية والبطولات بمختلف قدراتها.

تسعى هذه المبادرة إلى تمكين الاتحادات والبطولات في مختلف أنحاء العالم من الاستفادة من مزايا التحليل المتقدم ودعم التحكيم (ETH)
تسعى هذه المبادرة إلى تمكين الاتحادات والبطولات في مختلف أنحاء العالم من الاستفادة من مزايا التحليل المتقدم ودعم التحكيم (ETH)

التحديات وآفاق المستقبل

رغم أن المستقبل يبدو واعداً، فإن هناك عدة تحديات لا بد من معالجتها لتحقيق الرؤية الشاملة، منها تطوير خوارزميات قادرة على تفسير مجريات اللعب بشكل دقيق من زاوية كاميرا واحدة يتطلب تقنيات متقدمة جداً. كما تعد الخصوصية وحماية البيانات تحدياً آخر من حيث جمع واستخدام بيانات اللاعبين يجب أن يتم وفق ضوابط صارمة تضمن الخصوصية والشفافية. ويجب أيضاً أن تكون هذه الحلول قابلة للتطبيق في بيئات مختلفة من حيث البنية التحتية وجودة البث واختلاف الملاعب.

معالجة هذه التحديات تتطلب استمرار البحث والتعاون بين القطاعين الأكاديمي والرياضي، وهو ما بدأت به «ETH» زيورخ و«فيفا» بالفعل من خلال هذا المشروع الطموح.

تمثل هذه الشراكة خطوة مهمة نحو جعل الذكاء الاصطناعي متاحاً في عالم كرة القدم بشكل ديمقراطي. من خلال التركيز على تقنيات منخفضة التكلفة تعتمد على البنية الحالية للبث التلفزيوني، وبينما يتواصل البحث والتطوير، يصبح المستقبل الذي تلتقي فيه التكنولوجيا مع الرياضة أكثر قرباً، ليمنح اللعبة الشعبية الأولى دفعة جديدة نحو الدقة والشمولية والابتكار.