في الريف الإنجليزي... أكبر «بنك للبذور» يحمي آلاف النباتات من الزوال

عالم يحمل بذوراً شبيهة بالبذور المخزنة في «ميلّينيوم سيد بنك» في وايكهورست جنوب لندن في 25 أبريل 2023 (أ.ف.ب)
عالم يحمل بذوراً شبيهة بالبذور المخزنة في «ميلّينيوم سيد بنك» في وايكهورست جنوب لندن في 25 أبريل 2023 (أ.ف.ب)
TT

في الريف الإنجليزي... أكبر «بنك للبذور» يحمي آلاف النباتات من الزوال

عالم يحمل بذوراً شبيهة بالبذور المخزنة في «ميلّينيوم سيد بنك» في وايكهورست جنوب لندن في 25 أبريل 2023 (أ.ف.ب)
عالم يحمل بذوراً شبيهة بالبذور المخزنة في «ميلّينيوم سيد بنك» في وايكهورست جنوب لندن في 25 أبريل 2023 (أ.ف.ب)

يشكّل «ميلّينيوم سيد بنك» في الريف الإنجليزي إلى الجنوب من لندن أكبر بنك للبذور في العالم، إذ يحفظ عند حرارة 20 درجة دون الصفر في خزائنه المقاومة للفيضانات والقصف والواقعة تحت الأرض، 40 ألف نوع تعود إلى نباتات برية من كل أنحاء العالم.

ووفق وكالة الصحافة الفرنسية، الكثير من البذور يعود إلى أنواع مهددة بالانقراض، ما يجعل هذا الموقع في سباق مع الزمن، إذ إن اثنين من كل خمسة أنواع عرضة لهذا الخطر، بحسب العلماء.

بالنسبة لمخرج الأفلام الوثائقية ديفيد أتينبورو، وهو مرجع عالمي رئيسي في مجال العلوم الطبيعية، فإن بنك البذور هذا «قد يكون أهم مبادرة للحفاظ على البيئة تم تنفيذها على الإطلاق».

ويوضح البروفيسور جون ديكي، المسؤول عن هذا المشروع، أن الهدف من هذه المبادرة يتمثل في «الحفاظ على الأنواع البرية من خلال البذور، لمنع هذه الأنواع من الاختفاء على المدى الطويل».

ويتابع هذا الباحث البالغ 70 عاماً برنامج «ميلّينيوم سيد بنك» منذ إنشائه عام 2000 للاحتفال بحلول الألفية الثالثة. ويقع بنك البذور هذا في وايكهورست، وهو فرع من حديقة كيو غاردنز النباتية الشهيرة في غرب لندن.

ويتم تخزين ما مجموعه 2,5 مليار بذرة في المكان، بجميع الأشكال والألوان والأحجام، وهي تنتمي إلى 40 ألفاً و20 نوعاً مختلفاً من 190 دولة.

وتمثل هذه البذور ما يقرب من 20 في المائة من نباتات العالم. وتعطى الأولوية للنباتات المهددة، لا سيما بسبب تغير المناخ. ولكن أيضاً للنباتات المتوطنة، والتي لا يمكن العثور عليها إلا في منطقة جغرافية محددة... وثمة مكان أيضاً للنباتات ذات الفائدة للسكان، من وجهة نظر طبية أو اقتصادية.

ويوضح جون ديكي أن «الأنواع النباتية مهددة لأسباب عدة... خصوصاً تعديل استخدام الأراضي للزراعة، فيما يؤدي تغير المناخ دوراً متزايداً» في هذا المجال.

ويلفت إلى أن «بعض النباتات ستتكيف مع هذا الوضع، فيما البعض الآخر لن يتكيف... وعلى الأقل سيبقى لها أثر هنا، بدلاً من أن تزول تماماً من الوجود».

أقبية ضد الإشعاعات

يتلقى الموقع كل أسبوع بذوراً جديدة من جميع أنحاء العالم، لتبدأ بعدها عملية حفظها.

ويقول جون ديكي إن «الحفاظ على الحياة البرية لدينا يعتمد على التكنولوجيا التي كانت تُستخدم بالفعل في الأنواع المزروعة»، مضيفاً: «الأمر ليس معقّداً: عليك أن تجفف (البذور) وتنظفها وتجمدها». وبمجرد تجميدها، يمكن تخزينها لعقود، وربما قرون، بحسب ديكي.

يعمل فريق جون ديكي تحت نظر أفراد العامة في مختبرهم المغلق بالزجاج، في الموقع الذي يضمّ نحو عشرين باحثاً وعدداً قليلاً من المتطوعين.

تركز لوسي تايلور بحثها على بذور من نوع «ألبيزيا بوليفيلا» وصلت من مدغشقر. وتشرح قائلة: «تُعدّ مدغشقر مكاناً مثيراً للاهتمام للغاية لعلماء الأحياء لأنها تضمّ نباتات فريدة بفرادة الجزيرة التي انفصلت عن أفريقيا. إلى ذلك، فإن الضغوط الممارسة على الأراضي مهمة هناك» بسبب الزراعة.

تفصل لوسي تايلور البذور الفارغة عما عداها. وتقول: «الكثير منها فارغ أو موبوء بالحشرات أو الآفات الزراعية... لكننا نريد مجموعة من أفضل جودة ممكنة والمساحة لدينا محدودة».

يتم فحص البذور بالأشعة السينية للتحقق من وجود أمراض فيها.

كل منها لديه بطاقة تعريف، مع اسمها، وبلد المنشأ، وتاريخ وصولها إلى بنك البذور. ويتم تخزينها في عبوات زجاجية قبل تجميدها في أقبية تحت الأرض، بُنيت لمقاومة الفيضانات والقصف والإشعاع. ويدخل العلماء إلى هناك وهم يغطّون أنفسهم كما لو كانوا على قاعدة في القطب الشمالي أو القطب الجنوبي.

أكبر مجموعة من البذور هي تلك التي تنتمي إلى عائلة الأوركيد. ولكن هناك بالطبع نباتات نادرة، مثل أصغر زنبق الماء في العالم، أو ديشامبسيا أنتاركتيكا، ويسمى أيضاً عشب الشعر في القطب الجنوبي، وهو أحد النباتات المزهرة المحلية في القارة المتجمدة.

«ميلّينيوم سيد بنك»، الذي يتلقى تمويلا عاما وتبرعات، عقد شراكات مع 90 دولة. بعض الدول، مثل إندونيسيا، ترفض مشاركة بذورها مع بنك البذور هذا، لكنها تحتفظ بها في أراضيها.


مقالات ذات صلة

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

أوروبا أعلنت بعض المستشفيات في إيطاليا الطوارئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

اتخذت ‌إيطاليا خطوة غير مسبوقة بوضع كل مدنها الكبرى في أعلى مستويات التأهب الصحي، بسبب ارتفاع ​درجات الحرارة اليوم الخميس

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا صورة من بحيرة بايكال في روسيا (أ.ف.ب-أرشيفية)

مشروع سياحي في روسيا يهدد «بايكال» أكبر خزان للمياه العذبة في العالم

يثير مشروع لتطوير السياحة حول بحيرة بايكال في روسيا مخاوف بيئية متزايدة، بعدما سمحت تعديلات قانونية بقطع الأشجار في مناطق كانت تخضع لحماية مشددة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم مارة يسيرون حاملين المظلات في شارع جيزو-دوري التجاري بسبب موجة حر شديدة بطوكيو يوم 23 يوليو 2026 (رويترز)

نقل المئات إلى المستشفيات جراء «كارثة» الحر الشديد في اليابان

نُقل أكثر من 450 شخصاً في طوكيو إلى المستشفيات خلال يوم واحد؛ للعلاج من مشكلات مرتبطة بالإجهاد الحراري.

«الشرق الأوسط» (طوكيو - باريس)
يوميات الشرق ما نمنحه للكائنات الصغيرة يعود إلينا على هيئة حياة (مجلس مدينة ويستبري وبريندن مورليس)

تمثال مُصمَّم لجذب الحشرات في بريطانيا

في مبادرة تجمع بين الفنّ والحفاظ على البيئة، تُركَّب منحوتة فنية جديدة في متنزه «بينلي بارك» بمدينة ويستبري في مقاطعة ويلتشير البريطانية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» بباريس حيث تُعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحت وطأة موجة حر جديدة وتحذيرات مع توسع الحرائق

أعلنت فرنسا حال تأهب قصوى في ربع أراضيها تقريباً بسبب موجة حر تؤجج أيضاً الحرائق، فيما قرر عدد من المعالم السياحية مثل برج إيفل الإغلاق باكراً.

«الشرق الأوسط» (باريس)

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
TT

إطلاق الفقاعات يساعد حيتان العنبر على عدم الطفو إلى السطح خلال الاسترخاء

مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)
مجموعة من حيتان العنبر وهي تسبح قبالة ساحل ميلاتسو الصقلي (رويترز)

يعلم أي شخص حاول إبقاء سدادة من الفلين مغمورة تحت الماء أن ذلك يتطلب جهداً، لكن حيتان العنبر تستطيع أن تظل تحت سطح المحيط على الرغم من امتلاكها رؤوساً ضخمة مملوءة بالزيت والشمع والهواء، مما يبدو أنها ستدفعها للطفو صعوداً، وهو إنجاز يعتقد العلماء الآن أنه أصبح ممكناً بفضل نفخ الفقاعات.

وحيتان العنبر هي الحيتان الوحيدة المعروفة التي تستريح في الوضع العمودي في الماء ورؤوسها متجهة نحو الأعلى. ويعتقد العلماء أن هذا الوضع يسهم في حمايتها من حركة الأمواج السطحية دون الحاجة إلى الطاقة اللازمة للغوص إلى أعماق أكبر، لكن الطريقة الدقيقة التي تبقى بها مغمورة ظلت غير واضحة. واكتشف الباحثون الآن أن الحيتان تطلق الفقاعات لتنظيم طفوها في أثناء استراحتها في وضع عمودي تحت سطح المحيط مباشرة.

وقال باتريك ميلر، الباحث في الثدييات البحرية بجامعة سانت آندروز في اسكوتلندا، إن الباحثين يشيرون إلى هذا السلوك بـ«الاسترخاء» بدلاً من «النوم»؛ لأن النوم يؤكد عادة بقياس نشاط الدماغ، وهو أمر لم يتسنَّ التحقق منه بعد في حالة حيتان العنبر. وميلر هو المعد الرئيسي للدراسة المنشورة في دورية (جورنال أوف إكسبيريمينتال بايولوجي) العلمية. ويعتقد العلماء أن هذه الحيوانات نائمة، لكنهم يفضلون استخدام المصطلح الأكثر حذراً لأن الأمر لم يثبت بنحوٍ قاطع.

ولتحري كيفية بقاء الحيتان مغمورة بالمياه في أثناء الاسترخاء، ثبّت الباحثون أجهزة تتبع صغيرة مزودة بكؤوس شفط على حيتان العنبر قبالة سواحل النرويج. وسجلت هذه الأجهزة بيانات الصوت والحركة ثلاثية الأبعاد، مما سمح للعلماء برصد انبعاث الفقاعات ومحاكاة تأثيراتها على وضع هذه الثدييات البحرية في الماء.

ووجد الباحثون أن الفقاعات تقلل من الطفو الإيجابي للحوت؛ أي ميله للاتجاه نحو الأعلى في الماء.

وتميل حيتان العنبر بطبيعتها إلى الطفو بسبب الكميات الكبيرة من زيت العنبر، وهو مادة شمعية موجودة في رؤوسها. ومع انجراف الحيتان ببطء إلى الأعلى في وضع الاسترخاء، تتوسع الغازات الموجودة في رئتيها بسبب انخفاض ضغط الماء قرب السطح. ويساعد إطلاق الفقاعات على مواجهة هذا التأثير، مما يسمح للحيتان بالبقاء شبه معدومة الوزن تحت سطح المياه.

وقال ميلر إن إطلاق الفقاعات يبدو متعمداً. وأضاف أن بعد أكثر من عقدين من تتبع حيتان العنبر باستخدام أجهزة تسجيل الصوت المثبتة عليها «لا نسمع إطلاق الفقاعات إلا في سياق سلوكي محدد للاسترخاء؛ لذا فإن الإطلاق العرضي للغازات هو أمر لا يبدو أن حيتان العنبر تفعله».

ويشتبه العلماء أيضاً في أن هذا السلوك قد يساعد الحيتان على نقل الغازات الزائدة مثل ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين من الأنسجة إلى الرئتين، مما قد يؤدي دوراً في تبادل الغازات في عملية الأيض.

وحيتان العنبر هي أكبر الحيتان ذات الأسنان في العالم ويمكنها الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائس مثل الحبار العملاق، وتعتمد في التنقل داخل المياه المعتمة على تقنية تحديد الموقع بالصدى؛ إذ تطلق أصوات نقر عالية ثم تستمع إلى الأصداء العائدة لرسم خريطة لمحيطها.

وقال ميلر: «تقضي حيتان العنبر نحو 80 في المائة من وقتها في الغوص إلى أعماق سحيقة بحثاً عن فرائسها. وبسبب الضغط الشديد في أثناء تلك الغطسات، يميل جسمها إلى مراكمة غازات غير مرغوب فيها مثل النيتروجين وثاني أكسيد الكربون التي قد يستغرق انتقالها من الدم إلى الرئتين وقتاً طويلاً. ونظراً لأنها تستريح على مسافات ضحلة جداً، فإن هذه هي الظروف المثالية لتفريغ تلك الغازات غير المرغوب فيها الناتجة عن بحثها عن الطعام في الأعماق».

وأضاف ميلر أن هذه الفكرة يمكن اختبارها في أبحاث مستقبلية.

وتترك الدراسة الجديدة بعض الأسئلة دون إجابة. فعلى سبيل المثال، لا يزال يتعين إثبات ما إذا كانت الحيتان تطلق الفقاعات عمداً، وماهية الإشارات التي تنبهها إلى الحاجة إلى إجراء تعديل.

ويأمل الباحثون أيضاً في تحديد ما إذا كانت حيتان العنبر تنام بنصف دماغ واحد في كل مرة، كما تفعل الدلافين، أم أن نصفي الدماغ ينامان معاً. ويمكن للدراسات المستقبلية استخدام أجهزة استشعار موجات الدماغ أو مراقبة عيون الحيتان في أثناء الاسترخاء للمساعدة في الإجابة عن هذا السؤال.

وفي الوقت الحالي، تشير النتائج إلى أن حيتان العنبر، مثل البشر، قد تكون على استعداد لفعل أي شيء للحصول على قسطٍ جيد من الراحة.


انخفاض قياسي في معدل إزالة غابات الأمازون البرازيلية

عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)
عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)
TT

انخفاض قياسي في معدل إزالة غابات الأمازون البرازيلية

عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)
عمّال يعملون على إعادة تشجير مساحات من غابات الأمازون في ولاية بارا البرازيلية (رويترز)

انخفض معدل إزالة الغابات في منطقة الأمازون البرازيلية العام الماضي، إلى أدنى مستوى له منذ عقد، وفقاً لبيانات رسمية صدرت الجمعة، وهو أحدث تراجع تشهده المنطقة في ظل حكم الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.

وسجل المعهد الوطني لأبحاث الفضاء إزالة 2874 كيلومتراً مربعاً من الغطاء النباتي لأكبر غابة استوائية في العالم في الفترة من أغسطس (آب) 2025 إلى يوليو (تموز) 2026، ما يمثل انخفاضاً بنسبة تقارب 37 في المائة مقارنة بالعام السابق.

وكان المعهد قد بدأ تتبع عمليات إزالة الغابات عبر الأقمار الاصطناعية منذ عام 2016.

وتعهد لولا الذي سيسعى لإعادة انتخابه في أكتوبر (تشرين الأول)، بإنهاء إزالة الغابات بطرق غير قانونية بحلول عام 2030.

وقال أثناء عرض البيانات الجديدة في ساو باولو: «تشير الأرقام إلى أننا إذا حافظنا على الوتيرة الحالية وبالجدية التي أظهرناها ومع توفير الموارد اللازمة، يمكننا تحقيق ذلك».

يُذكر أن معدلات إزالة الغابات في الأمازون ارتفعت بشدة في عهد سلفه اليميني جايير بولسونارو، ووصلت إلى ذروتها عام 2022 مع إزالة 12500 كيلومتر مربع.

وأضاف لولا الجمعة: «في هذا البلد، نحن نتعامل مع قضية المناخ بجدية بالغة، لأننا لا ننكر الحقائق. نحن نرى بأعيننا ما يحدث»، في إشارة إلى الظواهر المناخية المتطرفة.

وسيواجه لولا في الانتخابات الرئاسية المقبلة منافسه فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق، ويتقدم السياسي اليساري المخضرم بفارق طفيف في أحدث استطلاعات الرأي.

غير أن نشطاء في مجال البيئة يأخذون على لولا دعمه التنقيب عن النفط على نطاق واسع قبالة ساحل الأمازون، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»

علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»
TT

علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»

علماء أميركيون يكتشفون طريقة جديدة لإزالة المواد الكيميائية «الأبدية»

في عام 2020، ومباشرة بعد أن اشترى وينسلو ولورا روبنسون مزرعة في ولاية مين، فوجئا بمعلومة تفيد بأن مياه الصرف الصحي كانت تُستخدم سماداً في تلك الأرض قبل عقود، وأن هذه المياه خلّفت وراءها مواد كيميائية تُعرف بـ«المواد الكيميائية الأبدية» (forever chemicals) التي ظلت عالقة في التربة.

أراضٍ زراعية أميركية ملوثة كيميائياً

كان مزارعو ولاية مين في طليعة من كشفوا عن هذه المشكلة التي تعاني منها الأراضي الزراعية في جميع أنحاء البلاد؛ إذ استُخدمت مياه الصرف الصحي - الناتجة عن محطات معالجة المياه العادمة - على نطاق واسع في المزارع منذ سبعينيات القرن الماضي، وذلك بهدف تحويلها بعيداً عن مكبات النفايات وتوفير سماد رخيص للمزارعين.

وتُباع هذه المواد أيضاً - تحت اسم «المواد الصلبة الحيوية» أو «biosolids» - في بعض متاجر مستلزمات الحدائق كسماد منزلي، وربما تكون أنت نفسك تستخدمها في حديقة منزلك دون أن تدري. غير أن مياه المجاري هذه قد تحتوي على مستويات عالية من مركبات «بيرفلورو ألكيل» و«بولي فلورو ألكيل» (PFAS)، وهي المواد التي تُلقب بـ«الكيميائيات الأبدية» لأنها لا تتحلل كما تنتقل من التربة إلى الغذاء. ورغم أن الآثار المترتبة على وجود هذه المركبات في الغذاء لم تُفهم بالكامل بعد، فإنها ارتبطت بأمراض الكبد والسرطان وأمراض أخرى.

البحث عن طريقة أقل تكلفة

وفي سياق إزالة هذه المواد الضارة الأبدية، تقترح دراسة جديدة أجرتها جامعة ييل ونُشرت في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (PNAS) طريقة منخفضة التكلفة يمكن للمزارعين من خلالها معالجة هذه المشكلة والمساهمة في الوقت نفسه في مكافحة التغير المناخي.

وتُعد الطرق الحالية لمعالجة التربة الملوثة بمركبات PFAS باهظة التكلفة للغاية - إذ قد تصل أحياناً إلى مليون دولار للفدان الواحد - وعادة ما تُستخدم فقط في مواقع محددة مثل المطارات أو القواعد العسكرية، كما أنها تتطلب إزالة التربة ونقلها؛ ومن ثم، فإن تنظيف ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية الأميركية بهذه الطريقة ليس أمراً عملياً أو ممكناً.

قرر نوح بلانافسكي، أستاذ الكيمياء الجيولوجية في جامعة ييل والمتخصص في دراسة صحة التربة، العمل على هذه المشكلة بعد أن اطلع على تفاصيلها من المزارعين. ويقول بلانافسكي: «كان المزارعون يشعرون بقلق عميق إزاء هذا الأمر، وشعروا بأنهم لا يحصلون على معلومات دقيقة، وأنهم يواجهون مشكلة هائلة بينما يتم تجاهلهم أو التلاعب بعقولهم وتضليلهم».

زراعة محاصيل تمتص السموم

اختبرت الدراسة نهجاً بسيطاً لمعالجة التربة الملوثة، يتمثل في قيام المزارعين بزراعة محاصيل معروفة بقدرتها على امتصاص مركبات PFAS بسرعة، مثل القنب وعباد الشمس. ويضيف المزارعون أيضاً صخوراً قلوية مسحوقة إلى التربة لرفع مستوى الأس الهيدروجيني (pH)، ما يساعد النباتات على امتصاص كميات أكبر من المواد الكيميائية. وعند حصاد المحاصيل، فإنها تُعرَّض لدرجات حرارة عالية جداً في غياب الأكسجين، مما يؤدي إلى تفكيك مركبات «بيرفلورو ألكيل» PFAS.

يقول بلانافسكي: «على الرغم من أنها تُعرف بـ(المواد الكيميائية الأبدية) - نظراً لكونها مركبات شديدة الثبات والمتانة - فإنه يمكن تدميرها عند درجات حرارة مرتفعة، وهي حقيقة موثقة جيداً». وتنتج عن هذه العملية مادة «الفحم الحيوي» (biochar)، التي يمكن إعادتها إلى التربة للمساعدة في احتجاز المزيد من المركبات الأبدية.

خفض مستويات التلوث إلى الحدود الآمنة في غضون عقد من الزمن

ويُقدّر العلماء أن هذه الطريقة قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى خفض مستويات التلوث إلى الحدود الآمنة في غضون عقد من الزمن.

وثمة تحدٍ آخر يتمثل في أن مياه الصرف الصحي لا تزال تُستخدم في بعض المزارع في معظم الولايات. ولا عجب في شيوع استخدامها تاريخياً؛ إذ تقول لورا روبنسون، وهي مزارعة عضوية في ولاية مين شاركت في دراسة جامعة ييل: «بالكاد يغطي المزارعون نفقاتهم؛ فالزراعة لا تدر أرباحاً كبيرة. لذا، إذا عُرض عليك سماد مجاني لمساحات شاسعة من حقول القش، فمن الطبيعي أن تقبل به، خاصة وأن الجهات المعنية كانت تؤكد سلامته».

هل تكلفة عمليات المعالجة والتنقية معقولة؟

تتميز الطريقة التي يتبعها العلماء بأن تكلفتها أقل بكثير (بفارق هائل في التكلفة) مقارنة بالأساليب الأخرى المستخدمة لإزالة المواد الكيميائية الأبدية، كما أنها تنطوي على ميزة إضافية: إذ تساهم إضافة الصخور المسحوقة إلى التربة في احتجاز ثاني أكسيد الكربون.

وتجدر الإشارة إلى أن «بلانافسكي» يجري أبحاثاً أيضاً حول هذا النوع من إزالة الكربون - المعروف باسم «التجوية الصخرية المعززة» - كما شارك في تأسيس شركة ناشئة تدعى «ليثوس» Lithos تعمل بشكل منفصل على استخدام غبار الصخور في مزارع أخرى.

ومن الناحية النظرية، يمكن أن تساهم عائدات بيع أرصدة إزالة الكربون في تمويل عمليات معالجة التربة من المواد الأبدية. ويقول بلانافسكي: «نحن بحاجة إلى إزالة مليارات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون لتحقيق أهدافنا المناخية. وهناك أيضاً إجماع علمي على أن وجود مواد PFAS في المنظومة الغذائية يثير مخاوف صحية حقيقية على نطاق عام واسع... وأعتقد أن معظم الناس يتفقون على أن التمويل المخصص لهذين الأمرين غير كافٍ».

* مجلة «فاست كومباني».