بعد غزة... ترمب يتقدّم نحو اختبار أوكرانيا الأصعب

موسكو تراهن على الوقت وواشنطن على الزخم وأوروبا قلقة من صفقة تستثنيها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز بمريلاند عائداً من الشرق الأوسط الثلاثاء (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز بمريلاند عائداً من الشرق الأوسط الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

بعد غزة... ترمب يتقدّم نحو اختبار أوكرانيا الأصعب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز بمريلاند عائداً من الشرق الأوسط الثلاثاء (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز بمريلاند عائداً من الشرق الأوسط الثلاثاء (أ.ف.ب)

لم تكن حرب غزة، في جوهرها، سوى مختبر جديد لعودة دونالد ترمب إلى المسرح الدولي. ومع أن اتفاق وقف النار، الذي رعته واشنطن حمل كثيراً من الجدل والتناقضات، فإن العالم، خصوصاً أوروبا، وجد نفسه أمام مشهد مختلف: رئيس أميركي يستخدم أدوات الدبلوماسية والإكراه معاً، ويعيد تعريف «الوساطة» بوصفها مزيجاً من الضغط والوعيد والمناورة.

من هذه الزاوية تحديداً، ينظر الأوروبيون اليوم إلى تحرّك ترمب المتزايد حيال أوكرانيا، متسائلين عمّا إذا كان «الإنجاز الغزّاوي» مؤشراً على ما هو آتٍ، أم مجرد لحظة سياسية عابرة في ملف معزول؛ فالرهان هذه المرة أكبر بكثير، والخصم أقوى، والبيئة الجيوسياسية أكثر تعقيداً.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قمة شرم الشيخ الاثنين (رويترز)

واشنطن تستعيد الثقة بالنفس

الإنجاز الذي دوّنه ترمب في غزة لم يكن مجرد اتفاق ميداني؛ بل لحظة استعادة رمزية لـ«هيبة القرار الأميركي» التي فقدتها الإدارات السابقة؛ فالرئيس الذي كان يُتهم في فترته الأولى بالانسحاب من الشرق الأوسط عاد اليوم ليُظهر أنه قادر على فرض اتفاق في ملف بالغ التشابك، مستخدماً أدوات سياسية واقتصادية وعسكرية في آنٍ واحد.

لكن ما يعده أنصاره نجاحاً في غزة يراه خصومه تجربة محدودة النطاق، لا تصلح مرجعية في الملفات الكبرى. فروسيا ليست حركة مقاومة محاصرة، ورئيسها فلاديمير بوتين ليس خصماً يسهل عزله أو إرغامه على التنازل عبر الوساطات الإقليمية، بل هو رئيس لدولة نووية تمتلك عمقاً استراتيجياً وتحالفات صلبة مع الصين وإيران وكوريا الشمالية، واحتياطات مالية ضخمة مكّنتها من تحمّل كلفة الحرب.

مع ذلك، ثمة من يرى في واشنطن أن «المزاج السياسي» الأميركي تغيّر فعلاً؛ فترمب، المدعوم من قاعدة انتخابية ترى في «الصرامة» عنوان القوة، يميل إلى دبلوماسية هجومية توظّف عنصر المفاجأة، وتقوم على الصفقات السريعة لا المفاوضات الطويلة.

رهانات كييف

في الأيام الأخيرة، ارتفعت في كييف نبرة التفاؤل الحذر؛ فزيارة الرئيس فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، إلى واشنطن قد تشهد، وفق بعض التسريبات، طرح ملف تسليم صواريخ «توماهوك» بعيدة المدى، القادرة على إصابة أهداف في العمق الروسي، وهو سيناريو لوّحت به الإدارة الأميركية من دون أن تحسم قرارها، مثلما لوحت سابقاً بفرض عقوبات اقتصادية قاسية أيضاً.

ترمب يعرض النسخة التي وقَّع عليها لاتفاق غزة في شرم الشيخ الاثنين (أ.ف.ب)

أوساط قريبة من البيت الأبيض تقول إن ترمب يستخدم هذا الملف ورقة ضغط سياسية أكثر منها عسكرية؛ فإطلاق تهديد بإرسال تلك الصواريخ يهدف إلى خلق «ضغط نفسي على الكرملين» لحمله على التفاوض، لا إلى تغيير جذري في موازين الميدان.

لكن كييف تبدو مصممة على تحويل هذه الورقة إلى واقع؛ فالحرب بالنسبة إليها لم تعد قضية «استنزاف متبادل»، بل معركة بقاء تتطلب أدوات جديدة. وقد نفّذت أوكرانيا خلال الصيف أكثر من 140 هجوماً بطائرات مسيَّرة على منشآت النفط والغاز داخل روسيا؛ ما أدى إلى تعطيل قرابة 20 في المائة قدرات التكرير، ورفع أسعار الوقود داخل السوق الروسية إلى مستويات غير مسبوقة.

ويرى البعض أن هذه الضربات رغم أنها لم تشلَّ الاقتصاد الروسي، لكنها أصابت مزاج الشارع، وأعادت الحرب إلى داخل روسيا بعد أن كانت بعيدة عنها.

بوتين بين صبر طويل ومأزق داخلي

في المقابل، تراهن موسكو على «الزمن الطويل» بوصفه حليفها الأول، فبوتين يدرك أن المجتمع الغربي يعاني من تعب الحرب، وتراجع الحماسة الشعبية لمواصلة الدعم المالي والعسكري لكييف، وأن الأزمات الداخلية في أوروبا، من التضخم إلى الهجرة، جعلت الشعوب أقل استعداداً لدفع تكلفة حرب لا تبدو قريبة النهاية.

الرئيس الأميركي دونالد مستقبلاً نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض بواشنطن في 18 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

إلا أن هذا الرهان لا يخلو من أخطار. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت عزلة روسيا الاقتصادية، وتفاقمت حاجتها إلى الأسواق الآسيوية، خصوصاً الصين، التي بدأت تُظهر بدورها إشارات تململ خفية من التكلفة السياسية لتحالفها المفرط مع الكرملين.

وكثيراً ما قيل إن بوتين يعتمد على أن الانقسامات الغربية لمنحه الوقت، لكن ما لا يُحسب بدقة هو أن ترمب قد يعيد تعريف قواعد اللعبة بسرعة غير متوقعة.

الصين الحاضر الغائب في الحرب

أحد أبرز التحديات التي تواجه أي مبادرة أميركية هو الدور الصيني المتعاظم في دعم روسيا. فبحسب بيانات تجارية حديثة، ارتفعت صادرات الصين إلى روسيا بنحو 70 في المائة خلال العام الحالي، خصوصاً من الكابلات الليفية والبطاريات الليثيومية، المستخدمة في صناعة الطائرات المسيَّرة، ما مكَّن موسكو من إنتاج جيل جديد من المسيَّرات «المقاومة للتشويش الإلكتروني» الأميركي التي غيَّرت موازين القتال في الجبهة الشرقية. وتعد هذه الأرقام مؤشراً على دور صيني متزايد في تمكين موسكو من مواصلة الحرب رغم العقوبات الغربية.

ويرى خبراء في مراكز بحث أميركية أن بكين «اختارت مسار دعم تقني غير مباشر» يمنحها هامش إنكار سياسي مع الاستمرار في تمويل المجهود الحربي الروسي. وقالت كاترينا بوندار، الباحثة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إن «الصين لم ترسل سلاحاً جاهزاً، لكنها سمحت بتدفق المكونات الحيوية التي تُصنع منها المسيَّرات الميدانية».

ورغم تصاعد التوتر بين واشنطن وبكين على خلفية تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 100 في المائة على الواردات الصينية، وإدراك الدور الذي تلعبه بكين، فإن واشنطن تختار حالياً لغة مزدوجة: انتقاد معلن، ومحادثات خلف الكواليس. ويؤكد مسؤولون أميركيون أن قنوات الاتصال لا تزال مفتوحة، وقد يلتقي ترمب نظيره شي جينبينغ على هامش «قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ» في كوريا الجنوبية نهاية الشهر الحالي، في محاولة لضبط التوتر التجاري، وفتح نافذة تفاهم جزئي حول الملف الأوكراني.

الرئيس الأميركي ونظيره الروسي في ختام مؤتمر صحافي بقاعدة «إلمندورف ريتشاردسون» المشتركة في أنكوريج بألاسكا في 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

لكن الأوروبيين، وفق دبلوماسيين في بروكسل «قلقون من أن تؤدي المواجهة الاقتصادية بين واشنطن وبكين إلى عرقلة أي تعاون ضروري لاحتواء موسكو. وثمة قلق واضح من أن أي تفاهم أميركي - صيني محتمل حول أوكرانيا قد يتم من دون مشاركة القارة العجوز، كما حدث في ملفات أخرى. وهو ما يثير تساؤلات عن موقع أوروبا الفعلي في موازين النظام الدولي الجديد.

دبلوماسية الصفقات والحدود الأخلاقية

تنقل صحيفة «وول ستريت جورنال» عن فريد فليتس، المستشار السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي خلال ولاية ترمب الأولى، قوله، إن «ترمب يمارس نوعاً جديداً من الدبلوماسية لا يقوم على القيم ولا على التحالفات، بل على الصفقات والنتائج». هذه المقاربة، برأيه، «قد تنجح حيث فشلت البيروقراطية التقليدية، لكنها تثير تساؤلات حول استدامة تلك النتائج ومصداقيتها».

من هنا، يرى محللون أن أي «صفقة كبرى» محتملة بين واشنطن وموسكو، سواء تضمنت تجميد القتال أم إعادة ترسيم حدود السيطرة الميدانية، ستثير جدلاً أخلاقياً داخل الغرب؛ فالتنازل عن أجزاء من الأراضي الأوكرانية، ولو مؤقتاً، قد يُفسّر كاستسلام سياسي لقوة الغزو، وهو ما يتناقض مع الخطاب الغربي عن «الدفاع عن النظام الدولي».

لكن آخرين يردّون أن الواقعية السياسية تفرض نفسها؛ فالحروب الطويلة تُحسم بالتفاوض لا بالمبادئ، وأن «سلاماً ناقصاً» أفضل من حرب مفتوحة تُنهك الجميع.

البيت الأبيض أمام اختبار القيادة العالمية

يبدو أن ترمب يدرك تماماً أن نجاحه في غزة منحه رصيداً سياسياً داخلياً يمكن استثماره في أوكرانيا، لكن هذا النجاح نفسه قد يتحول عبئاً إذا فشل في تحقيق نتيجة ملموسة في أوروبا؛ فالناخب الأميركي لا يرى فارقاً بين شرق أوسط مضطرب وأوروبا متوترة؛ ما يهمه هو صورة الرئيس الذي «يجلب السلام»، ويعيد «الهيبة الأميركية».

بينما تستعد كييف لجولة جديدة من الضغوط والمفاوضات، يبدو أن أوروبا، التي دفعت الجزء الأكبر من تكلفة الحرب الاقتصادية، تقف في موقع المتفرج القَلِق؛ فالدبلوماسية الأميركية تتحرك بوتيرة سريعة ووحدها، بينما يخشى الأوروبيون أن تنتهي اللعبة بصفقة ثنائية لا تراعي مصالحهم، ولا تحفظ الأمن الإقليمي.

ومع ذلك، يبقى احتمال الاتفاق مفتوحاً؛ فالحرب التي بدأت بشعار «كل شيء أو لا شيء» قد تنتهي بتسوية رمادية، يخرج منها الجميع بإعلان نصر جزئي. وفي هذه التسوية تحديداً، سيُختبر ما إذا كان ترمب قادراً على تحويل دبلوماسية غزة إلى «نموذج قابل للتصدير»، أم أن حرب أوكرانيا ستبقى عصية على أي صفقة مهما بلغت براعة المساومين.


مقالات ذات صلة

السيسي يطالب بإعطاء فرصة لوقف الحرب الإيرانية

شمال افريقيا السيسي يتحدث في الندوة التثقيفية التي نظمتها القوات المسلحة في إطار احتفالات «يوم الشهيد والمحارب القديم» (الرئاسة المصرية)

السيسي يطالب بإعطاء فرصة لوقف الحرب الإيرانية

دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى إعطاء فرصة لوقف الحرب الإيرانية، والبحث عن «الحلول السلمية».

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا أطفال نازحون يجلسون على أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

حرب إيران تعيد المخاوف المصرية من تهجير الفلسطينيين

عادت مخاوف مصر من مخطط تهجير الفلسطينيين مع تصاعد حرب إيران وفتح جبهات عديدة بالمنطقة

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ب)

إسرائيل تغتال ناشطاً من «حماس» وعصابات مسلحة تختطف 6 فلسطينيين

واصلت إسرائيل خروقاتها لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، في وقت يزداد فيه نشاط العصابات المسلحة في مناطق مختلفة من القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يستقلون شاحنة صغيرة يمرون بمئات الخيام المنصوبة لإيواء الفلسطينيين النازحين في خان يونس (أ.ف.ب)

إندونيسيا: سننسحب من «مجلس السلام» إذا لم يخدم مصالح الفلسطينيين

سينسحب الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو من مجلس السلام الذي أسسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إذا لم يكن إنشاء هذه الهيئة مفيداً للفلسطينيين

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
المشرق العربي الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يقول إنه ضرب شاحنة للأمم المتحدة في غزة «دون قصد»

قال الجيش الإسرائيلي، الجمعة، إن قذيفة أصابت عن غير قصد شاحنة وقود تابعة لوكالة للأمم المتحدة في قطاع غزة في اليوم السابق.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.