تبديل على رأس «الناتو»... لكن لا تغيير متوقعاً في عمل الحلف

الهولندي مارك روته يخلف الثلاثاء النرويجي ينس ستولتنبرغ أميناً عاماً

جنود مشاركون بمناورات لـ«الناتو» في لاتفيا (أرشيفية - إ.ب.أ)
جنود مشاركون بمناورات لـ«الناتو» في لاتفيا (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

تبديل على رأس «الناتو»... لكن لا تغيير متوقعاً في عمل الحلف

جنود مشاركون بمناورات لـ«الناتو» في لاتفيا (أرشيفية - إ.ب.أ)
جنود مشاركون بمناورات لـ«الناتو» في لاتفيا (أرشيفية - إ.ب.أ)

يتولى رئيس الوزراء الهولندي السابق، مارك روته، الثلاثاء، قيادة «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، لكن التناوب على رأس أكبر حلف عسكري في العالم لا يعني أنه سيكون بالإمكان إحداث تغيير جذري في عمله.

وقال إيان ليسر، من معهد «جيرمان مارشال فاند» للدراسات في بروكسل: «في (حلف الأطلسي) يتقرر كل شيء؛ كل شيء على الإطلاق، من أتفه الأمور إلى أكثرها استراتيجية، بالإجماع... وبالطبع؛ فإن مدى الاحتمالات المتاحة للأمناء العامين لإحداث تغيير في العمق في عمل (حلف الأطلسي)، يبقى محدوداً جداً».

ويعمل الأمين العام «في الكواليس» من أجل بلورة القرارات التي يتعين لاحقاً أن توافق عليها الدول الأعضاء الـ32.

وأوضح جامي شيا، المتحدث السابق باسم «الحلف» والباحث لدى معهد «تشاتام هاوس» البريطاني للدراسات، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن الأمين العام «لديه سلطة تحديد الأجندة، وهو الذي يترأس (مجلس شمال الأطلسي)؛ الهيئة السياسية للقرار في (الحلف)». لكنه لا يمسك وحده بقرار الدخول في حرب، وليس بالتأكيد من يضغط على الزر النووي، فهاتان من صلاحيات الدول الأعضاء؛ على رأسها الولايات المتحدة.

وهذا لا يعني أن قائد «الحلف» لا يملك نفوذاً.

وأشار إيان ليسر في هذا الصدد إلى أن الأمين العام الأسبق، جورج روبرتسون، كان له دور مهم في تفعيل «المادة5» بعد اعتداءات «11 سبتمبر (أيلول) 2001» على الولايات المتحدة.

ستولتنبرغ مع روته بالمقر الرئيسي لـ«الناتو» في بروكسل يوم 17 أبريل 2024 (رويترز)

وتنص «المادة5» من ميثاق «الناتو» على أن أي هجوم على دولة عضو «سيعدّ هجوماً على كل الأعضاء»، تحت عنوان: «الدفاع الجماعي». وجرى تفعيلها مرة واحدة في كل تاريخ «الحلف» لمصلحة الولايات المتحدة ولو رمزياً.

كما أن شخصية الأمين العام الجديد سيكون لها دور، وهذا ما يثير ترقباً حيال مارك روته بعد 10 سنوات من قيادة رئيس الوزراء النرويجي السابق ينس ستولتنبرغ.

فهل يعمل على ترك بصماته منذ وصوله، أم ينتظر ولاية ثانية محتملة؟

وقال شيا إن الأمناء العامين «يميلون عند وصولهم إلى أن يكونوا مرشحي الاستمرارية، لكن إذا بقوا بعض الوقت، فهم بالطبع يزدادون ثقة».

قيادة المساعدات

ودفع ستولتنبرغ «الحلف» باتجاه تقديم دعم متصاعد لأوكرانيا، لا سيما بعد غزو روسيا أراضيها في فبراير (شباط) 2022. وطرح تقديم مساعدة سنوية لا تقل عن 40 مليار دولار لأوكرانيا، وحصل على التزام من الدول الحليفة في هذا الصدد. كما حصل على صلاحية أن يتولى «الحلف» القيادة الكاملة لعمليات تسليم المساعدات العسكرية الغربية.

زعماء «الناتو» خلال انعقاد قمتهم في واشنطن يوم 9 يوليو 2024 (د.ب.أ)

يبقى أنه في زمن الحرب، تكون لوحدة الصف والاستمرارية الأفضلية على كل الحسابات الأخرى؛ مما لا يشجع على أي تغيير.

وقال دبلوماسي في «حلف الأطلسي»، طالباً عدم الكشف عن اسمه: «في ظل وضع جيوسياسي بمثل هذه الصعوبة، من المهم للغاية الحفاظ على الاستمرارية وعلى التوجه ذاته في السياسة الخارجية والأمنية».

يبقى أن الجميع في أروقة مقر «الحلف» في بروكسل ينتظرون من روته أسلوباً جديداً في الإدارة يكون «جامعاً أكثر بقليل»، بعد عقد من قيادة «نرويجية» مارسها سلفه «عمودياً»، وفق ما لفت دبلوماسي آخر في «الحلف».

ومارك روته من معتادي أروقة «حلف الأطلسي» و«الاتحاد الأوروبي» بعدما قضى 14 عاماً على رأس الحكومة الهولندية.

وهذا ما يجعل الجميع يراهن عليه بصورة خاصة لتعزيز التنسيق بين «حلف الأطلسي» والتكتل الأوروبي، في وقت يؤدي فيه «الاتحاد» دوراً متصاعداً في المسائل الأمنية.

وهذا الملف معلق بسبب الخلافات بين تركيا؛ العضو في «الحلف» من غير أن تكون عضواً في «الاتحاد الأوروبي»، واليونان حول مسألة قبرص.

وفي حال عاد دونالد ترمب إلى البيت الأبيض بعد الانتخابات الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فإن الدول الحليفة تعول على مهارات روته مفاوضاً من أجل الحفاظ على وحدة «الحلف».

ورفض ستولتنبرغ إسداء أي نصيحة إلى روته في العلن، مكتفياً بالقول إنه سيكون «ممتازاً». لكنه لخص بجملة ما يتوقعه الجميع من الأمين العام لـ«الحلف» بالقول: «ستكون مهمته الكبرى بالطبع إبقاء جميع الحلفاء الـ32 معاً».


مقالات ذات صلة

أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع ثنائي مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان في أنقرة بتركيا (أ.ب)

قمة «الناتو» تترقب ترمب… ودور أميركا في حماية أوروبا مستقبلاً

مع بدء قمة «الناتو» يترقب الحلفاء المواقف التي سيعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال الدور المستقبلي لبلاده في الحلف وسط تحذيرات من توسيع روسيا حرب أوكرانيا

علي بردى (واشنطن)
أوروبا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قصر بيتشبع الرئاسي بأنقرة (الرئاسة التركية)

ترمب يؤكد النظر في بيع مقاتلات «إف - 35» لتركيا ورفع عقوبات «كاتسا»

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيتم النظر في إمكان بيع تركيا مقاتلات «إف - 35» ورفع العقوبات المفروضة عليها بموجب قانون «كاتسا»

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مصافحة بين الرئيسين دونالد ترمب ورجب طيب إردوغان في أنقرة (أ.ف.ب) p-circle

ترمب: سنرفع العقوبات عن تركيا وربما نبيع مقاتلات لها

قال الرئيس الأميركي إن واشنطن سترفع عقوبات فرضتها على تركيا بسبب حصولها على منظومات دفاع جوي ​روسية، كما عبّر عن الاستعداد لبيع طائرات مقاتلة «إف - 35» لأنقرة.

«الشرق الأوسط» (أنقرة )
الولايات المتحدة​ استقبل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله على متن طائرة الرئاسة الأميركية «إير فورس ون» إلى قاعدة إيتيمسغوت الجوية قرب أنقرة اليوم (أ.ف.ب) p-circle

ترمب يصل إلى أنقرة ويعرب عن «خيبة أمله» من «الناتو» قبل القمة

وصل الرئيس الأميركي إلى أنقرة، الثلاثاء، للمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، حيث أعرب عن «خيبة أمل عميقة» إزاء موقف الحلف خلال الحرب على إيران.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

الاتحاد الأوروبي يدرس خطة طارئة بعد قيود أميركية على نماذج ذكاء اصطناعي

شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)
شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يدرس خطة طارئة بعد قيود أميركية على نماذج ذكاء اصطناعي

شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)
شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)

يسعى الاتحاد الأوروبي لحماية الوصول إلى الذكاء الاصطناعي المتقدم، بعدما فرضت الولايات المتحدة مؤقتاً قيوداً على استخدام الأجانب نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على تحديد نقاط ضعف البرمجيات.

وأعلنت المفوضية الأوروبية، الثلاثاء، أنها تعتزم تطوير إجراءات طارئة معينة، بحلول نهاية العام الحالي، في حال فرضت دولة ثالثة قيوداً على الوصول إلى نماذج ذكاء اصطناعي ذات إمكانيات متقدمة في الأمن السيبراني.

وبعد أمرٍ أصدرته الحكومة الأميركية، في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، حجبت شركة «أنثروبيك»، ومقرها كاليفورنيا، الوصول إلى نماذجها الرائدة الصادرة حديثاً.

وذكرت الشركة أن واشنطن وجّهت «أنثروبيك» إلى حظر غير الأميركيين من الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي «فابل 5» و«ميثوس 5»، مشيرة إلى أسباب متعلقة بالأمن القومي، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويُعد النموذجان ملائمين للغاية لرصد نقاط الضعف والثغرات الأمنية في البرمجيات.

وفي مطلع يوليو (تموز) الحالي، وبعد أكثر من أسبوعين، رفعت الحكومة الأميركية القيود المفروضة على تصدير نموذجي الذكاء الاصطناعي.

وقالت هينا فيركونين، مفوضة الاتحاد الأوروبي للشؤون الرقمية، إن أوروبا لا بد أن تبني قدراتها السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بنفسها. وأشارت إلى ارتفاع تكلفة هذا، لكن في المقابل تكلفة عدم تطوير نماذج رائدة في الذكاء الاصطناعي أكبر.


ترمب: بوتين وزيلينسكي «يريدان اتفاقاً» ينهي الحرب في أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مطار «إيسنبوغا» قبل انعقاد قمة رؤساء دول وحكومات «حلف شمال الأطلسي - ناتو» لعام 2026 في أنقرة (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مطار «إيسنبوغا» قبل انعقاد قمة رؤساء دول وحكومات «حلف شمال الأطلسي - ناتو» لعام 2026 في أنقرة (إ.ب.أ)
TT

ترمب: بوتين وزيلينسكي «يريدان اتفاقاً» ينهي الحرب في أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مطار «إيسنبوغا» قبل انعقاد قمة رؤساء دول وحكومات «حلف شمال الأطلسي - ناتو» لعام 2026 في أنقرة (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مطار «إيسنبوغا» قبل انعقاد قمة رؤساء دول وحكومات «حلف شمال الأطلسي - ناتو» لعام 2026 في أنقرة (إ.ب.أ)

أكد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الثلاثاء في أنقرة، أن نظيريه؛ الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والروسي فلاديمير بوتين، «يريدان» التوصل إلى اتفاق يضع حداً للحرب في أوكرانيا، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال ترمب للصحافيين بعيد وصوله إلى العاصمة التركية في اليوم الأول من قمة مرتقبة لـ«حلف شمال الأطلسي (ناتو)»: «أعتقد أنهما يريدان التوصل إلى اتفاق. من المؤسف أن يكون الأمر قد استغرق هذا الوقت الطويل، لكنني أعتقد أن شيئاً ما سيظهر».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) لدى وصوله إلى قمة الـ«ناتو» في أنقرة يصافح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (أ.ب)

وأفاد ترمب خلال لقائه الرئيس التركي، رجب طيب ‌إردوغان، على ‌هامش قمة «حلف ​شمال ‌الأطلسي» ⁠في ​تركيا: «أعتقد أننا ⁠سنتوصل إلى حل، وآمل أن يكون ذلك قريباً».

واستطرد: «أجرينا محادثة مطولة... استمرت فترة طويلة. تحدثت أيضاً إلى الرئيس زيلينسكي مباشرة بعد هذه المحادثة. ⁠أعتقد أنهما يرغبان في التوصل ‌إلى اتفاق... ‌أعتقد أيضاً أننا ​سنتوصل إلى ‌إنهاء للحرب، وآمل أن يكون ذلك ‌في القريب العاجل».

ومن المتوقع أن يجتمع زيلينسكي وترمب خلال قمة «حلف شمال الأطلسي» الأربعاء، ‌وذلك في أعقاب تصعيد أوكرانيا وتيرة هجماتها على قطاع ⁠الطاقة ⁠الروسي على مدى أشهر، فضلاً عن الهجمات الجوية الروسية المكثفة التي أودت بحياة 50 شخصاً في العاصمة الأوكرانية خلال يوليو (تموز) الحالي فقط.

وقال زيلينسكي، الثلاثاء، إنه يعتزم مناقشة حاجة أوكرانيا الملحة إلى أنظمة دفاع جوي للتصدي ​للهجمات الباليستية ​الروسية.

وفي وقت سابق، دعا زيلينسكي «حلف شمال الأطلسي» إلى زيادة مساعداته لأوكرانيا في مجال الدفاع الجوي.

وأوضح من العاصمة التركية: «نحن قادرون على القيام بكل ما تبقّى بأنفسنا، لكن عندما يتعلق الأمر بالدفاع الجوي، فنحن بحاجة إلى عزيمة شركائنا».


صاروخ الصين في «الهادئ»: رسالة نووية من «تحت الماء» تشعل قلق الحلفاء

الصاروخ الصيني الذي قالت بكين إنه أطلق من غواصة نووية في تجربة بجنوب المحيط الهادئ (أ.ب)
الصاروخ الصيني الذي قالت بكين إنه أطلق من غواصة نووية في تجربة بجنوب المحيط الهادئ (أ.ب)
TT

صاروخ الصين في «الهادئ»: رسالة نووية من «تحت الماء» تشعل قلق الحلفاء

الصاروخ الصيني الذي قالت بكين إنه أطلق من غواصة نووية في تجربة بجنوب المحيط الهادئ (أ.ب)
الصاروخ الصيني الذي قالت بكين إنه أطلق من غواصة نووية في تجربة بجنوب المحيط الهادئ (أ.ب)

لم يكن إطلاق الصين صاروخاً باليستياً بعيد المدى من غواصة نووية إلى المحيط الهادئ، مجرد تجربة تقنية عابرة؛ بل إشارة استراتيجية محسوبة في توقيت شديد الحساسية. فواشنطن، التي قالت وفق بيان من وزارة الخارجية، إنها راقبت إطلاق صاروخ غير مسلح عابر للقارات من غواصة صينية وسقوطه في جنوب الهادئ، رأت في الخطوة دليلاً إضافياً على تسارع بناء نووي «سريع وغامض»، وطالبت بكين بالانخراط في ترتيبات إخطار منتظمة وحوار جدي حول الحد من التسلح.

الصاروخ الصيني الذي قالت بكين إنه أطلق من غواصة نووية في تجربة بجنوب المحيط الهادئ (أ.ب)

الأخطر أن الاختبار جاء في بيئة إقليمية مثقلة أصلاً بالتوتر: أزمة تايوان، وصعود النشاط العسكري الصيني في البحار المحيطة، وتدريبات بحرية صينية - روسية بدأت الاثنين قرب تشينغداو وتستمر حتى 13 يوليو (تموز)، مع تأكيد موسكو أنها «دفاعية» ولا تستهدف أحداً. بهذا المعنى، بدا الصاروخ كأنه يختبر ليس فقط مدى السلاح؛ بل أعصاب الحلفاء الأميركيين في المحيطين الهندي والهادئ.

الرئيس الصيني شي جيبينغ (د.ب.أ)

ردع يتغير

تقول بكين إن التجربة «روتينية» ولا تستهدف دولة بعينها، لكن طبيعتها تجعل من الصعب التعامل معها بوصفها حدثاً عسكرياً اعتيادياً؛ فالإطلاق من غواصة نووية، لا من منصة برية، يعني أن الصين تعرض قدرة متقدمة على الضربة الثانية؛ أي امتلاك وسيلة نووية قادرة على البقاء بعد هجوم أول والرد من البحر. هذه هي الحلقة الأشد حساسية فيما يسمى «الثالوث النووي»: البر والجو والبحر.

سفينة لخفر السواحل الصيني (أرشيفية - أ.ف.ب)

وبحسب صحف أميركية، بينها «واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال»، عدّت التجربة أول عرض معروف لقدرة صينية على توجيه ضربة نووية استراتيجية من البحر، في خطوة تقرب بكين من تثبيت ثالوثها النووي الكامل. كما أن تجربة 2024 لصاروخ باليستي عابر للقارات قطع نحو 12 ألف كيلومتر إلى قرب بولينيزيا الفرنسية، سبقت هذه الخطوة، ما يجعل اختبار الغواصة حلقة جديدة في مسار تصاعدي لا حادثاً منفصلاً.

هذا التطور يضع الولايات المتحدة أمام معادلة أكثر تعقيداً: لم تعد الصين قوة نووية «صغيرة» تكتفي بالحد الأدنى من الردع؛ بل قوة توسع خياراتها، وتبني منصات أكثر بقاءً، وتريد إقناع واشنطن بأن أي تدخل كبير في نزاع حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي، قد يحمل تكلفة استراتيجية أوسع.

صورة أرشيفية لنظام صاروخي تايواني متحرك «هيمارس» (رويترز)

حلفاء قلقون

ردود الفعل الإقليمية عكست حجم التحول. أستراليا وصفت الاختبار بأنه مزعزع للاستقرار، واليابان أبدت قلقاً جدياً، ونيوزيلندا انتقدت الخطوة، فيما اتسعت الدائرة لاحقاً مع انتقاد مشترك من أستراليا وجزر سليمان اليوم (الثلاثاء). اللافت أن القلق لم يقتصر على الصاروخ نفسه؛ بل على الشفافية: من أُبلغ؟ ومتى؟ وهل كان الإخطار كافياً لتجنب سوء التقدير؟

تقول تقارير إن الصاروخ ربما كان من طراز «جي إل-2» أو «جي إل-3»، وإنه قطع أكثر من 7 آلاف كيلومتر، في حين سبقت التجربة حركة سفن تتبّع صينية في غرب «الهادئ» بين غينيا الجديدة وغوام. وإذا صح ذلك، فإن الرسالة لم تكن موجهة فقط إلى العواصم الآسيوية؛ بل أيضاً إلى البنية العسكرية الأميركية في غوام ومحيطها، حيث تتمركز عناصر أساسية من قدرة واشنطن على مراقبة «الهادئ» وردع الصين.

الصاروخ الصيني العابر للقارات من طراز «جي إل-3» خلال استعراض عسكري في سبتمبر 2025 بالذكرى الـ80 للحرب اليابانية على الصين (أ.ب)

وبحسب «وول ستريت جورنال»، هنا تظهر معضلة الحلفاء. فكلما زادت الصين من قدرتها على تهديد العمق الأميركي، زادت حاجة دول مثل اليابان وأستراليا إلى ضمانات أميركية أوضح. لكن هذه الضمانات نفسها قد تدفع بكين إلى مزيد من استعراض القوة. إنها دائرة ردع وردع مضاد، قد تتحول بسهولة إلى سباق تسلح إذا غاب التواصل العسكري وقواعد الإخطار.

تايوان في الخلفية

لا يمكن فصل الاختبار عن تايوان، حتى لو لم يذكرها البيان الصيني؛ فالصين تعرف أن نقطة الاحتكاك الأكثر احتمالاً مع الولايات المتحدة هي الجزيرة، وأن واشنطن تقيس أي تطور نووي صيني بمدى تأثيره في حرية قرارها العسكري عند اندلاع أزمة هناك. لذلك، لا يبدو الصاروخ رسالة «هجومية» مباشرة ضد تايوان بقدر ما هو رسالة ردع إلى الولايات المتحدة: لا تراهنوا على أن التدخل سيظل محدود التكلفة.

وفي خلفية المشهد، تتقدم الصين في تحديث أوسع يشمل صوامع صاروخية جديدة، ومنصات بحرية، وقاذفات مطورة. وتشير تقديرات غربية إلى أن الترسانة الصينية بقيت في مستوى «الـ600 المنخفضة» من الرؤوس النووية، مع توقعات بأن تتجاوز ألف رأس بحلول 2030. حتى لو ظلت هذه الأرقام أقل بكثير من الترسانتين الأميركية والروسية، فإن سرعة التحول كافية لإعادة رسم حسابات الأمن الآسيوي.

لذلك، تبدو مطالبة «الخارجية» الأميركية بترتيبات إخطار منتظمة أكثر من اعتراض بروتوكولي. إنها محاولة لمنع انتقال المنافسة الأميركية - الصينية من مرحلة الاستعراض إلى مرحلة سوء الحساب، فالصاروخ الذي سقط في «الهادئ» لم يفجر حرباً، لكنه أطلق إنذاراً: المنطقة تدخل زمناً نووياً جديداً، حيث لا تكفي التحالفات وحدها لضبط التوتر، ولا تكفي بيانات الطمأنة الصينية لتهدئة جيران يرون في البحر منصة ردع عابرة للقارات.

سفينة خفر السواحل الصينية تلاحق سفينة فيتنامية (رويترز)

الخلاصة أن الصين لا تختبر صواريخها فقط؛ بل تختبر ميزان القوة الذي حكم «الهادئ» لعقود. وإذا لم يواكب هذا التحول مسار جدي للحد من المخاطر والشفافية، فإن «الردع المستقر» الذي تتحدث عنه القوى الكبرى قد يتحول إلى سباق مفتوح؛ عنوانه تايوان، ومسرحه المحيط الهادئ، وتكلفته أمن العالم كله.