تحليل: المصالح الأميركية في مرمى أسلحة روسيا «المضادة للفضاء»

قمر اصطناعي يدور حول الأرض (أرشيفية- رويترز)
قمر اصطناعي يدور حول الأرض (أرشيفية- رويترز)
TT

تحليل: المصالح الأميركية في مرمى أسلحة روسيا «المضادة للفضاء»

قمر اصطناعي يدور حول الأرض (أرشيفية- رويترز)
قمر اصطناعي يدور حول الأرض (أرشيفية- رويترز)

منذ أوائل العام الحالي بدأ مسؤولون أميركيون يتحدثون عن رصد تحركات روسيا لنشر أسلحة في الفضاء تستهدف الأقمار الاصطناعية، ليصبح السؤال الأهم الآن لماذا تريد روسيا تطوير أسلحة فضاء يمكنها أن تجعل أجزاء من الفضاء غير قابلة للاستخدام لمدة تصل إلى عام.

في تحليل نشره موقع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي قال كلايتون سوب نائب مدير مشروع أمن الفضاء والزميل الكبير في برنامج الأمن الدولي بالمركز، وماكينا يونغ الزميلة في مشروع أمن الفضاء إن الوصول إلى الدوافع الحقيقية والكاملة لروسيا وراء مثل هذا التحرك أمر صعب للغاية، مشيرين إلى مقولة رئيس وزراء بريطانيا الراحل وينستون تشرشل إن عملية صناعة القرار في روسيا عبارة عن «لغز ملفوف في لغز داخل لغز».

ومع ذلك يمكن القول إن رغبة روسيا في تطوير أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية ومركبات الفضاء يعني أن أحد أهداف الرئيس فلاديمير بوتين هو إضعاف مكانة ونفوذ الولايات المتحدة باعتبارها الدولة الأولى عالمياً في مجال تكنولوجيا الفضاء واستخداماته حالياً، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية».

ويقول سوب ويونغ إنه في ضوء التباين الشديد في نظرة كل من روسيا والولايات المتحدة للفضاء، فإن هناك القليل من الخيارات المتاحة لمنع روسيا من الحصول على أسلحة فضاء أشد تدميراً. وهل يمكن الضغط على روسيا للتخلي عن هذه الخطط؟ وإذا كان ذلك ممكناً فما هو نوع الضغط الذي يمكن أن تستجيب له؟

ويقول المحللان الأميركيان إن الولايات المتحدة والغرب لم تعد لديهما أوراق ضغط اقتصادية قوية على روسيا، ولذلك فالأمل هو إقناع الهند والصين بممارسة مثل هذا الضغط بعد أن تزايدت أهميتهما للاقتصاد الروسي منذ فرض العقوبات الغربية عليه رداً على غزو أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

والحقيقة أن هناك الكثير من الأسلحة التي يطلق عليها اسم «أسلحة مضادة للفضاء» وتستطيع تدمير أو تعطيل أو إحداث اضطراب في استخدامات الفضاء المختلفة.

وبعض هذه الأسلحة مثل تلك التي تسهل تداخل إشارات الأقمار الاصطناعية أو تشتيتها لها تأثير مؤقت. وهناك أسلحة أخرى تستهدف أنظمة توجيه الطاقة في الأقمار الاصطناعية وهي يمكن أن تسبب تدميراً دائماً لمكونات رئيسية في هذه الأقمار.

كما يمكن أن تؤدي بعض الأسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية إلى تأثيرات غير محددة من خلال نشر الحطام الفضائي أو الإشعاعات، وتدمير القمر الاصطناعي المستهدف ومعه مئات وربما آلاف الأقمار الأخرى كخسائر جانبية.

والآن فإن روسيا إما نشرت بالفعل أو تطور أنواعاً عديدة مختلفة من الأسلحة المضادة للفضاء. وفي الشهر الماضي اتهم مجلس الأمن القومي الأميركي روسيا بإطلاق قمر اصطناعي يحمل سلاحاً يمكن أن يهاجم الأقمار الاصطناعية الأخرى.

ويعتقد خبراء أن هذا القمر هو فقط الأحدث في سلسلة أقمار مشابهة، إن لم تكن متطابقة أطلقتها روسيا خلال السنوات الخمس الماضية ويمكن أن تحمل بعض أسلحة المقذوفات الحركية. وعند إطلاق مثل هذا السلاح على قمر اصطناعي، فإنه يمكن أن يولد آلاف القطع من الشظايا والحطام ويهدد الأقمار الأخرى الموجودة في المدار المستهدف، وقد تؤدي إلى توليد موجات متتابعة من الحطام.

صاروخ صيني يحمل المركبة الفضائية «شينزو 18» من مركز تشيكوان لإطلاق الأقمار الاصطناعية في مهمة إلى محطة الفضاء الصينية 25 أبريل 2024 (رويترز)

وإلى جانب هذه الأسلحة الفضائية، يقال إن روسيا تطور سلاحاً نووياً مضاداً للأقمار الاصطناعية يمكنه أن يعطل مئات الآلاف من الأقمار الاصطناعية عن العمل من خلال موجات الإشعاع الناتجة عن تفجيره. وقد أصبح هذا التهديد محل اهتمام منذ الكشف عنه في فبراير الماضي.

ويرى سوب المسؤول السابق عن السياسة العامة للأمن القومي والأمن السيبراني في مشروع «كوبير» التابع لشركة التكنولوجيا الأميركية «أمازون»، ويانغ مهندسة الطيران سابقاً في إدارة الطيران الاتحادي الأميركية في تحليلهما المشترك إن روسيا متخلفة للغاية في مجال استخدامات الفضاء مقارنة بالولايات المتحدة والصين.

ففي حين أطلقت الولايات المتحدة خلال العام الماضي 2221 قمراً اصطناعياً، أطلقت روسيا 60 قمراً فقط. كما أن الولايات المتحدة تعتمد على شبكة الأقمار الاصطناعية لتشغيل نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس» في حين أن النظام الروسي الموازي والمعروف باسم «غلوناس» أقل انتشاراً وأقل فاعلية.

ويعني هذا أن الولايات المتحدة تعتمد بشدة على أقمار الاتصالات في الأغراض العسكرية وهو ما يعني أن نجاح روسيا في تعطيل هذه الأقمار سيجبر الضباط الأميركيين على العودة لاستخدام الخرائط والفرجار لرسم التحركات العسكرية.

في الوقت نفسه فإن روسيا لن تخسر الكثير إذا ما تعرضت منظومات الأقمار الاصطناعية للاضطراب، في حين ستخسر الولايات المتحدة كل شيء تقريباً بسبب اعتمادها المتزايد على هذه المنظومات بدءاً من الأغراض العسكرية وحتى التحكم في منشآت البنية التحتية عن بعد.

جانب من عملية إطلاق صاروخ روسي نحو الفضاء 15 فبراير (شباط) 2024 (أ.ب)

وتبقى الحقيقة وهي أن بوتين لن يتوقف عن محاولات تهديد القدرات الأميركية في الفضاء بسبب الضغوط الدبلوماسية فقط. وإذا نشرت الولايات المتحدة معلوماتها السرية عن التهديدات الروسية المضادة للفضاء، فمن غير الواضح مدى فاعلية مثل هذا التحرك.

فعلى مدى سنوات حكم بوتين الخمس والعشرين، لم يتأثر الرجل في قراراته بالإدانات الدبلوماسية لأي من تصرفات روسيا. فقد غزا جورجيا واستولى على شبه جزيرة القرم ثم غزا أوكرانيا بالكامل، وأخيراً يحاول تدمير البنية التحتية بالتشويش على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي في أوروبا وغير ذلك الكثير بحسب المحللين الأميركيين.

وأخيراً يرى هذان المحللان أن الطريقة المثالية للتأثير على قرارات بوتين في مجال تهديدات الفضاء تمر عبر الصين والهند، وبالتالي على الولايات المتحدة والغرب عموماً تقديم الحوافز التي يمكن أن تجعل البلدين يعيدان النظر في تعميق علاقاتهما الاقتصادية مع موسكو كوسيلة للضغط على الأخيرة، خاصة الصين التي باتت تعتمد بصورة متزايدة على قدراتها في مجال الفضاء اقتصادياً وعسكرياً، وبالتالي من مصلحتها المحافظة على أمن الفضاء العالمي.

أخيراً فإنه لا توجد طلقة ذهبية للحماية من التهديد الروسي للفضاء. ويمكن أن يضحي بوتين بمصالح بلاده الفضائية، وهي التضحية التي لن تكون واضحة بشدة للروس سواء عسكرياً أو مدنياً. كما أن روسيا لن ترضخ للضغوط الدبلوماسية. لكنها ستستجيب فقط إذا تأثرت مصالحها القومية.

وهنا نعود مرة أخرى إلى وينستون تشرشل الذي قال إن هناك مفتاحاً أساسياً لفهم عملية صناعة القرار في موسكو وهو المصلحة القومية الروسية. والمصلحة القومية الروسية اليوم هي «التجارة والأعمال والمال ولكن الغرب لا يستطيع أن يؤثر على هذه المجالات الآن في حين تستطيع نيودلهي وبكين تحقيق ذلك».


مقالات ذات صلة

مقاتلتا «إف - 35» بريطانيتان تعترضان طائرة روسية في القطب الشمالي

أوروبا صورة التُقطت في 2 يوليو 2026 تظهر طائرة مقاتلة بريطانية من طراز «إف - 35» تعترض طائرة استطلاع بحرية ومضادة للغواصات روسية من طراز «بير - إف»... فوق بحر النرويج (أ.ف.ب)

مقاتلتا «إف - 35» بريطانيتان تعترضان طائرة روسية في القطب الشمالي

اعترضت مقاتلتان بريطانيتان من طراز «إف - 35» طائرة دورية روسية اقتربت مراراً من مجموعة حاملة الطائرات «برينس أوف ويلز» في بحر النرويج، وسط إدانة بريطانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أكاليل زهور على واجهة السفارة الروسية في برلين عاصمة ألمانيا يوم 16 فبراير 2026 تكريماً للمعارض الروسي أليكسي نافالني في الذكرى السنوية الثانية لوفاته (رويترز)

بريطانيا تفرض عقوبات على روسيا على خلفية استخدام أسلحة كيميائية ضد نافالني

فرضت بريطانيا اليوم الاثنين عقوبات على تسعة أفراد وكيانات روسية، قالت إنهم طوروا أسلحة كيميائية استخدمت لقتل زعيم المعارضة أليكسي نافالني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا سفن حربية روسية وصينية في بحر اليابان (أرشيفية - رويترز)

الصين وروسيا تبدآن غداً تدريبات بحرية مشتركة

ستجري القوات البحرية الصينية والروسية تدريبات مشتركة في المياه والمجال الجوي لمدينة تشينغداو الصينية...

«الشرق الأوسط» (بكين )
أوروبا خبراء أوكرانيون يعملون في موقع غارة جوية روسية بقنبلة انزلاقية في خاركيف بشمال شرق أوكرانيا (إ.ب.أ) p-circle

القنابل الانزلاقية... سلاح يعيد تشكيل مسار الحرب في أوكرانيا

مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة تتسم بتغيّر طبيعة الأسلحة وأساليب القتال، برزت القنابل الانزلاقية بوصفها أحد أكثر الأسلحة تأثيراً في موازين المعركة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رجال إطفاء في موقع استهدفته غارات روسية في العاصمة كييف (رويترز)

هجمات روسية عنيفة بالصواريخ والمسيّرات تهز كييف

هزت هجمات روسية بالصواريخ والطائرات المسيّرة كييف في وقت مبكر من صباح اليوم (الخميس)، ما أدى إلى مقتل ثمانية وإصابة 11 آخرين على الأقل واندلاع حرائق.

«الشرق الأوسط» (كييف)

قلق أميركي «بالغ» إزاء تجربة صاروخية صينية

عملية إطلاق صواريخ خلال تدريبات للجيش الصيني (أرشيفية - رويترز)
عملية إطلاق صواريخ خلال تدريبات للجيش الصيني (أرشيفية - رويترز)
TT

قلق أميركي «بالغ» إزاء تجربة صاروخية صينية

عملية إطلاق صواريخ خلال تدريبات للجيش الصيني (أرشيفية - رويترز)
عملية إطلاق صواريخ خلال تدريبات للجيش الصيني (أرشيفية - رويترز)

أعربت الولايات المتحدة، الاثنين، عن «قلقها البالغ» بعد إجراء الصين تجربة لإطلاق صاروخ «استراتيجي» يحمل رأساً حربياً وهمياً من غواصة في المحيط الهادئ.

وجاء في بيان لوزارة الخارجية الأميركية: «في وقت تبذل الولايات المتحدة جهوداً حثيثة أكثر من أي وقت مضى لمنع الانتشار النووي، تقوم الصين بالعكس تماماً. إن التوسع السريع والمبهم لترسانة بكين النووية يشكل مصدراً لقلق بالغ للمنطقة وللعالم».

وأعلنت بكين أن إحدى غواصاتها أجرت، الاثنين، تجربة لإطلاق الصاروخ. ونفّذت الصين هذا العرض النادر لقوتها العسكرية في اليوم نفسه الذي وقّعت فيه أستراليا وفيجي اتفاقاً دفاعياً مهماً يعزز تعاونهما، في وقت تسعى كانبيرا لمواجهة طموحات الصين إلى توسيع نفوذها في منطقة جنوب المحيط الهادئ ذات الموقع الاستراتيجي.

وجاءت تجربة، الاثنين، بعد عامين من إطلاق «قوة الصواريخ» الصينية النخبوية رأساً حربياً وهمياً في البحر بالقرب من بولينيزيا الفرنسية في سبتمبر (أيلول) 2024، في أول عملية إطلاق لصاروخ بعيد المدى فوق المياه الدولية منذ أكثر من 40 عاماً، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال الناطق باسم البحرية الصينية وانغ شيويه منغ إن «غواصة نووية استراتيجية تابعة لبحرية جيش التحرير الشعبي الصيني أطلقت بنجاح في الساعة 12:01 من ظهر السادس من يوليو/تموز... صاروخاً استراتيجياً يحمل رأساً حربياً تدريبياً نحو أعالي البحار بالمحيط الهادئ»، موضحاً أنه «سقط بدقة في المنطقة البحرية المحددة».

وأشار الناطق باسم البحرية الصينية إلى أن «عملية إطلاق الصاروخ التجريبية هذه تُعد إجراءً روتينياً ضمن التدريبات العسكرية السنوية للصين، وقد جرى إخطار الدول المعنية مسبقاً».


كندا تختار «تيسن كروب» الألمانية لبناء 12 غواصة

رئيس الوزراء اتلكندي مارك كارني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء اتلكندي مارك كارني (د.ب.أ)
TT

كندا تختار «تيسن كروب» الألمانية لبناء 12 غواصة

رئيس الوزراء اتلكندي مارك كارني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء اتلكندي مارك كارني (د.ب.أ)

اختارت كندا، يوم الاثنين، شركة «تيسن كروب مارين سيستمز» الألمانية لبناء 12 غواصة، في واحدة من أكبر صفقاتها العسكرية، وذلك في إطار تعزيز إنفاقها الدفاعي لتحقيق أهداف حلف الناتو.

جاء هذا القرار قبل توجه رئيس الوزراء مارك كارني إلى قمة الناتو هذا الأسبوع، حيث يواجه الحلفاء ضغوطًا لدعم زيادة الإنفاق الدفاعي بخطط عملية. وقال كارني: «في إطار التزاماتنا بالدفاع عن كندا ودعم حلفائنا، يسعدني أن أعلن أن كندا اختارت شركة تيسن كروب مارين سيستمز كمورد مفضل لمشروع غواصات الدورية الكندية».

وقد تفوقت الشركة الألمانية على شركة «هانوا أوشن» الكورية الجنوبية للفوز بالعقد. وأوضحت تيسن كروب أن غواصاتها ستعزز قابلية التشغيل البيني، نظرًا لأن العديد من حلفاء الناتو يستخدمون بالفعل سفنها التقليدية.

وكان كارني قد تعهد برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، بعد أن حققت كندا هدف الناتو السابق البالغ 2% هذا العام.


تقرير: الفضاء والذكاء الاصطناعي بدلاً من الترسانات النووية

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

تقرير: الفضاء والذكاء الاصطناعي بدلاً من الترسانات النووية

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

لم تعد الترسانات النووية، كما في حقبة الحرب الباردة، هي محور التوازنات العسكرية الدولية. فالعالم اليوم يشهد تحوّلاً جذرياً نحو سباقٍ جديد تقوده تقنيات ناشئة، مثل الصواريخ فرط الصوتية، والذكاء الاصطناعي، وأسلحة الفضاء، والطائرات المسيّرة، في مشهدٍ يضخ فيه كبار اللاعبين تريليونات الدولارات؛ أملاً في انتزاع تفوقٍ استراتيجي يصعب كسره. وفقاً لشبكة «بلومبرغ».

وحسب التقرير، فإن هذا التحوّل يتجسّد بوضوح في التجربة اليومية لعائلة دوڤهانيك الأوكرانية، التي تعيش واقعاً قاسياً يعكس ملامح الحرب الجديدة. ففي منزلهم القريب من موقع مصنع سوفياتي سابق ومعهد كييف للطيران في غرب العاصمة، تتداخل تفاصيل حياتهم اليومية مع أصوات الانفجارات الناتجة من صواريخ فرط صوتية، من بينها صواريخ «زركون» التي استهدفت حيّهم، والذي يضم أيضاً مستشفى أوخماتديت للأطفال، حيث يعمل زوج أندريانا دوڤهانيك.

وتقول أندريانا: «عندما سقط الصاروخ على أوخماتديت، قذف عصف الانفجار زوجي في الهواء... وهو ما خلّف شعوراً دائماً بالقلق وأثراً نفسياً من أي انفجار محتمل».

هذه الشهادة الإنسانية تختصر جانباً من سباق تسلّح جديد باتت فيه التقنيات المتقدمة في صميم الاستراتيجيات العسكرية العالمية، مع استثمارات ضخمة تُوجَّه نحو الطائرات المسيّرة، والصواريخ فرط الصوتية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وغيرها من أدوات الحرب الحديثة التي يُنظر إليها بصفتها محددات الحروب المقبلة.

سباقٌ يتجاوز تريليونَي دولار

تقديرات الإنفاق العسكري العالمي على هذه التقنيات تتجاوز تريليونَي دولار عبر ثلاث قارات، في مشهد يعيد إلى الأذهان سباق التسلح النووي خلال الحرب الباردة، حين تنافست الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي على بناء ترسانات هائلة من الأسلحة النووية.

لكن هذه المرة، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، مع تعدد اللاعبين وتداخل التقنيات، في ظل يقين واحد فقط: أن التخلف عن هذا السباق قد يكون مكلفاً إلى حدٍ كارثي.

وتحتفظ روسيا بما تعدّه أفضلية ميدانية في مجال الصواريخ فرط الصوتية، بينما ترتبط الصين بشكل وثيق بمختبرات الذكاء الاصطناعي والتطوير التقني العسكري، في حين راكمت الولايات المتحدة خبرة تشغيلية أولى لهذه التقنيات في ساحات القتال. أما أوروبا، فرغم امتلاكها موارد كبيرة، فإنها لا تزال تعاني ضعف التنسيق بين دولها.

وفي ظل هذا التنافس، تتآكل تدريجياً منظومة اتفاقات الحد من التسلح التقليدية، بما في ذلك معاهدات الأسلحة الاستراتيجية، في وقت تتسارع فيه جهود الدول الكبرى لتطوير ما يُنظر إليه على أنه تفوقٌ قاتل غير قابل للاحتواء.

وتقول مسؤولة الدفاع الأميركية السابقة سيليست والندر: «هناك بالفعل سباق تسلح يحدث، حتى لو لم نسمّه كذلك، وهو سباق متعدد الأبعاد... وعلى القوى الكبرى أن تحدّد أين تضع أولوياتها».

الولايات المتحدة والصين في قلب المنافسة

تتصدر الولايات المتحدة والصين مشهد هذا السباق التكنولوجي العسكري. إذ تخطط إدارة الرئيس دونالد ترمب لإنفاق نحو 1.5 تريليون دولار على الدفاع في ميزانيتها المقبلة، في حين تُقدّر النفقات العسكرية الصينية بنحو 500 مليار دولار، مع وجود استثمارات إضافية عبر تداخل القطاعين العام والخاص.

قفزة في إنفاق الدفاع العالمي

منذ غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، شهدت أسهم شركات الدفاع العالمية ارتفاعاً ملحوظاً، في انعكاس مباشر لتسارع الطلب على الأنظمة العسكرية المتقدمة.

وفي أوروبا، ورغم محدودية القدرة على مجاراة الإنفاق الأميركي والصيني، فقد ارتفع إجمالي ميزانيات الدفاع إلى نحو 600 مليار دولار في 2025، مع تسجيل نمو ملحوظ في مجالات الدفاع الجوي والمدفعية والطائرات المسيّرة.

أما روسيا، فقد ضاعفت إنفاقها العسكري ثلاث مرات بين 2022 و2025 ليصل إلى نحو 176 مليار دولار، في ظل ضغوط الحرب في أوكرانيا. ودعا الرئيس فلاديمير بوتين إلى تسريع تطوير أنظمة تسليم نووية وتقليدية جديدة، مع تركيز متزايد على الفضاء والذكاء الاصطناعي.

روسيا: رهانات على الردع المتقدم

تسعى موسكو إلى تعزيز مكانتها عبر تطوير منظومات هجومية متقدمة، من بينها صاروخ «كينجال» الذي تقول إنه يصل إلى 10 أضعاف سرعة الصوت، إضافة إلى أنظمة مثل «بوريڤيستنيك» النووي وطوربيد «بوسيدون».

كما تُعدّ صواريخ «كينجال» و«زركون» من بين الأنظمة فرط الصوتية القليلة التي تم استخدامها عملياً في القتال.

نظم الذكاء الاصطناعي تُزرع في كثير من قطاعات الاقتصاد الصيني

الصين: دمج مدني وعسكري واسع

في المقابل، تواصل الصين توسيع استثماراتها في الصواريخ فرط الصوتية، عبر أنظمة مثل «DF-17 وDF-27 وYJ-21»، إلى جانب تطوير قدرات مضادة للأقمار الاصطناعية قادرة على الوصول إلى ارتفاعات شديدة التعقيد.

ويُتوقع أن يرتفع الإنفاق الدفاعي الصيني بنحو 7 في المائة هذا العام ليصل إلى قرابة 400 مليار دولار، مع استمرار غياب الشفافية حول الأرقام الحقيقية.

وتعتمد بكين على نموذج الدمج «العسكري المدني»، الذي يسمح بتوظيف شركات مدنية في تطوير تقنيات ذات استخدامات عسكرية، خصوصاً في مجالات الحساسات والمواد المتقدمة.

الولايات المتحدة: الذكاء الاصطناعي في قلب المعركة

في المقابل، تركز واشنطن على توظيف الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، بما في ذلك دعم التخطيط الجوي وتنسيق الضربات.

كما تعمل على دمج أنظمة الاستشعار الفضائية مع أنظمة اعتراض الصواريخ الأرضية؛ بهدف تسريع اتخاذ القرار في مواجهة التهديدات فرط الصوتية.

ورغم ذلك، لا تزال الولايات المتحدة في مراحل تطوير مبكرة لأسلحتها فرط الصوتية، حيث لا تزال مشاريع مثل «Dark Eagle» قيد الاختبار، إلى جانب مشروع «القبة الذهبية» للدفاع الصاروخي، الذي قد تتجاوز تكلفته تريليون دولار.

أوروبا: قدرات كبيرة وتحديات تنسيقية

تملك أوروبا قاعدة صناعية وعلمية قوية، إلا أن غياب التنسيق السياسي يحدّ من قدرتها على المنافسة المباشرة.

ومع ذلك، يتزايد التركيز الأوروبي على الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة كبدائل أكثر مرونة من الأسلحة التقليدية.

مستقبل الحرب: الذكاء الاصطناعي حاسماً

يرى خبراء أن الذكاء الاصطناعي قد يشكّل العامل الحاسم في هذا السباق، ليس لقدرته التدميرية المباشرة، بل لما يتيحه من سرعة في اتخاذ القرار وتفوق في التنبؤ بساحة المعركة.

لكن في المقابل، يحذّر آخرون من أن سهولة تطوير هذه التقنيات مقارنة بالأسلحة النووية قد تجعل بيئة الصراع أكثر هشاشة وأقل قابلية للسيطرة.