عروض الوساطة لحل الأزمة الأوكرانية... تحركات بلا حلحلة

أحدثها أفريقية وسبقتها محاولات صينية وتركية

آليات عسكرية أوكرانية على متنها جنود في مكان غير محدد شرق أوكرانيا في 19 أبريل 2022 (رويترز)
آليات عسكرية أوكرانية على متنها جنود في مكان غير محدد شرق أوكرانيا في 19 أبريل 2022 (رويترز)
TT

عروض الوساطة لحل الأزمة الأوكرانية... تحركات بلا حلحلة

آليات عسكرية أوكرانية على متنها جنود في مكان غير محدد شرق أوكرانيا في 19 أبريل 2022 (رويترز)
آليات عسكرية أوكرانية على متنها جنود في مكان غير محدد شرق أوكرانيا في 19 أبريل 2022 (رويترز)

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، في فبراير (شباط) عام 2022، قدَّمت قوى دولية عدة عروضاً للوساطة، وطرحت مبادرات لحلحلة الأزمة التي تعصف نتائجها بدول مختلفة على مستويات متباينة اقتصادياً وغذائياً، لكن لم يُكتب لأي من تلك المحاولات تحقيق اختراقات لنزع فتيل الأزمة حتى الآن، رغم تنوع أطرافها.

ولعلَّ أحدث مساهمة مطروحة راهناً، في هذا الصدد، تلك المقدَّمة من 6 دول أفريقية للوساطة بين موسكو وكييف، والتي لا تزال قيد التشكيل والمشاورات.

لكن إطلالة على مجمل تلك المحاولات تُظهر أنه، وفي وقت مبكر (مارس «آذار» 2022)، أجرى ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مشاورات هاتفية مع كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وتطرّق خلالها إلى استعداد المملكة «لبذل الجهود للوساطة بين كل الأطراف، ودعمها كل الجهود الدولية الرامية لحل الأزمة سياسياً».

ورغم عدم استجابة طرفَي النزاع لدعوات التهدئة، فإن الرياض نجحت في إتمام عملية لتبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، في سبتمبر (أيلول) 2022، فضلاً عن وساطة أخرى مشتركة مع أبوظبي في ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، لـ«الإفراج وتبادل مسجونين اثنين بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا».

كما دخلت تركيا على خط دفع التفاوض، في مارس 2022، واستضافت وفدين من طرفَي الصراع في إسطنبول، لكن المحادثات المباشرة لم تسفر عن اختراقات.

وبعد شهرين تقريباً من انطلاق الصراع، وتحديداً في أبريل (نيسان) من العام الماضي، قالت «جامعة الدول العربية» إنها عرضت الوساطة في حل الأزمة الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، بعد أن أقرّ مجلس وزراء «جامعة الدول العربية»، خلال دورته الـ157، تشكيل مجموعة اتصال وزارية مع الأطراف المعنية بالأزمة الأوكرانية. وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد أشاد وقتها بموقف الدول العربية من الأزمة الأوكرانية.

وفي أبريل الماضي، أعلن الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا أنه تباحث مع عدد من القوى الدولية بشأن وساطة مشتركة لإنهاء الحرب، ولم تلقَ المبادرة استجابة من الأطراف المعنية.

ويرى سامي نادر، أستاذ العلاقات الدولية اللبناني، أن «مِن بين أهم أسباب عدم نجاح الوساطات أن طرفيها يراهنان على تغيير موازين القوى بالأساليب والأدوات العسكرية على الأرض، إن لم يكونا يطمحان في تحقيق انتصار شامل».

وقال نادر، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك سبباً آخر لعدم نجاح الوساطات؛ وهو تماسك المعسكر الغربي الداعم لأوكرانيا، بقيادة أميركا التي لم تتوقف عن دعم كييف عسكرياً كماً وكيفاً؛ بهدف استنزاف بوتين لأقصى مدى، في الوقت الذي لن يقبل فيه بوتين ولن يتحمل فكرة الخَسارة، والتي تعني هنا التنازل عن المكاسب بسبب عدم تحقيق انتصار عسكري حاسم وسريع».

وتمثل المبادرة الصينية، التي أُعلنت في فبراير (شباط) الماضي، واحدة من المبادرات المهمة التي حاولت الدخول على خط الأزمة، ورغم أنها - وفق المعلَن - قيد التداول والبحث من مختلف الأطراف المعنية والقوى الدولية، فإنه لم يتسرب عنها بعدُ اختراقات يمكن التعويل على نتائجها.

واقترحت بكين خطّة سلمية لحل النزاع الأوكراني تضم 12 نقطة تدعو إلى وقف إطلاق النار، واحترام المصالح الشرعية لجميع الدول في مجال الأمن، وتسوية الأزمة الإنسانية في أوكرانيا.

في هذا السياق، زار المبعوث الصيني لي هوي، الأربعاء الماضي، كييف، والتقى وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا. وأكدت بكين، وقتها، أنّ مبعوثها سيناقش التسوية السياسية للحرب في أوكرانيا، خلال جولة أوروبية تشمل بولندا وفرنسا وألمانيا وروسيا.

كما جاءت الزيارة، بعد أسابيع من اتصال هاتفي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي جاء بمبادرة من كييف، في أول اتصال بين الجانبين منذ بدء الحرب.

ووصف زيلينسكي الاتصال بأنّه كان «طويلاً ومُجدياً»، في حين قال شي إنّ «الصين ستركز جهودها على نشر السلام».

اللافت أن وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر توقّع أن تبدأ «مفاوضات سلام روسية أوكرانية، بحلول نهاية العام؛ بفضل الجهود الأخيرة التي بذلتها الصين».

وأوضح كيسنجر، في مقابلة مع قناة «سي بي إس نيوز» الأميركية، أن الحرب الروسية الأوكرانية تقترب من نقطة تحول، متوقعاً «إجراء مفاوضات، بحلول نهاية العام؛ بفضل الجهود الأخيرة التي بذلتها الصين».

ويعتقد أستاذ العلاقات الدولية سامي نادر أنه «رغم امتلاك بكين (رافعة تأثير) بصفتها واحدة من القوى الأهم والأكبر في العالم، فإنها ستصطدم بممانعة أميركية لعرقلة نجاح بكين دبلوماسياً، كما أن واشنطن تعتبرها حليفاً لموسكو، وعليه ستكون منحازة لها، و لن تقبل أميركا والغرب بتسوية وفق الشروط الروسية».

وبالعودة إلى المبادرة الأفريقية، التي أعلن عنها رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، في مايو (أيار) الماضي، والتي تضم 6 دول، فإن نادر يعتقد أن «الوسطاء غير المحسوبين على أي من طرفي الصراع قد ينجحون، ولو جزئياً»، مشيراً إلى أن «مبادرة الجامعة العربية والمبادرات العربية الأخرى للتوسط، علاوة على المبادرة الأفريقية، يمكن البناء عليها؛ لأن الوسيطين العربي والأفريقي يقفان، إلى حد كبير، على مسافة واحدة من الطرفين».


مقالات ذات صلة

روسيا تشن هجمات غير مسبوقة... وتتوعد بالمزيد

أوروبا الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته (أرشيفية - أ.ب)

روسيا تشن هجمات غير مسبوقة... وتتوعد بالمزيد

أفادت السلطات الأوكرانية بأن القوات الروسية شنت ليل الاثنين - الثلاثاء هجمات غير مسبوقة بطائرات مسيّرة على مدن أوكرانية، مما تسبب في انقطاع التيار.

أوروبا المسؤول بوزارة الدفاع الأوكرانية أولكسندر ريابتسيف (يمين) خلال مؤتمر قمة سيام ريب - أنغكور حول عالم خالٍ من الألغام في مقاطعة سيام ريب بكمبوديا 26 نوفمبر 2024 (أ.ف.ب)

أوكرانيا تتهم روسيا بـ«ممارسات تنم عن إبادة» في استخدامها الألغام

قال ممثل لوزارة الدفاع الأوكرانية، إن روسيا تقوم ﺑ«ممارسات تنم عن إبادة» من خلال استخدام الألغام المضادة للأفراد في أوكرانيا، وذلك خلال قمة دولية في كمبوديا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس بعد لقائهما في أثينا الثلاثاء 26 نوفمبر 2024 (أ.ب)

أمين عام «الناتو»: الحلف «يحتاج إلى الذهاب أبعد» في دعمه أوكرانيا

قال الأمين العام الجديد لحلف شمال الأطلسي مارك روته، الثلاثاء، إن الحلف «يحتاج إلى الذهاب أبعد» لدعم أوكرانيا في حربها ضد الغزو الروسي.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
أوروبا أضرار في موقع هجوم صاروخي روسي ضرب مبنى إدارياً لبنك متوقف عن العمل جنوب غربي أوكرانيا 25 نوفمبر 2024 (إ.ب.أ)

روسيا تستهدف البنية التحتية الأوكرانية بأكبر هجوم مسيّرات منذ بدء الحرب

قال مسؤولون أوكرانيون، الثلاثاء، إن القوات الروسية شنّت أكبر هجوم لها على الإطلاق بطائرات مسيّرة على أوكرانيا الليلة الماضية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تقرير: الاتحاد الأوروبي يدرس فرض عقوبات على شركات صينية تدعم روسيا

كشف تقرير صحافي أن الاتحاد الأوروبي يدرس فرض عقوبات على عدة شركات صينية يُزعم أنها ساعدت شركات روسية في تطوير طائرات مسيرة هجومية تم استخدامها ضد أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )

كيف كسرت الحرب في أوكرانيا المحرّمات النووية؟

نظام صاروخي باليستي عابر للقارات من طراز «يارس» الروسي خلال عرض في «الساحة الحمراء» بموسكو يوم 24 يونيو 2020 (رويترز)
نظام صاروخي باليستي عابر للقارات من طراز «يارس» الروسي خلال عرض في «الساحة الحمراء» بموسكو يوم 24 يونيو 2020 (رويترز)
TT

كيف كسرت الحرب في أوكرانيا المحرّمات النووية؟

نظام صاروخي باليستي عابر للقارات من طراز «يارس» الروسي خلال عرض في «الساحة الحمراء» بموسكو يوم 24 يونيو 2020 (رويترز)
نظام صاروخي باليستي عابر للقارات من طراز «يارس» الروسي خلال عرض في «الساحة الحمراء» بموسكو يوم 24 يونيو 2020 (رويترز)

نجح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في خلق بيئة مواتية لانتشار أسلحة نووية جديدة في أوروبا وحول العالم، عبر جعل التهديد النووي أمراً عادياً، وإعلانه اعتزام تحويل القنبلة النووية إلى سلاح قابل للاستخدام، وفق تحليل لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

في عام 2009، حصل الرئيس الأميركي، باراك أوباما، على «جائزة نوبل للسلام»، ويرجع ذلك جزئياً إلى دعوته إلى ظهور «عالم خالٍ من الأسلحة النووية». وفي ذلك الوقت، بدت آمال الرئيس الأميركي الأسبق وهمية، في حين كانت قوى أخرى تستثمر في السباق نحو الذرة.

وهذا من دون شك أحد أخطر آثار الحرب في أوكرانيا على النظام الاستراتيجي الدولي. فعبر التهديد والتلويح المنتظم بالسلاح الذري، ساهم فلاديمير بوتين، إلى حد كبير، في اختفاء المحرمات النووية. وعبر استغلال الخوف من التصعيد النووي، تمكن الكرملين من الحد من الدعم العسكري الذي تقدمه الدول الغربية لأوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، ومن مَنْع مشاركة الدول الغربية بشكل مباشر في الصراع، وتخويف جزء من سكان هذه الدول، الذين تغلّب عليهم «الإرهاق والإغراءات بالتخلي (عن أوكرانيا) باسم الأمن الزائف».

بدأ استخفاف الكرملين بالأسلحة النووية في عام 2014، عندما استخدم التهديد بالنيران الذرية للدفاع عن ضم شبه جزيرة القرم من طرف واحد إلى روسيا. ومنذ ذلك الحين، لُوّح باستخدام السلاح النووي في كل مرة شعرت فيها روسيا بصعوبة في الميدان، أو أرادت دفع الغرب إلى التراجع؛ ففي 27 فبراير 2022 على سبيل المثال، وُضع الجهاز النووي الروسي في حالة تأهب. وفي أبريل (نيسان) من العام نفسه، استخدمت روسيا التهديد النووي لمحاولة منع السويد وفنلندا من الانضمام إلى «حلف شمال الأطلسي (ناتو)». في مارس (آذار) 2023، نشرت روسيا صواريخ نووية تكتيكية في بيلاروسيا. في فبراير 2024، لجأت روسيا إلى التهديد النووي لجعل النشر المحتمل لقوات الـ«ناتو» في أوكرانيا مستحيلاً. وفي الآونة الأخيرة، وفي سياق المفاوضات المحتملة مع عودة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، جلبت روسيا مرة أخرى الخطاب النووي إلى الحرب، من خلال إطلاق صاروخ باليستي متوسط ​​المدى على أوكرانيا. كما أنها وسعت البنود التي يمكن أن تبرر استخدام الأسلحة الذرية، عبر مراجعة روسيا عقيدتها النووية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع مع قيادة وزارة الدفاع وممثلي صناعة الدفاع في موسكو يوم 22 نوفمبر 2024 (إ.ب.أ)

التصعيد اللفظي

تأتي التهديدات النووية التي أطلقتها السلطات الروسية في الأساس ضمن الابتزاز السياسي، وفق «لوفيغارو». ولن تكون لدى فلاديمير بوتين مصلحة في اتخاذ إجراء عبر تنفيذ هجوم نووي تكتيكي، وهو ما يعني نهاية نظامه. فالتصعيد اللفظي من جانب القادة الروس ورجال الدعاية لم تصاحبه قط تحركات مشبوهة للأسلحة النووية على الأرض. ولم يتغير الوضع النووي الروسي، الذي تراقبه الأجهزة الغربية من كثب. وتستمر الصين أيضاً في لعب دور معتدل، حيث تحذّر موسكو بانتظام من أن الطاقة النووية تشكل خطاً أحمر مطلقاً بالنسبة إليها.

إن التهوين من الخطاب الروسي غير المقيد بشكل متنامٍ بشأن استخدام الأسلحة النووية ومن التهديد المتكرر، قد أدى إلى انعكاسات دولية كبيرة؛ فقد غير هذا الخطاب بالفعل البيئة الاستراتيجية الدولية. ومن الممكن أن تحاول قوى أخرى غير روسيا تقليد تصرفات روسيا في أوكرانيا، من أجل تغيير وضع سياسي أو إقليمي راهن محمي نووياً، أو إنهاء صراع في ظل ظروف مواتية لدولة تمتلك السلاح النووي وتهدد باستخدامه، أو إذا أرادت دولة نووية فرض معادلات جديدة.

يقول ضابط فرنسي: «لولا الأسلحة النووية، لكان (حلف شمال الأطلسي) قد طرد روسيا بالفعل من أوكرانيا. لقد فهم الجميع ذلك في جميع أنحاء العالم».

من الجانب الروسي، يعتبر الكرملين أن الحرب في أوكرانيا جاء نتيجة عدم الاكتراث لمخاوف الأمن القومي الروسي إذ لم يتم إعطاء روسيا ضمانات بحياد أوكرانيا ولم يتعهّد الغرب بعدم ضم كييف إلى حلف الناتو.

وترى روسيا كذلك أن حلف الناتو يتعمّد استفزاز روسيا في محيطها المباشر، أكان في أوكرانيا أو في بولندا مثلا حيث افتتحت الولايات المتحدة مؤخرا قاعدة عسكرية جديدة لها هناك. وقد اعتبرت موسكو أن افتتاح القاعدة الأميركية في شمال بولندا سيزيد المستوى العام للخطر النووي.