سكان كييف يستعيدون شريط الذكريات المؤلمة بعد عام من الحرب

«الشرق الأوسط» تتحدث لبعض من بقوا في العاصمة الأوكرانية رغم وطأة المعارك

سفياتا واحدة من سكان ضواحي كييف (الشرق الأوسط)  -  رسلان يعمل موظفاً للاستقبال في أحد فنادق العاصمة (الشرق الأوسط)
سفياتا واحدة من سكان ضواحي كييف (الشرق الأوسط) - رسلان يعمل موظفاً للاستقبال في أحد فنادق العاصمة (الشرق الأوسط)
TT

سكان كييف يستعيدون شريط الذكريات المؤلمة بعد عام من الحرب

سفياتا واحدة من سكان ضواحي كييف (الشرق الأوسط)  -  رسلان يعمل موظفاً للاستقبال في أحد فنادق العاصمة (الشرق الأوسط)
سفياتا واحدة من سكان ضواحي كييف (الشرق الأوسط) - رسلان يعمل موظفاً للاستقبال في أحد فنادق العاصمة (الشرق الأوسط)

بعد عام على الحرب في أوكرانيا، يستعيد سكان العاصمة كييف، شريط الأحداث وخزان الذكريات المؤلمة، مستذكرين اللحظات الأولى التي استفاقوا فيها على دوي صافرات الإنذار والضربات الصاروخية، ورسائل الأخبار العاجلة التي تدفقت على هواتفهم الجوالة؛ بينما غرقت شاشات الفضائيات بالأخبار العاجلة المنبئة عن بدء اندلاع الحرب؛ حينها، دفعت الحرب ملايين الأوكرانيين إلى الفرار من مناطقهم، باحثين عن أماكن أكثر أمناً بعيداً عن جبهات القتال التي اشتعلت في شوارع مدنهم وبين أحيائهم، وبالقرب من منازلهم.
صبيحة اندلاع الحرب يوم الرابع والعشرين من فبراير (شباط) العام الماضي، وجد سكان العاصمة كييف أنفسهم محاصرين بآلات الحرب وأهوالها، إذ طالت الضربات الجوية أحياء المدينة، ووصل القتال إلى شوارعها؛ بينما سارع عشرات الآلاف من السكان حينذاك إلى حزم أمتعتهم، وحمل أحبتهم، للرحيل إلى وجهات أخرى بعيدة عن دوي الانفجارات ولهيب المعارك الضارية. ورغم نزوح مئات الآلاف من أحيائهم بالعاصمة التي باتت شبه خالية هرباً من ويلات الحرب التي اشتدت وتيرتها وارتفعت أكلافها، ثمة من آثروا البقاء في العاصمة؛ رغم خطورة البقاء، حيث رووا لـ«الشرق الأوسط»، تفاصيل اللحظات الأولى التي عاشوها بعيد اندلاع شرارة الحرب في البلاد، والخيارات الضيقة التي باتوا مضطرين للتعامل معها.
سفياتا؛ واحدة من سكان ضواحي كييف، تعود بالذاكرة إلى اللحظات التي تلقت فيها نبأ اندلاع الحرب، تقول إنها كانت فجر ذلك اليوم نائمة في بيتها يوم عطلتها، وتضيف: «تلقيت اتصالاً من صديقتي وطلبت مني أن أقرأ الأخبار، على الفور فتحت هاتفي وعلمت بما يجري حولنا، استفاق صديقي على صوت هاتفه أيضاً وعلم بما يجري، شعرت في تلك اللحظات بحالة من الصدمة وشعور بالارتباك».
تعود سفياتا إلى الأجواء التي خيمت على البلاد في تلك الآونة التي كانت تؤشر إلى احتمال اندلاع حرب، لكنها اعتقدت أن ذلك أمر قد لا يحدث. تقول: «حينها قدّرنا أن كل شيء سيكون على ما يرام، لكن للأسف لم يكن تقديرنا في محله».
في تلك الأثناء، كان عشرات الآلاف من سكان العاصمة قد حزموا أمتعتهم وشرعوا في رحلة طويلة ومضنية ومحفوفة بالمخاطر للرحيل بعيداً عن عاصمتهم نحو وجهات أخرى. تقول سفياتا إنها حاولت التفكير بما يجب عليها فعله، بيد أن خياراتها بدت محدودة. تقول: «كانت العاصمة تشهد فوضى عارمة؛ الاختناقات المرورية في كل شارع والطوابير طويلة في محطة القطارات، خيار مغادرة العاصمة بالنسبة لنا حينها لم يكن مطروحاً لأسباب عملية، فنحن لا نمتلك سيارة وليس بوسعنا المغادرة فوراً، والحال في محطة القطارات غير معقول، كما أنه لم يكن بوسعنا الذهاب إلى بيت عائلتي كونها بشرق البلاد وتعاني وضعاً خطيراً أيضاً».
تحكي سفياتا تفاصيل الساعات والأيام التي تلت ذلك، إذ قررت هي وصديقها البقاء في كييف. تقول إنهما أمضيا الليلة الأولى في محطة المترو تحت الأرض، إذ «كانت المحطات مكتظة بالمدنيين، بينما لم تكف صافرات الإنذار عن التحذير من الصواريخ التي تضرب العاصمة».
«في اليوم التالي عدنا لبيتنا، بيد أننا أمضينا الليالي السبع التالية في الملجأ القريب، كنا ننام في الملجأ وفي الصباح نعود للمنزل للاستحمام، ولتناول بعض الطعام، وتغيير ملابسنا وحاجياتنا، قبل أن نعود مجدداً إلى الملجأ».
وبعد عام كامل أمضته سفياتا في العاصمة على وقع الحرب، تقول إنها لم تفكر أبداً في ترك مدينتها، فلا مكان آخر تذهب إليه، مضيفة: «قررنا الحفاظ على هدوئنا والتمسك بقرارنا بالبقاء في كييف، كان لدينا إيمان بأن العاصمة ستظل قوية ومحمية لذلك آثرنا البقاء هنا».
رسلان، واحد من سكان العاصمة ويعمل موظفاً للاستقبال في أحد فنادقها، يتذكر تفاصيل اللحظات التي عاشها فور نشوب الحرب في البلاد، فقد كان على رأس عمله عند الرابعة صباحاً يوم الرابع والعشرين من فبراير الماضي، يروي كيف بدأ نزلاء الفندق يتدفقون على مصاعده للمغادرة دون أن يقوموا بإجراءات الخروج المعتادة أو حتى طلب إلغاء لياليهم المتبقية وتعويضهم ثمنها، يقول: «لم أشعر بالخوف في تلك اللحظات، لكنني لم أفهم ما الذي يجري حولي فعلاً، كان هناك دون شك شعور عام بأن الحرب قد تبدأ لكني لم أتوقع أن يحدث الأمر في ذلك اليوم». ويضيف: «بقيت على رأس عملي وحاولت مساعدة بعض النزلاء قبل مغادرتهم، لكن غالبيتهم غادروا فوراً دون الحديث معنا في قسم الاستقبال».
وحول ما إذا فكَر بما يجب عليه فعله بعد إنهاء عمله، قال إنه لم يفكر بشيء في تلك اللحظات، متسائلاً حينها: كيف جرى ذلك؟ وكيف صارت العاصمة تحت القصف؟ وكيف بدأت الدبابات الروسية الدخول إلى المناطق الأوكرانية؟ مضيفاً: «كان هذا مربكاً للغاية». بعد ذلك، يسرد يومياته في الملجأ، إذ مكث هناك لبعض الوقت؛ «طيلة الأيام التي تلت بدء الهجوم لم أفكر بالخروج من العاصمة أو مغادرة البلاد، في النهاية أنا أوكراني وهذه بلدي. صحيح لا أستطيع أن أكون جندياً، لكن يمكنني البقاء هنا ومساعدة الناس قدر استطاعتي، كان هذا جانباً مهماً بالنسبة لي».
تدهور الأوضاع الأمنية مع استمرار القصف وصعوبة الحياة وسط تداعيات الحرب قد يدفع بمن قرروا البقاء في العاصمة بالشعور بالندم على قرارهم، إلا أن رسلان يقول: «لم أندم على قراري البقاء هنا، صحيح أن الحياة صعبة مع استمرار الحرب وتفاقم آثارها علينا وعلى الاقتصاد وعلى جوانب حياتنا، لكننا لا نزال هنا، نعمل ونمارس الحياة ونحب من حولنا ولهذا لن يستطيعوا هزيمتنا».
ومنذ أشهر، يحاول سكان العاصمة العودة إلى يوميات حياتهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، رغم الأكلاف العالية التي خلفتها الحرب، بينما تعاني العاصمة حالها حال باقي المدن من تبعات صعبة للحرب، سواء بالدمار الذي خلفه القتال في أحيائها، أو الضربات التي طالت البنى التحتية الرئيسية، لا سيما الحيوية منها.
أواخر العام الماضي، طالت الضربات الروسية محطات الطاقة الرئيسية في كييف، ما أدخل العاصمة في العتمة، وضاعف من أعباء الحرب على السكان قبل أن تعود الخدمات تدريجياً إلى طبيعتها. وعلى الرغم من التداعيات الصعبة مع دخول الحرب عامها الثاني، بدت حركة عودة السكان إلى مدنهم ومناطقهم نشطة، عمدة كييف فيتالي كليتشكو، كان قال في حديث صحافي أواخر العام الماضي، إن عدد سكان العاصمة كييف عاد إلى مستوى ما قبل اندلاع الحرب بنحو 3.6 مليون شخص، وذلك وفقاً لبيانات استخدام الهواتف، بعد أن انكمش بداية الحرب لنحو مليون فقط، بينما وقفت الدبابات على عتبات المدينة. ومع دخول الحرب عاماً جديداً يقول سكان العاصمة اليوم؛ إن عودتهم لأحيائهم، وممارسة حياتهم، رغم نذر التصعيد التي تلوح في الأفق؛ تعدان شكلاً من أشكال المقاومة للغزو الروسي لبلادهم؛ في مسعى منهم للتمسك بالحياة رغم ما ألقته الحرب عليهم من ظلال كئيبة، وما حفرته في نفوسهم من ندوب عميقة لن تسقط من ذاكرتهم.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: 2000 مُسيّرة روسية استهدفت منشآت طاقة وبنية تحتية أوكرانية خلال أسبوع

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: 2000 مُسيّرة روسية استهدفت منشآت طاقة وبنية تحتية أوكرانية خلال أسبوع

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (الأحد)، إن روسيا أطلقت أكثر من 2000 طائرة مُسيّرة و116 صاروخاً على أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي فقط.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية) p-circle

روسيا: المشتبه في إطلاقه الرصاص على الجنرال أليكسييف اعتقل في دبي

أعلنت روسيا، الأحد، أن الرجل الذي يشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».