إدارة ترمب تطلق جهداً عالمياً لمكافحة «سرطان اليسار الإرهابي»

روبيو يرى «نقطة عمياء» عانتها «عقيدتنا في مكافحة الإرهاب»

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً في افتتاح اجتماع وزاري حول العنف السياسي في واشنطن يوم 16 يوليو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً في افتتاح اجتماع وزاري حول العنف السياسي في واشنطن يوم 16 يوليو (رويترز)
TT

إدارة ترمب تطلق جهداً عالمياً لمكافحة «سرطان اليسار الإرهابي»

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً في افتتاح اجتماع وزاري حول العنف السياسي في واشنطن يوم 16 يوليو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً في افتتاح اجتماع وزاري حول العنف السياسي في واشنطن يوم 16 يوليو (رويترز)

دعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إطلاق جهد دولي واسع هو الأول من نوعه عالمياً لمواجهة ما سمته «التهديد المتزايد للإرهاب السياسي اليساري المتطرف»، معتبرة أن السياسات الغربية لمكافحة الإرهاب ركزت خلال العقود الماضية بصورة شبه حصرية على «الإرهاب الإسلاموي»، في حين أغفلت تصاعد العنف الذي تمارسه جماعات اليسار المتطرف.

واستضاف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ممثلين لـ67 دولة في واشنطن، لمناقشة سبل التصدي لما تصفه إدارة ترمب بأنه «التهديد العابر للحدود»، متمثلاً في الجماعات اليسارية المتطرفة، التي اعتبرها نائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر «سرطاناً» يجب القضاء عليه.

وفي كلمته الافتتاحية، قال روبيو إن «أهم واجبات الدولة، والمسؤولية الأولى لأي حكومة، هي حماية شعبها»، مضيفاً أن حماية المواطنين «واجب مقدس يجب أن يتجاوز كل الانقسامات السياسية والآيديولوجية». ورأى أن التعاون الدولي خلال العقدين الماضيين نجح في إضعاف التنظيمات الإرهابية، مشيراً إلى القضاء على «داعش»، وقتل قادة مثل أسامة بن لادن وأبو بكر البغدادي وأيمن الظواهري، فضلاً عن تطوير منظومات استخبارية حالت دون وقوع هجمات كثيرة في الولايات المتحدة وأوروبا.

لكن روبيو اعتبر أن «عقيدتنا في مكافحة الإرهاب عانت، لسنوات طويلة، من نقطة عمياء عندما يتعلق الأمر بالعنف المتطرف القادم من اليسار السياسي»، مضيفاً أن مجرد الحديث عن «الإرهاب اليساري» ظل يُعامَل على أنه «خيال يميني» أو «نظرية مؤامرة»، رغم الوقائع التي تشهدها دول غربية عديدة.

السبعينات والثمانينات

واستشهد روبيو بهجمات شهدتها اليونان وألمانيا وفرنسا، وباعتداءات استهدفت البنية التحتية والشرطة والسياسيين، معتبراً أنها دليل على تصاعد العنف الذي تمارسه الجماعات اليسارية والفوضوية في الديمقراطيات الغربية. واستعاد أيضاً تاريخ منظمات مثل «الألوية الحمر» الإيطالية، و«الجيش الأحمر» الياباني، و«منظمة بادر مينهوف» الألمانية، و«17 نوفمبر» اليونانية، و«الدرب المضيء» في بيرو، و«فارك» الكولومبية، إضافة إلى «ويذر أندرغراوند» و«جيش التحرير الأسود» في الولايات المتحدة، مؤكداً أن «93 في المائة من الهجمات الإرهابية في الغرب بين عامَي 1970 و1980 نفذتها جماعات يسارية متطرفة».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متحدثاً في بداية الاجتماع الوزاري حول العنف السياسي في واشنطن (رويترز)

كما اتهم جماعات مثل «أنتيفا» بالعمل عبر شبكات عابرة للحدود، قائلاً إنها تتشارك التمويل والتدريب والدعاية مع جماعات أخرى، ومؤكداً أن بعضها يرتبط أيضاً بشبكات إيرانية والحكومة الكوبية.

وكشف روبيو عن سلسلة إجراءات اتخذتها إدارة ترمب، بينها توقيع الرئيس مذكرة الأمن القومي رقم «7»، التي توجّه الوكالات الفيدرالية إلى التحقيق في الشبكات المرتبطة بـ«أنتيفا» وتعطيلها، وإدراج أربع منظمات يسارية متطرفة على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، مع إعلان أن «تصنيفات إضافية ستصدر قريباً».

كما أعلن إطلاق برنامج «مكافآت من أجل العدالة» الذي يوفر مكافآت تصل إلى عشرة ملايين دولار مقابل معلومات تساعد في تعطيل تمويل هذه الجماعات، إضافة إلى تنظيم ورش عمل دولية مع أجهزة إنفاذ القانون، على أن تستضيف ألمانيا الاجتماع المقبل.

«سرطان» اليسار

من جهته، اعتبر نائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر أن إدارة ترمب «أعادت توجيه السياسة الأميركية رسمياً من خلال الاعتراف بالعنف اليساري بوصفه إرهاباً سياسياً يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي».

وقال إن مذكرة الأمن القومي الجديدة توجّه، للمرة الأولى، أجهزة الاستخبارات وإنفاذ القانون إلى «تعطيل وتحديد وتجفيف مصادر التمويل، وسحب الخدمات المصرفية، واعتقال ومحاكمة الإرهابيين السياسيين اليساريين». وأضاف: «من المهم للغاية أن نفهم أن الإرهاب السياسي اليساري يسعى في نهاية المطاف إلى الإطاحة بنظامنا وشكل حكمنا»، معتبراً أن هذه الحركات «تنتهي دائماً بالاستبداد والقمع والعنف السياسي».

نائب كبير مستشاري البيت الأبيض ستيفن ميلر خلال الاجتماع الوزاري حول العنف السياسي في وزارة الخارجية يوم 16 يوليو (رويترز)

واتهم ميلر جماعات مثل «أنتيفا» بالعمل ضمن شبكات دولية تتشارك التمويل والمعلومات والتنظيم، داعياً إلى تعاون أوثق بين أجهزة الاستخبارات وإنفاذ القانون في الدول الحليفة. كما حذّر من أن الديمقراطيات «تقوّض مؤسساتها بنفسها إذا لم يُعاقَب على العنف السياسي».

وأشار كذلك إلى محاولات اغتيال الرئيس ترمب، ومقتل الناشط المحافظ تشارلي كيرك، وارتفاع الاعتداءات على عناصر إدارة الهجرة والجمارك بنسبة «ثمانية آلاف في المائة»، معتبراً أن ذلك يمثل «تمرداً منظماً وممولاً» ضد الحكومة الفيدرالية. وقال: «إذا أدرك اليساريون أن عنفهم ونشاطهم الإجرامي يساعدهم على تحقيق أهدافهم السياسية، فسوف يزدادون جرأة بلا حدود».

وفي ختام كلمته، دعا ميلر الحكومات إلى التحرك قبل فوات الأوان من أجل «اجتثاث هذا السرطان»، قائلاً: «إذا انتظرتم حتى يصبح أسوأ سيناريو واضحاً بحيث لا يستطيع أحد إنكاره؛ فقد خسرتم المعركة بالفعل».

وتزامناً مع المؤتمر، وزّعت وزارة الخارجية الأميركية «ورقة حقائق» قالت فيها إن الاجتماع يهدف إلى «توسيع التنسيق، وتعزيز تبادل المعلومات، وتقوية آليات إنفاذ القانون الدولية» لمواجهة ما وصفته بـ«التهديد المتجدد للإرهاب اليساري المتطرف العابر للحدود».

ووفق الوزارة، شاركت في الاجتماع 67 دولة، معظمها من أوروبا، إضافة إلى دول من آسيا ونصف الكرة الغربي، وكانت إسرائيل الدولة الوحيدة المشاركة من الشرق الأوسط، إلى جانب وزير الخزانة سكوت بيسنت.


مقالات ذات صلة

أسبوع حافل بالاجتماعات ينتظر ترمب مع انعقاد الجمعية العامة

الولايات المتحدة​ ترمب يلقي خطاباً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين بمقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك (رويترز)

أسبوع حافل بالاجتماعات ينتظر ترمب مع انعقاد الجمعية العامة

يشمل برنامج الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستمر يومين لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة سلسلة من الاجتماعات الثنائية والفعاليات مع شخصيات سياسية بارزة.يشمل

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة من فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» لعملياتها في إطار الحصار البحري على إيران p-circle

واشنطن وطهران تتبادلان تهديدات التصعيد العسكري

وسط التوتر المتصاعد بين الجانبين الأميركي والإيراني والتهديدات المتبادلة أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن «شيئاً كبيراً قد يحدث قريباً جداً بشأن إيران»

«الشرق الأوسط» (عواصم)
تحليل إخباري مشهد عام لمبنى الأمم المتحدة عشية بدء الاجتماعات الرفيعة للجمعية العامة (الأمم المتحدة)

تحليل إخباري قادة الدول يبحثون في نيويورك عن مخرج من «عالم قاتم»

يشارك عشرات من زعماء العالم في انطلاق الاجتماعات الرفيعة للأمم المتحدة بنيويورك وسط ترهل المنظمة والبحث عن بديل يستجيب للتحديات الجديدة

علي بردى (نيويورك)
العالم وعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقائه نظيره التركي رجب طيب إردوغان قبل انطلاق قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة 7 يوليو الماضي برفع عقوبات «كاتسا» عن تركيا (الرئاسة التركية)

إردوغان يسعى لتنفيذ وعد ترمب برفع عقوبات «كاتسا» عن تركيا

يسعى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى تحريك ملف رفع العقوبات الأميركية على بلاده في مجال الصناعات الدفاعية خلال لقاء مع الرئيس دونالد ترمب في نيويورك.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك في 23 سبتمبر 2025 (رويترز)

قادة العالم يتجمعون في نيويورك وسط حربين وأزمة ثقة بالمنظمة الدولية

تتحول نيويورك هذا الأسبوع إلى مركز مزدحم للدبلوماسية الدولية، مع وصول نحو 130 رئيس دولة وحكومة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

هبة القدسي (واشنطن)

أسبوع حافل بالاجتماعات ينتظر ترمب مع انعقاد الجمعية العامة

ترمب يلقي خطاباً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين بمقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك (رويترز)
ترمب يلقي خطاباً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين بمقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك (رويترز)
TT

أسبوع حافل بالاجتماعات ينتظر ترمب مع انعقاد الجمعية العامة

ترمب يلقي خطاباً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين بمقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك (رويترز)
ترمب يلقي خطاباً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين بمقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك (رويترز)

يشمل برنامج الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستمر يومين لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة سلسلة من الاجتماعات الثنائية والفعاليات مع شخصيات سياسية بارزة، مثل زعيمي أوكرانيا وبريطانيا ورئيس بلدية نيويورك زهران ممداني.

يجتمع ما يقرب من 130 من رؤساء الدول في نيويورك في وقت يتعرض فيه النظام الذي أقيم بعد الحرب العالمية الثانية لضغوط، وتكافح فيه الأمم المتحدة نفسها من أجل الحفاظ على أهميتها في الوقت الذي تتعرض فيه لهجمات من ترمب، الذي لطالما عبر عن ازدرائه لهذه المؤسسة وخفض التمويل الأميركي لعدد من وكالاتها.

وقال السفير الأميركي ‌لدى الأمم المتحدة ‌مايك والتس، الجمعة، إن من المتوقع أن ​يصل ‌ترمب ⁠إلى نيويورك ​بعد ⁠ظهر الاثنين لحضور «فعاليات سياسية» في برج ترمب في ذلك المساء. وفي صباح الثلاثاء، سيلقي ترمب كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وأضاف والتس «سيسلط الرئيس الضوء على كيفية مواجهته هو وإدارته المشاكل المعقدة في مناطق مختلفة من العالم... وسيتطرق إلى أهمية ضمان ألا تمتلك إيران أبدا سلاحا نوويا».

الصراع مع إيران يلقي بظلاله على الاجتماعات

سيخيم على اجتماعات ترمب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت قبل أكثر من ستة أشهر دون أن تلوح في الأفق نهاية قريبة، مع خطر اتساع نطاقها في ⁠ظل إقدام ميليشيا الحوثي في اليمن، التابعة لإيران، على مهاجمة ‌السعودية وتهديدها لطريق ملاحي حيوي.

ومن المرجح التطرق للصراع مع ‌إيران عندما يشارك ترمب في اجتماع مع قادة مجلس ​التعاون الخليجي. وسيعقد بعد ذلك حفل ‌استقبال للمجلس، ومن المقرر أن يجري خلاله أول لقاء شخصي له مع ديلسي رودريجيز، الرئيسة ‌المؤقتة لفنزويلا المدعومة من واشنطن بعد أن أطاح الجيش الأميركي بالرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

لقاء مع رئيس بلدية ديمقراطي

ترمب يصافح عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض نوفمبر الماضي (ا.ب)

أفاد مكتب رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني في بيان، بحسب وكالة «رويترز»، بأن من المقرر أيضا أن يلتقي ترمب مع رئيس البلدية الديمقراطي يوم الاثنين. وأشار البيان إلى أن ‌اللقاء سيعقد في جريسي مانشن، وهو المقر الرسمي لرئيس البلدية، وسيركز على «القضايا التي تمس مدينة نيويورك وسكانها».

وينتقد كل من السياسيين مواقف ⁠الآخر السياسية، كما ⁠أن لديهما رؤى مختلفة جذريا للعالم، إلا أن لقائهما الأول في نوفمبر (تشرين الأول) الماضي في البيت الأبيض كان وديا، ووصف ممداني لقائهما الثاني في وقت سابق من العام الجاري بأنه مثمر.

وأكد مسؤول في البيت الأبيض عقد الاجتماع مع ممداني.

لقاء مع زيلينسكي الثلاثاء

أرشيفية من لقاء ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة الناتو في لاهاي (د.ب.أ)

يتضمن جدول أعمال ترمب أيضا لقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي قال في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأحد، إنه اتفق مع ترمب على الاجتماع في نيويورك. ولم يحدد الزعيم الأوكراني موعدا للاجتماع، لكن مصدرا مطلعا قال إن من المتوقع أن يعقد يوم الثلاثاء.

ومن المقرر أن يعقد ترمب يوم الثلاثاء اجتماعات ثنائية منفصلة مع رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام في أول لقاء ​مباشر بين الزعيمين ومع رئيسة الوزراء اليابانية ​ساناي تاكايتشي.

وذكرت وسائل إعلام عراقية الأسبوع الماضي أن من المقرر أن يجتمع ترامب أيضا مع رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في وقت ما خلال انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة.


قادة الدول يبحثون في نيويورك عن مخرج من «عالم قاتم»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاطباً الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاطباً الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
TT

قادة الدول يبحثون في نيويورك عن مخرج من «عالم قاتم»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاطباً الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مخاطباً الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)

وصل عشرات من رؤساء الدول والحكومات والوزراء ومئات من المسؤولين إلى نيويورك، حيث يشاركون الثلاثاء في انطلاق اجتماعات رفيعة المستوى للدورة السنوية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط ترقب لصعود الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى المنصة الرخامية الخضراء، التي ظلت لعقود شاهدة على نظام دولي قديم رسم معالمه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، ولكنه يبدو الآن متداعياً تحت وطأة الحروب والأزمات والتحديات الحالية.

وينعقد هذا الحدث الدولي الأبرز عالمياً في كنف منظمة دولية تبدو عاجزة عن القيام بأعباء المهمات التي أنشئت من أجلها قبل 80 عاماً، ولا سيما مع انخراط الدول العظمى في نزاعات وحروب تلهب الشرق الأوسط، ومنها الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وامتداداتها في اليمن ولبنان، وتهدد استقرار القارة الأوروبية في ظل استمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وتثير القلق من سعي الصين إلى إعادة ضم تايوان إلى الأرض الأم، فضلاً عن إخفاقاتها المدوية في تسوية النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، وإيجاد طريقة لإنهاء حرب السودان، وأزمات أخرى ذات تقاطعات أمنية وسياسية واقتصادية كبرى.

عالمان قديم وجديد

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)

وتوافد 73 من رؤساء الدول و45 من رؤساء الحكومات و11 نائب رئيس وولي عهد واحد و49 وزيراً إلى نيويورك، التي جاء إليها أيضاً المئات من الوزراء والمسؤولين الحكوميين الكبار، فضلاً عن رؤساء تنفيذيين لشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومديري المنظمات الإنسانية والإغاثية وغيرهم، وسط تساؤلات عما بقي من النظام الدولي الذي قامت الأمم المتحدة لحمايته.

ويمثل الواقع اليوم «فترة انتقالية» بين عالم قديم يحتضر وآخر لم يولد بعد، وسط انشغال الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس ترمب بتفكيك ما بناه الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية عام 1945، وبالسعي إلى بناء نموذج جديد يحفظ مصالح الدولة العظمى، ولكنه سيكون على الأرجح متعدد الأقطاب.

ويتوقع أن تهيمن الحرب مع إيران وتداعياتها العالمية على نشاطات المناسبة التي تمتد لأسبوع كامل. وسط ترقب لما يمكن أن يحمله الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى القاعة الكبرى للجمعية العامة، التي سيجلس تحت قبتها ممثلو العالم، وبينهم مشككون كثيرون في النهج الترمبي.

ناقلات وسفن في مضيق هرمز (رويترز)

وستكون هذه العودة السادسة لترمب رئيساً لمخاطبة الجمعية العامة. غير أن عودته هذه المرة مختلفة تماماً عن خطاب العام الماضي، حين روج للقصف الأميركي للمواقع النووية الإيرانية ووصفه بأنه «تدمير شامل»، مضيفاً أنه حقق السلام بين إسرائيل وإيران.

وفيما واصل النظام الإيراني تحدي ضغوط إدارة الرئيس ترمب، تمادت جماعة الحوثي في اعتداءاتها على المملكة العربية السعودية، وزادت تهديداتها للممرات الملاحية الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. ويترافق ذلك مع مواصلة الحرس الثوري الإيراني تهديداته ضد حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وبسبب هذه الحرب وعوامل أخرى، يبدو الميزان السياسي هشاً في واشنطن. فأسعار مشتقات الوقود ترتفع، وشعبية الرئيس ترمب تنخفض، قبل نحو 40 يوماً من الانتخابات النصفية للكونغرس، حيث يخشى خسارة حزبه الجمهوري للغالبية في مجلس النواب، وربما أيضاً في مجلس الشيوخ.

وسط ذلك كله، يلتقي ترمب رئيسة فنزويلا المؤقتة ديلسي رودريغيز للمرة الأولى منذ اعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو. ويلتقي أيضاً رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام في أول لقاء بينهما منذ توليه المنصب في يوليو (تموز) الماضي، ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي، وقادة دول مجلس التعاون الخليجي الست: المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة.

القضية الفلسطينية

خلال إحدى جلسات مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

في غضون ذلك، لا يزال الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني أحد أكثر الملفات حساسية وانقساماً. فمن تعثر عملية السلام في غزة إلى توسع الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، تعود القضية إلى واجهة أعمال الجمعية العامة. ويتوقع أن يحضر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في زيارة خاطفة، فيما لن يتمكن الرئيس الفلسطيني محمود عباس من الحضور شخصياً بعد رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة دخول للعام الثاني على التوالي.

ومع ذلك، صوتت الجمعية العامة بأكثرية 152 صوتاً مقابل ثلاثة أصوات، وامتناع أربع دول، للسماح للرئيس عباس بالمشاركة عبر تقنية الفيديو، علماً بأنه اضطر إلى مخاطبة الجمعية بالطريقة نفسها خلال العام السابق.

وبدا منع واشنطن للرئيس عباس من الوصول إلى نيويورك مفارقة بعدما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنها منحت تأشيرات لـ«الوفد الأساسي» الإيراني، ومن ضمنه الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي.

ويتوقع أيضاً أن يحضر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، فيما يصرّ الحلفاء على عدم إغفال حاجات أوكرانيا الدفاعية، في ظل رد روسيا على ضربات المسيّرات بعيدة المدى التي استهدفت بنيتها التحتية للطاقة.

ولا تقتصر تداعيات الحروب على الشرق الأوسط وأوكرانيا. فالصين وروسيا وأوروبا ستكون حاضرة في حسابات القادة، فيما سيغيب الرئيس الصيني شي جينبينغ عن اجتماع الجمعية العامة، ويتوجه إلى واشنطن للقاء ترمب، في وقت ستكون فيه علاقات بكين مع روسيا وإيران من بين الملفات الشائكة المطروحة.

وسيشارك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الأسبوع الذي يأمل أن يستعرض فيه «الدفاع عن نظام متعدد الأطراف حيث يشهد أزمة عميقة».

وسيلقي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام كلمة بلاده ثم يتوجه إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية ماركو روبيو ومديرة صندوق النقد كريستالينا غورغييفا. ويحضر كذلك نائب وزير خارجية كوريا الشمالية كيم سون غيونغ.

مشهد «قاتم»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ب)

وينظر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى المشهد الدولي من زاوية قاتمة، إذ قال قبيل انعقاد الاجتماع إنه «عندما ننظر إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، وعندما ننظر إلى الشرق الأوسط برمته، نجد أن الأمور تزداد سوءاً يوماً بعد يوم»، ملاحظاً أنه «لا يوجد أي تحسن في أي مكان، وعندما تتطور الأمور على هذا النحو، فإننا نواجه خطراً حقيقياً لحدوث انفجار».

وزاد هذه الصورة قتامة الذكاء الاصطناعي، الذي سيكون أيضاً موضوعاً رئيسياً في المحادثات والخطابات، بعدما انتقلت المخاوف حيال مخاطره من دوائر الخبراء وشركات التكنولوجيا إلى قلب النقاش الدولي. وسيعقد مجلس الأمن اجتماعاً لمناقشة القضية، بمشاركة الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان وغيره من مسؤولي شركات الذكاء الاصطناعي، في مؤشر إلى أن التكنولوجيا التي كانت تطرح حتى وقت قريب بوصفها محركاً للنمو والابتكار أصبحت تناقش أيضاً بوصفها قضية تتصل بالأمن الدولي.

وفي خضم المنافسة الشرسة بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي، يدفع غوتيريش باتجاه تعاون دولي أوسع، محذراً من أن التنافس التقني قد يتحول إلى سباق يصعب ضبطه. وقال: «لا يمكن للعالم أن يتحمل التدهور في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي».

وبينما يدعو قادة قطاع التكنولوجيا أنفسهم إلى مزيد من الضوابط، رفض ترمب التحذيرات من المخاطر، عادّاً أنها مجرد «خدعة».

مستقبل المنظمة مع امرأة؟

خلف الكواليس، تتنافس القوى العالمية الكبرى أيضاً على مستقبل الأمم المتحدة، في محاولة للتوصل إلى اتفاق بشأن مرشح لقيادة المنظمة التي تعاني من انقسامات حادة وأزمات مالية وعجز في الميزانية.

وتنتهي ولاية غوتيريش الثانية في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، بعد فترة اتسمت بتصاعد النزاعات العالمية، وجائحة «كورونا»، وتفاقم عدم المساواة والاستقطاب السياسي. وقال دبلوماسي أوروبي إن عملية اختيار خلفه «لم تكن ناجحة حتى الآن... ولم يتبلور أي نوع من التوافق».

وتكتسب عملية اختيار الأمين العام المقبل أهمية خاصة هذه المرة، إذ توجد بين المرشحين أسماء نسائية عدة، وسط حديث عن احتمال أن تختار الأمم المتحدة للمرة الأولى في تاريخها الممتد على مدى ثمانية عقود امرأة لتولي المنصب. لكن مسألة النوع الاجتماعي ليست العامل الوحيد، فالدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، تملك تأثيراً حاسماً في العملية.

وتتصدر قائمة المرشحين في التصويت غير الرسمي السري في مجلس الأمن كل من نائبة الرئيس الكوستاريكي السابقة ريبيكا غرينسبان، والمندوبة الغوايانية السابقة لدى الأمم المتحدة وكارولين رودريغيز بيركيت، ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل ماريانو غروسي، فضلاً عن رئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشيليت (التي أعلنت انسحابها) وماريا فرناندا إسبينوزا وماكي سال وأولارا أوتونو وإيفون عبد الباقي. لكن الأمر لن يحسم بالأصوات وحدها، فأي دولة من الخمس الدائمة تملك حق النقض «الفيتو»، والبطاقة الحمراء لن ترفع إلا في الاقتراع الرسمي.

وبينما تقول الإدارة الأميركية إنها تريد «أفضل مرشح. ببساطة»، تردد أن ترمب يرغب في تعيين رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» جياني إنفانتينو، في ظل «شائعات عن مفاجأة أكتوبر (تشرين الأول)» المقبل.

إصلاح وتقليص وخفض ميزانية

سفينة تجارية عند باب المندب (أ.ف.ب)

تضغط إدارة ترمب باتجاه إصلاح المنظمة وتقليص ميزانيتها وعدد موظفيها، فيما قال المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز إن «هذه المؤسسة في أمسّ الحاجة إلى قيادة قوية وفعالة»، مضيفاً أن أولويات واشنطن هي «الإصلاح، الإصلاح، الإصلاح... والعودة إلى أساسيات السلام والأمن».

وفي المقابل، يحذر مسؤولون وخبراء من أن تقليص دور الأمم المتحدة بصورة كبيرة يمكن أن يدفعها إلى الهامش. لكن أنصار الأمم المتحدة يرفضون النظر إليها بوصفها منظمة عفا عليها الزمن. وقالت الرئيسة المنتهية ولايتها للجمعية العامة أنالينا بايربوك إن الذين يصفون الأمم المتحدة بأنها «غير ذات صلة أو فاشلة» عليهم أن يتخيلوا عالماً «يحرم فيه ملايين الأطفال من التعليم الذي توفره (اليونيسف)، وتحرم فيه عشرات الآلاف من الأسر من المساعدات الإنسانية، وتزج فيه مجتمعات لا حصر لها مجدداً في أهوال الحرب بسبب غياب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة».

ومن هنا يأتي حديث غوتيريش عن إصلاح المؤسسات التي أنشأتها القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إلى جانب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لتصبح أكثر تعبيراً عن واقع القرن الحادي والعشرين.


ترمب إلى الأمم المتحدة... وإيران تختبر دبلوماسية اللحظة الأخيرة في نيويورك

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك في 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك في 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

ترمب إلى الأمم المتحدة... وإيران تختبر دبلوماسية اللحظة الأخيرة في نيويورك

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك في 23 سبتمبر 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك في 23 سبتمبر 2025 (رويترز)

تتحول نيويورك هذا الأسبوع إلى مركز مزدحم للدبلوماسية الدولية، مع وصول نحو 130 رئيس دولة وحكومة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن الأنظار لن تكون معلقة فقط على الكلمات التي ستلقى من فوق المنصة الأممية، بل على الاجتماعات المغلقة في الفنادق والقاعات الجانبية؛ حيث تبحث واشنطن عن مخارج لحرب إيران، وعن طريق متعثر لإنهاء حرب أوكرانيا، فيما يستعد الرئيس دونالد ترمب في الوقت نفسه لاستقبال الرئيس الصيني شي جينبينغ في واشنطن.

وتبدأ الثلاثاء أعمال المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، التي تستمر حتى 28 سبتمبر (أيلول)، في واحدة من أكثر دوراتها ازدحاماً بالأزمات. فالحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران تدخل شهرها السابع، والحرب الروسية - الأوكرانية مستمرة، والتوترات في الشرق الأوسط تُهدد الطاقة والملاحة، فيما تواجه الأمم المتحدة نفسها أزمة مالية وتساؤلات متزايدة حول قدرتها على التأثير في الصراعات التي يفترض أنها أُنشئت لمنعها.

جدول مزدحم باللقاءات الثنائية

ويتوقع أن يستغل ترمب وجود هذا العدد الكبير من قادة العالم في نيويورك لعقد سلسلة من الاجتماعات الثنائية والجماعية على هامش الجمعية العامة، يتصدرها لقاء مرتقب مع قادة وممثلي دول مجلس التعاون الخليجي الست؛ حيث يرجح أن تهيمن الحرب مع إيران وشروط وقف القتال وإمكان استئناف المفاوضات وأمن الخليج ومضيق هرمز على المناقشات.

على جدول ترمب لقاء مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي فيما وقّع في 18 سبتمبر مشروع قانون يجيز فرض عقوبات جديدة على روسيا بسبب حربها في أوكرانيا (أ.ف.ب)

كما تترقب الأوساط الدبلوماسية احتمال عقد لقاء بين ترمب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في وقت تسعى فيه كييف إلى حشد مزيد من الدعم الأميركي والدولي، والضغط من أجل تحريك مسار إنهاء الحرب مع روسيا.

وسيلتقي ترمب الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز على هامش اجتماعات الجمعية العامة، في أول لقاء مباشر بينهما منذ الإطاحة بمادورو في يناير (كانون الثاني) الماضي. كما تشمل أجندة ترمب لقاءات مع رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام، ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، فيما أكد مسؤولون أميركيون عدم وجود اجتماع بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على جدول الأعمال.

وأشارت تقارير إلى اجتماع محتمل بين ترمب ورئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، يتركز على ملف حصر سلاح الفصائل ومستقبل العلاقات الأمنية والاقتصادية مع واشنطن. كما يعقد الرئيس لقاءات مع عدد من القادة الخليجيين الموجودين في نيويورك، فيما يجري وزير الخارجية ماركو روبيو اجتماعات موازية مع نظرائه، من بينها لقاء متوقع مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وآخر محتمل مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام.

إضاءة شموع خارج مقر الأمم المتحدة في نيويورك إحياءً لذكرى ضحايا الاحتجاجات في إيران (رويترز)

إيران... الاختبار الأصعب

سيكون الملف الإيراني الاختبار الأكثر إلحاحاً لترمب، إذ حصل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي على تأشيرتي دخول إلى الولايات المتحدة للمشاركة في الاجتماعات، رغم استمرار الحرب بين البلدين. وفرضت واشنطن قيوداً مشددة على حركة الوفد الإيراني ومشترياته، لكنها سمحت للقيادة الإيرانية بالحضور بموجب التزاماتها بوصفها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة. ومن المقرر أن يلقي بزشكيان كلمته أمام الجمعية العامة الأربعاء.

وجود بزشكيان وعراقجي في نيويورك، بالتزامن مع وجود ترمب وقادة دول الخليج ووسطاء شاركوا في محاولات التفاوض مع طهران في المدينة نفسها، يفتح نافذة دبلوماسية نادرة، حتى في ظل عدم وجود مؤشرات حتى الآن إلى عقد اجتماع مباشر بين الولايات المتحدة وإيران. وتكتسب هذه النافذة أهمية أكبر بعد إعلان مسؤول إيراني بارز أن طهران نقلت، عبر قطر، شروطاً لاستئناف المفاوضات، وأنها تنتظر ردّاً من ترمب.

وقال، رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني، محسن رضائي إن المطالب تشمل وقف الحرب على جميع الجبهات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحصار البحري الأميركي، مشيراً إلى استمرار التواصل عبر الوسيط القطري.

وتحدثت تقارير أخرى عن 7 شروط إيرانية. ويأتي توقيت إرسال هذه الشروط في لحظة شديدة الحساسية، إذ يقول ترمب إنه يقترب من اتخاذ قرار بشأن المرحلة التالية من الحرب. وقال ترمب، في مقابلة مع «أكسيوس»، إنه أمام قرار كبير بشأن ما إذا كان سيستأنف العمليات العسكرية واسعة النطاق ضد إيران، في وقت تؤكد فيه الإدارة الأميركية أن طهران تريد التوصل إلى اتفاق.

وأبقى الجيش الأميركي على مستوى قواته في الشرق الأوسط، استعداداً لاحتمال تجدد القتال، لكن ترمب يريد، قبل اتخاذ القرار، الاستماع إلى حلفائه الخليجيين.

لوحة إعلانية تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مبنى في طهران 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

لقاء مرتقب مع «مجلس التعاون الخليجي»

ومن المقرر أن يجتمع الرئيس ترمب، الثلاثاء، على هامش اجتماعات الجمعية العامة، مع قادة أو ممثلين عن دول مجلس التعاون الخليجي الست: السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعُمان. ومن المنتظر أن تركز المحادثات على الحرب مع إيران، واحتمالات التسوية، والتصور الأميركي لمرحلة ما بعد الحرب. وتكتسب مواقف دول الخليج وزناً إضافياً، بعدما تحمّلت جانباً من التداعيات الاقتصادية والأمنية للحرب، فضلاً عن خشيتها من أن يؤدي تصعيد جديد إلى استهداف منشآت الطاقة أو توسيع نطاق المواجهة.

ويرى محللون أن اجتماعات نيويورك قد تتحول إلى مكان لصياغة معادلة تفاوضية جديدة، أكثر من كونها ساحة لمفاوضات أميركية - إيرانية مباشرة: قطر تنقل الرسائل، ودول الخليج تضغط لتجنب التصعيد، وباكستان تواصل جهود الوساطة، فيما يوجد صانعو القرار الأميركيون والإيرانيون على بُعد كيلومترات قليلة من بعضهم.

بزشكيان ونتنياهو... روايتان متعارضتان

ومن المقرر أن يتحدث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأربعاء، فيما يلقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كلمته الخميس. ومن المرجح أن يقدم كل منهما رواية مختلفة تماماً للحرب؛ إذ ستسعى طهران إلى تصوير نفسها بوصفها هدفاً لحرب أميركية - إسرائيلية، والمطالبة بوقفها، في حين ستدافع إسرائيل عن حملتها باعتبارها ضرورية لمواجهة البرنامج النووي والقدرات العسكرية الإيرانية.

وسيكون الملف الفلسطيني حاضراً أيضاً، بما يعكس جانباً من الانقسام بين واشنطن والأمم المتحدة. فقد رفضت الولايات المتحدة منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس تأشيرة لدخول نيويورك، ومن المتوقع أن يخاطب الجمعية العامة عبر الفيديو، فيما تتواصل التحركات لعقد اجتماع رفيع المستوى بشأن حل الدولتين.

أوكرانيا على طاولة ترمب

وسيصل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى نيويورك باحثاً عن دعم دولي جديد لبلاده، فيما يخاطب الجمعية الأربعاء، ويظهر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أمامها السبت. ومن المتوقع أيضاً عقد اجتماع رفيع المستوى لمجلس الأمن حول أوكرانيا، لكن المجلس ظل عاجزاً عن اتخاذ إجراءات حاسمة لإنهاء الحرب بسبب امتلاك روسيا حق النقض الفيتو.

كما أعلن لافروف أنه يعتزم الاجتماع بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على هامش الاجتماعات.

وبذلك يجد ترمب نفسه أمام 3 ساحات مترابطة: محاولة تقرير ما إذا كان سيصعد أو يتفاوض مع إيران، وإدارة الجهود لإنهاء حرب أوكرانيا، ثم الانتقال إلى واشنطن لاستقبال شي ومناقشة التجارة وتايوان والذكاء الاصطناعي وإيران.

قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة تستعد لاستقبال قادة الدول (د.ب.أ)

منظمة تبحث عن دور

وتتكرر الأسئلة كل عام حول دور المنظمة الدولية، التي تضم 193 دولة، ونفوذها، وتدخل اجتماعاتها هذا العام وسط ضغوط مالية حادة وتراجع في قدرتها على التأثير في الحروب الكبرى.

ويقترب الأمين العام أنطونيو غوتيريش أيضاً من نهاية ولايته الثانية في 31 ديسمبر (كانون الأول)، فيما بدأت بالفعل المنافسة لاختيار خليفته، وهي عملية تتطلب في النهاية توافق القوى الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، ومنها الولايات المتحدة والصين وروسيا.

وتتسع الأجندة إلى ما هو أبعد من الحروب، فالذكاء الاصطناعي أصبح ملفاً دولياً جديداً، مع احتمال عقد اجتماع لمجلس الأمن حول مخاطره، في حين يدعو غوتيريش إلى قواعد عالمية لإدارته، في وقت يتخذ فيه ترمب موقفاً أكثر تشككاً تجاه القيود التنظيمية التي قد تحد من التفوق التكنولوجي الأميركي، كما ستناقش الاجتماعات السودان وأزمة المناخ والأمن الغذائي.