أميركا استخدمت طائرة سرية بتمويه يجعلها تبدو مدنية لاستهداف قارب في الكاريبي

وسط اتهامات بارتكاب جريمة حرب

لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
TT

أميركا استخدمت طائرة سرية بتمويه يجعلها تبدو مدنية لاستهداف قارب في الكاريبي

لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)
لقطة لقارب استهدفته غارة أميركية في الكاريبي (أرشيفية - رويترز)

ذكرت تقارير إعلامية أن الجيش الأميركي استخدم طائرة سرية تم طلاؤها لتبدو كطائرة مدنية في أول هجوم على قارب يشتبه في قيامه بتهريب المخدرات في الكاريبي.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز»، الاثنين، نقلاً عن أشخاص على صلة بالأمر بأنه تم تحميل الذخائر داخل الطائرة بدلاً من أسفل الجناحين، حتى لا يتم رؤيتها.

ووفقاً للإحصاءات الرسمية، لقي 11 شخصاً حتفهم في الهجوم. وقال ستيفن جيه ليبير، الخبير القانوني السابق بالقوات الجوية الأميركية، للصحيفة، إن تنفيذ هجوم بواسطة طائرة تبدو غير عسكرية سيصنَّف على أنه جريمة حرب وفقاً لمعايير الصراع المسلح.

وقال أشخاص شاهدوا مقطع فيديو للهجوم للصحيفة إن الطائرة كانت تحلّق على ارتفاع منخفض للغاية بحيث تمكن الذين على متن القارب من رؤيتها بوضوح.

وقال مسؤولون أميركيون إن شخصين نجَوَا من الهجوم الأول في سبتمبر (أيلول) الماضي، ولكن قُتلا في هجوم لاحق. وأثار هذا الهجوم اللاحق بالفعل اتهامات في الولايات المتحدة بأنه ربما يكون قد تم ارتكاب جريمة حرب.

جدل قانوني حول «الخداع الحربي»

ويكتسب المظهر غير العسكري للطائرة أهمية خاصة، حسب مختصين في القانون؛ لأن الإدارة الأميركية جادلت بأن الهجمات القاتلة على القوارب قانونية وليست جرائم قتل، على أساس أن الرئيس ترمب «قرر» أن الولايات المتحدة في حالة نزاع مسلح مع عصابات المخدرات.

غير أن قوانين النزاعات المسلحة تحظر على المقاتلين التظاهر بالصفة المدنية لخداع الخصم ودفعه إلى خفض حذره، ثم مهاجمته وقتله. ويُعدّ هذا الفعل جريمة حرب تُعرف باسم «الغدر» (Perfidy).

تحذيرات من ارتكاب جريمة حرب

وقال اللواء المتقاعد ستيفن جي. ليبر، النائب السابق للقاضي العام في سلاح الجو الأميركي، إن طلاء الطائرة بطريقة تخفي طبيعتها العسكرية، واقترابها بما يكفي ليتمكن من كانوا على متن القارب من رؤيتها؛ ما يجعلهم لا يدركون ضرورة اتخاذ إجراءات تفادٍ أو الاستسلام للبقاء على قيد الحياة، يُعدّ جريمة حرب وفق معايير النزاعات المسلحة.

وأضاف: «إخفاء الهوية عنصر من عناصر الغدر. إذا لم تكن الطائرة التي تحلّق في الجو قابلة للتعرّف على أنها طائرة مقاتلة، فلا ينبغي أن تشارك في أعمال قتالية».

تفاصيل الهجوم الأول

وحسب مسؤولين اطّلعوا على تسجيلات المراقبة المصورة للهجوم أو أُحيطوا علماً بها، حلّقت الطائرة على ارتفاع منخفض بما يكفي ليشاهدها من كانوا على متن القارب. ويبدو أن القارب استدار عائداً باتجاه فنزويلا بعد رؤية الطائرة، وذلك قبل الضربة الأولى.

وفي وقت لاحق، ظهر اثنان من الناجين من الهجوم الأول وهما يلوّحان للطائرة بعد أن تسلقا جزءاً مقلوباً من هيكل القارب. لكن الجيش قتلهما في ضربة لاحقة أغرقت أيضاً ما تبقى من الحطام. ولم يتضح ما إذا كان الناجيان يعلمان أن الانفجار الذي أصاب قاربهما كان ناجماً عن هجوم صاروخي.

ومنذ ذلك الحين، انتقل الجيش الأميركي إلى استخدام طائرات ذات طابع عسكري واضح في ضرب القوارب، بما في ذلك طائرات «إم كيو - 9 ريبر» المسيّرة، على الرغم من عدم وضوح ما إذا كانت هذه الطائرات تحلّق على ارتفاع منخفض يسمح برؤيتها.

وفي هجوم على قارب في أكتوبر (تشرين الأول)، سبح اثنان من الناجين من الضربة الأولى بعيداً عن الحطام؛ ما حال دون مقتلهما في ضربة متابعة استهدفت بقايا القارب. وقد أنقذهما الجيش وأعادهما إلى بلديهما، كولومبيا والإكوادور.

الغدر في أدلة الجيش الأميركي

وتتناول الأدلة العسكرية الأميركية الخاصة بقانون الحرب مسألة الغدر بإسهاب، مشيرة إلى أنه يشمل الحالات التي يتظاهر فيها المقاتل بالصفة المدنية بما يدفع الخصم إلى «إهمال اتخاذ الاحتياطات الضرورية».

ويؤكد دليل البحرية الأميركية أن المقاتلين الشرعيين في البحر يستخدمون القوة الهجومية «ضمن حدود الشرف العسكري، ولا سيما من دون اللجوء إلى الغدر»، ويشدد على أن القادة لديهم «واجب» يتمثل في «تمييز قواتهم عن السكان المدنيين».

نقاشات سرية في الكونغرس

وأفاد أشخاص مطلعون على الأمر بأن تساؤلات حول احتمال وقوع غدر طُرحت في إحاطات مغلقة داخل الكونغرس قدمها قادة عسكريون، لكنها لم تُناقش علناً بسبب سرية الطائرة المستخدمة. وتركز الجدل العام بدلاً من ذلك على الضربة اللاحقة التي قتلت الناجين الاثنين، رغم حظر قانون الحرب استهداف الغرقى.

وامتنعت الدائرة الإعلامية في قيادة العمليات الخاصة الأميركية، التي كان قائدها الأدميرال فرنك إم. برادلي قد أدار العملية في 2 سبتمبر، عن التعليق على طبيعة الطائرة المستخدمة.

غير أن البنتاغون شدد في بيان على أن ترسانته خضعت لمراجعات قانونية لضمان الامتثال لقوانين النزاعات المسلحة.

وقال كينغسلي ويلسون، المتحدث باسم البنتاغون، رداً على أسئلة صحيفة «نيويورك تايمز»: «يستخدم الجيش الأميركي مجموعة واسعة من الطائرات القياسية وغير القياسية حسب متطلبات المهام. وقبل إدخال أي طائرة إلى الخدمة واستخدامها، تخضع لعملية اقتناء صارمة لضمان الامتثال للقانون المحلي، وسياسات ولوائح الوزارة، والمعايير الدولية المعمول بها، بما في ذلك قانون النزاعات المسلحة».

بدورها، أصدرت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، بياناً لم يتناول بشكل مباشر مسألة الغدر، لكنها دافعت عن الضربة، قائلة إنها جاءت بتوجيه من ترمب لاستهداف «تهريب المخدرات وأنشطة الكارتلات العنيفة»، وأضافت: «الضربة كانت متوافقة تماماً مع قانون النزاعات المسلحة».

غموض حول نوع الطائرة

ولا يزال نوع الطائرة المستخدمة غير واضح. ففي حين أكد مسؤولون عدة أنها لم تكن مطلية باللون العسكري التقليدي، امتنعوا عن تحديد شكلها بدقة.

ونشر هواة رصد الطائرات صوراً على موقع «ريديت» في أوائل سبتمبر لطائرة بدا أنها إحدى طائرات «بوينغ 737» المعدلة التابعة للجيش، مطلية باللون الأبيض مع خط أزرق ومن دون علامات عسكرية، في مطار سانت كروا في جزر العذراء الأميركية.

وبغض النظر عن الطائرة المحددة، أقرّ ثلاثة أشخاص مطلعين على الأمر بأنها لم تكن مطلية باللون الرمادي العسكري المعتاد، وكانت تفتقر إلى العلامات العسكرية. لكنهم قالوا إن جهاز الإرسال الخاص بها كان يبث رقماً عسكرياً تعريفياً، أي يعلن هويتها العسكرية عبر الإشارات اللاسلكية.

طائرات بواجهات مدنية

ويشغّل الجيش الأميركي عدداً من الطائرات المبنية على هياكل مدنية، من بينها طائرات «بوينغ 737» معدلة وطائرات «سيسنا» توربينية، يمكنها إطلاق ذخائر من مخازن داخلية من دون تسليح خارجي ظاهر. وعادة ما تُطلى هذه الطائرات باللون الرمادي وتحمل علامات عسكرية، غير أن مواقع عسكرية وأخرى متخصصة برصد الطائرات تُظهر أن عدداً قليلاً منها مطلي باللون الأبيض وبعلامات محدودة.

حصيلة القتلى والجدل القانوني

وقتل الجيش الأميركي ما لا يقل عن 123 شخصاً في 35 هجوماً على قوارب، من بينها ضربة 2 سبتمبر.

وقال طيف واسع من المختصين في قوانين استخدام القوة إن أوامر ترمب وهيغسيث بمهاجمة القوارب غير قانونية، وإن عمليات القتل ترقى إلى جرائم قتل. فالجيش غير مخول استهداف مدنيين لا يشكلون تهديداً وشيكاً، حتى لو كانوا مشتبهين بارتكاب جرائم.

في المقابل، تجادل الإدارة بأن الضربات قانونية، وأن من كانوا على متن القوارب «مقاتلون»؛ لأن ترمب قرر أن الوضع يشكل نزاعاً مسلحاً غير دولي، أي حرباً ضد جهات غير حكومية، بين الولايات المتحدة وقائمة سرية تضم 24 عصابة إجرامية وكارتلاً للمخدرات صنّفهم إرهابيين.


مقالات ذات صلة

مطالبات جمهورية وديمقراطية بتراجع ترمب عن صفقة الديزل مع روسيا

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب) p-circle

مطالبات جمهورية وديمقراطية بتراجع ترمب عن صفقة الديزل مع روسيا

دعا أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي الرئيس دونالد ترمب إلى «التراجع» عن صفقة توريد الديزل المبرمة مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية ماركو روبيو برفقة السفيرة الأميركية لدى اليونان كيمبرلي غيلفويل في مطار أثينا الدولي (أ.ب)

ترمب وروبيو يدرسان إقالة السفيرة الأميركية لدى اليونان

يدرس الرئيس الأميركي ووزير خارجيته إقالة سفيرة الولايات المتحدة لدى اليونان بعد سلسلة من التقارير التي تزعم مشاركتها في سلوك غير لائق وربما غير قانوني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين واشنطن وتل أبيب بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية لا تزال مستمرة

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز) p-circle

هل وصل الحصار العسكري والاقتصادي إلى نقطة كسر إيران؟

حاولت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الجمع بين إبقاء الخيار العسكري جاهزاً، وتشديد الحصار الاقتصادي والبحري؛ لإجبار إيران على تقديم تنازلات...

هبة القدسي (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: استهداف المصافي الروسية سينتهي إذا أوقفت موسكو هجماتها على منشآت الطاقة

أعلن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، يوم الأحد، استعداد بلاده لوقف استهداف مصافي النفط الروسية إذا أوقفت موسكو هجماتها على منشآت الطاقة الأوكرانية.

«الشرق الأوسط» (كييف)

مطالبات جمهورية وديمقراطية في الكونغرس بتراجع ترمب عن صفقة الديزل مع روسيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)
TT

مطالبات جمهورية وديمقراطية في الكونغرس بتراجع ترمب عن صفقة الديزل مع روسيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

دعا أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي الرئيس دونالد ترمب، أمس الأحد، إلى «التراجع» عن صفقة توريد الديزل المبرمة مع روسيا، قائلين إنها تتعارض مع القانون الأميركي الذي يحظر استيراد الطاقة إلى أن تنهي روسيا عدوانها على أوكرانيا.

وقال أعضاء مجلس الشيوخ السبعة، أربعة منهم من الحزب الجمهوري الذي ينتمي له ترمب وثلاثة من الحزب الديمقراطي، في بيان: «حظر الكونغرس صراحة استيراد الطاقة الروسية في 2022 لمنع استخدام الدولار الأميركي في تمويل الحرب الوحشية التي يشنها (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين على أوكرانيا».

وأضافوا أن الإدارة لم تتشاور مع الكونغرس أو تقدم أي تفسير لقرارها، وهو أمر ينص عليه القانون أيضاً، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وجاء في البيان: «لا ينبغي للولايات المتحدة أن توفر لبوتين شريان حياة مالياً في وقت تواصل فيه روسيا قتل المدنيين الأوكرانيين. يجب على الإدارة أن تعيد توجيه مسارها على الفور».

وهذه هي أحدث انتقادات من كلا الحزبين لصفقة ترمب، وذلك في تحول عن دعم الحزب الجمهوري شبه الإجماعي الذي حظي به قرار ترمب في مجال السياسة الخارجية قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) والتي ستحدد ما إذا كان الجمهوريون سيحتفظون بسيطرتهم على الكونغرس.

وصدر البيان عن أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين سوزان كولينز عن ولاية مين، وليسا موركوفسكي عن ولاية ألاسكا، وتوم تيليس عن ولاية نورث كارولاينا، وجون كيرتس عن ولاية يوتا، والديمقراطيين جين شاهين عن ولاية نيوهامبشير، وريتشارد بلومنتال عن ولاية كونيتيكت، ورون وايدن عن ولاية أوريغون.

وقال تيليس في وقت سابق إن صفقة الرئيس ترمب مع روسيا بشأن الديزل قد تكون غير قانونية ومن شأنها أن تعرض حياة الأميركيين للخطر.

وذكر ترمب أن روسيا وافقت على توريد شحنات ديزل للأسواق العالمية، وأن إدارته رفعت مؤقتاً العقوبات الأميركية المفروضة على الوقود الروسي، والتي كانت تهدف إلى حرمان موسكو من الإيرادات اللازمة لتمويل حربها على أوكرانيا.

وقال تيليس، المقرر أن يغادر مجلس الشيوخ عند انتهاء ولايته في يناير (كانون الثاني) المقبل، لبرنامج «ميت ذا برس» على شبكة «إن.بي.سي»: «أعتقد أن هناك مبرراً وجيهاً للقول بأن الرئيس لا يلتزم بالقانون».

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لشبكة «فوكس نيوز» الإخبارية، يوم الأحد، إن إدارة ترمب ستنفذ اتفاق الديزل مع روسيا مستعينة بالسلطات القانونية المتاحة لها، مضيفاً أن الاتفاق الذي أعلنه ترمب، يوم الجمعة، يصب في مصلحة الشعب الأميركي وسيؤدي إلى خفض الأسعار.

وتابع بيسنت: «سننفذها (الصفقة) باستخدام جميع الصلاحيات القانونية المتاحة لنا. لذا، فإن أي شخص في الكونغرس يقول إن هناك مشروع قانون قديماً أو مشروع قانون لينزي غراهام الحالي الذي يمنعنا من القيام بذلك، فهو مخطئ».


ترمب وروبيو يدرسان إقالة السفيرة الأميركية لدى اليونان

وزير الخارجية ماركو روبيو برفقة السفيرة الأميركية لدى اليونان كيمبرلي غيلفويل في مطار أثينا الدولي (أ.ب)
وزير الخارجية ماركو روبيو برفقة السفيرة الأميركية لدى اليونان كيمبرلي غيلفويل في مطار أثينا الدولي (أ.ب)
TT

ترمب وروبيو يدرسان إقالة السفيرة الأميركية لدى اليونان

وزير الخارجية ماركو روبيو برفقة السفيرة الأميركية لدى اليونان كيمبرلي غيلفويل في مطار أثينا الدولي (أ.ب)
وزير الخارجية ماركو روبيو برفقة السفيرة الأميركية لدى اليونان كيمبرلي غيلفويل في مطار أثينا الدولي (أ.ب)

يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو إقالة سفيرة الولايات المتحدة لدى اليونان، كيمبرلي غيلفويل، بعد سلسلة من التقارير التي تزعم مشاركتها في سلوك غير لائق وربما غير قانوني قبل وأثناء فترة عملها في أثينا.

ووفق وكالة «أسوشييتد برس»، قال مسؤول أميركي كبير، يوم الأحد، إن ترمب وروبيو «غاضبان للغاية» من سلوك غيلفويل الذي تم الإبلاغ عنه، ومن المرجح أن يقررا الإجراء الذي سيتخذانه هذا الأسبوع بعد عطلة يوم كولومبوس، اليوم الاثنين.

وقال المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن روبيو كان غاضباً بشكل خاص، ليس فقط لأنه زار أثينا الأسبوع الماضي، بل لأن غيلفويل حضرت معظم، إن لم يكن كل، فعالياته واستقبلته عند وصوله بعناق حار وسط تصاعد الاتهامات.

وفي سلسلة من التغطيات الصحافية، أوردت صحيفة «وول ستريت جورنال» تقارير حول سلوكيات مشبوهة لغيلفويل؛ شملت توجيه تهديد مزعوم لمسؤول في الدولة المستضيفة، وقبول هدايا ومزايا غير لائقة، فضلاً عن عرضها استغلال نفوذها داخل الإدارة مقابل تسديد فاتورة بطاقة ائتمان ضخمة.

وعلى الرغم من إحجام غيلفويل عن التعليق مباشرة على التقارير، إلا أن محاميها نفى ارتكابها أي مخالفات، وذلك بالتزامن مع إشارات دعم ضمني صدرت عن السفارة الأميركية في أثينا.


إنفاق جمهوري ضخم على حملة الانتخابات لم يغيّر في نتائج الاستطلاعات

هتافات من الحاضرين خلال اليوم الأول من المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي في دالاس (تكساس) الجمعة (أ.ف.ب)
هتافات من الحاضرين خلال اليوم الأول من المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي في دالاس (تكساس) الجمعة (أ.ف.ب)
TT

إنفاق جمهوري ضخم على حملة الانتخابات لم يغيّر في نتائج الاستطلاعات

هتافات من الحاضرين خلال اليوم الأول من المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي في دالاس (تكساس) الجمعة (أ.ف.ب)
هتافات من الحاضرين خلال اليوم الأول من المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي في دالاس (تكساس) الجمعة (أ.ف.ب)

أفادت تقارير معنية بانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة بأن الجمهوريين أنفقوا نصف مليار دولار خلال شهر واحد على سباقات الكونغرس، وأطلقوا موجة غير مسبوقة من الإعلانات الهجومية ضد المرشَّحين الديمقراطيين، مستفيدين من تفوُّق مالي كبير وخزينة سياسية ضخمة جمعها الرئيس دونالد ترمب، لكن تدفُّق الأموال لم يحقق حتى الآن تحولاً في استطلاعات الرأي. والأكثر إثارة للقلق داخل الحزب الجمهوري أن جانباً متزايداً من هذه الأموال لم يعد يذهب إلى انتزاع مقاعد من الديمقراطيين، وإنما إلى الدفاع عن ولايات ومعاقل جمهورية كان يُفتَرَض أن تكون آمنة.

ومنذ مطلع شهر سبتمبر (أيلول)، عندما فتح الرئيس ترمب خزينته السياسية أمام مرشحي الحزب، ضخ الجمهوريون نحو 500 مليون دولار في سباقات مجلسي النواب والشيوخ. لكن بعد شهر من الحملة الإعلانية المكثفة، أشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى أن استطلاعات الرأي لم تتحرك بصورة واضحة لمصلحة الجمهوريين، ولا يزال الديمقراطيون في وضع تنافسي قوي في سباقات مجلس الشيوخ، في ولايات من بينها ألاسكا ومين وميشيغان ونورث كارولاينا وأوهايو وتكساس.

وتشير هذه الأرقام إلى مفارقة باتت في قلب انتخابات التجديد النصفي؛ فالجمهوريون يملكون الأموال الكبرى، فيما يحاول الديمقراطيون استخدام المناخ السياسي لتوسيع خريطة المنافسة وإجبار خصومهم على توزيع أموالهم على عدد متزايد من الولايات والدوائر.

مليار دولار مقابل 579 مليوناً

وتقدر شبكة «إيه بي سي نيوز» الأموال المتاحة لدى أبرز المجموعات الجمهورية بنحو مليار دولار، مقابل ما لا يقل عن 579 مليون دولار لدى مجموعة مماثلة من المنظمات الديمقراطية. ويأتي جانب كبير من القوة المالية الجمهورية من لجنة «ماغا» المتحالفة مع ترمب، التي كانت تمتلك نحو 416 مليون دولار نقداً بنهاية أغسطس (آب).

كما جمع صندوق قيادات مجلس الشيوخ «Senate Leadership Fund»، (وهو أكبر صندوق سياسي يعمل على حماية الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ)، أكثر من 253 مليون دولار حتى نهاية يونيو (حزيران).

المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان مارك روجرز مع مناصريه (ا.ف.ب)

وتؤكد بيانات موقع «AdImpact» (المتخصص في رصد تأثير الإعلانات) حجم الفارق بين إنفاق الحزبين في هذه الانتخابات، خصوصاً في سباقات مجلس الشيوخ التنافسية؛ حيث استحوذ الجمهوريون على نحو 60 في المائة من الإنفاق الإعلاني مقابل 40 في المائة للديمقراطيين، وأنفقوا أكثر من خصومهم بنحو 188 مليون دولار حتى نهاية سبتمبر، لكن السؤال لم يعد يتعلق بحجم الأموال فقط، وإنما أين يضطر الجمهوريون إلى إنفاقها؟

من نورث كارولاينا إلى كانساس

وأشارت التقارير إلى أن تقدم الديمقراطيين في ولاية نورث كارولاينا كان أوضح مثال على المعضلة الجمهورية؛ فقد خطط صندوق قيادات مجلس الشيوخ لإنفاق 71 مليون دولار في هذه الولاية لدعم الجمهوري مايكل واتلي أمام الحاكم الديمقراطي السابق روي كوبر. لكنه أوقف إنفاقه الإضافي بعد ضخ أكثر من 32 مليون دولار، في ظل استمرار تقدم كوبر في استطلاعات الرأي. واللافت أن نورث كارولاينا ليست ولاية ديمقراطية تقليدية؛ فقد فاز بها ترمب ثلاث مرات. وبدلاً من مواصلة الإنفاق هناك، بدأ الجمهوريون تحويل الأموال إلى ولاية كانساس للدفاع عن السيناتور روجر مارشال أمام الديمقراطي آدم هاميلتون.

وضخَّ الصندوق 10 ملايين دولار في السباق، فيما أضافت مجموعة محافظة أخرى نحو 1.6 مليون دولار. وتكمن دلالة هذه الخطوة في أن ولاية كانساس لم تنتخب ديمقراطياً لمجلس الشيوخ منذ عام 1932.

وظهرت المشكلة نفسها في ولاية ساوث كارولاينا؛ حيث خصص الجمهوريون 5 ملايين دولار إضافية للدفاع عن مقعد في ولاية لم يفز فيها ديمقراطي بانتخابات مجلس الشيوخ منذ ثلاثة عقود. ووصفت صحيفة بوليتيكو المشهد بأنه انتقال متزايد للجمهوريين إلى موقف دفاعي، فيما اختصر مسؤول جمهوري الوضع بقوله إن الجمهوريين يواجهون حرائق في كل مكان.

تكساس تستهلك الملايين

ويعكس حجم القلق الجمهوري في تكساس قرار ترمب العودة إلى الولاية، الأربعاء، للمرة الثانية خلال أسبوع، والثالثة في أقل من شهر؛ حيث يعقد تجمعاً انتخابياً في سان أنطونيو لدعم مرشح مجلس الشيوخ الجمهوري كين باكستون ومرشح مجلس النواب كارلوس دي لا كروز. وتكتسب الزيارة دلالة خاصة، لأن ترمب فاز بتكساس بفارق 14 نقطة عام 2024. كما تُعدّ الولاية أحد المعاقل الحمراء القوية التي لم تنتخب سيناتوراً ديمقراطياً منذ عام 1988. وخلال هذا السباق الانتخابي أصبحت الولاية تستنزف قدراً استثنائياً من الأموال والجهد السياسي الجمهوري؛ حيث تجاوزت قيمة الإعلانات فيها 800 مليون دولار، منها نحو 600 مليون للجمهوريين، وفق صحيفة «واشنطن بوست».

وتأتي عودة ترمب بعد زيارته مصنعاً للشاحنات في مدينة دنتون، الأسبوع الماضي، حيث دعا أنصاره إلى التصويت لباكستون، قبل أن يقرّ لاحقاً بأن تكساس أصبحت من الولايات التي يقلق الجمهوريون بشأنها. وتوضح كثافة زياراته، إلى جانب عشرات الملايين التي تضخها اللجان الجمهورية في سباق باكستون ضد الديمقراطي جيمس تالاريكو، كيف انتقلت تكساس من معقل كان الحزب يعده مضموناً إلى ساحة تستدعي تدخلاً مباشراً من الرئيس لحشد قاعدته وحماية مقاعد الحزب في الكونغرس.

نتائج محدودة

وأشارت تقارير إعلامية إلى أن هذه الأموال المتدفقة لم تأتِ بالنتائج المأمولة لتغيير موقف الناخبين، فقد أنفق الجمهوريون أكثر من 115 مليون دولار على إعلانات تستهدف الهجوم على حملة الديمقراطي جيمس تالاريكو في تكساس. ومع ذلك، أظهر استطلاع لصحيفة «نيويورك تايمز - سيينا» أن عدد الناخبين الذين ينظرون إلى تالاريكو بإيجابية ظل أكبر من الذين يحملون عنه رأياً سلبياً. وفي ولاية ميشيغان، تعرض الديمقراطي عبد السيد لحملة إعلانية هجومية بلغت قيمتها 76.2 مليون دولار، لكن استطلاعات «فوكس نيوز» أظهرت ارتفاع نسبة مَن ينظرون إليه بإيجابية خمس نقاط منذ أغسطس (آب) إلى 47 في المائة.

ويقول الجمهوريون إن هذه الإعلانات (رغم النتائج المحدودة) أدَّت وظيفة مهمة، وهي منع الديمقراطيين من توسيع تقدمهم، وأن هذا الإنفاق الإعلاني حافَظَ على قدرة مرشحي الحزب على المنافسة.

مناصرون للمرشح الديمقراطي عبدول السيد الذي ينافس على مقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان (ا.ف.ب)

الديمقراطيون يُوسّعون الخريطة

أما الديمقراطيون، فيحاولون تعويض نقص الأموال باستراتيجية مختلفة تركز على زيادة عدد المقاعد التي يضطر الجمهوريون إلى الدفاع عنها. فمع تحسن فرص المرشحين الديمقراطيين في بعض الولايات المتأرجحة، بدأ الحزب توجيه الموارد إلى مناطق أكثر ميلاً للجمهوريين، من ولايات كانساس وساوث كارولاينا وتكساس إلى دوائر في أركنساس وتينيسي.

وفي مجلس النواب، اضطر أكبر صندوق جمهوري إلى التخلّي عن الدفاع عن دائرة أوماها في ولاية نبراسكا، فيما بدأت مجموعات متحالفة مع ترمب وإيلون ماسك ضخ الأموال في دوائر جمهورية في ولايات كنتاكي وأوهايو وتكساس. وأشار مسؤول جمهوري يعمل في سباقات مجلس النواب لصحيفة «واشنطن بوست» إلى أن المشكلة تكمن في وجود كمية محدودة من المال، وكلما أضاف الديمقراطيون سباقات جديدة إلى الخريطة، اضطر الجمهوريون إلى تحديد المقاعد التي سيواصلون الدفاع عنها وتلك التي سيتخلون عنها.

وحتى حركة الأموال بين الحزبين أصبحت تكشف اختلاف وضعهما؛ فبعد تحسن موقف الديمقراطي روي كوبر في نورث كارولاينا، خفض صندوق ديمقراطي داعم لمرشحي مجلس الشيوخ نحو 1.1 مليون دولار من إعلاناته هناك، وبدأ توجيه بعض الأموال إلى تكساس. وبذلك تحركت أموال الحزبين في اتجاهين متعاكسين: الديمقراطيون من ولاية متأرجحة إلى ولاية جمهورية، والجمهوريون من ولاية نورث كارولاينا إلى الدفاع عن ولايات كانساس وساوث كارولاينا.

المال في مواجهة المناخ السياسي

ولا يعني ذلك أن الأفضلية المالية الجمهورية فقدت أهميتها؛ فما زالت مئات الملايين جاهزة للإنفاق، ويحذر الديمقراطيون أنفسهم من أن الفارق قد يسمح للجمهوريين بإغراق الشاشات بالإعلانات خلال الأسابيع الأخيرة. لكن الحزب الجمهوري يحاول استخدام هذه الأموال في بيئة سياسية تتأثر بتراجع شعبية ترمب، وارتفاع أسعار البنزين والديزل، والقلق من تكاليف المعيشة، وتداعيات الحرب مع إيران، إضافة إلى الميل التاريخي لانتخابات منتصف الولاية إلى معاقبة حزب الرئيس.

ولخَّص زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر المعركة، باعتبارها مواجهة بين أفضلية جمهورية هائلة في المال، وأفضلية ديمقراطية في المرشحين والمناخ السياسي. ولهذا قد لا تكون المقارنة الأهم في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) هي فقط مليار دولار للجمهوريين مقابل 579 مليوناً للديمقراطيين، بل الاتجاه الذي تتحرك فيه تلك الأموال؛ فبعد إنفاق الجمهوريين نصف مليار دولار في شهر واحد، أصبحت ملايينهم تنتقل من محاولة توسيع الأغلبية إلى حماية تكساس وكانساس وساوث كارولاينا ودوائر أخرى كان ترمب قد فاز بها بفوارق مريحة قبل عامين.

وفي المقابل، يستخدم الديمقراطيون خزينة أصغر لتوسيع رقعة المنافسة وإجبار خصومهم على الدفاع عن أراضٍ جديدة.