ترمب ومساعدوه يبثّون القلق في كوبا وغرينلاند بعد «إدارة» فنزويلا

سعياً إلى فرض الهيمنة المطلقة للولايات المتحدة على النصف الغربي

أرشيفية لمستشار الأمن الداخلي الأميركي ستيفن ميلر (أ.ب)
أرشيفية لمستشار الأمن الداخلي الأميركي ستيفن ميلر (أ.ب)
TT

ترمب ومساعدوه يبثّون القلق في كوبا وغرينلاند بعد «إدارة» فنزويلا

أرشيفية لمستشار الأمن الداخلي الأميركي ستيفن ميلر (أ.ب)
أرشيفية لمستشار الأمن الداخلي الأميركي ستيفن ميلر (أ.ب)

بعد أيام قليلة من العملية العسكرية الأميركية الخاطفة التي أدت إلى القبض على الرئيس المخلوع نيكولاس مادورو في كركاس وجلبه لمواجهة محاكمة في نيويورك، لمح الرئيس دونالد ترمب إلى أن إدارته ستظل منخرطة لفترة طويلة في فنزويلا، مصمماً مع بعض مساعديه الكبار ليس فقط على ضرورة تغيير الحكم في كوبا وضم غرينلاند، بل أيضاً على إحكام الهيمنة المطلقة للولايات المتحدة في النصف الغربي من الأرض.

وكان قد وجه الرئيس ​ترمب تحذيراً للقيادة في المكسيك وكوبا وكولومبيا، ولوح بإمكانية أن تكون أي من الدول الثلاث هي التالية على قائمة الاستهداف في واشنطن. ومع محاولة النظام التشافيزي إعادة ترتيب أوضاعه، اتضح أن السلطة لم تتحول إلى قوى ديمقراطية داخل فنزويلا. لكنه قال ‌على متن طائرة الرئاسة، الأحد، ⁠إنه ‌من غير المرجح أن تكون هناك حاجة للتدخل العسكري الأميركي ​في كوبا لأن البلاد ⁠تبدو مستعدة للسقوط من تلقاء نفسها. وأضاف: «كوبا توشك على السقوط».

واعترفت الحكومة الكوبية، الأحد، ​بأن 32 من مواطنيها قتلوا خلال الهجوم الأميركي على فنزويلا لضبط الرئيس نيكولاس مادورو من أجل محاكمته في الولايات المتحدة. ولم يقدم ‌بيان ⁠الحكومة ​الكوبية ‌سوى القليل من التفاصيل، لكنه قال إن جميع القتلى من أفراد القوات المسلحة الكوبية وأجهزة مخابرات. وقال البيان: «وفاء لمسؤولياتهم المتعلقة بالأمن والدفاع، أدى مواطنونا واجبهم بكرامة وبطولة وسقطوا بعد ⁠مقاومة شرسة في قتال مباشر ضد المهاجمين أو ‌نتيجة القصف على المنشآت». وفّرت كوبا بعض الأمن لمادورو منذ توليه السلطة. ولم يتضح عدد الكوبيين الذين كانوا يحرسون الرئيس الفنزويلي عندما لقوا حتفهم، كما لم يتضح عدد الذين لقوا حتفهم ​في أماكن أخرى.

وتحدث ترمب عبر شبكة «إن بي سي» عندما سئل عما إذا كانت فنزويلا ستشهد انتخابات جديدة خلال الأيام الـ30 المقبلة، فأجاب: «علينا إصلاح البلاد أولاً. لا يمكننا إجراء انتخابات»، مضيفاً أنه قد يدعم جهود شركات النفط لإعادة بناء البنية التحتية للطاقة هناك في مشروع ربما يستوجب أقل من 18 شهراً. وإذ أصر على أن الولايات المتحدة ليست في حال حرب مع فنزويلا، قال: «لا، لسنا كذلك. نحن في حال حرب مع تجار المخدرات. نحن في حالة حرب مع من يُفرغون سجونهم في بلادنا، ويُفرغون مدمني المخدرات ومصحاتهم العقلية فيها». وكشف عن أن وزري الخارجية ماركو روبيو والدفاع بيت هيغسيث ونائب كبيرة موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر ونائب الرئيس جي دي فانس سيساعدون في الإشراف على فنزويلا، لكن صاحب الكلمة الأخيرة هو: «أنا».

رودريغيز لا ماتشادو

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

وأكد ترمب أن نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز التي أقسمت اليمين الدستورية بصفتها رئيسة مؤقتة، تتعاون مع المسؤولين الأميركيين. بيد أنه لم يفصح عما إذا كان قد تحدث معها. وأضاف أن روبيو «يتحدث معها بطلاقة باللغة الإسبانية»، مضيفاً أن «علاقتهما متينة للغاية». وأشار إلى أن الولايات المتحدة قد تتدخل عسكرياً مجدداً في فنزويلا إذا توقفت رودريغيز عن التعاون مع الولايات المتحدة. ورفض منح دور قيادي لزعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، التي يرى أنها تفتقر إلى الدعم الشعبي الكافي للحكم، علماً أن ماتشادو الحائزة أخيراً جائزة نوبل للسلام رأت أن المعارضة ستفوز بأكثر من 90 في المائة من الأصوات في انتخابات حرة ونزيهة.

وتعهدت بالعودة سريعاً إلى بلادها، مشيدة بالرئيس الأميركي لإسقاط عدوها نيكولاس مادورو، ومعلنة استعداد حركتها للفوز بانتخابات حرة. وقالت ​ماتشادو (58 عاماً): «أخطط للعودة إلى فنزويلا في أقرب وقت ممكن». وذكرت في مقابلة أجرتها معها شبكة «فوكس نيوز»: «نعتقد أن هذا الانتقال يجب أن يمضي قدماً... فزنا في الانتخابات (في 2024) بأغلبية ساحقة في ظل عمليات تزوير. وفي أي انتخابات حرة ونزيهة، سنفوز بأكثر من 90 في المائة من الأصوات».

ونقلت وكالة «رويترز» عن مصادر مطلعة أن ترمب اطلع قبل العملية العسكرية على تقييم سري لوكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» يفيد بأن كبار الموالين لمادورو، وبينهم رودريغيز، هم الأنسب ‌للحفاظ على ‌الاستقرار عند ‌فقدان مادورو السلطة.

وكذلك ردد ميلر نية ترمب في حكم فنزويلا واستغلال احتياطاتها النفطية الهائلة. وقال إن «الولايات المتحدة تُدير فنزويلا»، مستهزئاً بالمعاهدات الدولية التي تكرّس حق الدول في الاستقلال والسيادة، واصفاً إياها بأنها «مجاملات دولية». وأكد أن الحصار العسكري على فنزويلا سيمنح الولايات المتحدة السيطرة عليها. وقال: «نحن من يضع الشروط والأحكام. نفرض حظراً تاماً على نفطهم وعلى قدرتهم على ممارسة التجارة. لذا، لكي يمارسوا التجارة، يحتاجون إلى إذننا. ولكي يتمكنوا من إدارة اقتصادهم، يحتاجون إلى إذننا. إذن، الولايات المتحدة هي المسيطرة. الولايات المتحدة هي من تدير البلاد».

ورغم هذه التصريحات، لا يزال المقصود بـ«إدارة» فنزويلا موضع خلاف، إذ إن روبيو تلافى استخدام هذا الوصف، رغم إصرار ترمب على أن الولايات المتحدة هي «المسؤولة» عن هذا البلد الشاسع في أميركا الجنوبية. وأكد رئيس مجلس النواب مايك جونسون، الذي دافع بشدة عن العملية العسكرية، أن الولايات المتحدة لا تُشارك في أعمال عدائية عسكرية أو احتلال ضد فنزويلا.

«على وشك السقوط»

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على درج الكابيتول بواشنطن العاصمة (أ.ب)

ولم يتطرق ترمب إلى تصريحاته قبل أيام بشأن كوبا وكولومبيا والمكسيك وغرينلاند. غير أن أحداث فنزويلا أدت إلى صدمة في كل أنحاء أميركا اللاتينية والعالم. وكان الوقع كبيراً في كوبا بعد ورود أنباء عن مقتل العشرات من قوات الأمن الكوبية (النخبة) في أثناء حراستهم لمادورو. وتزايد القلق بعدما أعلن كل من ترمب وروبيو أن انهيار الحكومة الشيوعية في كوبا لم يكن مجرد نتيجة محتملة لعزل مادورو، بل كان هدفاً بحد ذاته. وقال ترمب: «لا أعتقد أننا بحاجة إلى اتخاذ أي إجراء» لأن «كوبا تبدو وكأنها على وشك السقوط».

وذهب روبيو إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة قد تكون مستعدة لدعم الموقف. وقال عبر شبكة «إن بي سي»: «لن أتحدث إليكم عن خطواتنا المستقبلية». لكنه أضاف: «لو كنت أعيش في هافانا وأعمل في الحكومة، لكنت قلقت». لكن في غياب التدخل الأميركي المباشر، يشكك الخبراء فيما يمكن أن يحصل في هذا البلد الجزيرة.

وقال مدير برنامج الدراسات الكوبية لدى جامعة ميامي مايكل بوستامانتي: «إذا كنت تسأل عما إذا كانت الحكومة الكوبية ستنهار من تلقاء نفسها لأن المعاناة الاقتصادية ستتفاقم حتماً في غياب شحنات النفط الفنزويلي، فأنا متشكك للغاية في ذلك».

ورأى المدير السابق لشؤون النصف الغربي من الأرض خوان غونزاليس أن «قطع إمدادات النفط سيُفاقم الوضع الإنساني بشكل كبير» في كوبا، مضيفاً: «لكنني لا أعتقد أن النظام سيستسلم».

أطماع في غرينلاند

رئيسة الوزراء الدانماركية ميتي فريدريكسن تصافح رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن في كوبنهاغن (رويترز)

في غضون ذلك، صدرت تصريحات مثيرة إضافية من ميلر، الذي لطالما كان شخصية مؤثرة في كواليس سياسة إدارة ترمب، لتبرير النزعة الإمبريالية الأميركية ورؤية نظام عالمي جديد تستطيع فيه الولايات المتحدة الإطاحة بالحكومات الوطنية والاستيلاء على الأراضي والموارد الأجنبية بحرية طالما كان ذلك في مصلحتها الوطنية. وأكد عبر شبكة «سي إن إن» للتلفزيون أن غرينلاند «تابعة» للولايات المتحدة، قائلاً: «لن يخوض أحد حرباً عسكرية ضد الولايات المتحدة من أجل مستقبل غرينلاند». وأضاف: «نحن نعيش في عالم، في عالم حقيقي (...) تحكمه القوة، تحكمه السلطة. هذه هي القوانين الثابتة للعالم منذ الأزل».

وجاءت هذه التصريحات بعدما نشرت زوجته صورة على وسائل التواصل الاجتماعي تشير إلى أن الولايات المتحدة ستسيطر قريباً على غرينلاند، وحذرت رئيسة الوزراء الدانماركية ميتي فريدريكسن ترمب الأحد الماضي من تداعيات تهديداته بضم غرينلاند، عادّةً ذلك هجوماً على بلد حليف في حلف شمال الأطلسي «الناتو».

وكذلك رد زعماء أوروبا على تصريحات ترمب بشأن غرينلاند، مؤكدين في بيان، أن الجزيرة الاستراتيجية الغنية بالمعادن التي تقع في القطب الشمالي «تعود ملكيتها لشعبها».

وبذلك انضم قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة إلى رئيسة الوزراء الدنماركية في الدفاع عن سيادة غرينلاند.


مقالات ذات صلة

تعميق الهوة بين واشنطن وكييف... زيلينسكي يشعر «بالخيانة» ويواجه «قطيعة نهائية» من ترمب

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يسيران في ساحة الاستقلال بكييف الأحد (إ.ب.أ) p-circle

تعميق الهوة بين واشنطن وكييف... زيلينسكي يشعر «بالخيانة» ويواجه «قطيعة نهائية» من ترمب

الشرخ المتزايد في العلاقة بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وإدارة الرئيس دونالد ترمب يقترب بسرعة من حافة «القطيعة النهائية».

رائد جبر (موسكو)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض يوم 15 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ترمب يتراجع عن نقل إعدام منفّذ هجوم «فورت هود» بالبثّ الحي

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تراجعه عن بث عملية إعدام نضال حسن، المُدان بقتل جنود أميركيين، التي ستكون رمياً بالرصاص على يد فرقة إعدام عسكرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة وُزعت دون تحديد تاريخها لـ«أم القنابل» في قاعدة «إيغلين» الجوية بولاية فلوريدا الأميركية (رويترز)

واشنطن تبحث قصف إيران بأقوى قنبلة «غير نووية» لديها

نقلت شبكة «سي إن إن» عن مصادر مطلعة قولها إن الجيش الأميركي يدرس الاستخدام المحتمل لقنبلة «جي بي يو 43/ بي»، المعروفة باسم «أم القنابل»، ضد إيران...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ كيمبرلي غيلفويل تتحدّث خلال فعالية في البيت الأبيض يوم 24 مارس (أ.ف.ب)

رحيل سريع للمسؤولات وإبقاء المسؤولين... هل تُحاسب إدارة ترمب النساء وتُجامل الرجال؟

أثارت موجة رحيل المسؤولات عن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ولايته الثانية تساؤلات بشأن المساواة في التعامل بين النساء والرجال.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ إيلون ماسك يقفز على منصة خلال تجمع انتخابي للرئيس الأميركي دونالد ترمب في بتلر فارم شو بولاية بنسلفانيا بتاريخ 5 أكتوبر 2024 (أ.ب).

ترمب يقيّم ذكاء إيلون ماسك: عبقري بنسبة 80 %... ولديه مشكلة صغيرة

وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الملياردير إيلون ماسك بأنه «عبقري للغاية بنسبة 80 في المائة»، مشيرا الى أن لديه «مشكلة صغيرة» في النسبة المتبقية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أميركا: رسائل فيها مواد مشبوهة موجهة إلى مكاتب خاصة بالانتخابات والكونغرس

مبنى الكابيتول في واشنطن... مقر مجلسي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى الكابيتول في واشنطن... مقر مجلسي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

أميركا: رسائل فيها مواد مشبوهة موجهة إلى مكاتب خاصة بالانتخابات والكونغرس

مبنى الكابيتول في واشنطن... مقر مجلسي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى الكابيتول في واشنطن... مقر مجلسي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

يُجري مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، وخدمة البريد، تحقيقات في رسائل «تحتوي على مواد مشبوهة» مرسلة إلى مكاتب خاصة بالانتخابات والكونغرس. وحث المستلمين على التعامل مع هذه الرسائل على أنها «يُحتمل أن تكون خطرة».

وحصلت وكالة «أسوشييتد برس» على رسالة من مسؤول شؤون مجلس الشيوخ تكشف عن التحقيق الذي يُجريه مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) وخدمة التفتيش البريدية الأميركية وشرطة الكابيتول، اليوم (الخميس).

وأفاد الإشعار، الذي أُرسل إلى مكاتب مجلس الشيوخ، بأن مسؤولي إنفاذ القانون يعملون على اعتراض أي رسائل إضافية، لكن «من الممكن أن تصل بعض الرسائل إلى وجهاتها».

تأتي هذه الرسائل قبل ثلاثة أسابيع فقط من يوم الانتخابات، وتُذكّر بتهديد مماثل وقع في عام 2023، عندما تلقَّت عدة مكاتب انتخابية مظاريف تحتوي على مادة الفنتانيل الأفيونية القوية.

وفي الكونغرس، بدا أن الوضع محصور في مجلس الشيوخ، لكنّ مجلس النواب كان يتابع الأمر، وفقاً لشخص مطلع على الأمر غير مصرح له بمناقشة التحقيق علناً.

وأدت طرود بريدية تحتوي على مسحوق إلى إخلاء مكاتب انتخابية هذا الأسبوع في ولايتين على الأقل، هما لويزيانا وأوكلاهوما. وقال مسؤول في ولاية أوهايو إن خدمة البريد اعترضت طرداً يحتوي على مسحوق أبيض كان موجّهاً إلى مكتبه، وأشار إلى أن رسائل مماثلة أُرسلت إلى مسؤولي الانتخابات في عدة ولايات.

وأصدرت الجمعية الوطنية لأمناء الولايات والجمعية الوطنية لمديري انتخابات الولايات بياناً مشتركاً أدانت فيه ما وصفتها بتهديدات ضد موظفي الانتخابات.

وقالت في بيانها: «لا يجوز أبداً أن يخشى القائمون على إدارة انتخاباتنا على سلامتهم في أثناء أداء واجباتهم الأساسية».


وراء التوتر بين ترمب وزيلينسكي... اختلاف في تعريف الأولويات باستهداف المصافي

أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب)
أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب)
TT

وراء التوتر بين ترمب وزيلينسكي... اختلاف في تعريف الأولويات باستهداف المصافي

أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب)
أميركا تقترح رفع التجميد عن بعض الأصول السيادية الروسية في محاولة لإحياء محادثات إنهاء الحرب الأوكرانية (أ.ب)

لم تعمّر «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب طويلاً؛ فبعد استمرار الضربات الروسية على شبكات البنية التحتية الأوكرانية، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استئناف استهداف المصافي الروسية، واضعاً العلاقة المتوترة أصلاً مع واشنطن أمام اختبار جديد. ويتجاوز الخلاف حدود الأهداف العسكرية إلى سؤال أكثر تعقيداً: هل تستطيع الولايات المتحدة التوسط لإنهاء الحرب، في حين تتقارب اقتصادياً مع روسيا وتطالب أوكرانيا بالتخلي عن إحدى أدوات الضغط الرئيسية عليها؟

وبحلول الخميس، بدأت العودة إلى حرب المنشآت النفطية تتخذ شكلاً عملياً؛ إذ أعلن حاكم منطقة ريازان الروسية اندلاع حريق في مصفاة إثر هجوم بمسيّرات. وجاء ذلك بالتزامن مع نشر مقابلة زيلينسكي مع «فايننشال تايمز»، التي أنهى فيها التزام بلاده بتعليق الضربات. لكن حجم الضرر وتأثيره في الإنتاج لم يتضحا فوراً، بحسب «رويترز».

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض يوم 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

هدنة بلا ضمانات

كشفت تجربة الأيام الماضية مشكلة تتجاوز انهيار الهدنة نفسها، من غياب تفاهم معلن وملزم يحدد نطاق وقف الهجمات إلى آلية مراقبته وعواقب انتهاكه. وأكدت كييف أنها علقت ضرباتها استجابة لهدنة ترمب، لكن موسكو واصلت مهاجمة مرافق الكهرباء الأوكرانية.

وبحسب روايات أوردتها الصحف الأميركية، أصابت ضربة روسية محطة كهرباء في خاركيف بعد إعلان ترمب بوقت قصير، ثم جاءت موجات أخرى استهدفت منشآت الطاقة، لتضع زيلينسكي أمام تكلفة سياسية وعسكرية متزايدة: التزام بضبط النفس، في حين تتعرض المدن الأوكرانية للقصف، وتدخل البلاد موسم البرد بشبكة كهرباء متهالكة.

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)

لذلك، يبدو استئناف ضرب المصافي محاولة لاستعادة التوازن في الردع، ورسالة لواشنطن بأن التهدئة لا يمكن أن تبقى من طرف واحد. لكن هذا لا يغلق بالضرورة باب التفاوض، بل يرفع شروط العودة إليه؛ فأي هدنة جديدة ستحتاج إلى التزامات قابلة للتحقق، وضمانات بأن تعليق الهجمات الأوكرانية سيقابله توقف روسي فعلي بدل الاكتفاء بإعلان سياسي أميركي.

الديزل يغيّر الحسابات

وراء التوتر بين ترمب وزيلينسكي اختلاف جوهري في تعريف الأولويات، بحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»؛ فكييف تنظر إلى المصافي الروسية باعتبارها مصدراً لإيرادات الحرب وإمداداتها، وترى في ضربها وسيلة لتعويض اختلال ميزان القوة. أما ترمب فينظر إلى ارتفاع أسعار الوقود على أنه عبء على المستهلك الأميركي، وخطر انتخابي على الجمهوريين قبل اقتراع التجديد النصفي في 3 نوفمبر (تشرين الثاني).

وتنقل الصحيفة عن محللين أن حملة المسيّرات الأوكرانية عطلت بين 40 و50 في المائة من شبكة التكرير الروسية، وهي تقديرات لا تعني تدمير هذه النسبة بصورة دائمة. ومع ذلك، يبقى اضطراب الطاقة الناجم عن حرب إيران عاملاً رئيسياً في ارتفاع الأسعار، بما يجعل تحميل كييف مسؤولية أزمة الديزل اختزالاً لأسباب أوسع.

وتقول إدارة ترمب إن شراء الديزل الروسي وتخفيف العقوبات عنه يخدمان هدفين: زيادة الإمدادات وتشجيع الرئيس الروسي على العودة إلى المفاوضات. لكن أوكرانيا وعدداً من حلفائها يرون أن تقديم منفعة اقتصادية قبل انتزاع التزام روسي، يمنح موسكو موارد إضافية من دون مقابل واضح. والمعضلة هنا أن واشنطن تريد حماية تدفقات الطاقة لخفض الأسعار، في حين تريد كييف تقليصها لرفع تكلفة الحرب على روسيا. وإذا لم تسوَّ هذه المصالح المتعارضة، فقد يتحول كل هجوم أو إعفاء من العقوبات إلى سبب جديد للاشتباك السياسي بينهما.

انفجار طائرة مسيّرة خلال غارة جوية على كييف (أ.ف.ب)

أزمة ثقة واتصالات

أضافت القيود المبلغ عنها على خدمة «ستارشيلد»؛ النسخة العسكرية من منظومة «ستارلينك»، بُعداً أكثر خطورة إلى الخلاف. وبحسب مسؤولين أوكرانيين، توقفت اتصالات أجهزة تتحرك بترددات عالية السرعة، ما أثر في تشغيل مسيّرات هجومية واعتراضية وغيرها من المنظومات. وأوضح إيلون ماسك أن الحكومة الأميركية لا تتحكم باستخدام «ستارشيلد»، لكنه لم يؤكد صدور قرار رئاسي يستهدف أوكرانيا. ومع ذلك، أعلن أنه حان الوقت لتغيير القيادة الأوكرانية، في ترداد لتصريحات ترمب عن زيلينسكي. كما نقلت «واشنطن بوست» عن مصدر بوزارة الدفاع الأوكرانية أن سبب القيود، أكان تغييراً سياسياً أم عائقاً تقنياً، كان لا يزال قيد التحقق.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يسيران في ساحة الاستقلال بكييف الأحد (إ.ب.أ)

وينطبق الحذر نفسه على تبادل المعلومات الاستخباراتية، بعدما أعلن زيلينسكي أن بلاده لم تتلقَّ إنذارات مبكرة عن بعض الضربات الباليستية، فضلاً عن تصريحات أوكرانية وأوروبية عن تهديدات أميركية بوقف الدعم. في المقابل تنفي واشنطن تقليص تبادل المعلومات أو توجيه تلك التهديدات، وأكد الجانب الأوكراني وصول تحذيرات في موجات لاحقة.

هذا التضارب لا يثبت قطعاً شاملاً للمساعدة، لكنه يكشف تآكل الثقة إلى حد تفسير الأعطال بوصفها ضغطاً سياسياً. وحتى إذا استُعيدت الاتصالات بالكامل، ستبقى كييف أمام اعتماد حرج على خدمات تستطيع جهة خارجية التحكم في شروط استخدامها.

استنزاف الشتاء

ميدانياً، تستمر الحرب الجوية بوتيرة مرتفعة؛ إذ أفادت «أسوشييتد برس»، الخميس، بمقتل 3 أشخاص وإصابة 6 في هجوم روسي بالمسيّرات على منطقة كيروفوهراد، استمر أكثر من 6 ساعات. وسبق ذلك قصف بالصواريخ والمسيّرات أصاب مرافق طاقة أوكرانية، ترك نحو 600 ألف شخص بلا كهرباء. وتوضح هذه التطورات أن الخلاف الدبلوماسي يجري في حين تتزايد الضغوط اليومية على الدفاعات والبنية التحتية الأوكرانية.

وتضيف المسيّرات الروسية النفاثة تحدياً تقنياً ومالياً على كييف. وبحسب تحقيق في «نيويورك تايمز»، تتسابق شركات أوكرانية لتطوير مسيّرات اعتراضية أسرع ومزودة بتوجيه يعتمد على الذكاء الاصطناعي، بعدما أصبحت نماذج روسية جديدة تتجاوز سرعة كثير من وسائل الاعتراض الحالية. والاعتماد على صواريخ جوية مرتفعة التكلفة لإسقاط أهداف أرخص بكثير يفاقم الاستنزاف، خصوصاً إذا اقترن باضطراب الاتصالات.

أشخاص يتابعون الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عبر شاشة كبيرة خلال كلمته أمام «منتدى وارسو للأمن» في العاصمة البولندية وارسو يوم 12 أكتوبر 2026 (أ.ب)

لذلك، يرجح محللون في المرحلة المقبلة أن تسعى كييف إلى مواصلة ضرب المصافي وتعزيز الدعم الأوروبي، مع تجنب قطيعة كاملة مع واشنطن. لكن أوروبا، رغم مساندتها السياسية، لا تستطيع تعويض جميع القدرات الأميركية سريعاً، كما أن مواقفها ليست موحدة تجاه استهداف المنشآت النفطية.

جانب من لقاء ترمب وزيلينسكي في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وفي واشنطن، قد يحد اعتراض جمهوريين من مساحة التصعيد ضد زيلينسكي؛ إذ لوّح النائب برايان فيتزباتريك باستخدام صلاحيات التمويل إذا ثبت فرض الإدارة قيوداً تضر بأوكرانيا. ويبقى المسار مفتوحاً بين هدنة أكثر تحديداً وضماناً، أو استمرار استنزاف تستخدم فيه موسكو الكهرباء للضغط على المجتمع الأوكراني، وتستخدم فيه كييف المصافي لزيادة تكلفة الحرب. وما سيحدد الاتجاه هو مدى استعداد ترمب لربط المنافع الاقتصادية المقدمة لروسيا بتنازلات قابلة للقياس، لا بمجرد التعهد بالعودة إلى التفاوض، كما يأمل البعض.


ترمب يتراجع عن نقل إعدام منفّذ هجوم «فورت هود» بالبثّ الحي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض يوم 15 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض يوم 15 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يتراجع عن نقل إعدام منفّذ هجوم «فورت هود» بالبثّ الحي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض يوم 15 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض يوم 15 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الخميس، أن وزارة الحرب (البنتاغون) لن تبثّ مباشرة إعدام نضال مالك حسن، منفّذ هجوم قاعدة «فورت هود» العسكرية، رمياً بالرصاص، بعدما أثار الإعلان عن هذه الخطوة انتقادات من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وفي أعقاب تصريح جي دي فانس، نائب الرئيس، بأنه لن يشاهد عملية الإعدام.

وقال ترمب، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إن بثّ عملية الإعدام علناً «ربما كان سيشكّل رادعاً قوياً للعالم، ليرى كيف تتعامل أميركا مع الإرهابيين والحثالة من أمثال حسن». لكنه أضاف أن «كثيراً من الأشخاص الطيبين وأصحاب النيات الحسنة يفضّلون عدم مشاهدة موته، سواء أكان عبر البث المباشر أم بأي وسيلة مرئية أخرى».

وكانت وزارة الحرب قد أعلنت أن إعدام حسن مقرّر في 3 ديسمبر (كانون الأول) المقبل. وأوضح ترمب أن بإمكان أفراد عائلات الضحايا المباشرين حضور تنفيذ الحكم شخصياً «إذا رغبوا في ذلك».

وأثار إعلان وزير الحرب بيت هيغسيث، مطلع الشهر الحالي، أن إعدام حسن سيكون علنياً، ثم تأكيد «البنتاغون» لاحقاً أنه سيُبثّ مباشرة، موجة واسعة من الانتقادات في صفوف الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، إذ حذّر كثيرون من احتمال استغلال مشاهد الإعدام في تأجيج التطرف.

نضال حسن في 29 يونيو 2012 (رويترز)

وعندما سُئل فانس، مطلع الشهر الحالي، عن مدى توافق الإعدام العلني مع إيمانه المسيحي، أجاب: «لا أعلم إن كان ذلك سيحدث بالفعل». وأضاف: «بصرف النظر عن الجدل الدائر بشأن طريقة تنفيذ الإعدام، آمل ألا ينسى الناس أن هذا الرجل قتل بوحشية عدداً كبيراً من الأبرياء»، كما نقلت وكالة «أسوشييتد برس». لكنه استدرك قائلاً: «ومع ذلك، فإذا بُثّت عملية الإعدام مباشرة في نهاية المطاف، فلن أشاهدها».

وكان حسن، وهو طبيب نفسي في الجيش الأميركي برتبة رائد، قد دخل مبنى طبياً في قاعدة «فورت هود» يوم 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، بينما كان جنود يصطفّون في طوابير طويلة لتلقّي اللقاحات والحصول على الموافقات الطبية اللازمة لنشرهم في الخارج.

وفتح النار باستخدام مسدس مزوّد بجهاز تصويب بالليزر. كما أطلق النار على ظهور جنود كانوا يفرّون باتجاه موقف السيارات.

وقال حسن إن هدفه من الهجوم كان «منع الجنود من التوجّه إلى أفغانستان وقتل مسلمين من أبناء دينه». غير أن قاضياً عسكرياً منعه من الاستناد إلى هذا الدافع في دفاعه خلال محاكمته عام 2013.

وأُصيب حسن بشلل في الجزء السفلي من جسده بعدما أطلق أحد عناصر إنفاذ القانون النار على ظهره، وهو يستخدم حالياً كرسياً متحركاً. وبإمكان حسن السعي إلى تأجيل تنفيذ حكم الإعدام مدة طويلة، وإن كان سلوكه خلال المحاكمة يوحي بأنه قد لا يرغب في ذلك، وفق «أسوشييتد برس».