اتساع الهوّة بين كييف وواشنطن وتعقيدات أوروبية تُربك مستقبل خطة ترمب لوقف الحرب

الرئيس الأميركي يشن أكبر هجوم على الأوروبيين ويدعو لانتخابات جديدة في أوكرانيا

الرئيس الأوكراني في روما مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني في روما مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (إ.ب.أ)
TT

اتساع الهوّة بين كييف وواشنطن وتعقيدات أوروبية تُربك مستقبل خطة ترمب لوقف الحرب

الرئيس الأوكراني في روما مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني في روما مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (إ.ب.أ)

برزت خلال الساعات الماضية مؤشرات جديدة على تعقّد المسار الدبلوماسي المتعلق بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب في أوكرانيا، بعد أن قدّم ترمب، في مقابلة مطوّلة مع صحيفة «بوليتيكو»، أكثر تصريحاته حدّة تجاه الحلفاء الأوروبيين، منتقداً ضعف قيادتهم، ومشدّداً على أن روسيا «في موقع أقوى بوضوح» من أوكرانيا.

زيلينسكي في روما مع جورجيا ميلوني (إ.ب.أ)

وقد تزامن ذلك مع مساعٍ أوكرانية حثيثة لشرح النسخة المعدّلة من خطة السلام، مع وصول الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى روما لمواصلة حملته الدبلوماسية وتثبيت الخطوط الحمراء التي تتمسّك بها كييف، وعلى رأسها رفض التنازل عن أي جزء من الأراضي الأوكرانية لصالح موسكو.

هذه التطورات، التي جاءت قبل تقديم كييف رسمياً نسختها المعدّلة من الخطة إلى واشنطن، دفعت المسؤولين الأوروبيين إلى التحرك بكثافة خلال اليومين الماضيين، في محاولة للحدّ من الفجوة الآخذة بالاتساع بين موقفي كييف والإدارة الأميركية.

وفي المقابلة التي أجرتها معه «بوليتيكو» في البيت الأبيض، قدّم الرئيس الأميركي تقييماً قاتماً لأداء أوروبا السياسي والعسكري، واصفاً دولها بأنها «تتدهور» وتقاد من قبل «أشخاص ضعفاء». ولم يتردد ترمب في القول إن أوروبا «لا تعرف ما الذي يجب فعله»، وإنها عاجزة عن وقف الحرب في أوكرانيا أو ضبط الهجرة.

لكن النقطة الأكثر حساسية كانت عندما قال إن «روسيا في وضع أقوى بوضوح من أوكرانيا»، وإن من الضروري التوصل إلى تسوية «واقعية» تنهي الحرب، في تلميح واضح إلى ضرورة تقديم كييف تنازلات. وأضاف أن إدارته قدّمت «خطة جديدة» يعتبر بعض المسؤولين الأوكرانيين أنها «جيدة»، لكنه اتهم زيلينسكي بعدم قراءتها بعد، وقال: «سيكون من الجيد لو قرأها».

زيلينسكي مع بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر بمقر إقامته في بلدة كاستل جاندولفو الواقعة بالقرب من روما (أ.ب)

كما استخدم ترمب لغة حادّة تجاه القادة الأوروبيين الذين يحاولون تثبيت موقف أوكرانيا، قائلاً إنهم «يتحدثون بلا نتيجة» وإن الحرب «تستمر لأنهم لا ينتجون شيئاً». ولم يقدّم أي ضمانات لأوروبا بشأن استمرار دعم واشنطن إلى جانب أوكرانيا، ما زاد القلق في العواصم الأوروبية التي رأت في تلك التصريحات إشارة إضافية على احتمال تغيير جوهري في موقع الولايات المتحدة داخل منظومة الأمن الأوروبي.

زيلينسكي: لا تنازل والخطة المعدّلة جاهزة

في المقابل، واصل الرئيس الأوكراني جولة دبلوماسية ماراثونية، بدأت في لندن ثم بروكسل، والتقى في روما الثلاثاء مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني، بشأن نسخة جديدة من خطة السلام. والتقى أولاً مع بابا الفاتيكان، ليو الرابع عشر، بمقر إقامته في بلدة كاستل جاندولفو، الواقعة بالقرب من روما. وتهدف الجولة إلى شرح التعديلات التي أدخلتها كييف على خطة ترمب، وإقناع الحلفاء الأوروبيين والأميركيين بضرورة تثبيت مبدأ احترام «الحدود الدولية المعترف بها».

قادة «الترويكا الأوروبية» مع الرئيس الأوكراني قبل انطلاق اجتماعهم في «10 داوننغ ستريت» بلندن أمس (أ.ف.ب)

وقال زيلينسكي، عقب اجتماعه مع قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا في لندن، إن الخطة المنقحة تتضمن «20 نقطة»، لكنها لا تحتوي على أي بند يتعلق بالتنازل عن أراضٍ، مؤكداً أن هذا المسار «غير قابل للتفاوض». وأضاف: «هناك قضايا معقدة جداً تتعلق بالأراضي. لم نتوصل إلى أي حل وسط، ولن يكون هناك حل وسط على حساب وحدة أوكرانيا».

وذكر زيلينسكي أن كييف ستقدّم، الثلاثاء، النسخة المعدّلة من خطتها إلى الولايات المتحدة، في إشارة إلى محاولة إعادة التوازن إلى المسودة الأميركية – الروسية التي اعتُبرت في أوكرانيا وأوروبا «مواتية جداً» لموسكو.

وفي بروكسل، حظي زيلينسكي بدعم واضح من رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، والأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته، الذين أكدوا أن أي اتفاق سلام يجب أن «يحترم سيادة أوكرانيا ويوفر ضمانات أمنية طويلة المدى». وأصدرا الرسالة نفسها في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. وجاء في منشوراتهما: «يجب احترام سيادة أوكرانيا. ويجب ضمان أمنها على المدى الطويل، كخط دفاع أول لاتحادنا».

قادة «الترويكا الأوروبية» مع الرئيس الأوكراني عند مدخل مقر رئاسة الوزراء البريطانية في لندن الاثنين (أ.ب)

لكن قدرة أوكرانيا على المقاومة السياسية تتعرض لاختبار معقّد، بعدما انفجرت في كييف خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة فضائح فساد داخل الدائرة المقربة من الرئيس، أدت إلى استقالة مسؤولين بارزين. ويرى مراقبون أن موسكو وواشنطن تستغلان هذا الضعف النسبي للضغط على زيلينسكي للقبول بصيغة تسوية تتيح وقف الحرب سريعاً، وهو ما أشار إليه ترمب في مقابلته حين دعا إلى «انتخابات جديدة» في أوكرانيا، معتبراً أن «الديمقراطية تحتاج إلى تجديد».

هذه التصريحات اعتُبرت في كييف محاولة للضغط السياسي، خصوصاً في وقت تواجه فيه الجيش الأوكراني ظروف ميدانية صعبة: تقدّم روسي تدريجي في الشرق، نقص في الذخائر، إرهاق بشري، وتدمير متكرر لمنشآت الطاقة.

أوروبا بين دعم كييف والقلق من واشنطن

من جانبها، تحاول أوروبا لعب دور «الضامن» لموقف أوكرانيا، لكن هامش تأثيرها يبدو محدوداً في ظل انفراد واشنطن بمسار التفاوض المباشر مع موسكو وكييف. ففي لندن، شدد كل من ماكرون وستارمر وميرتس على أن أوروبا لن تقبل «فرض» تسوية تمنح موسكو مكاسب إقليمية لم تنتزعها بالقوة.

ويخشى الأوروبيون أن يؤدي أي «تنازل» أميركي للكرملين إلى زعزعة التوازن الأمني في القارة. ويكرر قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا أن الخطة الأميركية - الروسية الأولى كانت «مائلة بشكل واضح لصالح موسكو»، وأن النسخة الجديدة يجب أن تُراجع بالكامل قبل تبنّيها.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لندن الاثنين (إ.ب.أ)

وتُعقّد مسألة الأصول الروسية المجمّدة المشهد أكثر. فخلال الاجتماعات الأخيرة، ضغطت دول البلطيق وبولندا لإقرار آلية فورية لاستخدام أرباح تلك الأصول لتمويل احتياجات أوكرانيا، غير أن اليابان رفضت الانضمام لهذا المسار، فيما طرحت الولايات المتحدة تحفظات قانونية وسياسية. هذا الأمر يترك أوروبا أمام عبء مالي كبير، في وقت تواجه فيه كييف عجزاً قد يصل إلى 70 مليار يورو العام المقبل. كما تخشى دول مثل بلجيكا من أخطار قانونية محتملة إذا قررت استخدام الأموال من دون غطاء دولي واضح.

الرئيسان الفرنسي ماكرون والأوكراني زيلينسكي ورئيس الوزراء البريطاني ستارمر ونظيره البولندي تاسك والمستشار الألماني ميرتس في كييف يوم 10 مايو (إ.ب.أ)

مستقبل خطة ترمب

على الرغم من محاولات كييف إعادة التوازن إلى الخطة، فإن الفوارق بين المواقف لا تزال واسعة. فتمسّك أوكرانيا بسيادتها ورفضها التخلي عن الأراضي يصطدمان برؤية أميركية تميل إلى «الحلول الوسط»، كما قال ترمب، فيما تبدو موسكو غير مستعدة للتراجع عن مطالبها القصوى، وفي مقدمتها تثبيت سيطرتها على كامل دونباس.

أعرب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن شكوكه حيال فرص نجاح المفاوضات الجارية للتوصل إلى حل سلمي في أوكرانيا، في ظل إصرار روسيا على مطالبها بضم أراضٍ أوكرانية.

وقال الوزير الثلاثاء على هامش زيارته للصين: «لست متأكداً بعد من أنه سيكون هناك في نهاية المطاف ورقة قابلة للتوافق على الطاولة»، مضيفاً أن العمل الجاد على صياغة ورقة تسوية أمر إيجابي، لكنه أشار إلى أنه كلما تقدمت المفاوضات، ازدادت صعوبة القضايا المتبقية، وقال: «القضايا الإقليمية كانت منذ البداية من أصعب الملفات»، مشدداً على أن الأوكرانيين وحدهم هم من يمكنهم اتخاذ القرار بشأنها في نهاية المطاف، وقال: «ومن الواضح أن هذه القرارات لن تكون سهلة عليهم».

صورة للقاء عاصف بين ترمب وزيلينسكي في البيت الأبيض يوم 28 فبراير (أ.ف.ب)

في المقابل، يظهر الأوروبيون مستنفرين لمنع اتفاق يُفرض على أوكرانيا تحت ضغط الظروف، إلا أن قدرتهم على التأثير في صياغة الخطة النهائية تبقى موضع شك. ويشير دبلوماسي أوروبي إلى أن «الضمانات الأمنية» تبقى العقدة الأكبر. فكييف تريد التزامات صريحة تردع موسكو، بينما تميل واشنطن في بعض نسخ الخطة إلى تجميد مسار انضمام أوكرانيا إلى «الناتو». وهكذا، ومع نهاية العام الرابع من الحرب، تتقاطع الضغوط والمواقف المتعارضة لتصنع لحظة تفاوضية تبدو الأكثر حساسية منذ بدء الغزو. فبين رغبة إدارة ترمب في إنهاء الحرب سريعاً، وتمسّك كييف بسيادتها، ومحاولة أوروبا منع تسوية مجحفة، ينفتح المشهد على مرحلة طويلة من المدّ والجزر، قد تحدد شكل الأمن الأوروبي لسنوات وربما عقود مقبلة.

زيلينسكي وستارمر خلال لقاء «تحالف الراغبين» في لندن يوم 24 أكتوبر (إ.ب.أ)

استهدافات ميدانية متبادلة

أعلن سلاح الجو في أوكرانيا، الثلاثاء، أن قوات الدفاع الجوي الأوكراني أسقطت 84 من أصل 110 طائرات مسيرة، أطلقتها روسيا خلال هجوم جوي على شمال وجنوب وشرق البلاد خلال الليل. قال أوليه هريهوروف حاكم منطقة سومي الأوكرانية إن طائرات روسية مسيرة هاجمت المدينة التي تحمل الاسم نفسه في وقت متأخر الاثنين، في ثاني هجوم كبير على سومي خلال 24 ساعة، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي. وكتب الحاكم على «تلغرام»: «في غضون نصف ساعة، شن الروس أكثر من 10 غارات بطائرات مسيرة على المدينة. لا توجد كهرباء في سومي. تعمل بعض البنى التحتية الحيوية على مصادر الطاقة الاحتياطية». وكانت مدينة سومي، التي كان يقطنها نحو 250 ألفاً قبل اندلاع الحرب في فبراير (شباط) 2022، هدفاً متكرراً للهجمات الروسية.

صورة جماعية في البيت الأبيض تضم الرئيسين دونالد ترمب وفولوديمير زيلينسكي وقادة أوروبيين 18 أغسطس 2025 بمناسبة محادثات حول أوكرانيا (رويترز)

من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع الروسية، الثلاثاء، أن قوات الدفاع الجوي الروسية تمكنت خلال الليل من اعتراض وتدمير 121 طائرة مسيرة أوكرانية فوق مناطق روسية. وقال رئيس هيئة الأركان العامة الروسية الجنرال فاليري جيراسيموف، الثلاثاء، إن قوات موسكو تتقدم على طول خط الجبهة بالكامل في أوكرانيا وتستهدف القوات الأوكرانية المحاصرة في بلدة ميرنوهراد.

وأضاف في اجتماع عقد مع ضباط من المجموعة المركزية التي تقاتل في منطقة دنيبروبيتروفسك الأوكرانية أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعطى أوامر بهزيمة القوات الأوكرانية في ميرنوهراد، وهي مدينة كان عدد سكانها قبل الحرب يبلغ نحو 46 ألف نسمة وتقع إلى الشرق من بوكروفسك. وتابع بأن روسيا سيطرت على أكثر من 30 في المائة من مباني ميرنوهراد. ونفت أوكرانيا مراراً المزاعم الروسية بسقوط بوكروفسك، وتقول إن قواتها لا تزال تسيطر على جزء من المدينة وتقاتل في ميرنوهراد. وتقول أوكرانيا إنها تحافظ على خطوطها الدفاعية وتجبر روسيا على دفع ثمن باهظ مقابل ما تصفه بمكاسب محدودة نسبياً.


مقالات ذات صلة

هجوم روسي يخلّف أضراراً في بنية تحتية للطاقة والغاز بأوديسا

أوروبا مبنى متضرر في أعقاب غارة جوية على أوديسا (أ.ف.ب)

هجوم روسي يخلّف أضراراً في بنية تحتية للطاقة والغاز بأوديسا

قال أوليه كبير، حاكم منطقة ‌أوديسا ‌بجنوب ‌أوكرانيا، ⁠إن هجوماً ‌شنَّته روسيا بطائرات مُسيَّرة خلال الليل ⁠ألحق ‌أضراراً ‍ببنية ‍تحتية ‍للطاقة والغاز.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا زيلينسكي مع رئيس جمهورية التشيك بيتر بافيل في كييف (أ.ف.ب) play-circle

وفد أوكراني يبحث في أميركا «تفاصيل اتفاق السلام» مع روسيا

وفد أوكراني يبحث في أميركا «تفاصيل اتفاق السلام» مع روسيا. واستطلاعات الرأي تظهر أن أكثر من نصف الأوكرانيين يعارضون الانسحاب مقابل ضمانات أمنية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ صورة لكييف حيث تظهر شاشة كبيرة تُظهر درجة حرارة بلغت -19 مئوية في خضم الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

مفاوضون أوكرانيون في أميركا لبحث إنهاء الحرب مع روسيا

وصل مفاوضون أوكرانيون إلى الولايات المتحدة؛ لإجراء محادثات مع مبعوثين أميركيين؛ سعياً لإنهاء الحرب مع روسيا، المستمرة منذ نحو 4 سنوات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا جنود من الجيش الروسي خلال عرض عسكري عام 2022 (وزارة الدفاع الروسية عبر منصة في كيه)

تراجع التجنيد في الجيش الروسي في 2025

أعلن نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، الجمعة، أن نحو 422 ألف شخص وقّعوا عقوداً مع الجيش الروسي، العام الماضي، بانخفاض قدره 6 في المائة عن عام 2024.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ) play-circle

زيلينسكي يأمل إبرام اتفاق الضمانات الأمنية مع أميركا الأسبوع المقبل

قال الرئيس الأوكراني، الجمعة، إنه يأمل أن توقع بلاده اتفاقيات مع أميركا، الأسبوع المقبل، بشأن خطة إنهاء الغزو الروسي، وانتقد بشدة بطء وصول الذخيرة من الشركاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)

من الفوضى إلى السيطرة... كيف أعاد ترمب تشكيل البيت الأبيض في 2025؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هاورد لاتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض أمراً تنفيذياً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هاورد لاتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض أمراً تنفيذياً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
TT

من الفوضى إلى السيطرة... كيف أعاد ترمب تشكيل البيت الأبيض في 2025؟

السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هاورد لاتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض أمراً تنفيذياً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
السيناتور تيد كروز ووزير التجارة هاورد لاتنيك يحيطان بالرئيس دونالد ترمب وهو يعرض أمراً تنفيذياً مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

لم يعد البيت الأبيض مجرد مركز لاتخاذ القرارات التنفيذية، بل تحوّل، خلال العام الأول من الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترمب، إلى حصن للسياسات القومية الصارمة. وخلال هذا العام، سعى ترمب إلى إعادة رسم خريطة الولايات المتحدة داخلياً وخارجياً. ولم يكتفِ بتعزيز السلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية والقضائية، بل أحدث تحولات جذرية في هيكلة البيت الأبيض وأدواته، مستفيداً من دروس ولايته الأولى لفرض أجندة أكثر تنظيماً، وأشد عدوانية في بعض الأحيان.

وتحت شعار «أميركا أولاً»، شهد عام 2025 تصاعداً لافتاً في استخدام الأوامر التنفيذية، وفرضَ تعريفات جمركية قاسية، واستقطاباً حاداً حول قضايا مكافحة الهجرة وتأمين الحدود، إلى جانب توترات دولية بلغت حدَّ التهديدات والتدخلات العسكرية؛ ما أعاد تشكيل علاقات واشنطن بحلفائها وخصومها على حد سواء.

وفي موازاة ذلك، برز تنافس داخلي داخل صفوف الإدارة، لا سيما بين نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، بوصفه مؤشراً مبكراً إلى صراعات محتملة حول خلافة ترمب في انتخابات 2028.

واستطلعت صحيفة «الشرق الأوسط» آراء خبراء ومسؤولين أميركيين سابقين، حذّروا من أن العام الأول من ولاية ترمب الثانية يرسّخ توجّه الولايات المتحدة نحو انعزالية اقتصادية وسياسية، في وقت تتصاعد فيه التوترات الدولية والانقسامات الداخلية. كما يثير هذا النهج، في نظر بعضهم، مخاوف من تحوّل الرئاسة إلى أداة قوة شخصية تخدم شاغل البيت الأبيض، وسط خشية متزايدة من تآكل الديمقراطية وترسّخ ما باتت تُعرف بـ«عقيدة القوة» في السياسة الأميركية.

من الفوضى إلى التنظيم

اتسمت الولاية الأولى لترمب (2017 - 2021) بفوضى إدارية واضحة، عكستها تعيينات متسارعة وإقالات مفاجئة. أما ولايته الثانية، فبدت أكثر تنظيماً واستعداداً، مستفيدة من أجندة واضحة، أبرزها «مشروع 2025» الصادر عن معهد «هيريتدج»، الذي يهدف إلى تعزيز السياسات المحافظة اليمينية، وتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

وحتى منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصدر ترمب أكثر من 220 أمراً تنفيذياً، وهو عدد يفوق إجمالي الأوامر التنفيذية التي أصدرها خلال ولايته الأولى (220 أمراً)؛ ما يشكّل أعلى معدل لاستخدام هذه الأداة منذ عهد الرئيس فرانكلين روزفلت. واستُخدمت الأوامر التنفيذية لتجاوز الكونغرس، وإلغاء برامج مثل سياسات التنوع والإنصاف، وتشديد أمن الحدود الجنوبية، وفرض قيود صارمة على الهجرة. وعلى خلاف ولايته الأولى، التي اتسمت قراراتها بقدر من الارتجال، ركّزت الولاية الثانية على الاقتصاد والأمن، وتفكيك البيروقراطية الفيدرالية، وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، وتعظيم دور رجال الأعمال وأباطرة التكنولوجيا داخل الإدارة.

وفي أبريل (نيسان) 2025، فرض ترمب تعريفات جمركية عامة بنسبة 10 في المائة، تصاعدت لتتراوح بين 50 و145 في المائة على الصين ودول أخرى؛ بهدف تقليص العجز التجاري. غير أن هذه السياسات أدت إلى ركود صناعي جزئي وأضعفت الطبقة الوسطى الأميركية، خلافاً لوعود ترمب الانتخابية بتحقيق «الازدهار الاقتصادي».

ويرى خبراء أن البيت الأبيض في العام الأول من ولاية ترمب الثانية تحوّل من ساحة صراعات داخلية إلى أداة للسيطرة، مع بروز شخصيات نافذة مثل سوزي وايلز، كبيرة موظفي البيت الأبيض، التي تمتلك تأثيراً واسعاً في توجيه الرئيس وإدارة اندفاعه ورغبته في الانتقام السياسي، وفق مراقبين. كما تعزّز نفوذ كارولين ليفيت، أصغر متحدثة باسم البيت الأبيض (28 عاماً)، في صياغة الرسائل الإعلامية ومواجهة الانتقادات. وتمثل الشخصيتان نموذجاً لحضور نسائي قوي داخل إدارة ترمب.

التدخلات الأميركية مستمرة

يشير السفير الأميركي المتقاعد جيمس جيفري، المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا، إلى هيمنة التيار الداعم للتدخل الدولي في الشرق الأوسط، والذي يضم فريق ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، وتوماس برّاك، ومورغان أورتيغوس. ويقول، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن هذا التيار متحالف مع وزير الخارجية ماركو روبيو، وما تبقَّى من مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية، لافتاً إلى وجود مصالح تجارية قوية مرتبطة بالإدارة وبترمب شخصياً؛ ما أسفر عن استمرار الانخراط العسكري والتجاري والدبلوماسي المكثف في المنطقة.

صورة نشرها البيت الأبيض للرئيس الأميركي وأعضاء في إدارته وهم يواكبون العملية العسكرية في فنزويلا 3 يناير

من جهته، يرى آرون ديفيد ميلر، الزميل البارز في مؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي، والذي شغل مناصب في إدارات أميركية ديمقراطية وجمهورية عدة، أن السنة الأولى من ولاية ترمب الثانية اتسمت بالبراغماتية والتركيز على إبرام الصفقات السريعة. ويشير، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن ترمب، رغم ادعائه إنهاء 8 نزاعات، فإنه لا يبدو مهتماً بمعالجة الجذور العميقة للصراعات، بل يكتفي بإنهائها على السطح.

ويخصّص ميلر حديثه للوضع في غزة، عادّاً أنه رغم وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن، فإن غزة لم تقترب من الاستقرار الوظيفي. وفيما يتعلق بإيران، يرى أن الضربات الأميركية أخَّرت البرنامج النووي، لكنها لم تقضِ عليه. أما فنزويلا، فيصفها بأنها تجسيد لنهج «الانتصار السريع»؛ إذ لا يسعى ترمب إلى خلق ظروف انتقال ديمقراطي، بل إلى استعراض البراعة العسكرية، عبر «اختطاف» الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، مع الإبقاء على النظام قائماً، على حدّ وصفه.

سوزي وايلز كبيرة موظفي البيت الأبيض تحضر اجتماعاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الأرجنتين خافيير ميلي في نيويورك 23 سبتمبر (رويترز)

ويشير ميلر إلى أن ترمب يروّج لفكرة استعادة العزيمة والقوة الأميركية؛ ما دفع قادة العالم إلى الإسراع في التواصل معه؛ إما خوفاً، كما في حالة الرئيس الكولومبي، أو شعوراً بالتهميش، كما لدى المعارضة الفنزويلية بقيادة ماريا ماتشادو، أو بسبب الانقسام الداخلي، كما هي حال الاتحاد الأوروبي. ويلاحظ ميلر حالة غضب وإحباط واسعة من سياسات ترمب الخارجية، تقابلها في الوقت ذاته محاولات متزايدة من قادة العالم لاسترضائه والتقرّب منه.

ويضيف أن أكثر ما يثير قلقه هو «تعطّل النظام السياسي الأميركي»، عادّاً أن إصلاحه «سيستغرق وقتاً طويلاً»، ومتسائلاً عمّا قد تحمله السنوات الـ3 المتبقية من ولاية ترمب.

خيبة أمل تيار «أميركا أولاً»

أدّت التدخلات الخارجية التي أقدم عليها الرئيس الأميركي، من العملية الخاطفة في فنزويلا، إلى الضربات الجوية لمكافحة الإرهاب في نيجيريا، وصولاً إلى السعي للسيطرة على جزيرة غرينلاند، إلى خيبة أمل داخل التيار الانعزالي في إدارة ترمب. ويقول سكوت أبرامسون، الزميل في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، إن قاعدة ترمب الانتخابية وإدارته أشادتا بخطاب الرئيس في الرياض في مايو (أيار)، حين انتقد «المتدخلين في مجتمعات معقدة لا يفهمونها».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو في البيت الأبيض 9 يناير (رويترز)

ويستدرك أبرامسون، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً: «لكن منذ ذلك الخطاب، توسّع نطاق الانخراط الأميركي الخارجي، من رعاية اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان، إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ومحاولات التوصل إلى تسوية بين إسرائيل وسوريا».

ويرى أبرامسون أن النجاح الأميركي في استهداف البرنامج النووي الإيراني، والإطاحة بأقرب حلفاء طهران في نصف الكرة الغربي، الرئيس نيكولاس مادورو، عزّز ميل ترمب إلى استخدام القوة الأميركية دولياً، في حين يتحسر الانعزاليون في قاعدته الانتخابية على هذا التوجه، عادّين أنه يتناقض مع شعار «أميركا أولاً».

ويختلف ميلر في تفسير هذا الشعار، عادّاً أنه لا يعكس انعزالية بقدر ما يجسّد «إحساس ترمب بالقوة والسيطرة، وإثبات أن للولايات المتحدة نفوذاً في كل مكان». ويشير إلى «تضخم غير مسبوق» في السلطة الرئاسية، وتقويض المعايير والمؤسسات الأميركية، وارتفاع مستويات الفساد والمحسوبية، فضلاً عن الضرر الذي يلحق بالنسيج الأساسي للحكومة الأميركية.

«القوة تصنع الحق»

يصف جيمس زغبي، رئيس المعهد العربي - الأميركي في واشنطن، العام الأول من ولاية ترمب الثانية بأنه «مخيف»، معرباً عن قلقه من الأضرار التي لحقت بالديمقراطية الأميركية وبالسياسة الداخلية والخارجية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن ترمب «فكّك الحماية الدستورية، وأطلق العنان لقوى تنفذ أوامره، وقمع الاحتجاجات، وفرض برنامجاً اقتصادياً أدى إلى تسريح عشرات الآلاف من الموظفين الفيدراليين».

الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت تعرض صورة لمركبة تابعة لإدارة الهجرة والجمارك الأميركية تم تخريبها في مينيابوليس 15 يناير (رويترز)

ويرى زغبي أن ولاية ترمب الأولى كانت مختلفة، بفعل وجود جنرالات فرضوا قيوداً على قراراته، بينما اعتمد في ولايته الثانية على رؤية «مشروع 2025» اليمينية، وعلى دائرة من الموالين المستعدين لتنفيذ رغباته، بدافع الطموح السياسي، أو الخوف من فقدان مواقعهم.

ويتفق زغبي مع ميلر في أن ابتعاد ترمب عن القانون الدولي واعتماده على «أخلاقياته الخاصة» يعنيان أن القوة باتت هي التي تصنع الحق. ويشير إلى أن وعود ترمب للأميركيين بالاستفادة من نفط فنزويلا لا تستند إلى واقع؛ إذ إن إصلاح البنية التحتية للنفط الثقيل سيستغرق سنوات طويلة، عادّاً أن النفط لم يكن سوى ذريعة لإيصال رسالة مفادها أن ترمب قادر على فعل ما يريد دون رادع.

أجواء التنافس داخل البيت الأبيض

مع اقتراب موسم الحملات الانتخابية، يبرز تنافس واضح بين نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو. فانس، المقرّب من قاعدة «ماغا»، يعزز نفوذه عبر السياسات الداخلية، بينما ينفي روبيو وجود تنافس علني، في وقت يعمل فيه على تعزيز الحضور الدولي لبلاده.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

ويُنظر إلى فانس بوصفه مرشحاً قوياً لانتخابات 2028، بينما يعكس هذا التنافس صراعاً أعمق بين الجناحين القومي والتقليدي داخل الحزب الجمهوري.

ويرى زغبي أن هذا الصراع يتمحور حول النفوذ والمناصب أكثر من كونه خلافاً جوهرياً في السياسات، محذّراً من أن ما يقوم به ترمب من تعيينات قائمة على الولاء، ووضع اسمه على واجهات مؤسسات وطنية، يعكس مسار بناء «نظام سلطوي طموح»، ستكون له تداعيات عميقة على الديمقراطية الأميركية خلال السنوات المقبلة.


في الذكرى الـ250 لتأسيسها... ترمب يُرسّخ «أميركا العظمى» من بوابة السلام والهيمنة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال احتفال يوم الذكرى الوطني في مقبرة أرلينغتون الوطنية يوم 26 مايو 2025 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال احتفال يوم الذكرى الوطني في مقبرة أرلينغتون الوطنية يوم 26 مايو 2025 (أ.ف.ب)
TT

في الذكرى الـ250 لتأسيسها... ترمب يُرسّخ «أميركا العظمى» من بوابة السلام والهيمنة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال احتفال يوم الذكرى الوطني في مقبرة أرلينغتون الوطنية يوم 26 مايو 2025 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال احتفال يوم الذكرى الوطني في مقبرة أرلينغتون الوطنية يوم 26 مايو 2025 (أ.ف.ب)

لا تعدو الذكرى السنوية الأولى لعودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض كونها علامة رمزية لحدث آخر بالغ الاستثنائية هذا العام؛ السنوية الـ250 لولادة قوة عظمى هي الولايات المتحدة.

لا أحد يجسد أكثر من ترمب الآن «عظمة» أميركا وقوتها وحضورها على الساحة الدولية. فعلى الرغم من اعتقاد ساد لسنوات كثيرة في شأن انكفاء الولايات المتحدة عن عالم القطب الواحد، الذي ساد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية في التسعينات من القرن الماضي، عاد ترمب منذ ولايته الرئاسية الأولى بصفير «النسر الأقرع» الأميركي، ولكن أكثر في ولايته الرئاسية الثانية مع دوي يكاد يتردد كل يوم: «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»، استعداداً للسنوات الـ250 المقبلة من حياة أعرق الديمقراطيات في العالم المعاصر.

ومنذ اليوم الأول من رئاسته الثانية في 20 يناير (كانون الثاني) 2025، قدّم ترمب في خطاب تنصيبه تحت قبة الكونغرس مؤشرات إلى البُعدين الداخلي والخارجي لما يسعى إليه في مستهل «العصر الذهبي لأميركا، التي ستكون محطّ أنظار كل الأمم» لأن أميركا «ستصبح قريباً أعظم وأقوى وأكثر تميزاً من أي وقت مضى».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي التحية العسكرية لقائد الجناح 89 للنقل الجوي الكولونيل كريستوفر روبنسون قبل صعوده إلى طائرة «المارين وان» في قاعدة أندروز المشتركة في ميريلاند (أ.ب)

وقال: «انتهى انحدار أميركا»، مضيفاً أن «الحلم الأميركي سيعود قريباً ويزدهر»، أولاً وقبل أي شيء آخر عبر ما يسمى «التفوق العسكري اللامتناهي»؛ بهدف «دحر أعداء أميركا». ومع ذلك، قال: «سنقيس نجاحنا ليس فقط بالمعارك التي ننتصر فيها، بل أيضاً بالحروب التي ننهيها. وربما الأهم من ذلك، الحروب التي لا نخوضها أبداً»، مؤكداً أن «إرثي الأبرز سيكون صانع السلام».

وكرّر ترمب خلال العام الماضي أنه «أنهى 8 حروب في 8 أشهر». وفاخرت وزارة الخارجية الأميركية في منشور على حساباتها عبر منصات التواصل الاجتماعي في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بأن الرئيس أنهى الحروب بين كمبوديا وتايلاند، وبين كوسوفو وصربيا، وبين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، وبين باكستان والهند، وبين إسرائيل وإيران، وبين مصر وإثيوبيا، وبين أرمينيا وأذربيجان، وبين إسرائيل و«حماس».

وعلى الرغم من أن الوقائع تشير بالفعل إلى أنه بذل جهوداً بين كل هذه الدول والأطراف المشار إليها، فإن بعض الحالات لم تشهد حروباً فعلية، بما في ذلك بين مصر وإثيوبيا رغم التوتر بينهما على خلفية بناء أديس أبابا سد النهضة على نهر النيل، وبين كوسوفو وصربيا رغم التوتر القديم بينهما منذ تفكك يوغوسلافيا السابقة في مطلع التسعينات من القرن الماضي. ولم ترقَ الصدامات عبر الحدود بين باكستان والهند إلى حرب شاملة. وكذلك هي الحال في الاشتباكات الحدودية بين كمبوديا وتايلاند.

للسلام وللحرب

ولا شكّ في أن الرئيس ترمب اضطلع بدور جوهري في التوصل إلى وقف للأعمال العدائية بين إسرائيل و«حماس»، ضمن خطة من 20 بنداً نجحت مرحلتها الأولى في إطلاق الرهائن الإسرائيليين مقابل أسرى فلسطينيين. وانطلقت مرحلتها الثانية بتشكيل «مجلس السلام» الذي يترأسه ترمب؛ سعياً إلى إنهاء 8 عقود من الصراع الدامي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ترمب يعرض النسخة التي وقَّع عليها لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة بمدينة شرم الشيخ المصرية يوم 13 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

وكذلك نجح الرئيس ترمب في جمع الرئيسين الرواندي بول كاغامي والكونغولي فيليكس تشيسكيدي في البيت الأبيض للتوقيع على اتفاق سلام ينهي سنوات طويلة من الحروب بين بلديهما. كما استضاف الرئيس الأذري إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، اللذين وقّعا اتفاق سلام ينهي النزاع القديم حول إقليم ناغورنو كاراباخ.

وخلال الصيف الماضي، أعلن ترمب إنهاء حرب الأيام الـ12 بين إيران وإسرائيل، بعدما وجّهت القاذفات الاستراتيجية الأميركية ضربةً وصفها بأنها «قاضية» أدّت إلى «اجتثاث» البرنامج النووي الإيراني. غير أن النزاع بقي معلقاً حتى بعد هذه الضربة، وسط علامات استفهام كبيرة حيال الخطوات التالية التي يمكن أن يتخذها ترمب إذا عملت إيران على إعادة بناء هذا البرنامج، وإذ لم تتخلَّ عن برامجها للصواريخ الباليستية، وعن دعم ميليشيات تدور في فلكها الإقليمي، مثل «حزب الله» في لبنان، وجماعة الحوثي في اليمن، وكثير من الفصائل في العراق. ولا تزال هناك تساؤلات عمّا إذا كانت سوريا لا تزال مسرحاً لبعض الفلول المؤيِّدة لإيران بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد.

صورة لاجتماع ترمب والرئيس السوري أحمد الشرع في واشنطن بتاريخ 10 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

وعلى خطّ موازٍ، تسعى الإدارة الأميركية إلى إيجاد تسوية تتضمَّن اتّفاق عدم اعتداء طويل الأجل بين سوريا وإسرائيل، بالإضافة إلى اتّفاق على إنشاء «منطقة ترمب الاقتصادية» بين لبنان وإسرائيل، تتضمَّن نزعاً لسلاح «حزب الله» عبر الضفتين الجنوبية والشمالية لنهر الليطاني.

النصف الغربي

غير أن استعادة أميركا لما عدّها ترمب «مكانتها اللائقة بوصفها أعظم وأقوى وأكثر الدول احتراماً على وجه الأرض»، كما قال في خطاب تنصيبه، لا يمكن أن تتحقَّق إلا عبر الهدف الأبعد، المتمثل أولاً وقبل أي شيء آخر في تأمين الهيمنة التامة للولايات المتحدة على النصف الغربي من الكرة الأرضية، الذي يضمُّ طبقاً لوزارة الخارجية الأميركية والوكالات التابعة لها، كل دول أميركا الشمالية والوسطى والجنوبية، بالإضافة إلى جزر الكاريبي.

الرئيس الأميركي يكشف عن مشروع «القبة الذهبية» في المكتب البيضاوي يوم 20 مايو 2025 (أ.ف.ب)

وهو يشمل، بالإضافة إلى الولايات المتحدة، كندا والمكسيك، في أميركا الشمالية، وكُلاً من بليز وكوستاريكا والسلفادور وغواتيمالا وهندوراس ونيكاراغوا وبنما في أميركا الوسطى، وأنتيغوا وبربودا وجزر البهاماس وباربادوس وكوبا ودومينيكا وجمهورية الدومينيكان وغرانادا وهايتي وجامايكا وسانت كيتس ونيفيس وسانت لوسيا وسانت فينسنت وجزر غرينادين وترينيداد وتوباغو في أميركا اللاتينية والكاريبي، والأرجنتين والبرازيل وتشيلي وأوروغواي وبوليفيا وكولومبيا والإكوادور وغيانا وباراغواي والبيرو وسورينام وفنزويلا في أميركا الجنوبية، فضلاً عن كثير من الدول الجزرية الصغيرة.

وباشر الرئيس ترمب مساعيه لفرض هذه الهيمنة الأميركية المُطلقة، بما قاله في خطاب القسم لولايته الثانية لجهة فرض اسم «خليج أميركا» على خليج المكسيك، مُعيداً الاعتبار قومياً لاسم الرئيس الأميركي الـ25، ويليام ماكينلي، الذي قاد الولايات المتحدة إلى النصر في الحرب الإسبانية - الأميركية، وزاد التعريفات الجمركية لتعزيز الصناعات الأميركية، في استراتيجية يتبناها الرئيس ترمب بصورة شبه كاملة هذه الأيام. وكذلك طالب باستعادة قناة بنما التي بناها الأميركيون، ولكن تُشغّلها شركات صينية، مضيفاً: «لم نُعطِها للصين، بل أعطيناها لبنما، وها نحن نستعيدها».

الرئيس الفنزويلي المحتجز بالولايات المتحدة نيكولاس مادورو لدى نقله إلى المحكمة في نيويورك يوم 5 يناير (رويترز)

وبعد أيام من تنصيب ترمب، كتب النائب الجمهوري المؤيد له، توم كول، أن «هناك حقيقة واحدة ثابتة: أميركا أعظم دولة على وجه الأرض»، عادّاً أن ولاية ترمب الثانية أثبتت أن أميركا «أعظم أمة عرفها العالم على الإطلاق». غير أن المؤشرات الأقوى للعودة الأميركية تمثّلت في الحشد العسكري الضخم الذي أمر به الرئيس ترمب في منطقة البحر الكاريبي تحت شعار مكافحة تهريب المخدرات من دول مثل فنزويلا وكولومبيا والمكسيك، والذي أدى أولاً إلى فرض حصار على ناقلات النفط الموضوعة على لوائح العقوبات الأميركية، ولم ينتهِ بعد على الرغم من إنزال قوات أميركية خاصة في كاراكاس، والقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، واقتيادهما مخفورين إلى سجن أميركي في نيويورك لمواجهة محاكمة بتهم قيادة عصابات مخدرات مسؤولة عن قتل عشرات آلاف الأميركيين. وعلى الرغم من تنصيب نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز رئيسةً مؤقتةً للبلاد، أصرّ ترمب على وضع هذا البلد تحت «الإدارة الأميركية» إلى أجل غير مسمى.

قلق عالمي

بثّ الرئيس ترمب القلق في نفوس زعماء المنطقة والعالم، لا سيما في بلدان مجاورة مثل كولومبيا التي أجرى رئيسها اليساري غوستافو بيترو اتصالاً هاتفياً بالرئيس ترمب، الذي دعاه إلى زيارة البيت الأبيض «قريباً». ولم يتردّد ترمب أيضاً في إطلاق دعابة، معبراً عن إعجابه بفكرة أن يصير وزير الخارجية الأميركي ومستشار البيت الأبيض للأمن القومي ماركو روبيو رئيساً لكوبا بدلاً من الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، علماً بأن روبيو ابن مهاجرين كوبيين.

الرئيس الأميركي ونظيره الروسي خلال مؤتمر صحافي بقاعدة «إلمندورف ريتشاردسون» المشتركة في أنكوريغ بألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

وسط الدلائل المتزايدة على الطموحات الترمبية على امتداد القارة الأميركية، من شمالها إلى أقصى جنوبها، يُكرّر ترمب مطالباته بـ«الحصول» على غرينلاند بما في ذلك عبر استخدام القوة العسكرية، بغية منع الصين وروسيا من أي نشاطات على مثل هذه المسافة من الولايات المتحدة، في أمر ترفضه الدنمارك، الدولة الأم للجزيرة الأكبر عالمياً، وتندد به الدول الأوروبية عموماً، محذرة من أن الإصرار على ذلك يعني تفكك حلف شمال الأطلسي «الناتو».

تحت وطأة كل هذا الضجيج، يسعى ترمب منذ أشهر إلى وقف الحرب المتواصلة بلا هوادة منذ نحو 4 سنوات بين روسيا وأوكرانيا، حتى لو تنازلت كييف عن منطقة دونباس الغنية لمصلحة موسكو. غير أن القطبة الخفية لا تزال قائمة في السؤال: لماذا لم تحصل الصفقة المنشودة حتى الآن؟

الرئيس دونالد ترمب محاطاً بعدد من كبار تنفيذيي صناعة السيارات الأميركية في المكتب البيضاوي يوم 3 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

يستعد الرئيس ترمب لسنة فاصلة، وموعد تاريخي هو 4 يوليو (تموز) 2026، بتحضيرات بدأت مع تشكيله «فريق العمل المعني باحتفالات أميركا 250»، قائلاً إنه «في 4 يوليو 2026، ستحتفل أميركا بأهم حدث في تاريخها، ألا وهو مرور 250 عاماً على استقلالها»، مضيفاً أنه «بورقة واحدة و56 توقيعاً، بدأت أميركا أعظم رحلة سياسية في تاريخ البشرية».

كانت تلك الورقة إعلان استقلال أميركا. المؤيدون والخصوم يرددون كل يوم: ترمب، ترمب، ترمب. وترمب يردد على مدار الساعة: أميركا، أميركا، أميركا.


ترمب: «العالم غير آمن» ما دامت أميركا لا تسيطر على غرينلاند

جنود دنماركيون ينزلون من السفينة في ميناء نوك - غرينلاند (أ.ف.ب)
جنود دنماركيون ينزلون من السفينة في ميناء نوك - غرينلاند (أ.ف.ب)
TT

ترمب: «العالم غير آمن» ما دامت أميركا لا تسيطر على غرينلاند

جنود دنماركيون ينزلون من السفينة في ميناء نوك - غرينلاند (أ.ف.ب)
جنود دنماركيون ينزلون من السفينة في ميناء نوك - غرينلاند (أ.ف.ب)

حذَّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب رئيس الوزراء النرويجي في منشور، الاثنين، بأن العالم لن يكون آمناً ما لم تسيطر الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند الدنماركية ذات الحكم الذاتي.

وكتب ترمب في الرسالة الموجهة إلى يوناس غار ستور، إن «العالم لن يكون آمناً ما لم نسيطر بالكامل على غرينلاند».

كما أبلغ الرئيس ترمب رئيس الوزراء النرويجي أنه لم يعد ملزماً بالتفكير «بشكل حصري في السلام» بعد فشله في الفوز بجائزة نوبل للسلام، وقال ترمب في رسالته: «بما أن بلدكم قرر عدم منحي جائزة نوبل للسلام لجهودي في وقف أكثر من ثماني حروب، فإنني لم أعد أشعر بأي التزام بالتفكير بشكل حصري في السلام».