يدعمه ترمب ووزير الصحة كينيدي... ما هو «المعيار الذهبي» للعِلم؟

الرئيس الأميكي يتحدث وخلفه وزير الصحة الأميركي روبرت كينيدي وعدد من مسؤولي الصحة في البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميكي يتحدث وخلفه وزير الصحة الأميركي روبرت كينيدي وعدد من مسؤولي الصحة في البيت الأبيض (رويترز)
TT

يدعمه ترمب ووزير الصحة كينيدي... ما هو «المعيار الذهبي» للعِلم؟

الرئيس الأميكي يتحدث وخلفه وزير الصحة الأميركي روبرت كينيدي وعدد من مسؤولي الصحة في البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميكي يتحدث وخلفه وزير الصحة الأميركي روبرت كينيدي وعدد من مسؤولي الصحة في البيت الأبيض (رويترز)

يقول الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الصحة الأميركي، روبرت إف. كينيدي الابن، إنهما يريدان من الحكومة اتباع «المعيار الذهبي» للعلم.

ويمكن الاختلاف في تعريف «المعيار» للعلم. ويقول العلماء إن المشكلة تكمن في أنهم غالباً ما يفعلون العكس تماماً، بالاعتماد على الدراسات الأولية، والعلوم الهامشية، أو مجرد حدس لتقديم ادعاءات، أو التشكيك في العلاجات المثبتة، أو حتى وضع السياسات.

ما هو المعيار الذهبي للعلم؟

أصدر ترمب، في مايو الماضي، أمراً تنفيذياً يحمل عنوان «استعادة العلم بمعيار ذهبي»، في مسعى لإعادة بناء ثقة الجمهور في العلوم الحكومية. ويضع الأمر إطاراً صارماً لما يصفه بـ«معايير العلوم الذهبية».

والمقصود بالمعيار الذهبي للعلم هي المعايير التي تقوم على الشفافية الكاملة، وإمكانية تكرار النتائج، والمراجعة المحايدة، والاعتراف بالأخطاء عند وقوعها. كما يُلزم الوكالات الفيدرالية بالكشف عن بياناتها، وشرح الافتراضات التي تستند إليها، ومراجعة سياساتها السابقة لضمان أعلى مستويات النزاهة في البحث العلمي.

وهذا الأسبوع، غيّرت أكبر وكالة للصحة العامة في البلاد موقعها الإلكتروني لتناقض الاستنتاج العلمي القائل بأن اللقاحات لا تسبب التوحد. وقد صدمت هذه الخطوة خبراء الصحة في جميع أنحاء البلاد.

صرح الدكتور دانيال جيرنيغان، الذي استقال من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في أغسطس (آب)، للصحافيين يوم الأربعاء، بأن كينيدي يبدو أنه «ينتقل من عملية اتخاذ القرارات القائمة على الأدلة إلى صنع الأدلة القائمة على القرارات». وكان هذا أحدث مثال على تحدي إدارة ترمب للعلم الراسخ، وفق ما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

في سبتمبر (أيلول)، قدّم الرئيس الجمهوري نصائح طبية مبنية على أدلة ضعيفة أو معدومة. وخاطب النساء الحوامل والآباء مباشرةً، ونصحهم بعدم تناول الأسيتامينوفين، المكون النشط في تايلينول. وكرر مراراً وتكراراً الربط الزائف والمُثبت بطلانه منذ زمن طويل بين التوحد واللقاحات، قائلاً إن تقييمه مبني على حدس. وقال: «لطالما راودتني مشاعر قوية تجاه التوحد وكيفية حدوثه ومصدره».

في اجتماع استمر يومين هذا الخريف، أثار مستشارو اللقاحات الذين اختارهم كينيدي بعناية في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها تساؤلات حول تطعيم الأطفال ضد التهاب الكبد الوبائي «ب»، وهو تطعيم أثبت منذ فترة طويلة أنه يقلل من المرض والوفيات بشكل كبير.

وقالت الدكتورة فلور مونوز، خبيرة الأمراض المعدية لدى الأطفال في كلية بايلور للطب ومستشفى تكساس للأطفال: «إن النقاش الذي طُرح بشأن السلامة لا يستند إلى أدلة سوى تقارير الحالات والقصص».

وخلال أسوأ عام في البلاد من حيث الإصابة بالحصبة منذ أكثر من ثلاثة عقود، ألقى وزير الصحة الأميركي بظلال من الشك على لقاح الحصبة، بينما دافع عن علاجات غير مثبتة وزعم أن الأطفال غير المطعمين الذين ماتوا كانوا «مرضى بالفعل».

ويقول العلماء إن عملية طرح الأدوية واللقاحات في السوق والتوصية بها في الولايات المتحدة اعتمدت، حتى الآن، على معايير علمية دقيقة. تتسم هذه العملية بالدقة والشفافية لدرجة أن معظم دول العالم تتبع نهج الهيئات التنظيمية الأميركية، فلا تُعطي الموافقة على العلاجات إلا بعد الحصول على موافقة الولايات المتحدة.

وقد يختلف المعيار لأن العلم والطب معقدان، ولا يمكن اختبار كل شيء بالطريقة نفسها. يشير هذا المصطلح ببساطة إلى أفضل الأدلة الممكنة التي يمكن جمعها. إذ يعتمد الأمر كلياً على السؤال الذي تحاول الإجابة عليه، كما يقول الدكتور جيك سكوت، طبيب الأمراض المعدية والباحث في جامعة ستانفورد.

ما الذي يُنتج أفضل الأدلة الممكنة؟

هناك أنواع عدّة ومختلفة من الدراسات. وأكثرها دقة هي التجارب السريرية العشوائية. إذ تُنشئ هذه التجارب عشوائياً مجموعتين من المشاركين متطابقتين في كل شيء باستثناء الدواء أو العلاج أو أي سؤال آخر يتم اختباره. الكثير من هذه الدراسات تُعرَف باسم «الدراسات المُعمّاة»، أي أن المشاركين والباحثين لا يعرفون أي مجموعة ينتمي إليها. وهذا يُساعد على تجنب التحيز.

ليس من الممكن دائماً أو من غير الأخلاقي إجراء هذه الاختبارات. هذا هو الحال أحياناً في تجارب اللقاحات، «نظراً لكثرة البيانات التي تُظهر مدى أمانها وفعاليتها، فسيكون من غير الأخلاقي حجب اللقاحات عن فئة معينة»، كما قالت جيسيكا ستير، عالمة الصحة العامة ومؤسسة بودكاست «العلوم غير المتحيزة».

وقد تكون دراسة التأثير طويل المدى لسلوك ما مستحيلة. على سبيل المثال، لا يمكن للعلماء دراسة الفائدة طويلة المدى للتمارين الرياضية من خلال منع مجموعة واحدة من ممارسة الرياضة لسنوات.

بدلاً من ذلك، يجب على الباحثين إجراء دراسات رصدية، حيث يتابعون المشاركين ويتتبعون صحتهم وسلوكهم دون التلاعب بأي متغيرات. ساعدت هذه الدراسات العلماء على اكتشاف أن الفلورايد يقلل من تسوس الأسنان، وأظهرت دراسات مختبرية لاحقة كيف يقوي الفلورايد مينا الأسنان. لكن لهذه الدراسات قيوداً؛ لأنها غالباً ما تثبت الارتباط فقط، وليس السببية. على سبيل المثال، أثارت بعض الدراسات الرصدية احتمال وجود صلة بين خطر الإصابة بالتوحد واستخدام الأسيتامينوفين أثناء الحمل، لكن المزيد منها لم يجد أي صلة. المشكلة الكبرى هي أن هذا النوع من الدراسات لا يستطيع تحديد ما إذا كان مسكن الألم قد أحدث أي فرق حقيقي أو ما إذا كانت الحمى أو أي مشكلة صحية أخرى هي التي دفعت إلى تناول حبوب منع الحمل.

ويمكن للأدلة الواقعية أن تكون فعّالة للغاية. إذ يستطيع العلماء تعلم المزيد عندما يرون كيف يؤثر شيء ما على عدد كبير من الناس في حياتهم اليومية. ويمكن أن تكون هذه الأدلة الواقعية قيّمة لإثبات مدى فاعلية شيء ما، ومتى تظهر آثار جانبية نادرة يصعب اكتشافها في التجارب.

أثبتت هذه الأدلة على اللقاحات فائدتها في كلا الاتجاهين. يدرك العلماء الآن احتمالية وجود آثار جانبية نادرة لبعض اللقاحات، ويمكنهم تنبيه الأطباء إلى ضرورة توخي الحذر. وقد أثبتت البيانات أن اللقاحات توفر حماية استثنائية من الأمراض. على سبيل المثال، تم القضاء على الحصبة في الولايات المتحدة، لكنها لا تزال تظهر بين الفئات غير الملقحة.

وتُثبت هذه البيانات نفسها أن اللقاحات آمنة.

وتقول سكوت للجنة فرعية بمجلس الشيوخ الأميركي في سبتمبر: «لو تسببت اللقاحات في موجة من الأمراض المزمنة، لكانت أنظمة السلامة لدينا - القادرة على اكتشاف حالات نادرة - قد لاحظت ذلك. لكنها لم تفعل».

أفضل العلوم هو العلم المفتوح والشفاف

ومجرد نشر بحث على الإنترنت لا يكفي لوصفه بالانفتاح والشفافية. من الأمور المحددة التي يجب البحث عنها:

— يحدد الباحثون فرضياتهم قبل بدء الدراسة ولا يُغيرونها.

— يكشف المؤلفون عن تضارب مصالحهم ومصادر تمويلهم.

— خضع البحث لمراجعة الأقران من قِبل خبراء متخصصين لا علاقة لهم بتلك الدراسة تحديداً.

— يعرض المؤلفون عملهم، وينشرون البيانات التي تقوم عليها تحليلاتهم ويشرحونها.

— يستشهدون بمصادر موثوقة.

هذه الشفافية تُمكّن العلم من مراجعة نفسه. وأمضى الدكتور ستيفن ولوشين، الأستاذ في كلية دارتموث، جزءاً كبيراً من حياته المهنية في تحدي الاستنتاجات العلمية التي تقوم عليها سياسات الصحة.

ويقول لوكالة «أسوشييتد برس»: «لا أستطيع فعل ذلك إلا لأنهم يتحلون بالشفافية بشأن ما فعلوه، وما هي المصادر الأساسية، حتى يتسنى لك التوصل إلى استنتاجك الخاص. هكذا يعمل العلم».

قد تُنشر دراسات الحالة في مجلات علمية مرموقة لمساعدة الأطباء أو غيرهم من المتخصصين على التعلم من موقف معين. لكنهم غير معتادين على اتخاذ قرارات بشأن كيفية علاج أعداد كبيرة من المرضى؛ لأن كل موقف فريد من نوعه.

حتى الدراسات الفردية يجب النظر إليها في سياق الأبحاث السابقة. أي دراسة جديدة ناجحة تُجرى لمرة واحدة، وتبدو أنها تُجيب على كل سؤال بشكل قاطع، أو تتوصل إلى نتيجة تتعارض مع دراسات أخرى أُجريت بشكل جيد، تحتاج إلى دراسة متأنية للغاية.

وقال وولوشين: «العلم لا يهدف إلى الوصول إلى اليقين، بل إلى محاولة تقليل عدم اليقين إلى الحد الذي يمكنك من خلاله القول: (لدي ثقة كبيرة بأنه إذا فعلنا س، فسنرى النتيجة ص). ولكن ليس هناك ما يضمن ذلك».

أسئلة ضرورية لكل بحث

وتنصح وكالة «أسوشييتد برس» بأنه إذا عثرتَ على بحثٍ على الإنترنت، أو في خبرٍ، أو استشهد به مسؤولون، فإليك بعض الأسئلة التي تُطرح:

- من أجرى البحث؟ ما هي خبرته؟ هل يُفصح عن تضاربٍ في المصالح؟

- من موّل هذا البحث؟ من قد يستفيد منه؟

- هل نُشر في مجلةٍ علميةٍ مرموقة؟ هل خضع لمراجعة الأقران؟

- ما هو السؤال الذي يطرحه الباحثون؟ من أو ماذا يدرسون؟ هل يُجرون مقارناتٍ بين المجموعات؟

- هل يوجد قسمٌ يُشير إلى «القيود» حيث يُشير المؤلفون إلى ما لا يُمكن لبحثهم إثباته، أو عوامل أخرى قد تؤثر على نتائجهم، أو أي نقاط ضعفٍ محتملة؟ ماذا يقول البحث؟

- هل يُقدّم حقائقَ واضحةً وقاطعة؟ هل يتوافق مع الإجماع العلمي أم يُعارضه؟ هل هو جيدٌ جداً أم سيئٌ لدرجة يصعب تصديقها؟


مقالات ذات صلة

المحكمة العليا الأميركية أمام اختبار دستوري تاريخي

الولايات المتحدة​ أعضاء اتحاد الحقوق المدنية أمام المحكمة العليا في واشنطن دي سي (رويترز)

المحكمة العليا الأميركية أمام اختبار دستوري تاريخي

في سابقة تاريخية نادرة، حضر الرئيس دونالد ترمب شخصياً جلسة المرافعات الشفوية أمام المحكمة العليا الأميركية صباح الأربعاء

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب) p-circle

بعد تهديده بالانسحاب من «الناتو»… هل يدعم القانون ترمب؟

أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب موجة من الجدل في واشنطن والعواصم الأوروبية بعد تصريحاته الأخيرة التي تشير إلى أنه يدرس بجدية سحب الولايات المتحدة من «الناتو».

لينا صالح (بيروت)
الولايات المتحدة​ زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر والسيناتور الديمقراطي تيم كاين بمؤتمر صحافي بالكونغرس يوم 3 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الديمقراطيون يعوّلون على حرب إيران لقلب المعادلة الانتخابية

وضعت حرب إيران الجمهوريين في موقع دفاعي فيما منحت الديمقراطيين فرصة غير متوقّعة لشن هجوم مُكثّف وممنهج على أداء الإدارة

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)

المحكمة العليا تشكك في محاولة ترمب الحد من منح الجنسية بالولادة

أثارت المحكمة العليا الشكوك بشأن محاولة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحد من منح الجنسية بالولادة لدى حضوره المناقشات بشأن هذه القضية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوقع قراراً تنفيذياً في المكتب البيضاوي يُلزم الحكومة الفيدرالية بتزويد الولايات ببيانات أهلية الناخبين (إ.ب.أ)

ترمب يقرر تقييد التصويت بالبريد... والولايات تطعن

وقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب قراراً تنفيذياً بهدف إنشاء قائمة وطنية بالمواطنين لتحديد أهلية التصويت وتقييد التصويت بالبريد رغم محدودية صلاحياته في الانتخابات

علي بردى (واشنطن)

إدانة حارس سجن سابق في نيويورك بالقتل غير العمد بعد ضرب نزيل حتى الموت

تعرض نانتوي للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم (أرشيفية - رويترز)
تعرض نانتوي للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم (أرشيفية - رويترز)
TT

إدانة حارس سجن سابق في نيويورك بالقتل غير العمد بعد ضرب نزيل حتى الموت

تعرض نانتوي للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم (أرشيفية - رويترز)
تعرض نانتوي للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم (أرشيفية - رويترز)

أدين ضابط سجون، اليوم الأربعاء، بتهمة القتل غير العمد في واقعة ضرب أفضى إلى الموت لنزيل بمركز ميد ستيت الإصلاحي شمال ولاية نيويورك.

كما أدانت هيئة المحلفين في مدينة يوتيكا المتهم جونا ليفي بالاعتداء الجماعي والتآمر في قضية وفاة النزيل مسيح نانتوي في الأول من مارس (آذار) 2025، وما تبع ذلك من محاولات للتستر على الجريمة، بينما برأته الهيئة من تهمة القتل العمد من الدرجة الثانية.

ويعد ليفي أول حارس يمثل للمحاكمة في قضية وفاة نانتوي.

وكان نانتوي (22 عاماً) قد تعرض للضرب عشرات المرات على يد الحراس الذين استخدموا قبضات أيديهم وأحذيتهم وهراواتهم.

ووفقاً للادعاء العام، فارق نانتوي الحياة نتيجة صدمة شديدة في الرأس وإصابات أخرى متفرقة في جسده جراء الاعتداء.


المحكمة العليا الأميركية أمام اختبار دستوري تاريخي

تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)
تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)
TT

المحكمة العليا الأميركية أمام اختبار دستوري تاريخي

تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)
تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)

في سابقة تاريخية نادرة، حضر الرئيس دونالد ترمب شخصياً جلسة المرافعات الشفوية أمام المحكمة العليا الأميركية صباح الأربعاء في القضية المعروفة بـ«ترمب ضد باربارا»، في سياق حرصه على الأمر التنفيذي الذي أصدره في 20 يناير (كانون الثاني) 2025؛ يوم توليه السلطة رسمياً، حيث يسعى إلى إعادة تفسير البند الأول من التعديل الرابع عشر للدستور، الذي يمنح «حق الجنسية بالولادة» لكل من يولد على الأراضي الأميركية.

مديرة اتحاد الحقوق المدنية سيسيليا وانغ مع المدير التنفيذي أنتونيو روميريو (أ.ف.ب)

وتمثل المرافعات لحظة فارقة في تاريخ أميركا الدستوري؛ فهل ستظل «الجنسية بالولادة» ركيزة للهوية الأميركية، أم أن التفسير الأصلي سيفتح الباب لإعادة رسم مفهوم «من هو أميركي»، مما يعني أن قرار المحكمة العليا قد يعيد تشكيل سياسات الهجرة لعقود قادمة، ويختبر قدرة المحكمة على الحفاظ على مصداقيتها وسط انقسام سياسي حاد.

وقد تجاوزت المرافعات مجرد مناقشة قانونية فنية، لتصبح مواجهة فلسفية عميقة بين التفسير الأصلي للدستور الذي تتبناه إدارة ترمب، وبين التمسك بالسوابق القضائية الراسخة التي تحمي النص الصريح للتعديل.

ومع أن المحكمة لم تصدر قرارها النهائي بعد، فإن الجلسة كشفت عن انقسامات عميقة بين القضاة التسعة، وأثارت شكوكاً جدية حول قوة الحجج التي قدمتها الإدارة، خاصة بعد هزيمة ترمب القضائية السابقة في قضية الرسوم الجمركية.

محتجون يرفعون يافطة «مولودون في أميركا - مواطنون» (رويترز)

جوهر الجدل

يعتمد الأمر التنفيذي الذي أصدره ترمب على تفسير التعديل الرابع عشر في الدستور، حيث يعتبر ترمب الأطفال المولودين لمهاجرين غير شرعيين أو زائرين مؤقتين لا يخضعون لـ«الاختصاص الكامل» للولايات المتحدة. ويدافع محامو الإدارة عن أن هذا التفسير يعيد «المعنى الأصلي» للتعديل الصادر بعد الحرب الأهلية لمنح الجنسية لأبناء فترة العبودية، وليس لأبناء «الأجانب غير الخاضعين للسيادة الأميركية»؛ مستعيناً بحكم قضائي عمره أكثر من 150 عاماً.

أما المدعون بقيادة الاتحاد الأميركي للحريات المدنية فيؤكدون أن هذا الأمر التنفيذي ينتهك سابقة حكم قضائي له 128 عاماً، وهو «الولايات المتحدة ضد وونغ كيم أرك» لعام 1898، الذي أكد الجنسية التلقائية بالولادة بغض النظر عن وضع الوالدين (باستثناء أبناء الدبلوماسيين).

اتجاهات القضاة التسعة

رغم أن المرافعات لم تنتهِ بعد، فإن أسئلة القضاة ومواقفهم السابقة تسمح برسم خريطة واضحة للاتجاهات المحتملة للحكم المتوقع صدوره في يوليو (تموز) المقبل؛ فالجناح المحافظ (6 قضاة) برئاسة جون روبرتس رئيس المحكمة يُعرف بتوازنه المؤسساتي، وغالباً ما يميل إلى الحفاظ على استقرار المحكمة وتجنب القرارات الراديكالية، وقد يكون «الصوت المتأرجح» الذي يخشى من تداعيات إلغاء سابقة عمرها قرن على ملايين المواطنين.

أما القاضي كلارنس توماس فيعد أبرز الداعين للتفسير الأصلي، حيث يرى في حجج الإدارة فرصة لتصحيح «خطأ تاريخي» ويُتوقع أن يدعمها بقوة. ويعرف عن القاضي صامويل أليتو أنه شخص محافظ صلب، أبدى في قضايا سابقة شكوكاً في التوسع في حقوق المهاجرين. ومن المرجح أن يصوت لصالح ترمب.

الفريق القانوني لاتحاد الحقوق المدنية أمام المحكمة العليا في واشنطن دي سي (رويترز)

أما القاضي نيل غورسوش فهو نصير التفسير النصي والأصلي، وسيكون من أقوى الداعمين لإعادة تفسير «الاختصاص». القاضي بريت كافانو يعد شخصاً محافظاً معتدلاً نسبياً، لكنه يولي أهمية كبيرة للاستقرار القانوني، وقد يتردد إذا شعر أن القرار سيؤدي إلى فوضى إدارية. أما القاضية إيمي كوني باريت فهي أستاذة قانون سابقة وصارمة، ومن المتوقع أن تدعم الرؤية الأصلية للتعديل الرابع عشر.

الجناح الليبرالي (3 قضاة): تتزعمه القاضية سونيا سوتومايور، وهي أكثر القضاة دفاعاً عن الحقوق المدنية. وصفت محاولات تقييد الجنسية سابقاً بأنها «انتهاك صارخ» للدستور. كما ركزت القاضية إيلينا كاغان على السياق التاريخي الواسع للتعديل. ومن المتوقع أن تقدم حججاً قانونية قوية ضد الأمر التنفيذي.

أما أحدث القضاة كيتانجي براون جاكسون التي عينها الرئيس السابق جو بايدن فهي ترى في النص الدستوري ضمانة للشمول، وستكون صوتاً معارضاً حاداً، ويُتوقع أن ينتهي الأمر بانقسام 6 - 3 أو 5 - 4 لصالح المحافظين، لكن صوت روبرتس قد يحدد ما إذا كان القرار سيكون واسع النطاق أم محدوداً.

مديرة اتحاد الحقوق المدنية سيسيليا وانغ مع المدير التنفيذي أنتونيو روميريو (رويترز)

ويخشى المحللون أن يؤدي أي قرار يؤيد ترمب إلى إلقاء ظلال على جنسية ملايين الأميركيين المولودين بعد 1898م، مما يفتح الباب أمام دعاوى قضائية جماعية وفوضى إدارية.

ومن المتوقع صدور القرار النهائي في أواخر يونيو (حزيران) أو أوائل يوليو 2026، مع نهاية الدورة القضائية الحالية. ويُعبّر مسؤولو الإدارة عن قلق حقيقي من أن يتحول هذا الملف إلى «هزيمة قضائية ثانية» بعد الحكم الذي أبطل سياسات ترمب الجمركية الواسعة في فبراير (شباط) الماضي. وكان ترمب قد هاجم المحكمة على منصة «تروث سوشيال» معتبراً الحكم السابق «يفتقر للولاء»، ويخشى أن تكرر المحكمة السيناريو ذاته في ملف الهجرة؛ الركيزة الأساسية لشعبيته.


بعد تهديده بالانسحاب من «الناتو»… هل يدعم القانون ترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديده بالانسحاب من «الناتو»… هل يدعم القانون ترمب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب موجة من الجدل في واشنطن والعواصم الأوروبية بعد تصريحاته الأخيرة التي تشير إلى أنه يدرس بجدية سحب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، واصفاً إياه بـ«نمر من ورق» بعد فشله في دعم جهود واشنطن العسكرية في حربها ضد إيران، في خطوة قد تقلب موازين الحلف.

وقال ترمب، خلال المقابلة، إن الولايات المتحدة لم تحصل على الدعم الكافي من الحلفاء و«الناتو لم يكن هناك من أجلنا» في الأزمة الأخيرة، معتبراً أن خطوة الانسحاب لم تعد مجرد فرضية وإنما هي خيار جاد يدرس تنفيذه.

وتأسس حلف شمال الأطلسي عام 1949، ويضم حالياً 32 دولة. ويستند إلى ثلاثة مبادئ رئيسية: ردع التوسع السوفياتي سابقاً، ومنع عودة النزعات العسكرية القومية في أوروبا، وتعزيز التكامل السياسي الأوروبي.

وقد وقّعت الولايات المتحدة، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية، معاهدة واشنطن في أبريل (نيسان) 1949، والتي لا تزال تشكّل أساس الحلف حتى اليوم.

كيف تفجر الخلاف بين ترمب و«الناتو»؟

الخلاف تفجّر أساساً بسبب الحرب على إيران، إذ عبّر ترمب عن غضبه من رفض دول أوروبية الانخراط في العمليات العسكرية أو دعمها لوجيستياً، بما في ذلك رفض استخدام القواعد العسكرية أو المجال الجوي. واعتبر أن الحلفاء «لم يكونوا إلى جانب الولايات المتحدة» عندما احتاجت إليهم، رغم ما وصفه بسجل طويل من الدعم الأميركي لأمن أوروبا.

ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك بوست»، فإن إدارة ترمب ترى أن «الناتو» أصبح عبئاً غير متوازن، حيث تتحمل واشنطن الجزء الأكبر من الدفاع عن أوروبا من دون مقابل كافٍ.

وبرز هذا الخلاف بشكل حاد بعد رفض الحلفاء المشاركة في تأمين مضيق هرمز خلال الحرب، وهو ما اعتبره ترمب «اختبار ولاء» فشل فيه الحلف.

إلى جانب ذلك، فإن التوتر ليس جديداً، إذ تؤكد تقارير أميركية أن ترمب ينتقد الحلف منذ سنوات بسبب مسألة الإنفاق الدفاعي، معتبراً أن الدول الأوروبية لا تدفع ما يكفي مقابل الحماية الأميركية. ومع تصاعد الخلافات الحالية، تحوّل هذا الانتقاد إلى تشكيك أوسع في جدوى التحالف نفسه وإمكانية استمرار التزام الولايات المتحدة به، بحسب «واشنطن بوست».

هل يمكن لواشنطن الانسحاب من «الناتو»؟

لكن رغم تلويح ترمب بالانسحاب من الحلف، فإن ذلك يواجه قيوداً قانونية. إذ ينص «قانون تفويض الدفاع الوطني» لعام 2024 على منع أي رئيس من الانسحاب من «الناتو» من دون موافقة ثلثي مجلس الشيوخ أو إصدار قانون من الكونغرس، وفق تقرير نشرته مجلة «التايم».

إلا أن خبراء قانونيين أشاروا بحسب المجلة إلى أن هذه القيود ليست محكمة تماماً، إذ قد يحاول الرئيس الالتفاف عليها بالاستناد إلى صلاحياته في السياسة الخارجية.

ورأى خبراء أن ترمب قد يعتبر الانسحاب ضرورياً للأمن القومي، مستنداً إلى صلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة. لكن ذلك قد يؤدي إلى مواجهة دستورية بين السلطة التنفيذية والكونغرس، وربما إلى نزاع قضائي.

كما أشار الخبراء إلى سوابق تاريخية، مثل انسحاب الرئيس جيمي كارتر من معاهدة دفاع مشترك مع تايوان، لكنهم أكدوا أن الوضع الحالي أكثر تعقيداً.

تداعيات محتملة على الحلف

بالمقابل، حذر محللون من أن مجرد طرح فكرة انسحاب الولايات المتحدة من «الناتو» يضر بالحلف، إذ يقوّض الثقة بين أعضائه ويضعف مبدأ الدفاع المشترك، كما قد يشجع خصوم الغرب ويؤثر على خطط الأمن الأوروبية، حتى لو لم يتم الانسحاب فعلياً، بحسب «التايم».

ويحذر خبراء من أن مجرد التلويح بالانسحاب يسبب بالفعل أضراراً ملموسة، إذ يضعف الثقة داخل التحالف ويخلق حالة من عدم اليقين في التخطيط العسكري الأوروبي، حتى من دون تنفيذ الخطوة فعلياً. ويرجّح كثير من المحللين أن النتيجة الأقرب على المدى القريب هي «ناتو أكثر أوروبية» مع استمرار التوتر مع واشنطن، بدلاً من انهيار كامل للحلف.

كذلك، تشير تقارير من وسائل إعلام أميركية ودولية مثل «رويترز» و«أسوشييتد برس» إلى أن أي انسحاب أميركي من «الناتو» سيُحدث صدمة استراتيجية عميقة للحلف، إذ تعتمد بنية التحالف بشكل كبير على القدرات العسكرية والقيادية للولايات المتحدة.

فواشنطن تمثّل العمود الفقري لقوة الردع داخل الحلف، خصوصاً في مواجهة روسيا، وأي انسحاب سيؤدي إلى إضعاف مبدأ «الدفاع المشترك» وتقويض الثقة بين الدول الأعضاء، وهو ما قد يحدّ من قدرة «الناتو» على الردع ويشجع خصوم الغرب على اختبار تماسكه.

التأثير لن يقتصر على «الناتو»

في المقابل، ترى تقارير أميركية أن التأثير لن يقتصر على «الناتو» فقط، بل سيطول الولايات المتحدة نفسها، إذ قد تفقد شبكة النفوذ العسكري الواسعة التي يوفرها الحلف، بما في ذلك القواعد العسكرية الأوروبية التي تتيح لها «إسقاط القوة» عالمياً بسرعة وتكلفة أقل. كما أن تراجع الالتزام الأميركي قد يدفع أوروبا إلى بناء منظومة دفاعية مستقلة، ما يعني تراجع الدور القيادي لواشنطن داخل النظام الأمني الغربي.