زهران ممداني يتقدّم بقوّة نحو «ثاني أصعب منصب» في أميركا

ترمب يُحذر من فوزه برئاسة بلدية نيويورك… وأوباما يعرض نفسه «مستشاراً»

المرشح الديمقراطي لمنصب رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني يرقص مع مؤيدة له خلال حملته الانتخابية في مانهاتن يوم 31 أكتوبر (رويترز)
المرشح الديمقراطي لمنصب رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني يرقص مع مؤيدة له خلال حملته الانتخابية في مانهاتن يوم 31 أكتوبر (رويترز)
TT

زهران ممداني يتقدّم بقوّة نحو «ثاني أصعب منصب» في أميركا

المرشح الديمقراطي لمنصب رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني يرقص مع مؤيدة له خلال حملته الانتخابية في مانهاتن يوم 31 أكتوبر (رويترز)
المرشح الديمقراطي لمنصب رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني يرقص مع مؤيدة له خلال حملته الانتخابية في مانهاتن يوم 31 أكتوبر (رويترز)

بات زهران ممداني قاب قوسين أو أدنى من إحداث اختراق تاريخي في انتخابات نيويورك الثلاثاء، إذ لا يزال الأوفر حظاً وبفارق كبير للفوز بمنصب رئيس بلدية المدينة الكبرى في الولايات المتحدة، وذلك على الرغم من خلفيته باعتبار أنه مسلم جنوب آسيوي الأصل، ويحمل أجندة تقدمية ويسارية واشتراكية، ويتناقض بشكل جذري مع برنامج عمل اليمين الجمهوري المحافظ بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وأوقد ممداني، البالغ من العمر 34 عاماً، شعلة أمل في أوساط شباب «الحزب الديمقراطي» بعد عام بالتمام من الهزيمة التي مني بها في ضوء خسارة مرشحته نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس الانتخابات أمام ترمب، وقبل عام تماماً من الانتخابات النصفية للكونغرس التي يتنافس فيها الجمهوريون والديمقراطيون من أجل السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ.

ولم يعبأ ممداني الذي يتمتع بفطنة سياسية بسيل الاتهامات التي يوجهها إليه الرئيس ترمب والجمهوريون بأنه «اشتراكي» يحاول قلب النظام الاقتصادي الاجتماعي في مدينة «التفاحة الكبيرة»، و«الثور الهائج» في حلبة الأعمال ورأس المال، وفي بورصة الناهمين إلى مراكمة الثروات، ومضاعفتها، رغم مشاهد البؤس والتشرد في أحياء مختلفة من المدينة.

المرشح الديمقراطي لمنصب رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني خلال مؤتمر صحافي يوم 1 نوفمبر (رويترز)

يتساءل الناخبون في نيويورك عمّا إذا كان عضو مجلس الولاية، الذي كان يُدير حتى وقت قريب طاقماً مدفوع الأجر من خمسة أفراد فقط، قادراً على قيادة مدينة توظف 300 ألف شخص، وتبلغ ميزانيتها السنوية أكثر من 110 مليارات دولار، وتُعدّ إدارتها «ثاني أصعب منصب» بعد الرئاسة في الولايات المتحدة، فضلاً عن مدى قدرته على تطبيق وعوده لسكان الضواحي الخمس بتقديمات كثيرة، في ظلّ رسالة ركزت بدقة على قضايا القدرة على تحمل التكاليف، وجودة الحياة، ووعود برعاية أطفال شاملة، وتجميد الإيجارات في الوحدات المدعومة، وحافلات عامة مجانية، ومتاجر بقالة تديرها المدينة.

وبالفعل لقيت هذه الرسالة صدى إيجابياً بين سكان نيويورك الذين سئموا من الارتفاع السريع في الأسعار.

«الشيوعي الصغير»

يعتقد كثيرون أن الشكوك والمخاوف حيال «اشتراكية» ممداني ومواقفه السياسية اليسارية التقدمية منحت حاكم الولاية السابق أندرو كومو (67 عاماً) بعض الأمل في محاولته العودة إلى الساحة السياسية بوصف أنه مرشح مستقل، بعدما خسر الانتخابات التمهيدية لـ«الحزب الديمقراطي» في يونيو (حزيران) الماضي.

وجعل كومو من خبرته محور رسالته الختامية في مواجهة ممداني، الذي «قد يُدمّر مدينة نيويورك» البالغ عدد سكانها ثمانية ملايين نسمة، و«يُقوّض مواردها المالية» رغم أنها فاحشة الثراء، معتبراً أن الرئيس ترمب «يتفوق عليه بشكل خطير».

وكان ترمب هدّد بحجب مليارات الدولارات من التمويل الفيدرالي عن مدينة نيويورك إذا انتُخب ممداني، وسنّ سياسات لا تروق له. وهو أطلق على ممداني لقب «رئيس بلديتي الشيوعي الصغير». وردّ ممداني مشبهاً نفسه بـ«سياسي إسكندنافي، ولكنه أسمر البشرة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى واشنطن بعد قضاء عطلة نهاية الأسبوع في فلوريدا (رويترز)

وبذلك، يحاكي كومو نتائج استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حين ظهر أن نحو نصف ناخبي المدينة لديهم شكوك حول مؤهلات ممداني القيادية، حتى مع تقدمه القوي على منافسيه في نواحٍ أخرى. وقال 39 في المائة فقط إن ممداني يتمتع بالخبرة الكافية لتولي المنصب، بينما أجاب 47 في المائة بالنفي. وفي المقابل، رأى 73 في المائة أن كومو يتمتع «بالخبرة الكافية» لهذا المنصب. وعبّر 24 في المائة عن نفس الرأي بشأن المرشح الجمهوري كورتيس سليوا، الذي يحتل المركز الثالث في الاستطلاعات.

طمأنة الأعمال

غير أن ممداني، وهو ابن مخرجة أفلام شهيرة وأكاديمي، لا يتردّد في التّطرّق إلى هذه القضية. ويقدم جهاز حملته الضخم مثالاً على براعته الإدارية، فضلاً عن أنه أمضى الأشهر الأخيرة في طمأنة كبار رجال الأعمال بأنه إذا فاز، صحيح أنه سيكون أصغر رئيس بلدية لمدينة نيويورك منذ عام 1917، ولكنه سيحيط نفسه بأشخاص من ذوي الخبرة في مقرّ رئاسة البلدية.

حاكم نيويورك السابق والمرشح المستقل لمنصب رئيس بلدية مدينة نيويورك أندرو كومو في برونكس يوم 2 نوفمبر (رويترز)

ويوجّه كومو اتهامات لممداني بأنه يحمل أجندة معادية للأعمال من شأنها أن تقضي على نيويورك، مُذكّراً بأنه أثبت قدرته على الوقوف في وجه ترمب. أما سليوا، فيسخر من كليهما. وقال في المناظرة الثلاثية الأخيرة: «زهران، سيرتك الذاتية تتسع على منديل. وأندرو، إخفاقاتك تملأ مكتبة مدرسة حكومية في مدينة نيويورك».

المرشح الجمهوري لمنصب رئيس بلدية نيويورك كورتيس سليوا خلال حملته الانتخابية في مانهاتن يوم 2 نوفمبر (أ.ف.ب)

وفوق ذلك، لم يتخلّ ممداني عن تأكيداته المتكررة بوصف أنه اشتراكي ديمقراطي يتبنّى مبدأ إعطاء صوت للعمال، وليس للشركات، على غرار سياسات السيناتور بيرني ساندرز، والنائبة ألكسندريا أوكاسيو كورتيز اللذين لطالما شاركهما ممداني المنصة.

وحظيت حملة ممداني بحيوية استثنائية، لأنه أمضى بالفعل الأشهر الطويلة من حملته في التجوّل في شوارع المدينة وأحيائها، والتحدث مع الناخبين، الذين غالباً ما يتجمهرون حوله، وسط دعم لافت من أبناء جيله، جيل الألفية، الذين يتابعونه، ويقدمون الدعم له على شبكات التواصل الاجتماعي.

ورغم أنه كان مغموراً حتى فترة قريبة، تمكن ممداني من هذا الصعود الصاروخي من خلال بث مقاطع الفيديو، والتواصل مع منشئي المحتوى، ومقدمي «البودكاست»، ليصل إلى الناخبين المستائين في وقت وصلت فيه ثقة أعضاء «الحزب الديمقراطي» إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق.

انقسام بين الناخبين اليهود

إلى جانب سياساته الاقتصادية، يتمسّك ممداني بموقفه الداعم لحقوق الفلسطينيين، والمنتقد لإسرائيل، مما يُمثل قطيعة مع المؤسسة الحزبية، وما قد يكون عاملاً حاسماً للعديد من الناخبين في المدينة التي تضمّ أكبر عدد من السكان اليهود خارج إسرائيل. وكان ممداني أثار غضباً خلال الانتخابات التمهيدية عندما رفض إدانة مصطلح «عولمة الانتفاضة». ولكن بعدما عبّر يهود نيويورك عن عدم ارتياحهم له، قال ممداني إنه نصح الآخرين بعدم استخدامه.

ويأتي صعود ممداني في ظل انقسام متزايد بين الناخبين اليهود في الولايات المتحدة، ولا سيما بين الأجيال، حول سياسات إسرائيل في أعقاب الحرب في غزة خلال العامين الماضيين. فبينما يقول 56 في المائة من اليهود الأميركيين إنهم يشعرون بارتباط عاطفي بإسرائيل، تنخفض هذه النسبة إلى 36 في المائة بين الفئة العمرية من 18 إلى 34 عاماً، وفقاً لاستطلاع أجرته صحيفة «واشنطن بوست».

وفي حين يتقدّم ممداني بين الناخبين المرجّح تصويتهم في معظم استطلاعات الرأي العامة، أظهرت استطلاعات حديثة من «فوكس نيوز» و«مارست» أن 55 في المائة من الناخبين اليهود المرجّح تصويتهم في المدينة يدعمون أندرو كومو. أما ممداني، فحصل على دعم 32 في المائة من الناخبين اليهود في كل من الاستطلاعين.

«المستشار» أوباما

باعتباره أحد أكثر القياديين تأثيراً في الحزب، اتصل الرئيس الأسبق باراك أوباما بممداني للإشادة بحملته الانتخابية، عارضاً وضع خبرته في خدمة المرشّح الشاب. وعبّر أوباما، في المكالمة التي استمرت نصف ساعة، عن ثقته في نجاح ممداني بعد انتخابات الثلاثاء. وتحدّثا عن تحديات تعيين إدارة جديدة، وبناء جهاز قادر على تحقيق أجندة ممداني المتعلقة بخفض تكاليف المعيشة في المدينة.

الرئيس الأسبق باراك أوباما يتحدث في تجمع انتخابي للمرشحة الديمقراطية لمنصب حاكم ولاية نيوجيرسي ميكي شيريل في نيوارك يوم 1 نوفمبر (أ.ب)

ولم يُعلن أوباما رسمياً تأييده لممداني، تمشياً مع عادته العامة في تجنب أي تدخل في الانتخابات البلدية منذ مغادرته منصبه. لكن هذه المكالمة، وهي الثانية بينهما منذ الانتخابات التمهيدية لـ«الحزب الديمقراطي»، تُمثّل إشارة مهمة على دعم أوباما، رغم أن قادة آخرين في «الحزب الديمقراطي» حافظوا على مسافة واضحة من ممداني. وعرض أوباما أن يكون «مُستشاراً» في حال فوز ممداني في الانتخابات.

من جهته، لم يعلن زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، السيناتور عن نيويورك تشاك شومر، ما إذا كان سيصوت لممداني. أيضاً لم يعلن زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب، النائب عن نيويورك حكيم جيفريز، دعمه لممداني إلا عشية التصويت المبكر الذي شارك فيه أكثر من 750 ألف ناخب.

فيرجينيا ونيوجيرسي

وجاءت مكالمة أوباما مع ممداني في وقت كان فيه الرئيس الأسبق يستعد لتمضية السبت في الحملة الانتخابية الخاصة بالمرشحين الديمقراطيين لمنصب حاكمي ولايتي فيرجينيا ونيوجيرسي.

وأبرزت الإعلانات التلفزيونية في كاليفورنيا ونيوجيرسي وفيرجينيا أوباما بشكل بارز هذا الخريف، مما يدل على استمرار شعبيته لأكثر من عقد منذ فوزه في الانتخابات الرئاسية لعام 2008 و2012. ولكن منذ مغادرته البيت الأبيض لم يدعم أوباما سوى مرشحة واحدة لمنصب رئيسة بلدية لوس أنجليس، هي كارين باس، عام 2022.


مقالات ذات صلة

الجزائر تغلق منافذ السياسة في وجه «المال المشبوه»

شمال افريقيا من جلسة التصديق على تعديل قانون الانتخابات في الغرفة البرلمانية السفلى (البرلمان)

الجزائر تغلق منافذ السياسة في وجه «المال المشبوه»

بدأ أعضاء «مجلس الأمة» الجزائري (الغرفة العليا للبرلمان)، الخميس، مناقشة مشروع تعديل قانون الانتخابات، في خطوة تسبق استدعاء «الهيئة الناخبة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوقع قراراً تنفيذياً في المكتب البيضاوي يُلزم الحكومة الفيدرالية بتزويد الولايات ببيانات أهلية الناخبين (إ.ب.أ)

ترمب يقرر تقييد التصويت بالبريد... والولايات تطعن

وقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب قراراً تنفيذياً بهدف إنشاء قائمة وطنية بالمواطنين لتحديد أهلية التصويت وتقييد التصويت بالبريد رغم محدودية صلاحياته في الانتخابات

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا صورة وزعها المجلس الرئاسي للقاء المنفي وتكالة في طرابلس 30 مارس الحالي

ليبيا: المنفي وتكالة يطالبان بضرورة إنهاء الانقسام المؤسسي والتمهيد للانتخابات

أكد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس مجلس الدولة، محمد تكالة، أهمية دعم المسارات الدستورية، والعمل على توفير بيئة آمنة لإجراء الانتخابات الليبية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا حزب «الصواب» أكد رفضه المساس بالمواد المحصنة دستورياً التي لا تسمح للرئيس ولد الغزواني الترشح لفترة رئاسية ثالثة (أ.ب)

موريتانيا: حزب معارض يرفض مناقشة تعديل الفترات الرئاسية

قال رئيس حزب «الصواب»، المعارض في موريتانيا، إن حزبه يرفض مطلقاً المساس بالمواد المحصنة دستورياً، التي لا تسمح لرئيس الجمهورية بالترشح لفترة رئاسية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
المشرق العربي البرلمان العراقي مجتمعاً لمناقشة الأوضاع الأمنية (إكس)

محاولة غير مضمونة لانتخاب رئيس جديد للعراق

قدّم 220 نائباً عراقياً طلباً لعقد جلسة برلمانية لانتخاب رئيس جمهورية جديد، والمضي في استحقاق تشكيل الحكومة، لكن الخطوة لا تحظى بغطاء سياسي واسع.

فاضل النشمي (بغداد)

«أرتيميس 2» تلهب المنافسة الأميركية - الصينية على الفضاء السحيق

انطلاق مهمة «أرتيميس 2» إلى مدار القمر من «مركز كينيدي الفضائي» في فلوريدا (أ.ب)
انطلاق مهمة «أرتيميس 2» إلى مدار القمر من «مركز كينيدي الفضائي» في فلوريدا (أ.ب)
TT

«أرتيميس 2» تلهب المنافسة الأميركية - الصينية على الفضاء السحيق

انطلاق مهمة «أرتيميس 2» إلى مدار القمر من «مركز كينيدي الفضائي» في فلوريدا (أ.ب)
انطلاق مهمة «أرتيميس 2» إلى مدار القمر من «مركز كينيدي الفضائي» في فلوريدا (أ.ب)

لأول مرة منذ 54 عاماً، أطلقت «وكالة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)»، الأربعاء، مهمة «أرتميس2» المأهولة لاستكشاف القمر، فاتحة أبواب المنافسة المحمومة بين الولايات المتحدة والصين سعياً إلى الهيمنة على الفضاء السحيق.

وبدأ 4 رواد فضاء؛ هم 3 أميركيين وكندي، مهمة للدوران حول القمر؛ لمدة 10 أيام، هي الأولى من نوعها منذ مهمة المركبة «أبولو17» للدوران حول القمر، وبعد سنوات من الجهود الاستثنائية التي تبذلها الصين في صناعاتها الفضائية تمهيداً للنزول على سطحه وبناء قاعدة بشرية هناك.

وتُظهر مهمة «أرتميس2» حدة التنافس الفضائي بين الولايات المتحدة، والصين، التي حددت هدفاً بالهبوط على سطح القمر بحلول عام 2030 تحت شعار «الريادة الفضائية»، من خلال مشروع «تشانغ إي» الذي تروج له بكين منذ عام 2004. وحقق هذا البرنامج إنجازات بارزة، بدءاً من الهبوط غير المأهول لمركبة صينية على سطح القمر عام 2013، مروراً بالهبوط على الجانب المظلم منه عام 2018، وصولاً إلى استصلاح التربة هناك عام 2024.

والصين هي الدولة الوحيدة التي هبطت على الجانب البعيد من القمر، «وهو النصف الذي يُواجه الأرض دائماً»، واستخرجت منه عينات. وهذا الصيف، ستستكشف مهمة «تشانغ إي7» الروبوتية، وهي المهمة السابعة للصين، القطب الجنوبي للقمر.

وتسعى كل من الولايات المتحدة والصين إلى بناء قواعد حول القطب الجنوبي للقمر، وتأملان استخراج الماء المتجمد والهيدروجين والهيليوم منه. كما تخطط الدولتان لبناء مفاعلات نووية لتزويد قواعدهما القمرية بالطاقة، التي يمكن عبرها إطلاق مهام إلى الفضاء السحيق.

قاعدة قمرية

قاعدة إطلاق «أرتيميس 2» في كيب كانيفيرال بولاية فلوريدا الأميركية (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويُعدّ مشروع «أرتميس2» رحلة تجريبية تمهيداً لبناء قاعدة قمرية مستقبلية وهبوط رواد الفضاء عليها. وكان مقرراً أن يشهد اليومان الأول والثاني بعد الإطلاق العملَ على فحص أنظمة دعم الحياة والدفع والملاحة والاتصالات في مدار أرضي مرتفع قبل دخول المدار القمري عبر تشغيل المحركات.

وفي اليومين الثالث والرابع، ستُجرى فحوصات إضافية خلال الرحلة إلى القمر. وخلال هذه العملية، ستُفحص حال بدلات الفضاء، بالإضافة إلى فحص الإشارات البيومترية لرواد الفضاء في الوقت الفعلي والتحقق من سلامتهم في بيئة الفضاء السحيق. وبعد ذلك، ستعبر المركبة «أوريون»، التي تحمل الرواد، الجزء الخلفي من القمر إلى نقطة تبعد نحو 7400 كيلومتر عن الأرض، وهي أطول مسافة مسجلة في تاريخ رحلات الفضاء المأهولة.

وخلال الأيام من الخامس إلى الثامن، ستُجرى اختبارات في بيئة الفضاء السحيق برحلة قريبة من القمر. بعد ذلك، ستعود مركبة «أوريون» إلى الأرض بسرعة تبلغ نحو 40 ألف كيلومتر في الساعة، للتحقق من أداء الدرع الحرارية خلال عملية دخول الغلاف الجوي، قبل أن تهبط في المحيط الهادئ. وتكتسب هذه المهمة أهمية رمزية أيضاً؛ إذ يُتوقع أن تُسجَّل خلالها أرقام قياسية جديدة، منها «أول رحلة فضائية مأهولة بالرائدات»، و«أول رحلة قمرية تقودها امرأة»، و«أول رحلة قمرية يقودها رائد فضاء غير أميركي».

انطلاق صاروخ من طراز «لونغ مارش 2 إف» الذي كان يحمل المركبة الفضائية «شنتشو 20» وطاقماً من 3 رواد فضاء من «مركز جيوتشوان لإطلاق الأقمار الاصطناعية» في صحراء غوبي شمال غربي الصين (أرشيفية - أ.ف.ب)

ونظراً إلى تقدم الصين المطرد في مشروعها القمري، فقد دفعت إدارةُ الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، جهودَ الولايات المتحدة... فبعدما كانت الخطة الأولية هي الهبوط على سطح القمر عام 2024، حدثت تأخيرات حالت دون ذلك، ثم عدّلت الإدارة الخطط لتشمل هبوطاً مأهولاً على سطح القمر بحلول عام 2028، وإنشاء قاعدة قمرية بحلول عام 2030.

وفي إشارة إلى العقبات التي يواجهها برنامج «ناسا»، المعروف باسم «أرتميس»، قال مدير الوكالة، جاريد إيزاكمان، الأسبوع الماضي: «قد يكونون مبكرين، والتاريخ الحديث يُشير إلى أننا قد نتأخر». وأفاد بأن الخطة الجديدة تتضمن مزيداً من عمليات الإطلاق لاختبار المكونات، وتعزيز الثقة، وتقليل المخاطر، بعد عودة رواد الفضاء إلى القمر، موضحاً أن «ناسا» تخطط لإطلاق مهام كل 6 أشهر والحفاظ على وجودها هناك. وقال: «هذه المرة، ليس الهدف هو وضع الأعلام وآثار الأقدام، بل البقاء».

ويُخطط رواد الفضاء الصينيون للهبوط على الجانب القريب من القمر، حيث خطا نيل آرمسترونغ «خطوة صغيرة لرجل... قفزة عملاقة للبشرية» عام 1969.

وتسعى الصين إلى تحقيق أهداف مماثلة من خلال برنامجين من المرجح أن يندمجا: «مهام مأهولة تحت إشراف الجيش» و«مهام روبوتية مدنية».


ترمب: حان الوقت لإيران أن تُبرم اتفاقاً «قبل فوات الأوان»

الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب: حان الوقت لإيران أن تُبرم اتفاقاً «قبل فوات الأوان»

الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب (رويترز)

نشر الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب، الخميس، مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يُظهر، حسب ‌قوله، هدم ‌أكبر ​جسر ‌في إيران ​في غارة جوية، قائلاً إن الوقت قد حان لإيران للتوصل إلى اتفاق «قبل فوات ‌الأوان».

وذكرت ‌وكالة ​أنباء ‌«فارس» الإيرانية أن ‌جسراً يربط العاصمة الإيرانية طهران بمدينة كرج بغرب ‌البلاد استُهدف بغارات جوية، الخميس، مضيفة أن التقديرات الأولية تُشير إلى إصابة عدد من الأشخاص، وأن مناطق أخرى في كرج ​قد ​استُهدفت أيضاً، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في خطاب للأمة بثه ​التلفزيون، مساء الأربعاء، إن الجيش الأميركي يقترب من إكمال الأهداف التي حددها لحربه مع إيران، وأن الصراع سينتهي قريباً.

وقال الرئيس الأميركي في خطاب للأمة من البيت الأبيض: «سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه. وفي الوقت نفسه، المناقشات مستمرة». وأضاف: «إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، سنضرب كل محطة من محطاتهم للطاقة بشدة، وربما في وقت واحد».

وذكر ترمب، الذي يواجه رأياً عاماً أميركياً متخوفاً من الصراع وتراجعاً في شعبيته، أن الولايات المتحدة دمرت القوات البحرية والجوية للجمهورية الإسلامية وألحقت ضرراً بالغاً ببرنامجها النووي وبرنامجها ‌للصواريخ الباليستية.

وأضاف أن ‌الولايات المتحدة ستواصل استهداف ​مواقع ‌في إيران ​خلال الأسبوعين إلى الثلاثة المقبلة.

وقال: «يسرني أن أقول الليلة إن هذه الأهداف الاستراتيجية الأساسية تقترب من الاكتمال». وتابع: «سننهي المهمة، وسننهيها بسرعة كبيرة. لقد اقتربنا جداً من تحقيقها».


ترمب يعيد تموضعه تجاه «الناتو»... وأوروبا تتمسّك بوظيفته الدفاعية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال إلقاء كلمته للأميركيين في البيت الأبيض يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال إلقاء كلمته للأميركيين في البيت الأبيض يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعيد تموضعه تجاه «الناتو»... وأوروبا تتمسّك بوظيفته الدفاعية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال إلقاء كلمته للأميركيين في البيت الأبيض يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال إلقاء كلمته للأميركيين في البيت الأبيض يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

في خطابه مساء الأربعاء، تجنّب الرئيس الأميركي دونالد ترمب تكرار تهديده المباشر بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، رغم أنه كان قد صعّد قبل ساعات عادّاً الحلف «نمراً من ورق». لكن هذا الصمت لم يكن تراجعاً بقدر ما بدا إعادة تموضع محسوبة. فبدلاً من فتح مواجهة سياسية وقانونية جديدة مع الكونغرس والحلفاء، فضّل ترمب أن يقدّم الحرب إلى الداخل الأميركي بوصفها عملية تقترب من استكمال أهدافها، وأن يربط صورة النهاية بإحراز تقدّم ميداني يُتيح له القول إن المضيق سيُفتح بـ«طبيعة الحال» بعد توقف القتال. بذلك، بدا الرئيس كمن يؤجل معركة «الناتو».

التهديد لم يختفِ

السبب الأرجح لامتناع ترمب عن الذهاب أبعد في انتقاده لـ«الناتو»، الأربعاء، هو أن التهديد بالانسحاب لا يزال، حتى الآن، أداة ضغط أكثر منه مشروعاً تنفيذياً جاهزاً؛ فلا نقاشات رسمية داخل الحلف بشأن خروج أميركي، ولا إخطار للكونغرس، ولا مؤشرات إلى بدء الآلية السياسية أو القانونية اللازمة لذلك، فيما يُقيّد قانون أميركي أُقر عام 2023 أي انسحاب بضرورة موافقة ثلثي مجلس الشيوخ، أو صدور قانون من الكونغرس.

سفينة شحن تبحر بالقرب من مضيق هرمز عند شواطئ عُمان (رويترز)

لذلك، كان من شأن تكرار التهديد في خطاب مُوجّه إلى الداخل أن يرفع سقف التوقعات من دون أن يملك البيت الأبيض طريقاً واضحاً لتحقيقه، بل ربما كان سيحوّل الاهتمام من «إنجازات الحرب» التي أراد الرئيس تسويقها إلى معركة دستورية داخلية.

لكن الأهم أن ترمب لم يسحب ورقة الضغط على «الناتو» من التداول. هو أبقاها في الخلفية، لاستخدامها بعد الحرب أو عند الاقتراب من تسوية ملف مضيق هرمز. بذلك، يُصبح التهديد جزءاً من سياسة «ما بعد المعركة»: رسالة إلى الأوروبيين بأن واشنطن ستتذكر مَن ساعد، ومَن امتنع. ويعزز هذا الانطباع أن زيارة الأمين العام للحلف مارك روته، لواشنطن الأسبوع المقبل، ما زالت قائمة، وقد وُصفت بأنها «مخطَّط لها منذ فترة طويلة»، بما يعني أن قنوات التواصل لم تُقطع، وأن التهديد لم يتحول بعد إلى سياسة أميركية ثابتة.

لماذا تحفّظ الأوروبيون؟

الغضب الأميركي من الحلفاء الأوروبيين لم يأتِ من فراغ. فواشنطن ترى أن دولاً أطلسية كبرى لم تساعدها على الحرب ضد إيران، لا بالمشاركة العسكرية ولا حتى بتوفير التسهيلات الجوية والبحرية التي كانت الإدارة تأملها. لكن المشكلة، في القراءة الأوروبية، أعمق من مجرد خلاف على مستوى الدعم. فالعواصم الأوروبية تقول إن حرب إيران لم تُطرح داخل الناتو أصلاً، ولم تُسبق بمشاورات جدية، كما أن مضيق هرمز، رغم أهميته الاقتصادية العالمية، لا يدخل تلقائياً ضمن الوظيفة الدفاعية الأصلية للحلف.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في البيت الأبيض يوم 24 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

ولهذا لم يكن الموقف الفرنسي مجرد اعتراض تقني، بل اعتراض على تعريف المهمة نفسها. باريس قالت بوضوح إن «الناتو» وُجد لأمن الفضاء الأوروبي-الأطلسي، «لا لعمليات هجومية» في هرمز، وهي عبارة تختصر جوهر الخلاف: هل يبقى الحلف أداة ردع جماعي في أوروبا، أم يتحول إلى ذراع تلتحق بقرارات واشنطن أينما قررت خوض الحرب؟

وبالتالي، فإن المواجهة مع الأوروبيين، وفق مراقبين، لم تعد مجرد عتاب على تقاعس ظرفي، بل أصبحت نزاعاً على هوية الحلف ووظيفته. الأوروبيون يريدون الحفاظ على «الناتو» مرجعية ردع ضد روسيا، فيما يريد ترمب استخدامه في حرب تشنّها واشنطن وتل أبيب من دون توافق أطلسي مسبق.

تراجع أهمية «الناتو»

تحذير بعض أنصار الرئيس الأميركي من أن الحلف الأطلسي «مات» أو «عفا عليه الزمن» يبدو مبالغاً فيه، لكنه ليس خالياً من المعنى السياسي. فالناتو لا يزال قائماً قانونياً ومؤسسياً وعسكرياً، وواشنطن لم تبدأ إجراءات الانسحاب. لكن الضرر الفعلي أصاب مصداقية الحلف وأهدافه. فعندما يكرر الرئيس الأميركي التشكيك في قيمة «أنجح تحالف دفاعي في التاريخ»، كما يصفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فإن أثر الردع يتآكل حتى من دون خطوة قانونية واحدة. هذه هي العقدة الأوروبية الحقيقية: ليس الخوف فقط من انسحاب رسمي، بل من حلف يبقى قائماً على الورق فيما تَضمر الثقة في صلابته السياسية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على هامش قمة لحلف الناتو العام الماضي (د.ب.أ)

ومع ذلك، لا يبدو أن الباب أُغلق تماماً أمام الترميم. فالحلف ما زال يخدم مصالح أميركية أساسية في مواجهة روسيا والصين، كما أن واشنطن لم تُظهر استعداداً فعلياً لتحمل تكلفة الانفصال الكامل عن البنية الأمنية الأوروبية، فيما تستمر الحرب في أوكرانيا ويتصاعد التنافس مع موسكو وبكين. لذلك، الأرجح أن «الناتو» لم يمت، بل دخل مرحلة «تعطيل سياسي» قد تطول أو تقصر حسب مآلات حرب إيران.

عقدة مضيق هرمز

في المقابل، يبدو تحدّي مضيق هرمز أكثر تعقيداً من الشعارات السياسية. فترمب قال قبل الخطاب إن الحرب لن تنتهي قبل إعادة فتح المضيق، ثم عاد في الخطاب إلى لهجة أخفّ. وهذا التباين ليس تفصيلاً، بل إشارة إلى أن البيت الأبيض يُدرك صعوبة ربط نهاية الحرب بمؤشر واحد لا يملك وحده التحكم به. فإضعاف القدرات الإيرانية شيء، وتأمين الملاحة المستدامة شيء آخر. والمطلوب هنا، من وجهة نظر مراقبين دوليين، ليس فقط تدمير الزوارق السريعة أو منصات الصواريخ أو تهديدات الألغام، بل أيضاً بناء إطار حماية ومرافقة وإدارة بحرية وسياسية يضمن استمرار العبور بعد توقف القتال.

في هذا السياق، تكتسب تصريحات الجنرال الأميركي المتقاعد جاك كين، نائب رئيس الأركان الأسبق القريب من دوائر صنع القرار، لـ«فوكس نيوز» صباح الأربعاء، أهمية خاصة. فقد تحدث عن جهد منهجي لتجريد إيران من أدوات تعطيل المرور في المضيق، وعن إقامة «فقاعة حماية» للسفن قبل نقل المسؤولية لاحقاً إلى الحلفاء.

بوادر حلحلة

في مقابل التهديدات الأميركية، برزت مسارات دبلوماسية وعسكرية موازية، تقودها دول أوروبية لبحث سبل استعادة حرية الملاحة في «هرمز». وفي هذا الصدد، استضافت بريطانيا اجتماعاً افتراضياً ضمّ 40 دولة لبحث «كل التدابير الدبلوماسية والسياسية الممكنة» لإعادة حرية الملاحة والتجارة في المضيق، وهو ما أكّد إجماعاً شبه دولي على ضرورة فتح «هرمز». كما يتوقّع أن تنظّم بريطانيا اجتماعاً للمخططين العسكريين الأسبوع المقبل، يبحث المسار العسكري.

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تترأس الاجتماع الافتراضي لوزراء خارجية 40 دولة لبحث مستقبل مضيق هرمز يوم الخميس (رويترز)

ولا تكمن دلالة هذه الاجتماعات في عدد المشاركين فيها فحسب، بل في طبيعتها أيضاً. فهي ليست تحالفات للانخراط في الحرب، بل محاولة لصوغ إطار لليوم التالي، يشمل حماية الناقلات، وترتيبات الأمن البحري، وربما إزالة الألغام، بعد توقف القتال.

ومن هذه الزاوية، تبدو العواصم الأوروبية أقرب إلى مقاربة تقول: نعم لحرية الملاحة، لكن لا للانخراط في حرب لم نُستشر فيها. وهذا ما عبّر عنه أيضاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حين قال إن فتح المضيق بالقوة «غير واقعي»، في تلخيص دقيق لمزاج أوروبي يريد معالجة نتائج الحرب من دون التورط في أسبابها.