قمة ترمب - زيلينسكي تعيد تموضع واشنطن في الحرب الأوكرانية

صواريخ «توماهوك» تتصدّر المباحثات... والبيت الأبيض يضيق الخناق الاقتصادي على موسكو

جانب من لقاء جمع ترمب وزيلينسكي في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس (أ.ف.ب)
جانب من لقاء جمع ترمب وزيلينسكي في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

قمة ترمب - زيلينسكي تعيد تموضع واشنطن في الحرب الأوكرانية

جانب من لقاء جمع ترمب وزيلينسكي في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس (أ.ف.ب)
جانب من لقاء جمع ترمب وزيلينسكي في البيت الأبيض يوم 18 أغسطس (أ.ف.ب)

يستعدّ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي وصل إلى العاصمة الأميركية الخميس، لاجتماع وُصف بـ«الحاسم» مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمعة، في ظل تصاعد الحديث عن احتمال تزويد كييف بصواريخ «توماهوك» الأميركية بعيدة المدى، وما يرافق ذلك من تكهّنات حول تحول تدريجي في مقاربة إدارة ترمب لملف الحرب في أوكرانيا بعد وقف الحرب على غزة.

اللقاء الذي سيجمع الزعيمين يأتي في لحظة دقيقة. فبينما تراجع اهتمام واشنطن بالملف الأوكراني في الأشهر الماضية لصالح جهود ترمب الدبلوماسية في الشرق الأوسط، تشير تصريحات الرئيس الأميركي ووزير الحرب بيت هيغسيث إلى أن الإدارة بدأت تُعيد ترتيب أولوياتها في أوروبا الشرقية.

وبعد أن صعّد ترمب الضغوط هذا الأسبوع على الدول التي لا تزال تشتري النفط الروسي، بدا أن البيت الأبيض يريد تضييق الخناق الاقتصادي على موسكو، بالتوازي مع تلويح عسكري أكثر صرامة.

ترمب وهيغسيث

في اجتماع لوزراء دفاع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل الأربعاء، حذّر وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث روسيا من «تكاليف إضافية» إذا استمرت في عدوانها على أوكرانيا، مؤكداً أن الولايات المتحدة «ستقوم بما يلزم لفرض تكلفة على موسكو إذا لم يظهر مسار واضح للسلام». وقال هيغسيث: «إذا لم نجد طريقاً للسلام، فسوف نفرض التكاليف التي نراها ضرورية بالتعاون مع حلفائنا، والولايات المتحدة مستعدة للقيام بدورها كما لا يستطيع غيرها أن يفعل».

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال اجتماع لمجموعة الاتصال الدفاعية الخاصة بأوكرانيا ببروكسل 15 أكتوبر (رويترز)

هذه اللهجة الجديدة تأتي بعد عام من تصريحات اتّسمت بالحذر، ما يعكس، بحسب مراقبين في واشنطن، تحوّلاً من سياسة «التهدئة الحذرة» إلى مقاربة «الردع بالقوة»، على غرار ما فعله ترمب في الشرق الأوسط خلال مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة. فالرئيس الأميركي قال بوضوح في تصريح صحافي على متن طائرته «إير فورس وان»: «إذا لم يتم التوصل إلى تسوية، فقد أقول لروسيا: انظروا، إذا لم تتوقف الحرب، فسأرسل (توماهوك)».

وفي كلمة أخرى أمام الكنيست الإسرائيلي الاثنين، ربط ترمب بين نجاحه في فرض وقف الحرب في غزة وبين عزمه «التركيز على إنهاء الحرب في أوكرانيا»، مؤكداً أن «القوة هي السبيل إلى السلام».

ورقة ضغط أم بداية تصعيد؟

صواريخ «توماهوك» التي تطالب كييف بالحصول عليها منذ العام الماضي تُمثّل سلاحاً استراتيجياً من الطراز الأول، إذ يبلغ مداها أكثر من 2000 كيلومتر، وهو ما يسمح للأوكرانيين، في حال الموافقة الأميركية، بتنفيذ ضربات عميقة داخل الأراضي الروسية، بما في ذلك منشآت الطاقة أو القواعد العسكرية.

ترمب يستقبل بوتين لدى وصوله إلى ألاسكا يوم 15 أغسطس (رويترز)

وأكّد مصدر أوكراني رفيع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «زيارة زيلينسكي تهدف إلى معرفة موعد تسليم هذه الصواريخ، أو على الأقل الحصول على إشارة سياسية واضحة من الرئيس ترمب»، مضيفاً أن «العلاقات بين كييف وواشنطن أصبحت الآن أكثر براغماتية، ويدرك الأميركيون أن مساعدة أوكرانيا تمنحهم نقاط قوة في مواجهة روسيا».

وتشير المعلومات إلى أن زيلينسكي سيعقد اجتماعات مع شركات تصنيع السلاح الأميركية، مثل «رايثيون»، و«لوكهيد مارتن» التي تنتج «توماهوك» وأنظمة إطلاقها، لمناقشة تفاصيل تقنية محتملة في حال صدور القرار السياسي.

أما موقف موسكو فلم يتغير، رغم أنها حافظت على نبرة هادئة في نقد هذه الخطوة والتحذير من تبعاتها. ومع تأكيد الكرملين على أن أهداف الحرب لم تتغير، وأن العمليات العسكرية هي الوسيلة الوحيدة في ظل عدم وجود وسائل سلمية، يرى مسؤولون في «الناتو» أن مجرد التلويح بإرسال هذه الصواريخ قد يدفع الرئيس فلاديمير بوتين إلى العودة إلى طاولة المفاوضات. وقال السفير الأميركي لدى الحلف، ماثيو ويتاكر، إن «إمكانية نشر (توماهوك) قد تغيّر حسابات الكرملين وتجبره على التفاوض».

الهند ومعادلة الطاقة

في موازاة التحرك العسكري والسياسي، برز بعد اقتصادي مهم في تصريحات ترمب الأخيرة بشأن الهند، إذ قال إنه حصل على «تعهّد» من رئيس الوزراء ناريندرا مودي بوقف شراء النفط الروسي «في غضون فترة قصيرة»، وهو ما من شأنه إن تحقق، أن يوجّه ضربة جديدة لعائدات موسكو من الطاقة.

ورغم عدم صدور تعليق هندي رسمي مباشر على هذه التصريحات، فإن الخارجية الهندية أكدت أن «أولوية نيودلهي هي استقرار أسعار الطاقة وتنويع مصادرها»، فيما أعلن سكرتير التجارة الهندي راجيش أغاروال استعداد بلاده «لمضاعفة مشترياتها من النفط والغاز الأميركي إذا كانت الأسعار تنافسية».

هذا التطور يعزز، وفق محللين، ملامح «استدارة اقتصادية دبلوماسية» أوسع في سياسة ترمب الخارجية، تجمع بين الضغط المالي على روسيا عبر تقليص صادراتها النفطية وبين إعادة ضخ الزخم إلى التحالفات الدفاعية في أوروبا وآسيا. ويقول مراقبون إن «ربط الملف الأوكراني بالهند والطاقة يعكس رؤية ترمب للضغط على موسكو من ثلاثة محاور: السلاح، والاقتصاد، والعزلة الدولية».

استدارة محسوبة أم تصعيد غير مضمون؟

في أوساط «الناتو»، يُنظر إلى التحول الأميركي بقدر من الحذر. فبينما رحّب الأمين العام للحلف مارك روته بـ«العمل الوثيق بين ترمب وزيلينسكي»، أشار إلى أن «نصف دول الحلف فقط التزمت حتى الآن بخطة تمويل الأسلحة الأميركية لأوكرانيا»، مُقدّراً إجمالي التعهدات بنحو ملياري دولار.

جنود أوكرانيون في صفوف القتال الأمامية بدونيتسك يوم 15 أكتوبر (رويترز)

ويرى خبراء عسكريون أن «المدى الحقيقي لهذا التحول سيُقاس بمدى استعداد ترمب للمضي في تسليح أوكرانيا عملياً، لا لفظياً»، لا سيما أن منظومات الإطلاق البرية لصواريخ «توماهوك» محدودة ومتعددة الاستخدام، وتُعد أولوية في مواجهة الصين في المحيطين الهندي والهادئ.

وتنقل صحيفة «واشنطن بوست» عن بعض الدبلوماسيين الأوروبيين في واشنطن قولهم، إن التوجه نحو دعم كييف مُجدداً «يتبلور منذ أشهر»، لكنهم يحذرون من أن «ترمب قد يبدّل موقفه سريعاً، كما فعل أكثر من مرة في الملف الأوكراني».

مع ذلك، فإن المؤشرات الأخيرة، من زيادة تبادل المعلومات الاستخبارية مع كييف إلى تصريحات هيغسيث عن «تكاليف باهظة» ستدفعها موسكو، توحي بأن الإدارة الأميركية تتجه إلى إعادة تفعيل دورها في الحرب الأوروبية الأكثر استنزافاً في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

بين غزة وكييف

يقول مراقبون إن ترمب يستلهم من تجربته في غزة «منهج القوة لتحقيق السلام»، إذ نجح في فرض وقف للنار هناك بعد ضغط عسكري مكثف على «حماس» ودعم غير محدود لإسرائيل. ويرى هؤلاء أن ترمب يسعى إلى تطبيق المعادلة نفسها في أوكرانيا: إظهار الحزم أمام موسكو لتسريع التفاوض على إنهاء الحرب.

لقاء ثنائي بين ترمب وزيلينسكي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك يوم 23 سبتمبر (أ.ف.ب)

لكن صحيفة «وول ستريت جورنال» أشارت إلى أن هذا المنهج يثير انقساماً داخل فريقه. فبعض مستشاري البيت الأبيض يرون أن «إمداد أوكرانيا بأسلحة بعيدة المدى قد يجرّ واشنطن إلى مواجهة مباشرة»، فيما يؤكد آخرون أن «الخطر الأكبر يكمن في التقاعس لا في المبادرة».

ولخّص أحد كبار أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوكراني، أولكسندر ميريزكو، الموقف بالقول إن «الاجتماع بين زيلينسكي وترمب قد يكون لحظة محورية. فالرئيس الأميركي لديه الآن نافذة زمنية لمعالجة الملف بجدية. بوتين لن يتفاوض إلا إذا واجه ضغطاً حقيقياً، و(توماهوك) ستكون إحدى أدوات هذا الضغط».

وحتى تتّضح نتائج القمة المرتقبة بين ترمب وزيلينسكي، تبدو واشنطن في بداية «مرحلة إعادة التموضع» حيال الحرب في أوكرانيا: لا عودة كاملة إلى نهج الدعم غير المشروط، ولا الانسحاب من الساحة الأوروبية. بل محاولة للجمع بين الضغط العسكري والانفتاح على التسوية.


مقالات ذات صلة

«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

أوروبا عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)

«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

وسَّع الحزب الحاكم سيطرته داخل البرلمان الروسي بشكل ملحوظ، وبعدما كان يستحوذ في البرلمان السابق على 310 مقاعد من أصل 450 مقعداً بات يسيطر حالياً على 355 مقعداً.

رائد جبر (موسكو)
العالم نيران وأعمدة دخان تتصاعد من مصفاة نفط رئيسية قرب موسكو بعد استهدافها في هجوم أوكراني الأحد (رويترز) p-circle

ترمب يدعو إلى إنهاء حرب أوكرانيا ويشير لتضرر روسيا

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ​الاثنين، إن روسيا «فقدت السيطرة» على قطاع وقود الديزل لديها، وكرر مرة أخرى دعوته لإنهاء ‌حرب موسكو ​على ‌أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مجمع لإعادة الشحن بميناء «نوفوروسيسك» على البحر الأسود في روسيا (رويترز)

كازاخستان تزيد صادرات النفط عبر «نوفوروسيسك» في أغسطس

زادت كازاخستان شحنات النفط عبر ميناء «نوفوروسيسك» الروسي على البحر الأسود 28 في المائة خلال أغسطس (آب) الماضي، لتصل إلى 460 ألف طن متري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «ترافيغورا» عند مدخلها في جنيف بسويسرا (رويترز)

«ترافيغورا» تطلق شركة ناقلات جديدة وتخطط لإدراجها في بورصة أوسلو

أطلقت «ترافيغورا» لتجارة السلع الأولية، شركة «فولار شيبينغ» للشحن التي ستملك وتدير 14 ناقلة نفط عملاقة، وقالت إنها ستبيع أسهماً في الشركة قبل إدراجها بالبورصة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا المركز الرئيسي لـ«ناتو» في بروكسل (أرشيفية - رويترز)

قادة استخبارات أوروبيون: روسيا تخطط لتصعيد تحركاتها ضد «ناتو» خلال أشهر

أثار مسؤولون في أجهزة استخبارات أوروبية احتمال أن تختبر روسيا حلف شمال الأطلسي (ناتو) قريباً، وقال أحدهم إن هجوماً محتملاً قد يقع خلال «أشهر لا سنوات».

«الشرق الأوسط» (لندن)

الوجه الآخر لاتفاقيات ترمب لترحيل المهاجرين نحو أفريقيا

أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

الوجه الآخر لاتفاقيات ترمب لترحيل المهاجرين نحو أفريقيا

أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)

رحّلت الولايات المتحدة أكثر من 25 ألف شخص بموجب اتفاقيات سرية مع 35 دولة لاستقبال مهاجرين لا تربطهم أي صلات بتلك الدول، وفقاً لتحقيق نُشرته (الاثنين) مجموعة «فوربيدن ستوريز» الصحافية.

ولكن التقرير كشف عن ظروف صعبة يمر بها المرحّلون من الولايات المتحدة إلى عدد من الدول الأفريقية، إذ كشف التحقيق عن أن ثلث اتفاقيات الترحيل التي وقّعتها الولايات المتحدة كان مع دول أفريقية (12 اتفاقية على الأقل).

التوجه نحو أفريقيا

أشارت «فوربيدن ستوريز» إلى أن إدارة ترمب تواصلت مع 49 دولة أفريقية، من أصل 54، خلال بحثها عن دول لاستقبال مهاجرين مرحَّلين لا تربطهم بها أي صلة، وأشرف على هذه المفاوضات مكتب «إعادة الهجرة» في وزارة الخارجية الأميركية، برئاسة كريستيان إيرهاردت.

وقال التحقيق إن المفاوضات في الغالب تكون سرية، وتستخدم ضغوطاً مثل قيود التأشيرات أو ربطها بمساعدات، في حين ترفض كثير من الدول قبول أصحاب السجلات الجنائية العنيفة، لكن بعضها يقبل بذلك مثل دولة سواتيني، التي وقّعت اتفاقية بقيمة 5 ملايين دولار لاستقبال 160 شخصاً.

واعتمد التحقيق على أكثر من 100 مقابلة (منها 33 مع مرحّلين)، ووثائق داخلية، وتتبع رحلات، فيما يشير إلى أن المرحّلين غالباً هم أشخاص عاشوا سنوات طويلة في أميركا، لديهم عائلات أو عملوا هناك، ومنحهم قضاة أميركيون حماية من الترحيل إلى أوطانهم.

تعنيف ممرضة!

كشف التحقيق عن أن غانا استقبلت أكثر من 110 أشخاص، عبر 9 رحلات على الأقل منذ سبتمبر (أيلول) 2025، ولكن غانا وافقت فقط على استقبال مرحّلين من أصول غرب أفريقية، وفي بعض الحالات، أعادت ترحيلهم سريعاً إلى بلدانهم الأصلية مثل نيجيريا أو سيراليون، رغم وعود أولية بتوفير «ملاذ آمن».

طائرات تُستخدم لترحيل المهاجرين على مدرج مطار في ولاية تكساس الأميركية (أ.ب)

ومن أشهر قصص الترحيل، رابياتو كوياتيه (58 عاماً)، وهي ممرضة عاشت معظم حياتها في أميركا بعد فرارها من سيراليون، بسبب الحرب الأهلية التي ضربت البلد الصغير والفقير الواقع في أقصى غرب القارة الأفريقية.

رُحّلت كوياتيه إلى غانا، ثم أُجبرت على العودة إلى بلدها الأصلي سيراليون وسط مشاهد عنيفة، حيث انتشر مقطع فيديو منها وهي حافية القدمَيْن وتُسحب من شعرها بعنف، مما أثار غضباً شعبياً واسعاً.

مركز احتجاز

أما في غينيا الاستوائية فيبدو الوضع أكثر إثارة للقلق، حيث يشير التقرير إلى أنه بموجب اتفاق بقيمة 7.5 مليون دولار، استقبلت نحو 66 شخصاً عبر 6 إلى 7 رحلات منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، من جنسيات مختلفة مثل إريتريا، وإثيوبيا، ومصر، وأنغولا، والكاميرون، وكوبا، والبرازيل.

وأوضح التحقيق أن أغلب هؤلاء المرحّلين محتجزون في فندق «بامي» المتداعي على أطراف العاصمة مالابو، الذي تحول إلى سجن فعلي، وسط تقارير عن ظروف سيئة بسبب نقص الرعاية الطبية، والمنع من الاتصال، والضغط النفسي.

ويؤكد التحقيق أن السلطات الغينية اعتقلت في شهر سبتمبر (أيلول) الحالي مواطناً مصرياً وآخر إريترياً، بعد أن وثقا بالفيديو سوء الظروف التي يتم احتجاز المرحّلين فيها، ونقل التحقيق عن شهود ومحامين أن الشرطة غطت رأسيهما بأكياس، وقيدتهما، وضربتهما بأعقاب البنادق، ودفعتهما على الدرج.

نيكا الإيرانية

تناول التحقيق قصة نيكا الإيرانية (32 عاماً)، التي فرت من إيران قبل نحو 18 شهراً بعد مشاركتها في احتجاجات ضد النظام، وبعد وصولها إلى الولايات المتحدة، قضت أكثر من عام في مركز احتجاز للهجرة الأميركية، قبل أن يمنحها قاضٍ حماية قانونية بـ«منع الترحيل»، لأنها معرّضة لضرر جسيم أو خطر على حياتها إذا أُعيدت إلى إيران.

أُفرج عنها بموجب أمر قضائي في أواخر مايو (أيار) 2026، وأصبح بإمكانها العمل والبقاء في الولايات المتحدة مؤقتاً، ولكن بعد أقل من أسبوعين، أعادت سلطات الهجرة اعتقالها خلال موعد روتيني، ثم رحّلتها جواً إلى جمهورية أفريقيا الوسطى مع نحو 18 مهاجراً آخرين (من جنسيات مختلفة مثل أفغانستان والعراق وقيرغيزستان)، رغم الحماية القضائية.

لم يُخبروها بوجهتها مسبقاً، وظلّت مقيدة بالأصفاد طوال الرحلة، قبل أن تصل نيكا إلى عاصمة البلاد بانغي، وهي مدينة تصفها وزارة الخارجية الأميركية بأنها خطيرة جداً للسفر. حالياً تعيش في غرفة صغيرة شبه معزولة، وتخاف الخروج، وتنتظر مصيرها خشية أن تُرحّل مجدداً إلى إيران.


4 شبكات أميركية كبرى توقف التغطيات المشتركة لأخبار ترمب تضامناً مع «سي إن إن»

جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

4 شبكات أميركية كبرى توقف التغطيات المشتركة لأخبار ترمب تضامناً مع «سي إن إن»

جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

قرّرت أربع شبكات أميركية كبرى تشكّل مجموعة التغطية الصحافية المشتركة لأنشطة الرئيس دونالد ترمب، الاثنين، وقف هذه التغطية، وذلك تضامناً مع شبكة «سي إن إن» التي استبعدها الرئيس الأميركي من البيت الأبيض، وفقاً لبيان اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال براين بونتون، ممثل شبكة «فوكس» والمنسق لهذه المجموعة من القنوات المكلفة بتصوير الرئيس الأميركي على مدار اليوم وتوزيع اللقطات المصورة على وسائل الإعلام الأخرى: «اعتباراً من اليوم، لن تتولى مجموعة التغطية التلفزيونية المشتركة تغطية الفعاليات التي يشارك فيها الرئيس والتي تندرج عادة ضمن نطاق التغطية المشتركة».

والشبكات الأربع هي «سي بي إس» و«إيه بي سي» و«إن بي سي» و«فوكس».


زعماء العالم يترقبون خطاب ترمب... ومناسبة على غرار مؤتمر يالطا

شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
TT

زعماء العالم يترقبون خطاب ترمب... ومناسبة على غرار مؤتمر يالطا

شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)

​يجلس مئات من زعماء العالم، الثلاثاء، تحت قبَّة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حاملين إلى دورتها السنوية الحادية بعد الثمانين آمالهم وتطلعات شعوبهم إلى عالم أفضل، لا ينهشه الجوع والفقر، ولا تستبد فيه الحروب والنزاعات، ولا تهدده الكوارث الطبيعية والتكنولوجيا الجديدة، وأحدثها الذكاء الذي من صنع الإنسان.

ولكن هيهات! كأن الجمعية العامة للأمم المتحدة (التي يشيع اختصار اسمها بـ«أونغا») في وادٍ، وواقع حال أعضائها الـ193 في وادٍ آخر.

ومع ،ذلك يترقب هذا الحشد الدولي الأكبر عالمياً اللحظة التي يدخل فيها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى المبنى العريق على الجادة الأولى في وسط مانهاتن، والمشرف على نهر إيست ريفر، لمعرفة ما إذا كان خطابه المكتوب لهذا العام يتضمن غير ما يكتبه في منشوراته شبه اليومية على منصات التواصل الاجتماعي، وتصريحاته التلقائية أمام الصحافيين والعدسات، وغيرها من الوسائل، بغية توصيل رسائله ونداءاته بأن «أميركا أولاً»، وبهدف تعميم شعاره «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» («ماغا» اختصاراً) على من يسعى إلى كسب وده وتجنب غضبه، وعواقب العقوبات السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو المالية التي يمكن أن تفرضها الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى، على من يتجرأ على تحدي جبروتها.

أشخاص يحملون صوراً وقناديل أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك خلال مناسبة للأميركيين من أصول إيرانية ضد النظام الإيراني (رويترز)

ولترمب قصة طويلة وقديمة مع الأمم المتحدة. كان يطمح عندما كان مطوراً عقارياً في نيويورك إلى الفوز بعقد استثماري لتطوير مجمع المنظمة الدولية الواقع على بعد عشرات الأمتار فقط من «برج ترمب» الفاخر على الجادة الأولى أيضاً. غير أن مستثمراً آخر فاز بالعقد المجزي.

وعلى الرغم من أنه لم يتمكن من تحقيق غايته، لم تتلاشَ عزيمة ترمب لتحقيق هذا الهدف؛ بل صار أكثر تصميماً من ذي قبل، ولا سيما أنه ومنذ صار رئيساً يرى حالات الضعف والفشل والأعطاب التي أصابت الأمم المتحدة التي أنشئت على أنقاض «عصبة الأمم» في نهاية عام 1945، على أساس التوازنات التي أرساها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية.

عظيمة كأميركا

وفي عالم شهد -ولا يزال يشهد- تحولات هائلة منذ ذلك الحين، يشبِّه البعض الإخفاقات الراهنة للأمم المتحدة بسنوات الفشل التي سبقت انهيار «عصبة الأمم». وتندَّر بعض الدبلوماسيين بأن الرئيس ترمب يريد أن يطلق شعاراً جديداً «فلنجعل الجمعية العامة للأمم المتحدة عظمية مرة أخرى» («مونغا» اختصاراً).

وفي دليل على جدية هذه التوجهات، يوزع المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، قبعات «مونغا» على فريقه الدبلوماسي وحلفاء الولايات المتحدة في المنظمة الدولية.

ووصفت الناطقة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، السفير والتز لي بأنه «مبعوث رئيسي لجميع أولويات الرئيس» ترمب، الذي «يُقدِّر جهود السفير والتز في سبيل جعل الأمم المتحدة عظيمة مرة أخرى».

غير أن الدبلوماسيين الذين يتحدثون مع السفير والتز يعتقدون أن جعل الأمم المتحدة عظيمة حقاً، يستوجب عقد صفقة كبرى على غرار مؤتمر يالطا، الذي عُقد في مطلع عام 1945 بمشاركة الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، سعياً إلى استعادة هيبتها المفقودة في وقف حربين تنخرط فيهما دولتان من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة مع إيران، وروسيا مع أوكرانيا، بالإضافة إلى الحيلولة دون وقوع حرب جديدة يخشاها كثيرون بين الصين وتايوان.

واشنطن لا نيويورك

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ خلال اجتماع منظمة «بريكس» في نيودلهي بالهند (أ.ب)

ويعكس غياب كل من الرئيس الصيني شي جينبينغ، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، عن «أونغا» هذا العام، استمرار عدم الرضا من زعيمَي دولتين كبريين على التوازنات الراهنة في الأمم المتحدة، علماً بأن الرئيس الصيني سيقوم -وقت انعقاد الجمعية العامة- بزيارة دولة بدعوة من ترمب لواشنطن العاصمة، من دون أن يعرِّج على نيويورك القريبة.

وبينما يحاول ترمب وشي رسم معالم العلاقة التنافسية بين الولايات المتحدة والصين، يخشى دبلوماسيون من تحوُّل هذه المنافسة إلى مجرد بداية لحرب باردة جديدة، عوض أن تكون فرصة لصفقة جديدة على غرار مؤتمر يالطا، الذي كان مقدمة لنشوء الأمم المتحدة بصيغتها الراهنة.

ووفقاً لبرنامج الكلمات الذي أُعد لليوم الأول من أسبوع الاجتماعات الرفيعة المستوى للجمعية العامة، سيعتلي المنصة أولاً رئيس الدورة الحالية للجمعية، وزير الخارجية البنغلاديشي السابق خليل الرحمن، ثم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لإلقاء كلمتين افتتاحيتين، على أن تكون الكلمة الأولى للرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وفقاً لتقليد تعتمده الجمعية العامة منذ نحو 7 عقود. ويليه الرئيس ترمب، بوصفه رئيس الدولة المضيفة للمنظمة الدولية.

وقبل أيام من هذه المناسبة، قال لولا دا سيلفا إنه سيطلب من ترمب «عدم التدخل في انتخابات البرازيل».

وظهرت التوترات بين الرئيس لولا دا سيلفا وإدارة ترمب عام 2025، حين طبَّقت الأخيرة موجة أولى من الرسوم الجمركية ضد البرازيل، رداً على محاكمة الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، الذي يعد من حلفاء ترمب.

أصحاب الكلام

وسيتوالى على الكلام -الثلاثاء أيضاً- كل من: ملك الأردن عبد الله الثاني بن الحسين، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، فضلاً عن نحو 20 آخرين من رؤساء الدول والحكومات.

وعلى الرغم من الإخفاقات المتكررة للأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن الذي يعتبر القوة الرئيسية المحركة لها، في «صون السلم والأمن الدوليين» طبقاً لما جاء في ميثاقها، يُتوقع أن يعرض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (الذي تنتهي ولايته الثانية الأخيرة بعد مائة يوم فحسب) السنين العشر التي أمضاها في هذا المنصب، وكان خلالها شاهداً على تصدعات العالم ومصائبه.

لم يتمكن غوتيريش من فعل الكثير لوقف الحرب في سوريا، التي شهدت استخدام نظامها السابق الأسلحة الكيماوية ضد شعبه، بينما كانت الأمم المتحدة عاجزة عن اتخاذ إجراءات لمنع الإفلات من العقاب. وتواصلت الأزمة في ليبيا على الرغم من تغيُّر المبعوثين الأمميين. ووقعت حرب جديدة في السودان من دون أن تتمكن الأمم المتحدة من إيصال المساعدات إلى ملايين اللاجئين. وكذلك فشلت في وضع حد للأزمة اللبنانية، رغم وجود نحو 10 آلاف جندي ضمن القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل).

ورافق غوتيريش -على غرار جميع الأمناء العامِّين الذين سبقوه- الشلل المزمن لمجلس الأمن في إيجاد تسوية منصفة للشعب الفلسطيني، الواقع منذ نشأة المنظمة الدولية تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ بل كان شاهداً على وقوع حرب غزة التي نفَّذتها إسرائيل ضد الفلسطينيين من دون أي محاسبة، وحرب أوكرانيا وروسيا منذ أكثر من 4 سنوات ونصف سنة، وشاهداً أيضاً على بدء الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران قبل نحو 7 أشهر.

ومع ذلك، لا يفقد غوتيريش الأمل في تعددية قطبية تبدو حتمية، إما على أساس التنافر، وإما على أساس التعايش تحت سقف القانون الدولي والأنظمة القائمة على القواعد.