«بدلة» زيلينسكي السوداء وقبعة «ترمب 2028»... لحظات طريفة في البيت الأبيض

الاجتماع الرئيس الأميركي مع القادة الأوروبيين بشأن أوكرانيا لم يخلُ من الدعابة

مصافحة بين الرئيسين الأميركي والأوكراني (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيسين الأميركي والأوكراني (أ.ف.ب)
TT

«بدلة» زيلينسكي السوداء وقبعة «ترمب 2028»... لحظات طريفة في البيت الأبيض

مصافحة بين الرئيسين الأميركي والأوكراني (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيسين الأميركي والأوكراني (أ.ف.ب)

بين «بدلة» الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، و«قبعات» الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يجد المتابع نفسه أمام مشهد يجمع بين الدبلوماسية والكوميديا بطابع أميركي بامتياز.

فمنذ دخول ترمب إلى البيت الأبيض، لا تخلو الاجتماعات الرسمية من لحظات غير متوقعة تكسر الجمود الرسمي حيناً وتُلهب الأجواء حيناً آخر، ولقاؤه الأخير مع نظيره الأوكراني لم يكن استثناءً، بل جسّد هذا النمط.

وفي حين كانت الأنظار مشدودة إلى ما قد يسفر عنه اجتماع البيت الأبيض بحضور القادة الأوروبيين من مؤشرات على مسار السلام للأزمة الأوكرانية، التقطت عدسات الكاميرا مجموعة من اللقطات الطريفة والمواقف العفوية التي خرقت جدية اللقاء، وسرعان ما انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مثيرةً تفاعلاً بين متابعي الشأن السياسي والهواة على حد سواء.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وإلى يمينه رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني وفي الخلف رئيسة المفوضية الأوروبية أوروسولا فون دير لاين والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وأمين عام حلف شمال الأطلسي مارك روته والمستشار الألماني فريدريش ميرتس (رويترز)

في هذا التقرير، في جولة سريعة على أبرز تلك اللقطات الطريفة التي جعلت من اجتماع سياسي عالي المستوى مشهداً يجمع بين الجدية وخفة الظل.

بدلة سوداء تُرضي المنتقدين السابقين

من أبرز محطات اللقاء، لحظة ظهور زيلينسكي مرتدياً سترة وقميصاً أسودين، في تغيير واضح عن مظهره في زيارته السابقة لواشنطن، حين تعرض لانتقادات بسبب عدم ارتدائه بدلة رسمية.

يومها، وجّه المراسل المحافظ برايان غلين، من شبكة «صوت أميركا الحقيقي»، سؤالاً ساخراً إلى الرئيس الأوكراني في المكتب البيضاوي: «أنت في أعلى مكتب بهذا البلد وترفض ارتداء بدلة... هل تمتلك واحدة أصلاً؟». فأجابه زيلينسكي: «سأرتدي بدلة بعد انتهاء الحرب».

لكن في هذه الزيارة، أشاد غلين بمظهر زيلينسكي قائلاً: «تبدو رائعاً في هذه البدلة».

سارع ترمب إلى تأييد المراسل، وقال مبتسماً: «قلت الشيء نفسه... هذا هو الشخص الذي هاجمك في المرة الماضية!».

ضحك زيلينسكي وعلق قائلاً: «أتذكر ذلك»، فيما اعتذر غلين قائلاً: «أعتذر لك، تبدو رائعاً».

لكن زيلينسكي لم يفوّت الفرصة، وردّ ممازحاً: «أنت ما زلت ترتدي البدلة نفسها، أنا تغيرت وأنت لم تتغير».

ميكروفون مفتوح يكشف همسات ترمب وماكرون

لحظة غير مقصودة التُقطت عبر ميكروفون مفتوح كشفت محادثة جانبية بين ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون داخل البيت الأبيض.

وحسب شبكة «سي إن إن»، همس ترمب لماكرون: «أعتقد أن بوتين يريد عقد صفقة معي... هل تفهم؟ يبدو الأمر جنونياً».

كما سُمع وهو يتحدث عن ترتيب اجتماع محتمل بين بوتين وزيلينسكي، وهو ما أكّد لاحقاً أنه يؤمن بإمكانية حدوثه.

11 «شكراً» في 4 دقائق

وفق تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، شكر زيلينسكي ترمب نحو 11 مرة خلال 4 دقائق ونصف فقط من كلمته العلنية. شكر امتد من الترحيب، إلى المحادثة، حتى الخريطة التي أُهديت إليه.

هذا الكم من عبارات الامتنان جذب الانتباه، لا سيما أن زيلينسكي بدا حريصاً على إظهار التقدير الكامل للرئيس الأميركي، في لحظة حساسة.

رسالة إلى ميلانيا... «هذه ليست لك»

في لفتة يبدو أنها نجحت في كسر الجليد، سلّم زيلينسكي لترمب رسالة من زوجته موجَّهة إلى السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب، ممازحاً: «هذه ليست لك».

وأوضح أن زوجته تأثرت برسالة ميلانيا إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، التي كتبت فيها عن معاناة الأطفال المتضررين من الحرب.

زيلينسكي يسلم ترمب رسالة من زوجته إلى ميلانيا خلال اجتماع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

كانت ميلانيا قد نشرت نص رسالتها على حسابها في منصة «إكس»، وجاء فيها:

«كل طفل يحمل في قلبه نفس الأحلام، سواء وُلِد في قرية نائية أو مدينة مزدهرة... يحلمون بالحب والفرص والأمان».

قبعات ترمب... عرض خاص أمام الضيوف

في لقطة أخرى تداولها رواد مواقع التواصل، ظهر ترمب وهو يعرض مجموعة من قبعاته أمام ماكرون وزيلينسكي، من بينها قبعة حمراء تحمل شعار «4 سنوات أخرى»، وهي تعد الدعوة لإعادة انتخاب ترمب لولاية ثالثة مدتها أربع سنوات.

وأخرى كُتب عليها «ترمب 2028»، فيما حملت الثالثة عبارة «ترمب على حق في كل شيء».

اللقطة أثارت موجة من التعليقات الساخرة، واعتُبرت انعكاساً لأسلوب ترمب الذي يجمع بين الاستعراض السياسي والفكاهة المقصودة.


مقالات ذات صلة

حرب تجارية تلوح بالأفق... أوروبا تتأهب للرد على رسوم ترمب

الاقتصاد نموذج مصغر مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لترمب وعلمي الاتحاد الأوروبي وغرينلاند وكلمة «الرسوم الجمركية» (رويترز)

حرب تجارية تلوح بالأفق... أوروبا تتأهب للرد على رسوم ترمب

دخلت العلاقات التاريخية عبر الأطلسي في نفق مظلم هو الأخطر منذ عقود، مع تسارع وتيرة المواجهة بين إدارة الرئيس دونالد ترمب والاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب: حان الوقت لإبعاد «التهديد الروسي» عن غرينلاند

قال الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب إن الدنمرك لم تتمكن من فعل أي شيء ‌لإبعاد "«التهديد ‌الروسي» ⁠عن ​غرينلاند، ‌مضيفا «حان الوقت لذلك الآن وسيتم».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية متظاهرون يشاركون في مسيرة دعماً لاحتجاجات الإيرانيين، في برلين الأحد (أ.ب)

الرئيس الإيراني يحذر من استهداف المرشد

حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس، من استهداف المرشد علي خامنئي، قائلاً إنه سيكون بمثابة إعلان حرب، وذلك غداة قول الرئيس الأميركي دونالد ترمب «الوقت.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
الولايات المتحدة​ عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب) play-circle

الرئيس الإيراني: استهداف خامنئي إعلان «حرب شاملة ضد الشعب»

حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأحد، من أنّ أي هجوم على المرشد علي خامنئي سيكون بمثابة إعلان حرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

ترمب: حان الوقت لإبعاد «التهديد الروسي» عن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: حان الوقت لإبعاد «التهديد الروسي» عن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

قال الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب إن الدنمرك لم تتمكن من فعل أي شيء ‌لإبعاد "«التهديد ‌الروسي» ⁠عن ​غرينلاند، ‌مضيفا «حان الوقت لذلك الآن وسيتم».

أصر ترمب مرارا على أنه ⁠لن يرضى بأقل ‌من ‍ملكية ‍بلاده لغرينلاند، وهي إقليم ‍يتمتع بالحكم الذاتي تابع للدنمرك، في ​حين يصر قادة كل من الدنمرك ⁠وغرينلاند على أن الجزيرة ليست للبيع وليست هناك رغبة في أن تكون جزءا من الولايات ‌المتحدة.


تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
TT

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا، حيث تقوم السلطات الاتحادية بعملية كبيرة لإنفاذ قوانين الهجرة، حسبما قالت مصادر مسؤولة في وزارة الدفاع، الأحد.

وذكرت المصادر التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها أن كتيبتين مشاة من الفرقة 11 المحمولة جواً بالجيش تلقتا أوامر بالاستعداد للانتشار. ويقع مقر الوحدة في ألاسكا، وتتخصص في العمل في ظروف القطب الشمالي، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وقال أحد مسؤولي الدفاع إن القوات مستعدة للانتشار في مينيسوتا في حالة تفعيل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتفعيل قانون التمرد، وهو قانون نادر الاستخدام يعود إلى القرن التاسع عشر، ويسمح له بتوظيف قوات الجيش في إنفاذ القانون.

وتأتي هذه الخطوة بعد أيام فقط من تهديد ترمب بإرسال قوات الجيش إلى مينيسوتا لقمع الاحتجاجات ضد الحملة التي تقوم بها إدارته ضد الهجرة.


القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
TT

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)

لا تزال مقولة الزعيم والمفكر الشيوعي الرحل ليون تروتسكي «إن لم تكن مهتماً بالحرب، فالحرب مهتمة بك»، حيّة وفعّالة في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن الطبيعة البشرية لا تزال كما هي، هذا عدا ديمومة طبيعة الحرب على أنها تُخاض لأهداف سياسية. وعليه، يُمكن قول ما يلي: «إذا لم تكن مهتماً بالجيوسياسة، فالجيوسياسة مهتمة بك».

لكن للاهتمام الجيوسياسي ظروفه الموضوعية؛ وهي، أي الظروف، ليست مُستدامة في الزمان والمكان، لكنها مُتغيّرة وذلك حسب ديناميكيّة اللعبة الجيوسياسيّة التي تُنتجها تركيبة النظام العالمي القائم.

يرتكز القدر الجيوسياسي لدولة ما على الموقع الجغرافيّ، كما على الموارد الطبيعيّة، ودور هذه الموارد في إنتاج الثروة التي ستترجم إلى قوة (Power) بطبيعة الحال، على أن تستعمل هذه القوة لتحقيق الأهداف القوميّة لمن يملكها، إن كان عبر الدبلوماسية أو حتى عبر الحرب.

سوف يستمر القدر الجيوسياسي خلال عام 2026، فالجغرافيا لم تتبدّل، وديناميكيّة الصراع بين القوى العظمى لا تزال في بداياتها، خصوصاً في مجال سلاسل التوريد، والتصنيع، كما الحصول على المواد الأوليّة لصناعات القرن الحادي والعشرين (الأرض النادرة مثلاً). وعليه، سوف تظهر صورة جيوسياسية بنيوية أوليّة لتركيبة النظام العالمي المقبل وعلى 3 مستويات (3 Layers). في المستوى الأول القوى العظمى، وفي المستوى الثاني القوى الإقليمية الكبرى، أما المستوى الثالث فالدول التي يدور فيها وعليها الصراع.

ستعاني القوى من الحجم المتوسطّ (Middle Powers) من حالة اللايقين حول سلوكها في عالم متفلّت من أي ضوابط، لكنها ستعتمد السلوك التالي: تُجرّب تنفيذ الأهداف، وتنتظر ردّة فعل القوى العظمى، وعليه تُعيد حساباتها.

لكن التجربة لهذه القوى من الحجم المتوسّط سوف تكون حتماً في محيطها الجغرافي المُباشر (Near Abroad)، وستسعى هذه الدول أيضاً إلى التموضع الجيوسياسيّ، وبشكل ألا تُغضب أي قوة عظمى، كما ستلعب على تناقضات الصراع الكبير بهدف الاستفادة القصوى. إذا كانت الجغرافية قدرية، فإن القدر الجيوسياسيّ نتيجة حتميّة لهذه الجغرافيا، وإذا كانت الجغرافيا ثابتة بطبيعتها، فإن الجيوسياسة هي تلك الديناميكية، التي تخلقها ظروف معيّنة، وذلك نتيجة التحوّل في موازين القوى العالميّة، إن كان عبر الحرب، أو عبر صعود قوّة عظمى في نظام عالمي قائم، عُدّ على أنه في حالة الستاتيكو. وبذلك يمكن القول إن الديناميكيّة الجيوسياسيّة متغيّرة، في ظل ثبات القدرية الجغرافيّة.

وشكّلت اللعبة الكبرى (Great Game) في القرن التاسع عشر مثالاً حيّاً على القدر الجيوسياسيّ، ففي تلك الفترة (1830-1907)، كانت بريطانيا لا تغيب عن أراضيها الشمس. كما تشكّلت الهند جوهرة التاج للعرش البريطاني، وعندما أرادت روسيا القيصريّة التمدد في آسيا الوسطى لتحقيق أهداف كثيرة، منها الوصول إلى المياه الدافئة، وبسبب عدم الرغبة في الحرب، توصّل الطرفان في عام 1907 إلى اتفاقية أنتجت ولادة أفغانستان التي نعرفها اليوم بوصفها دولة عازلة (Buffer) - قدر أفغانستان.

وخلال الحرب الباردة، كانت باكستان من أهم الدول التي أسهمت في احتواء الاتحاد السوفياتيّ، فهي دولة على الحدود المباشرة لدول آسيا الوسطى، وهي دولة تعدّ قاعدة أميركيّة متقدّمة، يمكن منها التجسس على كل من الصين والاتحاد السوفياتي. وعندما احتلّ السوفيات أفغانستان، لعبت باكستان الدور الأهم في استنزاف الجيش السوفياتي في أفغانستان.

لكن الديناميكية الجيوسياسية تبدّلت بعد سقوط الدب الروسي. تخلّت أميركا عن باكستان، لتعود إليها بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بوصفها ممراً وقاعدة انطلاق للقوات الأميركيّة إلى أفغانستان. لكن بعد اصطفاف باكستان إلى جانب الصين، خصوصاً في مشروع الرئيس الصينيّ «الحزام والطريق»، يحاول الرئيس دونالد ترمب حالياً استمالة القيادات الباكستانيّة عندما قال: «أنا أحب باكستان».

تطل الولايات المتحدة على محيطين (2-Ocean Country)، الأطلسي والهادئ، وهو ما أعطاها بحريّة قوية، وأمّن لها عازلاً جغرافياً مهماً.

إذن القدرية الجغرافيّة، تمتزج مباشرة مع القدريّة الجيوسياسيّة للعم سام.

في المقابل، تطلّ الصين على المحيط الهادئ والبحار المجاورة، غير أن حريتها البحرية تبقى محدودة بفعل الهيمنة البحرية الأميركية. وبما أن الصين تعتمد على الملاحة البحرية بأكثر من 90 في المائة من تجارتها، سواء في التصدير أو الاستيراد، فإنها تسعى حالياً إلى الالتفاف على الممرات البحرية الخانقة، مثل مضيق ملقا، عبر إنشاء طرق بديلة، بحرية وبرية، في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

لكن السؤال يبقى في كيفيّة تجاوز عقدة مضيق ملقا؟ هنا تتدخّل القدريّة الجغرافيّة إلى جانب القدريّة الجيوسياسيّة لتكون ميانمار الخيار الصينيّ الأهم. لكن لماذا؟ يبلغ طول الحدود المشتركة بين الصين وميانمار نحو 2185 كيلومتراً. كذلك الأمر، يوجد في جنوب الصين أهم المدن الصناعية الصينيّة، مثل غوانغجو وشينزين، وكذلك مدينة كامينغ عاصمة مقاطعة يونان. وإذا ما استطاعت الصين تأمين ممرٍّ عبر ميانمار إلى المحيط الهندي، فإنها تكون قد حققت جملة من الأهداف الجيوسياسية، أبرزها: تجاوز عقدة مضيق ملقا، والالتفاف على الهيمنة البحرية الأميركية في محيطها المباشر، وتأمين خطّ بري-بحريّ يسهّل عمليتَي التصدير والاستيراد؛ حيث تدخل مباشرة إلى المحيط الهندي عبر خليج البنغال، والذي من المفترض أن يكون تحت الهيمنة الهنديّة. هي تطوّق الهند من الشرق، خصوصاً أن علاقة الهند ببنغلاديش ليست جيّدة. وأخيراً وليس آخراً، تصبح الصين دولة تطلّ بطريقة غير مباشرة على محيطين، الهادئ والهنديّ، كما حال غريمها الأساسيّ الولايات المتحدة الأميركيّة.

في الختام، يمكن القول إن عالم اليوم يعيش حالة اللاتوازن، وذلك في ظل غياب الشرطي العالمي، وتراجع دور المنظمات الدوليّة. وعليه، بدأ تشكّل ديناميكيّات جيوسياسيّة جديدة وسريعة. ألا يمكن تصنيف الاعتراف الإسرائيلي مؤخراً بدولة أرض الصومال من ضمن هذه الديناميكيّات؟