«بدأت اللعبة»... كيف تتابع واشنطن التصعيد العسكري الإسرائيلي - الإيراني؟

«الشرق الأوسط» تستعرض تباين مواقف مسؤولين حاليين وسابقين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد اجتماع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد اجتماع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
TT

«بدأت اللعبة»... كيف تتابع واشنطن التصعيد العسكري الإسرائيلي - الإيراني؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد اجتماع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد اجتماع في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

«بدأت اللعبة»... بهذه الكلمات، علّق السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام على الضربات الإسرائيلية ضدّ إيران، متصدّراً بذلك سلسلة تصريحات جمهورية داعمة لإسرائيل، وتلوحّ بـ«رد أميركي ساحق» على البنى التحتية النفطية لطهران في حال قررت مهاجمة المصالح الأميركية.

ويعكس ردّ فعل غراهام موقف غالبية زملائه الجمهوريين، ولا سيّما بعد تعبيرهم عن مخاوف حقيقية من المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران، واحتمال احتفاظ الأخيرة بحق التخصيب.

ولم يُخفِ السيناتور جيم ريش ارتياحه للضربات الإسرائيلية؛ إذ قال في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» إن «إيران كانت شوكة في خاصرة الشرق الأوسط لسنوات».

السيناتور الجمهوري جيم ريش (رويترز)

وأضاف السيناتور، الذي يرأس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، أن «إسرائيل اتّخذت، الليلة الماضية، إجراءً حاسماً للدفاع عن نفسها ضد العدوان المستمر من قبل النظام الإيراني». وتابع: «لقد كنت على اتصال وثيق مع إدارة ترمب بشأن هذه الضربات، ولديّ أقصى درجات الثقة بأنه سيضمن حماية المصالح الأميركية في الأيام والأسابيع المقبلة.

لكن زميلته، كبيرة الديمقراطيين في اللجنة، جين شاهين تعارضه الرأي، وتُحذّر من أن الضربات الإسرائيلية تُمثّل تصعيداً مقلقاً للغاية، وأنها تُعرّض المفاوضات النووية والأميركيين في المنطقة للخطر. وفي مفارقة لافتة، دعم الديمقراطيون جهود ترمب في الحرص على فصل المسارين الإسرائيلي والأميركي في هذا الإطار، فقالت شاهين: «أنا أتفق مع الرئيس ترمب في إبعاد الولايات المتحدة عن تصرفات إسرائيل، لكن من غير المرجح أن تميز إيران ووكلاؤها بينهما. هذه لحظة خطيرة للمنطقة والعالم. يجب على إدارة ترمب التحرك بسرعة لتهدئة الوضع».

دعم جمهوري؟

وتقول دانا ستراول، نائبة وزير الدفاع لشؤون الشرق الأوسط سابقاً، إنه ورغم وجود «بعض الارتباك في الرسائل الواردة من واشنطن»، فإن الجيش الأميركي سيدعم الدفاع عن إسرائيل إذا حاولت إيران الرد».

نتنياهو وترمب ونائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وخلفه يبدو ويتكوف خلال اجتماع ثنائي في المكتب البيضاوي فبراير الماضي (غيتي)

وأضافت ستراول في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» أن «قرارات ترمب في الأيام المقبلة ستختبر بالتأكيد تحالفه الواسع. فهناك أصوات تدعو ضد المزيد من التورط العسكري في الشرق الأوسط. هو قال إن إيران لا يمكن أن يكون لها برنامج تخصيب محلي، وهناك تحرك في الكونغرس لدعم هذا الموقف. وقد وصلت المفاوضات النووية إلى طريق مسدود مع عدم تغيير إيران لموقفها بضرورة الاحتفاظ بقدرة التخصيب. ويبدو أن ترمب كان مرتاحاً لكسر الإسرائيليين الجمود».

من ناحيته، يشدد غابرييل نورونا، المستشار الخاص السابق لوزير الخارجية السابق مايك بومبيو، على وجود دعم واسع من الحزبين لإصرار الرئيس الأميركي على عدم استمرار إيران بالتخصيب. وقال نورونا لـ«الشرق الأوسط»: «سيكون هناك عدد قليل من أعضاء مجلس النواب الذين لا يوافقون، لكن هؤلاء قلّة مقارنة بالغالبية العظمى من الجمهوريين الذين يدعمون إسرائيل بقوة».

رئيس مجلس النواب مايك جونسون في مؤتمر صحافي في 10 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

من جانبه، يتحدّث الخبير الاستراتيجي الديمقراطي، آري أراميش، عن اختلاف الآراء بين «صقور» الجمهوريين وترمب في هذه المسألة. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أعضاء الكونغرس، و«خاصة أعضاء مجلس الشيوخ مثل ليندسي غراهام وتوم كوتون، من الجناح المتشدد للحزب الجمهوري، كانوا معارضين إلى حد ما للمفاوضات المستمرة بين ترمب ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف من جهة، وإيران من جهة أخرى. لكنهم لم يرغبوا في التدخل أو تقويض الرئيس، لأنه رئيسهم». وأضاف: «إنه رئيس حزبهم، لكن من الواضح أنهم كانوا غير راضين».

من ناحيته، يُرجّح جايسون برودسكي، مدير السياسات في منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، دخول الولايات المتحدة في النزاع، «خاصة في ظل تقارير تشير إلى انسحاب الإيرانيين من المفاوضات النووية». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذا يزيد من احتمالية اتخاذنا إجراءات مباشرة ضد المواقع النووية في إيران. أعتقد أن الجمهوريين سيدعمون ذلك. أعتقد أيضاً أن الديمقراطيين المؤيدين لإسرائيل من المحتمل أن يدعموه. ربما يكون هناك بعض العناصر الأكثر ليبرالية، بين العناصر التقدمية في الحزب الديمقراطي، الذين سيعارضون ذلك. لكن معظم أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين سيدعمونه، والوضع هو نفسه في مجلس النواب».

فريق ترمب «غير مكتمل»

وفي خضمّ التصعيد السريع في الشرق الأوسط، أعرب مشرّعون عن قلقهم من تأخّر اكتمال فريق ترمب في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية للتعاطي مع أزمات من هذا النوع، في ظل غياب تعيينات رئاسية وبطء المصادقة على بعض التعيينات في مجلس الشيوخ.

ترمب وروبيو وجي دي فانس في البيت الأبيض في 5 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

وتشارك هولي داغرس، كبيرة الباحثين في معهد الشرق الأدنى، هذا القلق. وقالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «ما يقلقني بشأن (عدم اكتمال) مجلس الأمن القومي وشغور المناصب الرئيسية في وزارة الخارجية في إدارة ترمب، هو أن هناك خطراً متزايداً من تصعيد كبير بين إيران وإسرائيل. بعض الأعضاء المؤقتين (الحاليين) هم جدد في الملف الإيراني، والعديد منهم يديرون ملفات متعددة في آن واحد. هذا النقص في الخبرة بمجال إيران يزيد من احتمالات الخطأ في الحسابات عند تحديد الخطوات التالية».

ويخُصّ أرامش بالذكر مايك والتز، مستشار الأمن القومي السابق، ويُذكّر بقرار إقالته من منصبه، قائلاً: «ما كان السبب؟ السبب هو أنه كان يعمل ويتبادل المعلومات الاستخباراتية وينسق مع الإسرائيليين حول هجوم محتمل. نحن نعلم أنه يأتي من جناح أكثر تشدداً في الحزب الجمهوري. كان دائماً يتخذ موقفاً أكثر صرامة تجاه إيران، وكان مؤيداً جداً لإسرائيل. كان ينسق بين المؤسسة الأمنية الأميركية والإسرائيليين، وهذا شيء لم يرغب فيه الجناح الأكثر انعزالية في الحزب، مثل نائب ترمب، جي دي فانس، ومديرة الاستخبارات الوطنية تلسي غابارد».

ترمب وروبيو في نيوجرسي في 8 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

ورغم أن أرامش أعرب عن قلقه العميق من وجود الكثير من الوظائف الشاغرة في المناصب الرئيسية في الإدارة، لكنه اعتبر أن «الأسوأ من ذلك هو وجود الكثير من الأشخاص غير الأكفاء في مناصب مهمة». وخصّ بالذكر وزير الدفاع بيت هيغسيث وغابارد، على خلاف روبيو الذي يعدّه مؤهلاً للتعاطي مع الأزمة، لكنه «يُسحب في أربعة اتجاهات مختلفة بوصفه مستشاراً للأمن القومي، ووزير الخارجية، بالإضافة إلى أدواره الأخرى».

ويوافق نورونا، الذي عمل مع بومبيو والمبعوث الخاص السابق لإيران براين هوك، على أهمية وجود فريق كامل في إدارة ترمب للتعامل مع الأزمة. وأوضح: «أعتقد بالتأكيد أنه من المهم أن يكون لدينا أشخاص يفهمون الطبيعة الحقيقية للتهديد الإيراني. وأعتقد في النهاية أن بقية الوزراء سيتعين عليهم الانصياع لما يريده الرئيس ترمب. يبدو أنه كان بصراحة أكثر تشدداً مما توقعه آخرون بشأن إيران».

ويخفف برودسكي من أهمية غياب وجوه بارزة في فريق ترمب لمعالجة هذه الأزمة، مشدداً على أن الرئيس هو من يتخذ القرارات. وأضاف: «لا أعتقد أن نقص الأشخاص في وزارة الخارجية، أو في بعض المناصب، له تأثير حقيقي. فقد تمّ تضخيم الانقسامات بشكل مفرط. ورغم وجود اختلافات صادقة في الرأي، ففي نهاية المطاف سيكون القرار بيد الرئيس وسيصطف الجميع وراءه».

نقطة شكّك فيها أرامش، الذي اعتبر أن «ترمب تورط في لعبة لم يبداها، لكنه مضطر للعبها». ويفسر: «أجبره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على ذلك. لا يمكن للولايات المتحدة ألا تدعم إسرائيل، ولا يمكنها ألا ترد إذا هاجم الإيرانيون مصالحنا والأصول الأميركية، ليس فقط في المنطقة، ولكن في أي مكان في العالم».


مقالات ذات صلة

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

الولايات المتحدة​ عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب) play-circle

الرئيس الإيراني: استهداف خامنئي إعلان «حرب شاملة ضد الشعب»

حذّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأحد، من أنّ أي هجوم على المرشد علي خامنئي سيكون بمثابة إعلان حرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
تحليل إخباري الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي خلال مؤتمر السلام حول غزة الذي عُقد في شرم الشيخ المصرية في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري تحسن متواصل في العلاقات المصرية - الأميركية... و«تقدير متبادل» بين السيسي وترمب

أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكثر من مناسبة تقديراً ملحوظاً للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كان أحدثها إشادته به في خطاب رسمي.

هشام المياني (القاهرة)
شؤون إقليمية صورة جماعية للمشاركين في قمة شرم الشيخ للإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

مسؤولون أميركيون لنتنياهو: لا مجال للاعتراض على هيئات ومجالس غزة

أعربت مصادر سياسية أميركية عن استغرابها من موقف الحكومة الإسرائيلية من تشكيلة «مجلس السلام» بقيادة ترمب، موضحة أن «واشنطن أبلغت نتنياهو بأنه لا مجال للاعتراض».

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية الشرطة تطلق الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة مناهضة للحكومة في طهران الخميس الماضي (أ.ب) play-circle

طهران تنفي رواية واشنطن بشأن «800 إعدام»

نفت إيران تنفيذ أو التحضير لنحو 800 حكم إعدام بحق محتجين، فيما قالت مصادر أميركية إن وزير الخارجية الإيراني نقل المعلومة لمبعوث ترمب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
TT

تقارير: قوات من الجيش الأميركي تستعد للانتشار في مينيسوتا

عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)
عناصر من هيئة الهجرة والجمارك الأميركية وضباط شرطة خلال تنفيذ غارات للبحث عن مهاجرين في ولاية مينيسوتا (رويترز)

أمرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بوضع نحو 1500 جندي نشط على أهبة الاستعداد تحسباً لإمكانية إرسالهم إلى ولاية مينيسوتا، حيث تقوم السلطات الاتحادية بعملية كبيرة لإنفاذ قوانين الهجرة، حسبما قالت مصادر مسؤولة في وزارة الدفاع، الأحد.

وذكرت المصادر التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها أن كتيبتين مشاة من الفرقة 11 المحمولة جواً بالجيش تلقتا أوامر بالاستعداد للانتشار. ويقع مقر الوحدة في ألاسكا، وتتخصص في العمل في ظروف القطب الشمالي، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».

وقال أحد مسؤولي الدفاع إن القوات مستعدة للانتشار في مينيسوتا في حالة تفعيل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتفعيل قانون التمرد، وهو قانون نادر الاستخدام يعود إلى القرن التاسع عشر، ويسمح له بتوظيف قوات الجيش في إنفاذ القانون.

وتأتي هذه الخطوة بعد أيام فقط من تهديد ترمب بإرسال قوات الجيش إلى مينيسوتا لقمع الاحتجاجات ضد الحملة التي تقوم بها إدارته ضد الهجرة.


القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
TT

القدَر الجيوسياسي لدول عالم اليوم

جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)
جنود تابعون لجيش الاحتياط الأميركي خلال تدريبات في بورتوريكو في العاشر من يناير (رويترز)

لا تزال مقولة الزعيم والمفكر الشيوعي الرحل ليون تروتسكي «إن لم تكن مهتماً بالحرب، فالحرب مهتمة بك»، حيّة وفعّالة في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن الطبيعة البشرية لا تزال كما هي، هذا عدا ديمومة طبيعة الحرب على أنها تُخاض لأهداف سياسية. وعليه، يُمكن قول ما يلي: «إذا لم تكن مهتماً بالجيوسياسة، فالجيوسياسة مهتمة بك».

لكن للاهتمام الجيوسياسي ظروفه الموضوعية؛ وهي، أي الظروف، ليست مُستدامة في الزمان والمكان، لكنها مُتغيّرة وذلك حسب ديناميكيّة اللعبة الجيوسياسيّة التي تُنتجها تركيبة النظام العالمي القائم.

يرتكز القدر الجيوسياسي لدولة ما على الموقع الجغرافيّ، كما على الموارد الطبيعيّة، ودور هذه الموارد في إنتاج الثروة التي ستترجم إلى قوة (Power) بطبيعة الحال، على أن تستعمل هذه القوة لتحقيق الأهداف القوميّة لمن يملكها، إن كان عبر الدبلوماسية أو حتى عبر الحرب.

سوف يستمر القدر الجيوسياسي خلال عام 2026، فالجغرافيا لم تتبدّل، وديناميكيّة الصراع بين القوى العظمى لا تزال في بداياتها، خصوصاً في مجال سلاسل التوريد، والتصنيع، كما الحصول على المواد الأوليّة لصناعات القرن الحادي والعشرين (الأرض النادرة مثلاً). وعليه، سوف تظهر صورة جيوسياسية بنيوية أوليّة لتركيبة النظام العالمي المقبل وعلى 3 مستويات (3 Layers). في المستوى الأول القوى العظمى، وفي المستوى الثاني القوى الإقليمية الكبرى، أما المستوى الثالث فالدول التي يدور فيها وعليها الصراع.

ستعاني القوى من الحجم المتوسطّ (Middle Powers) من حالة اللايقين حول سلوكها في عالم متفلّت من أي ضوابط، لكنها ستعتمد السلوك التالي: تُجرّب تنفيذ الأهداف، وتنتظر ردّة فعل القوى العظمى، وعليه تُعيد حساباتها.

لكن التجربة لهذه القوى من الحجم المتوسّط سوف تكون حتماً في محيطها الجغرافي المُباشر (Near Abroad)، وستسعى هذه الدول أيضاً إلى التموضع الجيوسياسيّ، وبشكل ألا تُغضب أي قوة عظمى، كما ستلعب على تناقضات الصراع الكبير بهدف الاستفادة القصوى. إذا كانت الجغرافية قدرية، فإن القدر الجيوسياسيّ نتيجة حتميّة لهذه الجغرافيا، وإذا كانت الجغرافيا ثابتة بطبيعتها، فإن الجيوسياسة هي تلك الديناميكية، التي تخلقها ظروف معيّنة، وذلك نتيجة التحوّل في موازين القوى العالميّة، إن كان عبر الحرب، أو عبر صعود قوّة عظمى في نظام عالمي قائم، عُدّ على أنه في حالة الستاتيكو. وبذلك يمكن القول إن الديناميكيّة الجيوسياسيّة متغيّرة، في ظل ثبات القدرية الجغرافيّة.

وشكّلت اللعبة الكبرى (Great Game) في القرن التاسع عشر مثالاً حيّاً على القدر الجيوسياسيّ، ففي تلك الفترة (1830-1907)، كانت بريطانيا لا تغيب عن أراضيها الشمس. كما تشكّلت الهند جوهرة التاج للعرش البريطاني، وعندما أرادت روسيا القيصريّة التمدد في آسيا الوسطى لتحقيق أهداف كثيرة، منها الوصول إلى المياه الدافئة، وبسبب عدم الرغبة في الحرب، توصّل الطرفان في عام 1907 إلى اتفاقية أنتجت ولادة أفغانستان التي نعرفها اليوم بوصفها دولة عازلة (Buffer) - قدر أفغانستان.

وخلال الحرب الباردة، كانت باكستان من أهم الدول التي أسهمت في احتواء الاتحاد السوفياتيّ، فهي دولة على الحدود المباشرة لدول آسيا الوسطى، وهي دولة تعدّ قاعدة أميركيّة متقدّمة، يمكن منها التجسس على كل من الصين والاتحاد السوفياتي. وعندما احتلّ السوفيات أفغانستان، لعبت باكستان الدور الأهم في استنزاف الجيش السوفياتي في أفغانستان.

لكن الديناميكية الجيوسياسية تبدّلت بعد سقوط الدب الروسي. تخلّت أميركا عن باكستان، لتعود إليها بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بوصفها ممراً وقاعدة انطلاق للقوات الأميركيّة إلى أفغانستان. لكن بعد اصطفاف باكستان إلى جانب الصين، خصوصاً في مشروع الرئيس الصينيّ «الحزام والطريق»، يحاول الرئيس دونالد ترمب حالياً استمالة القيادات الباكستانيّة عندما قال: «أنا أحب باكستان».

تطل الولايات المتحدة على محيطين (2-Ocean Country)، الأطلسي والهادئ، وهو ما أعطاها بحريّة قوية، وأمّن لها عازلاً جغرافياً مهماً.

إذن القدرية الجغرافيّة، تمتزج مباشرة مع القدريّة الجيوسياسيّة للعم سام.

في المقابل، تطلّ الصين على المحيط الهادئ والبحار المجاورة، غير أن حريتها البحرية تبقى محدودة بفعل الهيمنة البحرية الأميركية. وبما أن الصين تعتمد على الملاحة البحرية بأكثر من 90 في المائة من تجارتها، سواء في التصدير أو الاستيراد، فإنها تسعى حالياً إلى الالتفاف على الممرات البحرية الخانقة، مثل مضيق ملقا، عبر إنشاء طرق بديلة، بحرية وبرية، في إطار مبادرة «الحزام والطريق».

لكن السؤال يبقى في كيفيّة تجاوز عقدة مضيق ملقا؟ هنا تتدخّل القدريّة الجغرافيّة إلى جانب القدريّة الجيوسياسيّة لتكون ميانمار الخيار الصينيّ الأهم. لكن لماذا؟ يبلغ طول الحدود المشتركة بين الصين وميانمار نحو 2185 كيلومتراً. كذلك الأمر، يوجد في جنوب الصين أهم المدن الصناعية الصينيّة، مثل غوانغجو وشينزين، وكذلك مدينة كامينغ عاصمة مقاطعة يونان. وإذا ما استطاعت الصين تأمين ممرٍّ عبر ميانمار إلى المحيط الهندي، فإنها تكون قد حققت جملة من الأهداف الجيوسياسية، أبرزها: تجاوز عقدة مضيق ملقا، والالتفاف على الهيمنة البحرية الأميركية في محيطها المباشر، وتأمين خطّ بري-بحريّ يسهّل عمليتَي التصدير والاستيراد؛ حيث تدخل مباشرة إلى المحيط الهندي عبر خليج البنغال، والذي من المفترض أن يكون تحت الهيمنة الهنديّة. هي تطوّق الهند من الشرق، خصوصاً أن علاقة الهند ببنغلاديش ليست جيّدة. وأخيراً وليس آخراً، تصبح الصين دولة تطلّ بطريقة غير مباشرة على محيطين، الهادئ والهنديّ، كما حال غريمها الأساسيّ الولايات المتحدة الأميركيّة.

في الختام، يمكن القول إن عالم اليوم يعيش حالة اللاتوازن، وذلك في ظل غياب الشرطي العالمي، وتراجع دور المنظمات الدوليّة. وعليه، بدأ تشكّل ديناميكيّات جيوسياسيّة جديدة وسريعة. ألا يمكن تصنيف الاعتراف الإسرائيلي مؤخراً بدولة أرض الصومال من ضمن هذه الديناميكيّات؟


وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
TT

وزير الخزانة الأميركي: ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في البيت الأبيض (رويترز)

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، اليوم الأحد، إن الرئيس دونالد ترمب له نظرة استراتيجية تجاه غرينلاند، مؤكداً: «وسنظل جزءاً من حلف (الناتو)».

وأضاف بيسنت، لموقع «إن بي سي»، «غرينلاند ضرورية للأمن القومي الأميركي، ويجب أن نسيطر عليها».

وأشار وزير الخزانة الأميركي إلى أن الاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي لم يدخل حيز التنفيذ، مضيفاً: «وترمب لديه صلاحيات (طارئة) لفرض رسوم جمركية».

وتعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.

عاجل السنغال تحرز لقب كأس أمم أفريقيا لكرة القدم بفوزها 1-صفر على المغرب