لماذا تراجع إيلون ماسك عن العمل السياسي... وماذا سيفعل بعد ذلك؟

إيلون ماسك في واشنطن العاصمة (رويترز)
إيلون ماسك في واشنطن العاصمة (رويترز)
TT

لماذا تراجع إيلون ماسك عن العمل السياسي... وماذا سيفعل بعد ذلك؟

إيلون ماسك في واشنطن العاصمة (رويترز)
إيلون ماسك في واشنطن العاصمة (رويترز)

أثار الملياردير الأميركي إيلون ماسك التساؤلات بشأن إعلانه مؤخراً أنه سينفق «أقل بكثير» على الحملات السياسية ما لم يرَ «سبباً» لذلك في المستقبل.

وكشف شخصان مطلعان على تفكير ماسك في الأشهر الأخيرة، تحدثا بشرط عدم الكشف عن هويتهما، لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، عن أن السياسة كانت موضوعاً أساسياً لماسك خلال معظم العام الماضي، لكن هوسه تلاشى ليتحول إلى خيبة أمل بسبب التكاليف الشخصية والصعوبات في تحقيق النتائج.

وأضافا أن ماسك أصبح أيضاً قلقاً للغاية على سلامته الشخصية وسلامة عائلته، كما أنه لم يتوقع مستوى ردود الفعل العنيفة ضده شخصياً أو ضد شركاته، بما في ذلك حوادث العنف في منشآت شركة «تسلا» لصناعة السيارات، إلى جانب هذا هناك رغبة في تجديد مشاركته في شركتيه الرئيسيتين، «تسلا» و«سبيس إكس».

إيلون ماسك (رويترز)

ولفتت الصحيفة إلى أنه قبل نحو عام، استدعى إيلون ماسك سراً مجموعة من الاستراتيجيين الجمهوريين والمقربين منه إلى شقته بمدينة أوستن، وأخبرهم أن انتخاب دونالد ترمب أمرٌ أساسي لمستقبل أميركا، وأنه مستعد لفعل أي شيء ودفع أي مبلغ لذلك.

ولقد فعل الكثير، حيث أنشأ إدارة كفاءة الحكومة لتنظيم عمليات تسريح واسعة النطاق وتخفيضات في الميزانية، وأنفق الكثير، حيث ضخّ ما لا يقل عن 288 مليون دولار في الانتخابات الرئاسية 2024.

ومؤخراً قال ماسك خلال مقابلة في منتدى قطر الاقتصادي إنه سينفق «أقل بكثير» على الحملات ما لم يرَ «سبباً» لذلك في المستقبل.

وفي حديث خاص، قال أحد الأشخاص إن ماسك يشعر بخيبة أمل من تأثير أمواله على النظام السياسي، ويفضل إنفاق وقته وثروته في مكان آخر.

وقال الملياردير إن اهتمامه مطلوب في شركتي «تسلا» و«سبيس إكس»، وهما الشركتان اللتان بنتا سمعته كمبتكر تكنولوجي، حيث يشغل منصب الرئيس التنفيذي.

وكلتا الشركتين في منعطفات حرجة: تخطط شركة صناعة السيارات الكهربائية لطرح سيارة ذاتية القيادة بالكامل في يونيو (حزيران)، ومن المتوقع أن تطلق شركة الصواريخ صاروخ ستارشيب من الجيل التالي الأسبوع المقبل.

ويهدف ماسك أيضاً إلى إرسال أسطول من مركبات ستارشيب إلى المريخ في عام 2026، وهي خطوة حاسمة في تحقيق هدفه الذي دام عقوداً؛ وهو وضع البشر على الكوكب الأحمر.

وفي الوقت نفسه، تبدو عوائد مشاركته المكثفة في واشنطن غير مؤكدة في أحسن الأحوال، فقد حددت وزارة كفاءة الحكومة التابعة له هدفاً لتوفير 2 تريليون دولار من ميزانية الولايات المتحدة؛ تقديراته الأخيرة، البالغة 160 مليار دولار للسنة المالية 2026، متواضعة وغير دقيقة.

كما أنها تتضاءل مقارنةً بمشروع القانون الذي يشمل أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتعلقة بالضرائب والهجرة، والذي أقره مجلس النواب صباح الخميس.

ويقدر مكتب الميزانية في الكونغرس أن هذا سيضيف 2.4 تريليون دولار على مدى عشر سنوات إلى الدين الوطني.

وقال الشخص الذي تحدّث إلى الملياردير في الأشهر الأخيرة: «لم تعد السياسة الحزبية نشاطاً ذا ثقل كبير. الآن وقد كسبنا بعض الوقت، فلنعد إلى التفكير في المريخ».

ووفق لمصدر، لم يتوقع ماسك قط أن تكون مشاركته السياسية سهلة، فخلال الاجتماع الذي عُقد في أوستن العام الماضي، أقر بالمخاطر الشخصية والمالية التي يتحملها بدعمه مرشحاً عارضته قاعدة عملائه الديمقراطية الكبيرة، لكنه كان ثابتاً في التزامه، مُعلناً أن دعمه لترمب ينبع من مُثُل «فلسفية» حول الهجرة والجريمة والتعديل الأول للدستور، وليس من مصلحته الشخصية.

ومع ذلك، بذل قصارى جهده، فقد أصبح ماسك متبرعاً غزير التبرعات خلال انتخابات 2024 لدرجة أنه أُشير إليه في بعض الأوساط الجمهورية باسم «سوروس اليمين» - في إشارة إلى الملياردير الليبرالي جورج سوروس.

وصرح ماسك سابقاً بأن لجنته «أميركا باك» ستكون «منخرطة بقوة» في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، وستُدلي بدلوها أيضاً في انتخابات المدعين العامين المحليين في جميع أنحاء البلاد.

إيلون ماسك

وفي الأسابيع القليلة الماضية فقط، ناقشت اللجنة خططاً أولية لانتخابات التجديد النصفي لولايات محددة، وفقاً لشخص مطلع على اللجنة تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لوصف محادثات خاصة.

وقال شخص ثانٍ مطلع على اللجنة: «في حين أن مساهمة ماسك المُخفّضة قد يكون لها تأثير كبير، فإن تعليقاته هذا الأسبوع أرسلت رسالة مفادها أن صنبور المال مغلق».

وما لم يتوقعه ماسك هو شدة ردود الفعل السلبية تجاه دوره في السياسة خلال العام الماضي، بعدما أثارت جهوده التي أدت إلى تسريحاتٍ هائلة في الحكومة الفيدرالية، احتجاجاتٍ عالميةً في مقرات «تسلا» ومعارضها حول العالم، وفي بعض الحالات، أعمال عنفٍ شملت التخريب وإلقاء زجاجات المولوتوف وإطلاق النار.

في الشهر الماضي، أعلنت «تسلا» عن انخفاضٍ بنسبة 71 في المائة في الأرباح وانخفاضٍ مزدوج الرقم في المبيعات في الربع الأول من العام، مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي.

وهناك عامل آخر: تراجعت شعبية ماسك، وفقاً لاستطلاع رأيٍ نُشر الشهر الماضي، حيث وجد أن 35 في المائة من الأميركيين يوافقون على طريقة تعامل ماسك مع منصبه في إدارة ترمب، بينما رفضه 57 في المائة.

وربما يكون هذا الرفض قد ساهم في خسارةٍ فادحةٍ أمام المحكمة العليا في ويسكونسن الشهر الماضي، حيث وضع ماسك نفسه في المقدمة وأنفقت الجماعات المرتبطة به ما لا يقل عن 50 مليون دولار لدعم المرشح المحافظ براد شيميل، ولكن انتهى الأمر بخسارة شيميل بفارق 10 نقاط أمام سوزان كروفورد المدعومة من الديمقراطيين.

ودفعت هذه النتيجة بعض الجمهوريين إلى التساؤل عما إذا كان تدخل ماسك قد أضرّ أكثر مما نفع، ومن المرجح أن يكون قد ساهم في قراره بالانسحاب.

وقال كريستوفر نيكولاس، مستشار جمهوري في بنسلفانيا، الولاية المتأرجحة التي خاض فيها ماسك حملة مكثفة لصالح ترمب العام الماضي: «أحياناً، يُنهك المرء ويحتاج إلى إعادة شحن طاقته».

ويتمثل جزء كبير من تركيز ماسك الجديد في العودة إلى «تسلا»، التي قال إن مستقبلها «بشكل ساحق، هو القيادة الذاتية».

وهذا ما يجعل هذا العام محورياً للشركة، كما قال الرئيس التنفيذي، حيث تستعد لإطلاق مركبة ذاتية القيادة في يونيو في أوستن.

ويركز ماسك أيضاً على سيارة سايبركاب، وهي مركبة كُشف عنها العام الماضي من دون عجلة قيادة ودواسات، وصفها ماسك بأنها سيارة فاخرة بـ30 ألف دولار، وقال إنها ستُطرح في وقت ما خلال السنوات القليلة المقبلة.

وفي إشارة محتملة إلى أن التدقيق على «تسلا» قد يستمر على الرغم من تدخل ماسك المكثف في الحكومة الفيدرالية، أرسلت الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة خطاب استفسار إلى «تسلا» هذا الشهر «لفهم كيف تخطط (تسلا) لتقييم مركباتها وتقنيات القيادة لاستخدامها على الطرق العامة».

وفي غضون ذلك، شعر بعض موظفيه بالإحباط من سيل الجدل الذي أثارته سياسات ماسك على الشركة، مما أدى إلى نفورهم من الرئيس التنفيذي.

وقال ماثيو لابروت، مدير برنامج الموظفين السابق الذي طُرد لإنشائه موقعاً إلكترونياً الشهر الماضي يدعو ماسك إلى التنحي، إن مشاكل «تسلا» نُسبت زوراً إلى غيابه، وأضاف أن سمعته الملطخة هي التي تُلحق الضرر بالشركة وتُضعف المبيعات.

وأشار لابروت إلى أن «المشكلة تكمن في عدم اهتمامه بـ(تسلا)، لكننا لم نكن السبب. نحن نُكافح الهدر الذي يُلقيه علينا».

وفي الوقت الذي تُعاني فيه «تسلا»، يتوق ماسك أيضاً إلى إعادة اهتمامه بـ«سبيس إكس»، وفقاً لأشخاص مقربين منه.

وتتعرض «سبيس إكس» الآن لضغوط من وكالة «ناسا» في سعيها لإعادة رواد الفضاء إلى القمر، قبل أن ترسل الصين بعضاً منهم إلى هناك.

تستثمر وكالة الفضاء نحو 4 مليارات دولار في مركبة ستارشيب، التي ستنقل رواد الفضاء من وإلى سطح القمر، ولكن قبل ذلك، لا تزال «سبيس إكس» بحاجة إلى تحقيق سلسلة من الإنجازات التي تزداد صعوبة، بما في ذلك إطلاق المركبة الفضائية بأمان في مدار الأرض.

ولطالما كان هدف ماسك الرئيسي هو الوصول إلى وجهة أكثر صعوبة: المريخ.

وقد صرّح بأنه يرغب في إرسال أسطول من مركبات ستارشيب إلى الكوكب الأحمر في عام 2026، في المرة القادمة التي تقترب فيها الأرض والمريخ بما يكفي.

ويقول مقربون من ماسك إن تحقيق هذا الهدف هو أحد الأسباب الرئيسية التي جعلته حريصاً على العودة إلى «سبيس إكس» للإشراف على تطوير ستارشيب، ولضمان استمرار الشركة في العمل بوتيرة سريعة لطالما ميّزتها.

مع تركيز ماسك على المريخ والسيارات، قد يُمثّل تراجعه عن الإنفاق السياسي خسارة كبيرة للحزب الجمهوري.

وقد بذلت لجنة العمل السياسي الأميركية (أميركا باك) جهداً حاسماً لحشد الأصوات في المرحلة الأخيرة من الحملة، حيث نشرت آلافاً من الناشطين في الولايات المتأرجحة؛ دعماً لترمب ومرشحي الحزب الجمهوري الآخرين.

وقال أحد الأشخاص المطلعين على لجنة العمل السياسي: «كان الافتراض أن ماسك سيُعيد فرض سيطرته على الساحة السياسية للحزب الجمهوري خلال انتخابات التجديد النصفي وحتى عام 2028. لذا، إذا انسحب تماماً، فسيؤدي ذلك إلى صراع حول من سيحشد الناخبين في جميع أنحاء البلاد».


مقالات ذات صلة

ماسك: «سبيس إكس» تسعى لإنقاذ البشرية من الانقراض

يوميات الشرق الملياردير الأميركي إيلون ماسك (أ.ف.ب) p-circle

ماسك: «سبيس إكس» تسعى لإنقاذ البشرية من الانقراض

تطرح شركة «سبيس إكس»، المملوكة لرجل الأعمال إيلون ماسك، تصوراً طموحاً يقوم على ضمان بقاء البشرية عبر التوسع إلى كواكب أخرى.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الملياردير الأميركي إيلون ماسك (رويترز) p-circle

خطوة واحدة تفصل ماسك عن لقب «أول تريليونير»

كشفت شركة «سبيس إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، عن خططها لطرح أسهمها للاكتتاب العام في الولايات المتحدة؛ ما يفتح الباب أمام إدراجها في البورصة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مقر «سبيس إكس» في هاوثورن بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

إيلون ماسك يعلن خططاً لطرح «سبايس إكس» في أكبر اكتتاب عام في التاريخ

أعلن الملياردير إيلون ماسك عن خطط طموحة لإطلاق واحد من أكبر الطروحات العامة الأولية وأضخم مبيعات الأسهم في التاريخ.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ رسم تخطيطي من قاعة المحكمة في أوكلاند بولاية كاليفورنيا الأميركية أمس (رويترز)

إيلون ماسك يخسر دعواه القضائية أمام «أوبن إيه آي»

أصدرت هيئة محلفين حكماً ضد إيلون ماسك في دعواه على «أوبن إيه آي»، معتبرة أن الشركة لا تتحمل مسؤولية تجاه اتهاماته بانحرافها عن مهمتها الأصلية لخدمة الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا إيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركتي «تسلا» و«سبيس إكس» يظهر على شاشة كبيرة خلال جلسة أسئلة وأجوبة عن بعد في قمة التنقل الذكي 2026 بتل أبيب 18 مايو 2026 (أ.ف.ب)

إيلون ماسك يتوقع سيارات ذاتية القيادة من دون مراقبين في أميركا

قال إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» لصناعة السيارات، الاثنين، إنه يتوقع انتشار سيارات ذاتية القيادة من دون مراقبين بشريين على نطاق أوسع بأميركا.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

ماذا نعرف عن مطلق النار قرب البيت الأبيض؟

ضباط شرطة في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض (د.ب.أ)
ضباط شرطة في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض (د.ب.أ)
TT

ماذا نعرف عن مطلق النار قرب البيت الأبيض؟

ضباط شرطة في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض (د.ب.أ)
ضباط شرطة في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض (د.ب.أ)

فتح رجلٌ النارَ، مساء السبت، عند نقطة تفتيش أمنية قرب البيت الأبيض في واشنطن، ولقي حتفه متأثراً بإصابته برصاص عناصر الخدمة السرية.

وبحسب شبكة «سي إن إن» الأميركية، تشير السجلات القضائية إلى أنَّ مطلق النار هو ناصر بست (21 عاماً) من ولاية ماريلاند، وأنَّه يعاني مشكلات عقلية، حيث سبق أن تمَّ إيداعه في مستشفى للأمراض النفسية، وتمَّ اعتقاله من قبل الشرطة المحلية عندما ادعى أنَّه «المسيح».

وتضمَّنت حسابات بست على مواقع التواصل الاجتماعي منشوراً بدا وكأنَّه يهدِّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالعنف.

وبحسب السجلات القضائية، فقد أوقف الضباط بست مرات عدة بالقرب من البيت الأبيض الصيف الماضي، وأصدرت السلطات بحقه «أمراً بالابتعاد» يمنعه من الاقتراب من البيت الأبيض، حيث كان معروفاً لدى جهاز الخدمة السرية لتجوُّله حول مجمع البيت الأبيض واستفساره عن كيفية الدخول عبر نقاط الوصول المختلفة.

الشرطة تطوِّق موقع إطلاق النار قرب مجمع البيت الأبيض (د.ب.أ)

وذكرت السجلات أيضاً أنَّه جرى إيداعه قسراً في مستشفى للأمراض النفسية في 26 يونيو (حزيران) 2025؛ بسبب «عرقلة دخول المركبات» إلى جزء من مجمع البيت الأبيض.

وفي 10 يوليو (تموز) 2025، تجاهل بست اللافتات التحذيرية، ودخل منطقةً محظورةً خارج البيت الأبيض، حيث واجهه عددٌ من الضباط، وادّعى أنه المسيح، وقال إنه يريد أن يُقبض عليه، وفقاً للتقرير.


مقتل مسلّح أطلق النار قرب البيت الأبيض

أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار يوم 23 مايو (أ.ب)
أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار يوم 23 مايو (أ.ب)
TT

مقتل مسلّح أطلق النار قرب البيت الأبيض

أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار يوم 23 مايو (أ.ب)
أفراد من جهاز الخدمة السرية يفحصون موقع إطلاق النار يوم 23 مايو (أ.ب)

قُتل مسلّح فتح النار، السبت، قرب نقطة تفتيش أمنية تابعة للبيت الأبيض، بعدما أطلق عناصر الأمن النار عليه رداً على الهجوم. وهذه هي الواقعة الثالثة لإطلاق نار في محيط الرئيس دونالد ترمب خلال الشهر الماضي.

وقالت «الخدمة السرية» الأميركية، في بيان نشرته على منصة «إكس»، إن الرجل كان في منطقة تقاطع الشارع السابع عشر وجادة بنسلفانيا، عندما «أخرج سلاحاً من حقيبته» بعد السادسة مساء السبت، وبدأ إطلاق النار. وأضافت وكالة إنفاذ القانون أن عناصرها ردوا بإطلاق النار وأصابوا المشتبه به، الذي تُوفي لاحقاً في المستشفى.

انتشار أمني خارج البيت الأبيض يوم 23 مايو (أ.ب)

وقال مسؤول في «إنفاذ القانون»، تحدث لوكالة «أسوشييتد برس» بشرط عدم الكشف عن هويته، إن المشتبه به يُدعى نصير بست، ويبلغ من العمر 21 عاماً. وبحسب سجلات محكمة مقاطعة كولومبيا، أُوقف بست في يوليو (تموز) 2025 بعدما حاول دخول نقطة تفتيش أخرى تابعة للبيت الأبيض من دون تصريح، ولم يستجب لأوامر الضباط بالتوقف، و«زعم أنه يسوع المسيح»، وقال إنه يريد أن يُعتقل. وذكرت تقارير إعلامية أن بست يعاني من اضطرابات عقلية.

انتشار أمني

تُعدّ هذه المرة الثالثة خلال الشهر الماضي التي تُطلق فيها أعيرة نارية قرب الرئيس، بعد واقعتين خلال عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض في أبريل (نيسان)، وقرب نصب واشنطن في وقت سابق من مايو (أيار).

وأُصيب أحد المارة أيضاً، السبت، لكن مسؤولاً في «إنفاذ القانون» قال إنه لم يتضح ما إذا كان ذلك الشخص أُصيب برصاص المشتبه به في البداية، أم بالرصاص الذي أطلقه الضباط لاحقاً. وقالت «الخدمة السرية» إن أياً من عناصرها لم يُصب، وإن ترمب، الذي كان في البيت الأبيض في ذلك الوقت، لم «يتأثر» بالواقعة. وكان مقرراً أصلاً أن يمضي ترمب عطلة نهاية الأسبوع في ناديه للغولف في نيوجيرسي، لكنه غيّر خططه الجمعة للبقاء في البيت الأبيض بدلاً من ذلك.

ضباط من جهاز الخدمة السرية في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض يوم 23 مايو (إ.ب.أ)

وقال مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، كاش باتيل، على وسائل التواصل الاجتماعي، إن عناصر الوكالة كانوا في موقع الحادث، مضيفاً: «سنطلع الجمهور على المستجدات عندما نتمكن من ذلك».

وكانت آثار إطلاق النار واضحة على رصيف خارج مجمع البيت الأبيض، حيث امتد شريط أصفر خاص بمسرح الجريمة على الأرض، ووضع عناصر «الخدمة السرية» عشرات العلامات البرتقالية الخاصة بالأدلة. كما شوهدت مواد طبية، بينها ما بدا أنها قفازات جراحية أرجوانية ومعدات تُستخدم عادةً من قبل فرق الإسعاف.

وقال صحافيون كانوا يعملون في البيت الأبيض، مساء السبت، إنهم سمعوا سلسلة من الطلقات النارية، وطُلب منهم الاحتماء داخل غرفة الإحاطة الصحافية.

وفي منشور على منصة «إكس»، نشرت كبيرة مراسلي البيت الأبيض في شبكة «إيه بي سي نيوز»، سيلينا وانغ، مقطع فيديو للحظة قالت إنها سمعت فيها ما «بدا كعشرات الطلقات النارية» قبل أن تنحني للاحتماء.

تجدد محاولات الهجوم

يقع موقع إطلاق النار على مسافة يمكن قطعها سيراً من المكان الذي نصب فيه مسلح كميناً لعنصرين من الحرس الوطني في وست فرجينيا في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وتُوفيت الجندية سارة بيكستروم، البالغة 20 عاماً، متأثرة بجروح أصيبت بها في ذلك الهجوم. كما أُصيب الرقيب أندرو وولف، الذي كان يبلغ حينها 24 عاماً، بجروح خطيرة. ووُجهت إلى رحمن لاكانوال اتهامات في تلك الواقعة.

وجاء إطلاق النار السبت بعد نحو شهر من واقعة قالت سلطات إنفاذ القانون إنها كانت محاولة لاغتيال الرئيس أثناء حضوره عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض السنوي في فندق بواشنطن في 25 أبريل (نيسان). وقد دفع كول توماس ألن، من كاليفورنيا، أخيراً ببراءته من اتهامات بمحاولة قتل ترمب. ويُتهم ألن بعبور نقطة تفتيش أمنية داخل الفندق، وإطلاق النار من بندقية خرطوش على عنصر في «الخدمة السرية».

وبعد تلك الواقعة، أطلق عناصر «الخدمة السرية» النار على مشتبه به قالوا إنه أطلق النار على الضباط قرب نصب واشنطن، على بُعد عدة مبانٍ من البيت الأبيض. ووُجهت إلى مايكل ماركس، البالغ 45 عاماً، من ميدلاند في تكساس، اتهامات في شكوى قُدمت إلى محكمة اتحادية في إطار حادث إطلاق النار في 4 مايو (أيار). وأُصيب مراهق من المارة في تلك الواقعة.


حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
TT

حرب إيران تقلب موقع أوكرانيا

زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)
زوار مسابقة «الطائرات المسيّرة البرية» يتفحصون طائرة مسيّرة هجومية متوسطة المدى من طراز «بييموث» في معرضٍ بمنطقة لفيف الأوكرانية يوم 20 مايو 2026 (رويترز)

منحت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أوكرانيا هامشاً سياسياً وعسكرياً لم يكن محسوباً قبل أشهر قليلة. فكييف، التي بدت في خريف العام الماضي تحت ضغط ميداني ومالي ودبلوماسي متزايد، وجدت نفسها فجأة في موقع مختلف: ليست فقط دولة تحتاج إلى السلاح والتمويل، بل طرف يملك خبرةً قتاليةً باتت مطلوبةً في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. وبحسب تقارير صحافية غربية، فإنَّ اتساع استخدام المسيّرات الإيرانية في الشرق الأوسط أعاد تسليط الضوء على التجربة الأوكرانية، بعد 4 سنوات من التعامل اليومي مع طائرات «شاهد» وأنماط الحرب الرخيصة والكثيفة التي صارت عنواناً لمعظم النزاعات الحديثة.

مبنى مُدمَّر تابع لكلية ستاروبيلسك في جامعة لوهانسك التي ضمتها روسيا عقب هجوم بمسيّرات أوكرانية يوم الجمعة (رويترز)

أوكرانيا تكتشف أوراقها الجديدة

لم يكن التحوُّل رمزياً فقط، فقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أوكرانيين أنَّ كييف بدأت تعرض خبراتها في اعتراض المسيّرات على دول في المنطقة، وأرسلت نحو 200 عسكري لتقديم عروض تقنية وإبرام تفاهمات قد تقود إلى استثمارات وتصنيع مشترك. هذا المسار، كما تقول نائبة وزير الخارجية الأوكرانية ماريانا بيتسا، غيَّر صورة أوكرانيا من «مستهلك للأمن» إلى «مساهم فيه».

ويرى مراقبون أنَّ هذا التحوُّل يمنح الرئيس فولوديمير زيلينسكي ورقةً تفاوضيةً لم تكن واضحةً حين قال له ترمب سابقاً إنه «لا يملك الأوراق». فالحرب على إيران جعلت ما راكمته أوكرانيا في ميادين دونيتسك وخاركيف وزابوريجيا مادةً استراتيجيةً قابلةً للتصدير: اعتراض المسيّرات، واستخدام الطائرات الرخيصة بكثافة، وتحديث البرمجيات بسرعة، وربط المعلومات الميدانية بمنظومات قيادة وتحكم آنية.

ولذلك تبدو المفارقة لافتة: الحرب التي سحبت جزءاً من الاهتمام والذخائر الأميركية من أوكرانيا، فتحت في الوقت نفسه نافذةً جديدةً أمامها. فهي أظهرت، وفق تقديرات غربية، أنَّ جيوشاً أكثر ثراءً وأفضل تسليحاً قد تجد نفسها محتاجةً إلى خبرة دولة قاتلت تحت ضغط دائم، وبموارد محدودة، ضد خصم أكبر حجماً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في احتفال بالكرملين يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

المسيّرات تغيّر موقع كييف

تقول تقارير عسكرية إن أوكرانيا استطاعت، عبر صناعة آلاف المسيّرات يومياً، أن تعوِّض جزئياً فجوة العدد مع روسيا. ولم يعد الأمر مقتصراً على الدفاع داخل الأراضي الأوكرانية. فالمسيّرات والصواريخ المحلية الصنع باتت تضرب منشآت نفطية وموانئ ومواقع عسكرية داخل روسيا، بما في ذلك مناطق كانت تعدّ بعيدةً عن الحرب.

وتنقل الصحيفة عن أولكسندر كاميشين، مستشار زيلينسكي للصناعات الدفاعية، أن «الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب هي نقلها إلى أرض العدو». هذا الكلام لا يعبِّر فقط عن تصعيد عسكري، بل عن تصور أوكراني جديد: رفع تكلفة الحرب على روسيا إلى حدٍّ يدفع موسكو إلى تسويات متبادلة حول البنية التحتية الحيوية قبل الشتاء المقبل.

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقِّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين يوم 14 أبريل (إ.ب.أ)

في المقابل، يحذِّر محللون من المبالغة في اعتبار ما يجري نقطة انعطاف حاسمة. وتنقل الصحيفة عن فرانز ستيفان غادي، وهو محلل عسكري مقيم في فيينا، قوله إنه يرى أن أوكرانيا باتت في وضع أقوى مما توقَّع كثيرون، لكنه يذكِّر بأنَّ الحرب تقوم على دورات متتالية من التكيُّف، وأنَّ السؤال الأساسي هو ما إذا كانت روسيا ستجد رداً على التفوُّق الأوكراني المستجد في المسيّرات المتوسطة والبعيدة المدى.

تقدُّم روسي بطيء بثمن مرتفع

على الجبهة، تشير تقديرات غربية إلى أنَّ التقدُّم الروسي هذا العام هو الأبطأ منذ عامين، رغم خسائر شهرية قد تصل إلى 30 أو 35 ألف قتيل وجريح. ويقول محللون إنَّ تكتيكات التسلل الروسية، التي اعتمدت على مجموعات صغيرة تخترق الفجوات في الخطوط الأوكرانية، بدأت تعطي عوائد أقل مما كانت تعطيه في عام 2025، بعدما طوَّرت الوحدات الأوكرانية وسائل رصد وتنظيف تعتمد على المسيّرات والفرق الصغيرة.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

ومع ذلك، لا يعني هذا أنَّ روسيا انهارت. فموسكو لا تزال تملك ميزةً بشريةً، وإن كانت تكلفتها المالية تتصاعد بسبب مكافآت التجنيد. كما أنَّ ارتفاع أسعار النفط؛ نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، وتخفيف بعض القيود على النفط الروسي، وفَّرا متنفساً مالياً للكرملين. لكن الضربات الأوكرانية على المصافي ومرافئ التصدير الروسية حدَّت من قدرة موسكو على تحويل هذه الطفرة السعرية إلى مكسب كامل.

ويرى ألكسندر غابويف، مدير «مركز كارنيغي لروسيا وأوراسيا»، أنَّ بوتين، لو كان يتحرَّك وفق حساب بارد، ربما سعى إلى تسوية هذا العام للحصول على أكبر قدر من التنازلات من ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. لكنه يضيف أن المشكلة تكمن في «رجل عنيد يقود روسيا» ولا يزال يعتقد أن أوكرانيا ستسقط.

طائرة مسيّرة أوكرانية مخصصة لاعتراض الطائرات الروسية من طراز «شاهد» وغيرها من الطائرات المسيّرة في شمال منطقة خاركيف يوم 20 مايو 2026 (إ.ب.أ)

مأزق الصورة ومحدودية التسوية

أبعد من ساحة القتال، تضغط الحرب على صورة بوتين الداخلية. فالحرب التي تجاوزت في مدتها الحرب السوفياتية ضد ألمانيا النازية تحوَّلت، وفق مراقبين روس معارضين، إلى عبء رمزي على سردية «النصر» التي بنى عليها بوتين شرعيته. ومع وصول المسيّرات الأوكرانية إلى مناطق بعيدة داخل روسيا، لم يعد الكرملين قادراً على تصوير الحرب عمليةً بعيدةً عن الحياة اليومية للروس.

وتنقل «وول ستريت جورنال» عن محللين أنَّ الاستياء داخل روسيا لا يعني قرب ثورة أو انقلاب، لكنه يكشف تغيُّراً في المزاج العام. فالهجمات على المصافي والمصانع العسكرية، وتعطيل الإنترنت، وتقليص مظاهر الاحتفال الأخير بـ«يوم النصر»، كلها عناصر تجعل صورة «الرجل القوي» أقل صلابة.

بقايا صاروخ روسي في أحد الحقول بمنطقة خاركيف الأوكرانية يوم 22 مايو 2026 (أ.ب)

غير أن هذا الضغط لا يكفي، حتى الآن، لدفع بوتين إلى مراجعة أهدافه. فالتقارير نفسها تؤكد أنه لا يبدي مؤشرات على التخلي عن طموحه في إخضاع أوكرانيا أو فرض تسوية بشروط روسية. لذلك تبدو كييف، في قراءة محللين، أمام فرصة وليست ضمانة: حرب إيران حسّنت موقعها، وأظهرت قيمتها التكنولوجية، ورفعت تكلفة الحرب على روسيا، لكنها لم تُنهِ معضلتها الأساسية. فالمعركة لا تزال طويلة، والنجاح الأوكراني سيبقى مرهوناً بقدرة كييف على تحويل التفوُّق التكتيكي في المسيّرات إلى ضغط استراتيجي لا تستطيع موسكو تجاهله.