لماذا تراجع إيلون ماسك عن العمل السياسي... وماذا سيفعل بعد ذلك؟

إيلون ماسك في واشنطن العاصمة (رويترز)
إيلون ماسك في واشنطن العاصمة (رويترز)
TT

لماذا تراجع إيلون ماسك عن العمل السياسي... وماذا سيفعل بعد ذلك؟

إيلون ماسك في واشنطن العاصمة (رويترز)
إيلون ماسك في واشنطن العاصمة (رويترز)

أثار الملياردير الأميركي إيلون ماسك التساؤلات بشأن إعلانه مؤخراً أنه سينفق «أقل بكثير» على الحملات السياسية ما لم يرَ «سبباً» لذلك في المستقبل.

وكشف شخصان مطلعان على تفكير ماسك في الأشهر الأخيرة، تحدثا بشرط عدم الكشف عن هويتهما، لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، عن أن السياسة كانت موضوعاً أساسياً لماسك خلال معظم العام الماضي، لكن هوسه تلاشى ليتحول إلى خيبة أمل بسبب التكاليف الشخصية والصعوبات في تحقيق النتائج.

وأضافا أن ماسك أصبح أيضاً قلقاً للغاية على سلامته الشخصية وسلامة عائلته، كما أنه لم يتوقع مستوى ردود الفعل العنيفة ضده شخصياً أو ضد شركاته، بما في ذلك حوادث العنف في منشآت شركة «تسلا» لصناعة السيارات، إلى جانب هذا هناك رغبة في تجديد مشاركته في شركتيه الرئيسيتين، «تسلا» و«سبيس إكس».

إيلون ماسك (رويترز)

ولفتت الصحيفة إلى أنه قبل نحو عام، استدعى إيلون ماسك سراً مجموعة من الاستراتيجيين الجمهوريين والمقربين منه إلى شقته بمدينة أوستن، وأخبرهم أن انتخاب دونالد ترمب أمرٌ أساسي لمستقبل أميركا، وأنه مستعد لفعل أي شيء ودفع أي مبلغ لذلك.

ولقد فعل الكثير، حيث أنشأ إدارة كفاءة الحكومة لتنظيم عمليات تسريح واسعة النطاق وتخفيضات في الميزانية، وأنفق الكثير، حيث ضخّ ما لا يقل عن 288 مليون دولار في الانتخابات الرئاسية 2024.

ومؤخراً قال ماسك خلال مقابلة في منتدى قطر الاقتصادي إنه سينفق «أقل بكثير» على الحملات ما لم يرَ «سبباً» لذلك في المستقبل.

وفي حديث خاص، قال أحد الأشخاص إن ماسك يشعر بخيبة أمل من تأثير أمواله على النظام السياسي، ويفضل إنفاق وقته وثروته في مكان آخر.

وقال الملياردير إن اهتمامه مطلوب في شركتي «تسلا» و«سبيس إكس»، وهما الشركتان اللتان بنتا سمعته كمبتكر تكنولوجي، حيث يشغل منصب الرئيس التنفيذي.

وكلتا الشركتين في منعطفات حرجة: تخطط شركة صناعة السيارات الكهربائية لطرح سيارة ذاتية القيادة بالكامل في يونيو (حزيران)، ومن المتوقع أن تطلق شركة الصواريخ صاروخ ستارشيب من الجيل التالي الأسبوع المقبل.

ويهدف ماسك أيضاً إلى إرسال أسطول من مركبات ستارشيب إلى المريخ في عام 2026، وهي خطوة حاسمة في تحقيق هدفه الذي دام عقوداً؛ وهو وضع البشر على الكوكب الأحمر.

وفي الوقت نفسه، تبدو عوائد مشاركته المكثفة في واشنطن غير مؤكدة في أحسن الأحوال، فقد حددت وزارة كفاءة الحكومة التابعة له هدفاً لتوفير 2 تريليون دولار من ميزانية الولايات المتحدة؛ تقديراته الأخيرة، البالغة 160 مليار دولار للسنة المالية 2026، متواضعة وغير دقيقة.

كما أنها تتضاءل مقارنةً بمشروع القانون الذي يشمل أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتعلقة بالضرائب والهجرة، والذي أقره مجلس النواب صباح الخميس.

ويقدر مكتب الميزانية في الكونغرس أن هذا سيضيف 2.4 تريليون دولار على مدى عشر سنوات إلى الدين الوطني.

وقال الشخص الذي تحدّث إلى الملياردير في الأشهر الأخيرة: «لم تعد السياسة الحزبية نشاطاً ذا ثقل كبير. الآن وقد كسبنا بعض الوقت، فلنعد إلى التفكير في المريخ».

ووفق لمصدر، لم يتوقع ماسك قط أن تكون مشاركته السياسية سهلة، فخلال الاجتماع الذي عُقد في أوستن العام الماضي، أقر بالمخاطر الشخصية والمالية التي يتحملها بدعمه مرشحاً عارضته قاعدة عملائه الديمقراطية الكبيرة، لكنه كان ثابتاً في التزامه، مُعلناً أن دعمه لترمب ينبع من مُثُل «فلسفية» حول الهجرة والجريمة والتعديل الأول للدستور، وليس من مصلحته الشخصية.

ومع ذلك، بذل قصارى جهده، فقد أصبح ماسك متبرعاً غزير التبرعات خلال انتخابات 2024 لدرجة أنه أُشير إليه في بعض الأوساط الجمهورية باسم «سوروس اليمين» - في إشارة إلى الملياردير الليبرالي جورج سوروس.

وصرح ماسك سابقاً بأن لجنته «أميركا باك» ستكون «منخرطة بقوة» في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، وستُدلي بدلوها أيضاً في انتخابات المدعين العامين المحليين في جميع أنحاء البلاد.

إيلون ماسك

وفي الأسابيع القليلة الماضية فقط، ناقشت اللجنة خططاً أولية لانتخابات التجديد النصفي لولايات محددة، وفقاً لشخص مطلع على اللجنة تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لوصف محادثات خاصة.

وقال شخص ثانٍ مطلع على اللجنة: «في حين أن مساهمة ماسك المُخفّضة قد يكون لها تأثير كبير، فإن تعليقاته هذا الأسبوع أرسلت رسالة مفادها أن صنبور المال مغلق».

وما لم يتوقعه ماسك هو شدة ردود الفعل السلبية تجاه دوره في السياسة خلال العام الماضي، بعدما أثارت جهوده التي أدت إلى تسريحاتٍ هائلة في الحكومة الفيدرالية، احتجاجاتٍ عالميةً في مقرات «تسلا» ومعارضها حول العالم، وفي بعض الحالات، أعمال عنفٍ شملت التخريب وإلقاء زجاجات المولوتوف وإطلاق النار.

في الشهر الماضي، أعلنت «تسلا» عن انخفاضٍ بنسبة 71 في المائة في الأرباح وانخفاضٍ مزدوج الرقم في المبيعات في الربع الأول من العام، مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي.

وهناك عامل آخر: تراجعت شعبية ماسك، وفقاً لاستطلاع رأيٍ نُشر الشهر الماضي، حيث وجد أن 35 في المائة من الأميركيين يوافقون على طريقة تعامل ماسك مع منصبه في إدارة ترمب، بينما رفضه 57 في المائة.

وربما يكون هذا الرفض قد ساهم في خسارةٍ فادحةٍ أمام المحكمة العليا في ويسكونسن الشهر الماضي، حيث وضع ماسك نفسه في المقدمة وأنفقت الجماعات المرتبطة به ما لا يقل عن 50 مليون دولار لدعم المرشح المحافظ براد شيميل، ولكن انتهى الأمر بخسارة شيميل بفارق 10 نقاط أمام سوزان كروفورد المدعومة من الديمقراطيين.

ودفعت هذه النتيجة بعض الجمهوريين إلى التساؤل عما إذا كان تدخل ماسك قد أضرّ أكثر مما نفع، ومن المرجح أن يكون قد ساهم في قراره بالانسحاب.

وقال كريستوفر نيكولاس، مستشار جمهوري في بنسلفانيا، الولاية المتأرجحة التي خاض فيها ماسك حملة مكثفة لصالح ترمب العام الماضي: «أحياناً، يُنهك المرء ويحتاج إلى إعادة شحن طاقته».

ويتمثل جزء كبير من تركيز ماسك الجديد في العودة إلى «تسلا»، التي قال إن مستقبلها «بشكل ساحق، هو القيادة الذاتية».

وهذا ما يجعل هذا العام محورياً للشركة، كما قال الرئيس التنفيذي، حيث تستعد لإطلاق مركبة ذاتية القيادة في يونيو في أوستن.

ويركز ماسك أيضاً على سيارة سايبركاب، وهي مركبة كُشف عنها العام الماضي من دون عجلة قيادة ودواسات، وصفها ماسك بأنها سيارة فاخرة بـ30 ألف دولار، وقال إنها ستُطرح في وقت ما خلال السنوات القليلة المقبلة.

وفي إشارة محتملة إلى أن التدقيق على «تسلا» قد يستمر على الرغم من تدخل ماسك المكثف في الحكومة الفيدرالية، أرسلت الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة خطاب استفسار إلى «تسلا» هذا الشهر «لفهم كيف تخطط (تسلا) لتقييم مركباتها وتقنيات القيادة لاستخدامها على الطرق العامة».

وفي غضون ذلك، شعر بعض موظفيه بالإحباط من سيل الجدل الذي أثارته سياسات ماسك على الشركة، مما أدى إلى نفورهم من الرئيس التنفيذي.

وقال ماثيو لابروت، مدير برنامج الموظفين السابق الذي طُرد لإنشائه موقعاً إلكترونياً الشهر الماضي يدعو ماسك إلى التنحي، إن مشاكل «تسلا» نُسبت زوراً إلى غيابه، وأضاف أن سمعته الملطخة هي التي تُلحق الضرر بالشركة وتُضعف المبيعات.

وأشار لابروت إلى أن «المشكلة تكمن في عدم اهتمامه بـ(تسلا)، لكننا لم نكن السبب. نحن نُكافح الهدر الذي يُلقيه علينا».

وفي الوقت الذي تُعاني فيه «تسلا»، يتوق ماسك أيضاً إلى إعادة اهتمامه بـ«سبيس إكس»، وفقاً لأشخاص مقربين منه.

وتتعرض «سبيس إكس» الآن لضغوط من وكالة «ناسا» في سعيها لإعادة رواد الفضاء إلى القمر، قبل أن ترسل الصين بعضاً منهم إلى هناك.

تستثمر وكالة الفضاء نحو 4 مليارات دولار في مركبة ستارشيب، التي ستنقل رواد الفضاء من وإلى سطح القمر، ولكن قبل ذلك، لا تزال «سبيس إكس» بحاجة إلى تحقيق سلسلة من الإنجازات التي تزداد صعوبة، بما في ذلك إطلاق المركبة الفضائية بأمان في مدار الأرض.

ولطالما كان هدف ماسك الرئيسي هو الوصول إلى وجهة أكثر صعوبة: المريخ.

وقد صرّح بأنه يرغب في إرسال أسطول من مركبات ستارشيب إلى الكوكب الأحمر في عام 2026، في المرة القادمة التي تقترب فيها الأرض والمريخ بما يكفي.

ويقول مقربون من ماسك إن تحقيق هذا الهدف هو أحد الأسباب الرئيسية التي جعلته حريصاً على العودة إلى «سبيس إكس» للإشراف على تطوير ستارشيب، ولضمان استمرار الشركة في العمل بوتيرة سريعة لطالما ميّزتها.

مع تركيز ماسك على المريخ والسيارات، قد يُمثّل تراجعه عن الإنفاق السياسي خسارة كبيرة للحزب الجمهوري.

وقد بذلت لجنة العمل السياسي الأميركية (أميركا باك) جهداً حاسماً لحشد الأصوات في المرحلة الأخيرة من الحملة، حيث نشرت آلافاً من الناشطين في الولايات المتأرجحة؛ دعماً لترمب ومرشحي الحزب الجمهوري الآخرين.

وقال أحد الأشخاص المطلعين على لجنة العمل السياسي: «كان الافتراض أن ماسك سيُعيد فرض سيطرته على الساحة السياسية للحزب الجمهوري خلال انتخابات التجديد النصفي وحتى عام 2028. لذا، إذا انسحب تماماً، فسيؤدي ذلك إلى صراع حول من سيحشد الناخبين في جميع أنحاء البلاد».


مقالات ذات صلة

نتائج «سبيس إكس» و«تسلا» تختبر طموحات ماسك في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد صورة ظلية لإيلون ماسك وشعار «تسلا» (رويترز)

نتائج «سبيس إكس» و«تسلا» تختبر طموحات ماسك في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي

تترقب الأسواق إعلان شركتَي «سبيس إكس» و«تسلا» نتائج أعمالهما للربع الثالث هذا الأسبوع، في فرصة نادرة للمستثمرين لتقييم أداء أكبر شركتين يملكهما إيلون ماسك.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا (الولايات المتحدة))
تحليل إخباري أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)

تحليل إخباري ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

«ستارلينك» و«ستارشيلد»: كيف تداخلت شبكات الإنترنت الفضائي مع القرارات الأمنية والسيادية؟ تفاصيل دقيقة حول التنافس التنظيمي والعسكري الجديد في المدار.

كوثر وكيل (لندن)
تكنولوجيا لقطة مأخوذة في 16 أكتوبر 2026 من بث مباشر أصدرته شركة «تسلا» يكشف عن الجيل القادم من سيارتها الكهربائية «رودستر» (Roadster) في مدينة ماكغريغور بولاية تكساس في الولايات المتحدة (أ.ف.ب)

إيلون ماسك يكشف عن سيارة «طائرة» من شركة «تسلا»

كشف الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا» إيلون ماسك، الخميس، عن سيارة وصفها بأنها «طائرة»، مزوّدة بنظام دفع يتيح لها الارتفاع في الهواء.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
الولايات المتحدة​ إيلون ماسك يقفز على منصة خلال تجمع انتخابي للرئيس الأميركي دونالد ترمب في بتلر فارم شو بولاية بنسلفانيا بتاريخ 5 أكتوبر 2024 (أ.ب).

ترمب يقيّم ذكاء إيلون ماسك: عبقري بنسبة 80 %... ولديه مشكلة صغيرة

وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الملياردير إيلون ماسك بأنه «عبقري للغاية بنسبة 80 في المائة»، مشيرا الى أن لديه «مشكلة صغيرة» في النسبة المتبقية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ في تكساس جيمس تالاريكو خلال فعالية في دالاس يوم 9 سبتمبر (أ.ب)

«عاصفة شائعات» تستهدف المرشح الديمقراطي في تكساس

أطلق المحافظون عاصفة من الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ترويجاً لأنباء حول الصحة النفسية للمرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ في تكساس جيمس تالاريكو.

علي بردى (واشنطن)

الديمقراطيون يعززون فرصهم قبل أسبوعين من الانتخابات النصفية

النائبة مارسي كابتور خلال قداس في كنيسة برفقة زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز في توليدو بولاية أوهايو (أ.ب)
النائبة مارسي كابتور خلال قداس في كنيسة برفقة زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز في توليدو بولاية أوهايو (أ.ب)
TT

الديمقراطيون يعززون فرصهم قبل أسبوعين من الانتخابات النصفية

النائبة مارسي كابتور خلال قداس في كنيسة برفقة زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز في توليدو بولاية أوهايو (أ.ب)
النائبة مارسي كابتور خلال قداس في كنيسة برفقة زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز في توليدو بولاية أوهايو (أ.ب)

عزز الديمقراطيون مواقعهم لتحدي سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب الأميركي في الانتخابات النصفية للكونغرس بعد أسبوعين، مستفيدين من تراجع شعبية الرئيس دونالد ترمب، وتفاقم المخاوف الاقتصادية عند الأميركيين في ظل الحرب مع إيران، مما قد يعيد تشكيل المشهد السياسي في واشنطن.

وتبدو الانتخابات استفتاء على النصف الأول من ولاية ترمب الثانية، مقابل تساؤلات جدية حول ما إذا كانت مكاسب الديمقراطيين المحتملة ستكفي لتغيير موازين القوى في واشنطن.

وفي خضم هذه الأسئلة، وجدت هذه الفرص المتزايدة للديمقراطيين مع بدء عمليات الاقتراع المبكر في العديد من الولايات الأميركية، واستعداد الناخبين للتوجه إلى صناديق الاقتراع في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وسط استطلاعات عدة تشير إلى حصول الديمقراطيون على فرصة قوية للفوز بالغالبية في مجلس النواب، بينما لا تزال السيطرة على مجلس الشيوخ غير محسومة.

وستحدد نتيجة الانتخابات مدى الدعم الذي يمكن أن يعتمد عليه ترمب في الكونغرس خلال العامين الأخيرين من ولايته، وما إذا كان الديمقراطيون سيستخدمون تحقيقات اللجان الكونغرسية، ومفاوضات الإنفاق، والتصويتات التشريعية لتقييد برنامجه.

وتجرى الانتخابات في وقت هبطت فيه نسبة تأييد ترمب إلى 32 في المائة، وهو أدنى مستوى خلال رئاسته، وفق استطلاع لكل من «رويترز» مع «إبسوس» في سبتمبر (أيلول) الماضي، فيما برز ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة قضيتين محوريتين قد تضعفان الدعم الجمهوري حتى في دوائر صوتت لترمب عام 2024.

100 مليون

مؤيدو المرشحة الديمقراطية لمجلس النواب عن الدائرة 17 في نيويورك كايت كونلي خلال مناسبة انتخابية في أوسينينغ - نيويورك (أ.ف.ب)

ويتوقع أن يدلي أكثر من 100 مليون أميركي بأصواتهم إذا اقتربت نسبة المشاركة من مستوى عام 2022. وأفادت شركة «إد إمباكت» أن الإنفاق على الإعلانات السياسية بلغ رقماً قياسياً قدره 3.8 مليار دولار بحلول 12 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وسط تركيز على سباقات مجلس الشيوخ في تكساس، وأوهايو، وميشيغان. وتُظهر سجلات تمويل الحملات أن الملياردير إيلون ماسك أنفق نحو 366 مليون دولار لدعم الجمهوريين.

ولا يحتاج الديمقراطيون سوى إلى مكاسب طفيفة لانتزاع الأكثرية الهشة أصلاً للجمهوريين في مجلس النواب، مما سيمنحهم مواقع القيادة في اللجان، وسلطة إصدار أوامر الاستدعاء، وفتح التحقيقات في أداء الإدارة. ويرجَّح أن يكون زعيم الديمقراطيين في المجلس حكيم جيفريز المرشح الأبرز لرئاسته. وقد تعهد التركيز على خفض تكاليف الرعاية الصحية، والغذاء، والإسكان، والطاقة، والتحقيق فيما وصفه بمستويات غير مسبوقة من الفساد داخل الإدارة.

غير أن قدرة الديمقراطيين على التشريع ستبقى محدودة، إذ ستصطدم مشاريع قوانينهم بمجلس الشيوخ، وبحق النقض الرئاسي، كما قد يقاوم مسؤولو الإدارة أوامر الاستدعاء. ومع ذلك، يمكن أن تهيمن جلسات الاستماع على الأجندة السياسية، وتمنح الحزب منصة قبل انتخابات 2028. ويتوقع محللون مواجهات مالية حادة في 2027 حول سقف الدين، وتمويل الحكومة، أياً كان الحزب المسيطر.

السؤال الأصعب

أشخاص يوقعون على حافلة الحملة الانتخابية للمدعي العام لولاية تكساس الجمهوري كين باكستون في سان أنطونيو - تكساس (رويترز)

ويتمتع الجمهوريون حالياً بأكثرية 53 سيناتوراً مقابل 47 في مجلس الشيوخ، ما يفرض على الديمقراطيين تحقيق مكاسب كبيرة في ولايات حاسمة، مثل ماين، وأوهايو، ونورث كارولينا، وأيوا، وجورجيا. وفي حال تعادل المقاعد 50 - 50، سيبقى مجلس الشيوخ بيد الجمهوريين بفضل الصوت الترجيحي لنائب الرئيس جي دي فانس. وتكتسب السيطرة على هذا المجلس أهمية خاصة، لأنه يصادق على تعيينات الوزراء، والسفراء، والقضاة الفيدراليين.

أما إذا احتفظ الجمهوريون بالمجلسين، فسيكسب ترمب حجة سياسية بأن الناخبين أيدوا برنامجه، وستمضي إدارته في سياساتها بعقبات أقل.

وأظهر استطلاع لمركز «أسوشييتد برس» مع «نورك» أُجري بين 8 سبتمبر الماضي و15 منه أن نحو ربع البالغين من الأميركيين الآسيويين وسكان جزر المحيط الهادئ راضون عن أداء ترمب، ونحو 20 في المائة فقط عن إدارته للاقتصاد، بتراجع قدره 10 نقاط خلال عام. واعتبر نحو 90 في المائة منهم الاقتصاد من أهم قضايا الانتخابات.

مكاسب على المحك

وقال المشرف على الاستطلاع كارثيك راماكريشنان إن «البيانات تُظهر أن أي مكاسب حققها ترمب، ليس فقط خلال انتخابات 2024، تلاشت إلى حد كبير الآن». غير أنه كشف أيضاً أن 48 في المائة من هذه الفئة لا يزالون ينظرون سلباً إلى «الحزب الديمقراطي».

ورفع تقرير كوك السياسي توقعاته لفرص الديمقراطيين في عدد من المقاعد الجمهورية. ففي الدائرة 17 بنيويورك، يواجه الجمهوري مايك لولر الديمقراطية كايت كونلي في دائرة فازت بها كامالا هاريس بفارق ضئيل، فيما يدافع الجمهوري براين فيتزباتريك عن مقعده في بنسلفانيا مستنداً إلى دعم نقابي. وفي تكساس، تواجه الجمهورية مونيكا دي لا كروز الموسيقي بوبي بوليدو في اختبار لمدى عودة الناخبين اللاتينيين إلى الديمقراطيين.

في المقابل، يراهن الجمهوريون على سمعة نوابهم المعتدلين، وعلى تفوقهم في الإنفاق، وعلى مخاوف المستقلين من المرشحين الديمقراطيين التقدميين.

وتجري الحملات وسط قلق من المعلومات المضللة، والطعون القانونية، في ظل تكرار ترمب مزاعم التزوير منذ 2020 من دون أدلة، واستعداد مسؤولي الولايات لمواجهة أي تدخل فيدرالي محتمل.


الغلاء يدفع الناخبين الأميركيين المستقلين لإعادة حساباتهم ومعاقبة الجمهوريين

ناخبون يستعدون للإدلاء بأصواتهم خلال اليوم الأول من التصويت المبكر بمركز اقتراع في «أوفرلاند بارك» بولاية كانساس يوم 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
ناخبون يستعدون للإدلاء بأصواتهم خلال اليوم الأول من التصويت المبكر بمركز اقتراع في «أوفرلاند بارك» بولاية كانساس يوم 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

الغلاء يدفع الناخبين الأميركيين المستقلين لإعادة حساباتهم ومعاقبة الجمهوريين

ناخبون يستعدون للإدلاء بأصواتهم خلال اليوم الأول من التصويت المبكر بمركز اقتراع في «أوفرلاند بارك» بولاية كانساس يوم 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
ناخبون يستعدون للإدلاء بأصواتهم خلال اليوم الأول من التصويت المبكر بمركز اقتراع في «أوفرلاند بارك» بولاية كانساس يوم 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ينقل الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، معركة الدفاع عن الأغلبية الجمهورية في الكونغرس إلى ولاية كانساس، مساء الاثنين، مستهلاً أسبوعاً من التجمعات الانتخابية التي تمتد إلى ولايات كارولاينا الشمالية والجنوبية وآيوا وفلوريدا، قبل أن يتوجه إلى جورجيا وميشيغان في عطلة نهاية الأسبوع.

وتأتي هذه الجولة قبل أسبوعين من انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) وسط استطلاعات للرأي تظهر تراجع شعبية الرئيس، وازدياد قلق الناخبين من تكاليف المعيشة، وأسعار الوقود والغذاء، بينما يسعى الديمقراطيون إلى تحويل الانتخابات إلى نوع من الاستفتاء على الأداء الاقتصادي للبيت الأبيض.

وتكشف خريطة تحركات ترمب اهتمام الحزب الجمهوري بتعبئة قاعدته الانتخابية، وحماية مقاعد أصبحت تشهد منافسة أكثر حدة، في ظل تراجع الحماس لدى بعض الناخبين الجمهوريين؛ خصوصاً في المناطق الزراعية والريفية التي تواجه ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج والطاقة. وتعد جولات ترمب قبل أقل من أسبوعين على الاقتراع اختباراً حاسماً؛ ليس فقط لقدرته على حشد الجماهير؛ بل تختبر أيضاً حدود تأثيره في انتخابات يتداخل فيها الولاء الحزبي مع الضغوط المعيشية، في وقت تُظهر فيه استطلاعات الرأي تقدماً ديمقراطياً وتراجعاً في ثقة المستقلين بالإدارة الاقتصادية الجمهورية.

الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال تجمع انتخابي في «ترويست أرينا» يوم 17 أكتوبر 2026 في هايلاند هايتس بولاية كنتاكي (أ.ب)

كانساس واختبار الغضب الريفي

تكتسب محطة كانساس أهمية خاصة؛ إذ يشارك ترمب في تجمع انتخابي بمدينة بارك سيتي قرب ويتشيتا، دعماً للسيناتور الجمهوري روجر مارشال، الذي يواجه منافسه الديمقراطي آدم هاميلتون. وقد تحولت ولاية كانساس إلى ساحة معركة انتخابية على مقعد مجلس الشيوخ، بعد أن ظل الجمهوريون يشغلون هذا المقعد على مدى 94 عاماً. وتعد ولاية كانساس ولاية حمراء تصوت بشكل ثابت ومستمر لصالح المرشحين الجمهوريين. وقد فاز ترمب بأصوات الولاية بفارق 16 نقطة مئوية في انتخابات 2024، ولكن ارتفاع تكاليف الزراعة والوقود يثير تساؤلات بشأن حماس الناخبين الجمهوريين للمشاركة هذه المرة.

وبعد كانساس، ينتقل ترمب الثلاثاء إلى غرينفيل في ولاية كارولاينا الشمالية، والأربعاء إلى كليمسون في كارولاينا الجنوبية، والخميس إلى سيوكس سيتي في آيوا، والجمعة إلى فورت مايرز في فلوريدا، على أن تشمل تحركاته خلال عطلة نهاية الأسبوع جورجيا وميشيغان، وفق البرنامج المعلن، ويتولى نائبه جيه دي فانس جزءاً موازياً من التعبئة الانتخابية، بزيارتين إلى كارولاينا الشمالية ونبراسكا.

وتكشف خريطة جولات ترمب الانتخابية في الولايات السبع عن رهان واضح على استعادة حماس الناخبين في المناطق الريفية والزراعية؛ خصوصاً في كانساس وآيوا اللتين تشكلان معاقل رئيسية لإنتاج القمح والذرة وفول الصويا وتربية الماشية، فضلاً عن ولايات كارولاينا الشمالية والجنوبية وجورجيا وميشيغان التي تضم قطاعات زراعية مؤثرة. ويسعى ترمب إلى استمالة هذه القاعدة التقليدية للجمهوريين، عبر تقديم حوافز اقتصادية مباشرة، منها قراره السماح مؤقتاً باستخدام الديزل المصبوغ المعفى من الضرائب على الطرق العامة، وتأجيل تحصيل الضريبة الفيدرالية على الديزل حتى نهاية العام، إلى جانب حزمة مساعدات زراعية بقيمة 12 مليار دولار، والترويج لسياسات تخفيف القيود التنظيمية ودعم الوقود الحيوي؛ خصوصاً الإيثانول الذي يمثل أهمية كبيرة لمزارعي الذرة في آيوا.

غير أن هذه الوعود تصطدم بضغوط اقتصادية متزايدة؛ إذ أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأن أسعار الديزل تجاوزت 6.30 دولار للغالون في كانساس، بارتفاع يقارب 70 في المائة مقارنة بالعام الماضي، بينما يشكو المزارعون من الرسوم الجمركية وارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الأرباح. ويحاول الديمقراطيون استغلال الاستياء الاقتصادي لتقليص الفوارق الجمهورية في المناطق الزراعية؛ خصوصاً في آيوا وكانساس، وإبراز الآثار السلبية لسياسات الإدارة فيما يتعلق بالضرائب والطاقة والهجرة على الأميركيين.

جمهوريون يحضرون حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي في هايلاند هايتس بولاية كنتاكي يوم 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ويقول خبراء الانتخابات إن هذه الضغوط لا تعني بالضرورة انتقال الناخبين الجمهوريين إلى التصويت لصالح الديمقراطيين، ولكنهم يتفقون على أنها قد تؤثر في مستوى مشاركتهم، وهو عامل بالغ الأهمية في انتخابات تُحسم بعض سباقاتها بفوارق محدودة.

أين تتجه أصوات الناخب المستقل؟

تكشف استطلاعات الرأي أن الناخبين المستقلين يمثلون إحدى نقاط التحول المهمة في المزاج الانتخابي. ففي استطلاع أجرته «غالوب» في شهر سبتمبر (أيلول)، قال 50 في المائة من المستقلين إنهم يثقون بالديمقراطيين أكثر في الملف الاقتصادي مقابل 32 في المائة اختاروا الجمهوريين. وعلى مستوى الأميركيين عموماً؛ بلغت النسبتان 51 و37 في المائة على التوالي، في تحول لافت عن التفوق الجمهوري السابق في هذا الملف. ويقول خبراء الانتخابات إن هذه النتائج لا تعني أن جميع المستقلين قرروا التصويت للديمقراطيين؛ إذ يقيس الاستطلاع الثقة في إدارة الاقتصاد وليس النية التصويتية المباشرة. ولكنها تكشف تغيراً في قضية كانت من أبرز مصادر قوة ترمب خلال انتخابات 2024.

وكان استطلاع سابق لصحيفة «واشنطن بوست» و«إبسوس» قد أظهر أن 26 في المائة فقط من المستقلين يوافقون على أداء ترمب، مقابل 71 في المائة يعارضونه. وتشير هذه الأرقام إلى الصعوبة التي يواجهها الرئيس مع هذه الفئة من الناخبين المستقلين. وهناك عامل آخر هو التمييز بين المستقلين غير المنحازين حزبياً، والمستقلين الذين يميلون عملياً إلى أحد الحزبين. فالتراجع في تأييد ترمب لدى الفئة الأولى لا يعني بالضرورة انتقالاً متساوياً إلى المرشحين الديمقراطيين، كما أن بعض الناخبين المحافظين المستائين من الأوضاع الاقتصادية قد يختارون الامتناع عن المشاركة، بدلاً من تغيير انتمائهم الانتخابي.

الغلاء في قلب المعركة

وأظهر استطلاع مشترك لشبكة «إيه بي سي نيوز» وصحيفة «واشنطن بوست» ومؤسسة «إبسوس» (نُشرت نتائجه يوم الأحد)، تراجع نسبة الموافقة على أداء ترمب إلى 33 في المائة بين البالغين الأميركيين، مقابل 66 في المائة يعارضونه، بينما بلغت نسبة المعارضين بشدة 52 في المائة. وبين الناخبين المرجح مشاركتهم، سجل الرئيس تأييداً بنسبة 38 في المائة مقابل معارضة بلغت 62 في المائة للجمهوريين، بفارق 8 نقاط. غير أن هذا المؤشر الوطني لا يحدد نتائج الدوائر الفردية التي تتأثر بخصائص المرشحين وحدود الدوائر ونسب المشاركة المحلية.

وتكشف التفاصيل الاقتصادية للاستطلاع حجم الضغوط التي تواجه البيت الأبيض. فقد وصف 71 في المائة من الأميركيين أسعار البنزين بأنها غير مريحة، مقارنة بـ28 في المائة في فبراير (شباط) الماضي، قبل تصاعد الحرب مع إيران. وتشير أسعار الطاقة إلى تجاوز متوسط سعر البنزين 4 دولارات للغالون خلال 158 يوماً من العام الجاري.

أميركيون يدلون بأصواتهم في مركز اقتراع خلال اليوم الأول للتصويت المبكر بولاية كانساس يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وتدعم نتائج مركز «بيو» للبحوث هذا الاتجاه؛ إذ أظهر استطلاع أجري بين 28 سبتمبر والرابع من أكتوبر، وشمل 5062 بالغاً، بينهم 3917 ناخباً مسجلاً، أن 84 في المائة من الناخبين يعتبرون الاقتصاد قضية شديدة الأهمية في قرارهم الانتخابي. كما قال 44 في المائة إن تصويتهم للكونغرس سيكون تعبيراً عن موقف معارض لترمب، مقابل 19 في المائة يعتبرونه تصويتاً مؤيداً له. وسجل الاستطلاع أيضاً مستوى أعلى من الحماس الانتخابي لدى مؤيدي المرشحين الديمقراطيين.

هل تكفي شعبية ترمب داخل قاعدته؟

تواجه الحملة الجمهورية معضلة تتعلق بطبيعة الدور الذي يؤديه ترمب نفسه. فالرئيس لا يزال قادراً على استقطاب جمهور واسع في تجمعاته، ولكن الحضور في المهرجانات الانتخابية لا يساوي بالضرورة ارتفاع المشاركة بين جميع الفئات الجمهورية.

وفي الولايات الزراعية، قد تكون المشكلة الأساسية ضعف الحماس، بينما ترتبط المنافسة في الضواحي والولايات المتأرجحة باتجاهات المستقلين والناخبين المعتدلين. ولذلك يمكن أن تحقق الزيارات الرئاسية أهدافاً مختلفة، منها تعبئة القاعدة، وجمع التبرعات، وتوجيه الاهتمام الإعلامي إلى المرشحين المحليين، ولكنها لا تضمن وحدها تغيير المزاج الاقتصادي. وفي المقابل، يحاول الديمقراطيون ربط السباقات المحلية بالبيت الأبيض، مستفيدين من القلق بشأن أسعار الوقود والمواد الغذائية وتكاليف الرعاية الصحية، بينما يرد الجمهوريون بالتركيز على سياسات الضرائب والهجرة وانتقاد البدائل الديمقراطية.

وتظل المعركة مفتوحة على قدرة كل حزب على دفع مؤيديه إلى التصويت خلال الأسبوعين المقبلين، ومدى استمرار الاقتصاد بوصفه القضية الأولى لدى الناخبين المترددين. كما أن التصويت المبكر الذي بدأ في عدد من الولايات يعني أن بعض الخيارات الانتخابية تُحسم قبل وصول ترمب إلى محطات جولته الأخيرة.


روبيو لترسيخ موطئ القدم الأميركية في آسيا الوسطى والهند

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وزوجته جانيت دوسديبس روبيو بساحة «ريجيستان» في مدينة سمرقند بأوزبكستان (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وزوجته جانيت دوسديبس روبيو بساحة «ريجيستان» في مدينة سمرقند بأوزبكستان (أ.ب)
TT

روبيو لترسيخ موطئ القدم الأميركية في آسيا الوسطى والهند

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وزوجته جانيت دوسديبس روبيو بساحة «ريجيستان» في مدينة سمرقند بأوزبكستان (أ.ب)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وزوجته جانيت دوسديبس روبيو بساحة «ريجيستان» في مدينة سمرقند بأوزبكستان (أ.ب)

سعى وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إلى ترسيخ حضور الولايات المتحدة في آسيا الوسطى، عبر حزمة من الشراكات الاقتصادية والأمنية، تزيد قيمتها على 25 مليار دولار، فضلاً عن استثمارات مستقبلية بأكثر من 100 مليار دولار، قبل أن يصل إلى الهند لتعميق الشراكة معها، على خلفية المنافسة المحتدمة مع تصاعد نفوذ الصين في هذه المنطقة الحيوية.

وأمضى كبير الدبلوماسيين الأميركيين يومي الأحد والاثنين في أوزبكستان، وتحديداً بمدينة سمرقند التاريخية الواقعة على طريق الحرير، فاجتمع مع نظرائه في مجموعة «5+1»، التي تضم أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان، بالإضافة إلى الولايات المتحدة، سعياً إلى تعزيز الروابط التي بدأت قبل أكثر من عقد في مجالات التنمية الاقتصادية والأمن والترابط الإقليمي.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع الرئيس الأوزبكستاني شوكت ميرضيائيف في مركز المؤتمرات بسمرقند (أ.ف.ب)

وقال روبيو قبيل الاجتماع إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب «ترغب أن تكون شريكاً قوياً في آسيا الوسطى»، مضيفاً: «لم تحظَ آسيا الوسطى بالاهتمام الكافي من صانعي السياسات لدينا خلال الأعوام الـ20 الماضية. لكن هذا الوضع يتغير، ولهذا السبب؛ فنحن هنا الآن».

وفي تصريحات مع نظيره الأوزبكي بختيار سعيدوف، قال روبيو: «نعدّ العلاقة بين أوزبكستان وآسيا الوسطى بالغة الأهمية لأمننا القومي وازدهارنا الاقتصادي».

المنافسة مع الصين

وشكل حجم النشاط التجاري المرافق للزيارة سمتها الأبرز. ووصف روبيو الفريق المرافق له بأنه «وفد استثنائي» يضم ممثلين عن نحو 300 شركة أميركية. وأعلنت وزارة الخارجية أن روبيو اصطحب معه إلى سمرقند أكثر من 200 من قادة الأعمال. وأكد روبيو أن الزخم التجاري الأخير ليس غاية في حد ذاته، قائلاً: «نريد أن نرى هذه المنطقة تستمر في الازدهار خلال القرن الـ21 بوصفها مركزاً للدبلوماسية التجارية». وأشار إلى اتفاق أوزبكستان على شراء 22 طائرة من طراز «بوينغ دريم لاينر» مثالاً على توسع العلاقات التجارية. كما سلط الضوء على استثمار بقيمة 80 مليون دولار من شركة «أكفا للألمنيوم» الأوزبكية في منشأة لمعالجة الألمنيوم بولاية كنتاكي الأميركية، لتصبح وفق قوله أول شركة أوزبكية تعمل في الولايات المتحدة.

وأمام المسؤولين في الاجتماع، ذكّر روبيو بأن «آسيا الوسطى لطالما كانت ملتقى طرق التجارة بين الشرق والغرب. واليوم؛ في إطار نهضة أوسع وانخراط عالمي، تعود لتلعب هذا الدور الحيوي في التجارة»، واصفاً المنطقة بأنها «موقع جديد للاستثمار، ومحطة تصدير جديدة، ومحطة مركزية تُنقل منها مواد حيوية لمستقبل كل الدول».

وكان يشير بذلك إلى المعادن الحيوية التي تحتل موقعاً مركزياً في الاستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة الغنية بالموارد والواقعة بين روسيا والصين وإيران. وإذ دعا إلى تنويع سلاسل الإمداد، قال إنه «ليس من الحكمة أن يعتمد العالم بأسره على مكان واحد لتوفير كل شيء»، مضيفاً أن هذه المعادن ستزداد أهمية للصناعات التي ستشكل ملامح القرن الـ21.

ورداً على سؤال بشأن المنافسة مع الصين، أكد أن بلاده لا تطلب من حكومات آسيا الوسطى قطع علاقاتها بأي طرف. ولكنه استطرد: «نحن حاضرون بقوة».

ورسم البيان المشترك الذي أصدره الوزراء أجندة واسعة تشمل البنية التحتية للنقل، والتجارة، والطاقة، والموارد الطبيعية، والأمن السيبراني، وأمن الحدود، والتبادل الثقافي. وأولى أهمية خاصة لمبادرة طريق التجارة عبر بحر قزوين بوصفها وسيلة لربط المنطقة بالأسواق الدولية، داعياً إلى توحيد الإجراءات الجمركية وتوسيع استخراج المعادن ومعالجتها محلياً لرفع القيمة المضافة.

وعلى الصعيد الأمني، حدد البيان مكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتهريب المخدرات والأسلحة؛ أولويات مشتركة، كما تعهدت الدول بتعميق التعاون في مجال الأمن النووي، مشيرة إلى «منطقة آسيا الوسطى الخالية من الأسلحة النووية» أساساً لهذا العمل.

توقيت حساس

وعلى هامش الاجتماع، شهد روبيو توقيع أوزبكستان «اتفاقات أرتميس لاستكشاف الفضاء»، لتصبح الدولة الـ77 المنضمة إلى هذا الإطار، وفق وزارة الخارجية الأميركية.

والتقى روبيو كذلك وزير الخارجية الكازاخستاني مختار تيلوبيردي، شاكراً له دعم مبادرات السلام التي أطلقها الرئيس ترمب، ومنها «اتفاقات إبراهيم».

وأتت الزيارة في ظرف دولي متوتر، إذ واجه روبيو أسئلة عمّا إذا كانت الرحلة تمثل أفضل استغلال لوقته، لا سيما مع بلوغ العلاقات الأميركية - الأوكرانية مستوى متدنياً بعدما حضت واشنطن كييف على وقف استهداف المصافي الروسية، ووافقت على شراء الديزل الروسي لخفض أسعار الوقود قبل الانتخابات النصفية للكونغرس، فيما لا تُظهر الحرب على إيران مؤشرات على قرب الحل.

النفط أولاً

ومن سمرقند، توجه روبيو إلى مومباي في الهند، قبل الانتقال إلى جامناغار شمال غربي الهند؛ حيث تقع مصفاة عملاقة لشركة «ريلاينس إنداستريز» بطاقة 1.4 مليون برميل يومياً، وتعدّ من كبار مشتري «خام الأورال» الروسي.

وتأتي المحطة الهندية التي تستمر 3 أيام في ظل تعثر المفاوضات التجارية والغموض حيال العقوبات الأميركية على مشتريات نيودلهي من النفط الروسي، بعدما علّق ترمب قانوناً يفرض رسوماً بنسبة 100 في المائة على كبار مستوردي النفط الروسي.

وقال روبيو: «اضطررنا إلى رفع العقوبات خلال الأشهر القليلة الماضية؛ نظراً إلى حالة الإمدادات الدولية والأسعار العالمية»، مضيفاً: «نسعى حالياً إلى توقيع اتفاق تجاري مع الهند، ونحن على وشك تحقيق ذلك».