فريق ترمب... اختلاف في الآيديولوجيات يولّد انقسامات

توجّس من «حجم» مسؤوليات روبيو بعد إزاحة والتز

اجتماع لأعضاء إدارة ترمب بالبيت الأبيض في 30 أبريل 2025 (رويترز)
اجتماع لأعضاء إدارة ترمب بالبيت الأبيض في 30 أبريل 2025 (رويترز)
TT

فريق ترمب... اختلاف في الآيديولوجيات يولّد انقسامات

اجتماع لأعضاء إدارة ترمب بالبيت الأبيض في 30 أبريل 2025 (رويترز)
اجتماع لأعضاء إدارة ترمب بالبيت الأبيض في 30 أبريل 2025 (رويترز)

يبدو فريق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في ولايته الثانية متماسكاً أكثر من الفريق الذي اختاره في فترة رئاسته الأولى.

فمن الوجوه الجمهورية التقليدية، مثل ماركو روبيو وزير خارجيته، ومايك والتز مستشاره السابق للأمن القومي، إلى وجوه من حركة «ماغا»، ومنهم مبعوثه للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ووزير دفاعه بيت هيغسيث، ونائبه جي دي فانس، اختار الرئيس الأميركي فريقَه هذه المرة بعناية لتجنب الفضائح والتسريبات والإقالات والانشقاقات التي خيَّمت على عهده الأول.

لكن هذا الحذر لم يُجنِّبه صداعاً نابعاً بشكل أساسي من اختلاف وجهات النظر جذرياً في التعامل مع ملفات حساسة، لتكون الضحية الأولى مستشاره للأمن القومي مايك والتز، الذي أُقيل أخيراً من منصبه، الذي تسلمه روبيو مؤقتاً، ليصبح وبحسب تعبير «نيويورك تايمز»، «وزير كل شيء».

يستعرض برنامج «تقرير واشنطن»، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، مدى تأثير الانقسامات الآيديولوجية بفريق ترمب في ملفات حساسة داخلياً وخارجياً، بالإضافة إلى تداعيات إقالة والتز ومهام روبيو المتراكمة، وصولاً إلى النفوذ المتزايد لويتكوف.

إقالة أم ترقية؟

مايك والتز كان الضحية الأولى في إدارة ترمب الثانية (أ.ف.ب)

ولّدت فضيحة دردشة «سيغنال» عاصفةً من التجاذبات سلّطت الضوء على أسلوب مختلف في إدارة الأزمات من قبل فريق ترمب. ورغم أنها كانت بداية النهاية لمشوار والتز بصفته مستشاراً للأمن القومي، فإن بعض التقارير أفادت بأن قضايا أخرى، مثل إيران، شكَّلت محوراً مفصلياً أدى إلى قرار إقالته وترشيحه مندوباً أميركياً في الأمم المتحدة، ما سيضعه فعلياً تحت رحمة مجلس الشيوخ، المعني بالمصادقة عليه.

وبينما تؤكد الإدارة أن هذه الخطوة هي بمثابة ترقية لوالتز، يعارض البعض، ومنهم جينيفر غافيتو، كبيرة المستشارين في مجموعة «كوهين» ونائبة مساعد وزير الخارجية سابقاً ومرشحة بايدن السابقة لمنصب سفيرة لدى ليبيا، هذا التوصيف. وتشير غافيتو إلى أنه تم نقل والتز من منصب بارز ينسِّق السياسات الخارجية بين مختلف المرافق الحكومية إلى منصب سفير في الأمم المتحدة، «وهي منظمة سعت إدارة ترمب باستمرار إلى التقليل من أهميتها». لكنها تضيف: «لم يتردَّد الرئيس في إقالة الأشخاص الذين لم يعد يرغب بهم في إدارته. لذا أظن أن نقل والتز إلى منصب آخر يوحي بأنه ما زال يتمتع بنوع من الثقة من قبل الإدارة».

من ناحيته، يشير دوغلاس هاي، مدير الاتصالات السابق للجنة الوطنية الجمهورية ونائب مدير الاتصالات لزعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب سابقاً، أن توقيت فصل والتز كان مفاجئاً. ويفسر قائلاً: «إن ترمب لم يرد إجراء أي تغييرات في فريقه في المائة يوم الأولى من عهده، لأنه لم يرغب في أن يعطي أي ذخيرة للإعلام أو للديمقراطيين؛ لذلك انتظر إلى اليوم 101، ثم نقل مايك والتز إلى منصب آخر». لكن هاي يحذِّر أن ما جرى لوالتز هو طلقة تحذير لبقية فريقه الذي شارك في المحادثات على «سيغنال».

والتز ووزير الدفاع بيت هيغسيث خلال زيارة الرئيس الفرنسي البيت الأبيض في 24 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

ويعدّ هيوغو لورانس، السفير الأميركي السابق لدى هندوراس والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي في عهد بوش الابن ومدير البعثة الأميركية السابق في أفغانستان في عهد ترمب، أن اختلاف وجهات النظر في السياسة لعب دوراً كبيراً في إقالة والتز. وأشار إلى أن الأخير معروف بأنه من صقور الجمهوريين وبتشدّده حيال إيران، وأنه سعى إلى طرح أفكار متعلقة بتحرك عسكري ضد طهران في وقت دفع فيه ترمب نحو الدبلوماسية. بالإضافة إلى ذلك، يقول لورانس إن فضيحة «سيغنال» التي قوَّضت مصداقية والتز كشفت عن وجود خصوم سياسيين له داخل حركة «ماغا». وعن ترشيحه مندوباً في الأمم المتحدة وعدم إقالته بالكامل، يُرجِّح لورانس أن ذلك يعود إلى النفوذ الذي يتمتع به والتز في ولايته، فلوريدا، مشيراً إلى أن ترمب «لا يرغب في إغضاب قاعدته هناك». ويضيف: «هذه الترقية هي بالاسم فقط، بالاسم وليست ترقية حقيقية. إنها حل وسط».

روبيو... والوظائف الأربع

روبيو خلال حفل قسم اليمين لويتكوف بالبيت الأبيض في 6 مايو 2025 (رويترز)

مع إزاحة والتز، تسلَّم وزير الخارجية ماركو روبيو منصبه مؤقتاً ليصبح مسؤولاً عن 4 وظائف في وزارة الخارجية؛ تشمل كذلك مدير الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وأمين المحفوظات الوطنية، في خطوة يقول كثيرون إنها ستؤثر في أدائه. وفي حين تشير غافيتو إلى أن هنري كيسنجر تسلَّم وظيفتَي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي لفترة طويلة، فإن تعيين روبيو في منصب والتز يوحي بأن ترمب «يسعى إلى تقليص دور مجلس الأمن القومي بدرجة كبيرة». وأضافت: «ما نراه هو انهيار دور التنسيق بين السياسات الذي يلعبه مجلس الأمن القومي».

وتعدّ غافيتو أن السبب وراء ذلك يعود لأسلوب ترمب في إدارة سياسته الخارجية، إذ إنه «يميل إلى وضع ثقته في عدد قليل من الأشخاص»؛ ومن هؤلاء مبعوثه إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، الذي سلّمه مهاماً كثيرة، «والذي يُطبِّق السياسة الخارجية التي تتماشى مع رؤية الرئيس».

ويذكِّر هاي بأن روبيو يحظى بثقة الجمهوريين والديمقراطيين في مجلس الشيوخ، مشيراً إلى أنه المرشح الوحيد في إدارة ترمب الذي تمَّت المصادقة عليه بالإجماع، «وهذا أمر مهم جداً بالنسبة إلى إدارة ترمب في المستقبل». ويضيف: «الأمر لا ينطبق على ويتكوف أو على المرشحين الآخرين الذين تمَّت المصادقة عليهم، فالديمقراطيون لا يثقون بهم، على خلاف روبيو الذي يحظى بثقتهم، وهذا أمر مهم جداً للمضي قدماً في مسائل السياسة الخارجية التي تحتاج إلى دعم الكونغرس».

ويتكوف وترمب بالبيت الأبيض في 6 مايو 2025 (إ.ب.أ)

أما لورانس فيقول بحزم: «من المستحيل في دبلوماسية هذا القرن أن يتمكَّن شخص واحد من تنفيذ مهام وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي»، مُرجّحاً أن يتم تعيين شخص آخر في وظيفة والتز. ويعدّ لورانس أن لترمب أسلوبه الخاص في إدارة الملفات، مشيراً إلى أن هذا ينطبق على رؤساء آخرين من هاري ترومان الذي لم يكن لديه مستشار للأمن القومي، إلى ريتشارد نيكسون الذي أراد أن يدير الأمور من البيت الأبيض بشخص هنري كيسنجر. ويضيف: «في حالة ترمب، هناك أسلوب قيادة فريد يتعلّق بالشخص الذي يرتاح له الرئيس. فهو يعقد صفقات، وهو يريد أن ينعكس ذلك في تسليمه ملفات السياسة الخارجية، من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، لويتكوف».

ويتكوف... والمهام المتراكمة

ويتكوف يلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو يوم 25 أبريل 2025 (أ.ب)

من ناحيتها، تُحذِّر غافيتو من تسليم ويتكوف ملف الشرق الأوسط على وجه التحديد، مشيرة إلى ضرورة أن يكون لدى الشخص المعني بمفاوضات من هذا النوع «فهم أعمق بهذه المنطقة المعقدة». وتضيف: «لا شكّ أن الخبرة وإدارة الصفقات أمران مهمان، لكن إلى جانب ذلك يجب أن يكون هناك فريق عمل يفهم بالفعل التفاصيل الحساسة». وتُعطي غافيتو مثالاً على ذلك في المفاوضات مع إيران، لافتة إلى أن فريق التفاوض الإيراني لديه خبرة تمتد لعقود في التعامل مع الولايات المتحدة على خلاف الفريق الأميركي. وتضيف: «أخشى أنه من دون وجود خبراء حقيقيين من الجانب الأميركي على طاولة المفاوضات، ستنتهي الولايات المتحدة في وضع لا يسمح لها بالحصول على الصفقة الأفضل».

ويوافق لورانس على مقاربة غافيتو، مشدداً على أن نجاح المفاوضات في إيران أو أوكرانيا سيتطلّب تنسيقاً مع وزارتَي الخارجية والدفاع والمجتمع الاستخباراتي، وأضاف: «إذا أراد ويتكوف الحصول على فرصة للنجاح، فهو يحتاج للتعاون عن قرب مع كل الوكالات، لكن بشكل رئيسي مع وزير الخارجية».

وعن روبيو، يُذكّر لورانس بالعلاقة المتوترة جداً التي جمعت بين الرجلين في انتخابات عام 2016، واختلاف وجهات النظر الجذرية بينهما في ملفات السياسة الخارجية. ويستدرك: «لقد خصَّص روبيو وقتاً طويلاً لترميم العلاقات مع ترمب، وغيَّر توجهاته الخاصة بالسياسة الخارجية بشكل جذري لكي تتناسب أكثر مع أجندة (أميركا أولاً). هو طَموح جداً سياسياً، ومن الواضح أن لديه خطة للترشح للرئاسة في المستقبل، لذلك فهو سيسعى جاهداً لإرضاء الرئيس».

ويتكوف يدلي بقسم اليمين أمام روبيو بالبيت الأبيض في 6 مايو 2025 (أ.ب)

أما هاي، فيعدّ أنه من الطبيعي جداً أن يكون هناك تشنج في العلاقة بين المتنافسين خلال السباق الرئاسي، مُذكِّراً بالخلاف بين باراك أوباما وهيلاري كلينتون، وجورج بوش ورونالد ريغان، لهذا «من غير المفاجئ» على حد قوله رؤية ترمب يعمل بشكل وثيق مع روبيو. لكن هاي يتوقَّع أن يحتدم الخلاف بين الرجلين في ملفات أميركا اللاتينية، خصوصاً في حال قرَّر ترمب الانفتاح على كوبا، متسائلاً: «ماذا سيفعل ماركو روبيو الذي بنى مسيرته بأكملها على الهروب من كوبا ومحاربة الشيوعية؟»

من ناحيته، يُرجّح لورانس أن تكون هناك مشكلات أخرى بين ترمب وروبيو مع مرور الوقت؛ بسبب اختلاف الآيديولوجيات بين الجمهوريين التقليديين وأنصار «ماغا». ويعدّ أن أسلوب ترمب في القيادة «يعتمد على الفوضى والمفاجآت وإبقاء الجميع في حالة ترقب». ويختم قائلاً: «سنرى في النهاية إن كان ماركو روبيو سيتمكَّن من النجاة خلال السنوات الثلاث المقبلة، لأن العمل مع الرئيس ترمب ليس سهلاً».


مقالات ذات صلة

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

حتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة) أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد دونالد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
شؤون إقليمية صورة نشرها التلفزيون الرسمي من اجتماع الوفد الإيراني على هامش محادثات باكستان p-circle

طائرات باكستانية رافقت مفاوضي إيران خشية هجوم إسرائيلي

رافقت ​القوات الجوية الباكستانية المفاوضين الإيرانيين إلى بلادهم بعد أن حضروا في إسلام آباد محادثات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

عبّر السفير الأميركي لدى تركيا، توم براك، عن اعتقاده بحل الخلاف حول اقتناء تركيا منظومة الدفاع الروسية «إس - 400» قريباً

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا Brazilian President Luiz Inacio Lula da Silva (Photo by Evaristo Sa / AFP) p-circle

40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» تجتمع، الجمعة، ولمدة يومين نحو 40 دولة في عاصمة إقليم كاتالونيا برشلونة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
TT

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه يعتزم مواصلة محاصرة الموانىء الإيرانية في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع طهران، مشيرا إلى أنه قد لا يمدد وقف إطلاق النار بعد موعد انتهائه الأربعاء.

 

وقال ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «اير فورس وان» في تعليق على مصير وقف إطلاق النار في حال عدم التوصل لاتفاق مع طهران «ربما لن أمدده»، مضيفا «لكن الحصار سيظل قائما».

وقد أعادت إيران فتح مضيق هرمز الجمعة إثر اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، رغم تهديد طهران بإغلاق هذا الممر المائي الحيوي مجددا في حال استمرار الحصار الأميركي.

وعند سؤال ترمب عن إمكانية التوصل إلى اتفاق، قال «أعتقد أن ذلك سيحدث».

ولا تزال ثمة خلافات جوهرية بين مطالب الولايات المتحدة وإيران اللتين فشلتا سابقا في التوصل إلى اتفاق خلال محادثات باكستان.

وأبلغ ترمب الصحافيين أنه «لن تُفرض رسوم» من جانب إيران على السفن العابرة لمضيق هرمز، وهو مطلب طرحته الجمهورية الإسلامية خلال مفاوضات سابقة.

وفي منشور على منصته «تروث سوشال»، قال ترمب إن الرئيس الصيني شي جينبينغ «سعيد للغاية» بإعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي.

وأضاف «سيكون اجتماعنا في الصين مميزا، وربما تاريخيا»، في إشارة إلى القمة المزمع عقدها في بكين بين الرئيسين الأميركي والصيني في مايو (أيار).

كما شدد ترمب على أن واشنطن وطهران ستنقلان معا اليورانيوم المخصب المخزّن في إيران إلى الولايات المتحدة بموجب الخطة التي تعمل عليها واشنطن لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وكانت وزارة الخارجية الإيرانية قد صرّحت سابقا بأن مخزونها من اليورانيوم لن يُنقل «إلى أي مكان».

 


الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إعفاء لمدة شهر يسمح ببيع النفط الروسي المحمل على متن ناقلات في عرض البحر، وذلك في إطار خطوة سابقة لتهدئة ارتفاع أسعار الطاقة.

ويأتي هذا الترخيص الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية، بعد يومين من تصريح وزير الخزانة سكوت بيسنت بأن واشنطن لن تمدد الإعفاء.


انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
TT

انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

بالتوازي مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن حرب إيران شارفت على الانتهاء، في تغيير لافت في مواقفه من لهجة التصعيد إلى التهدئة، ومن التهديد إلى الانفتاح على التسوية.

وفي الداخل الأميركي، تتصاعد الضغوط على الإدارة مع ارتفاع مستمر في الأسعار، وتململ جمهوري من حرب قد تتحول إلى عبء انتخابي مع اقتراب استحقاق نوفمبر (تشرين الثاني) للتجديد النصفي.

في المقابل، لا تزال الحشود العسكرية تتوجه إلى الشرق الأوسط مع إعلان «البنتاغون» عن إرسال الآلاف من القوات الإضافية هذا الأسبوع.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، التجاذبات الداخلية في الولايات المتحدة جراء حرب إيران، وما إذا كانت تؤثر على توجّه ترمب في استئناف الحرب أو التوصل إلى اتفاق مع إيران.

لبنان وإيران

مع إعلان ترمب عن التوصل إلى وقف إطلاق نار بين لبنان وإسرائيل، رحب أدولفو فرانكو مستشار السيناتور الجمهوري السابق جون ماكين والخبير الاستراتيجي الجمهوري، بهذا التطور ووصفه بالإيجابي للغاية، مشيراً إلى ارتباطه الوثيق بالملف الإيراني. وفسّر قائلاً إن وقف إطلاق النار شكّل نقطة خلافية مع إيران، التي تصر على أنه كان جزءاً من الاتفاق الأولي معها، على خلاف موقف الولايات المتحدة.

ترمب أعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويعتبر فرانكو أن هذا الإعلان من شأنه أن يزيل عقبة أمام استمرار المفاوضات مع طهران.

من ناحيته، يعتبر إيان راسل نائب المدير التنفيذي السابق للجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، أن أحد أسباب هذا الإعلان هو أن ترمب يواجه مشكلة حقيقية في الداخل الأميركي، ما سيدفعه للجوء إلى تسوية مع إيران. ويشير إلى أنه أصبح في موقف دفاعي بسبب ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، وتأثير ذلك على استطلاعات الرأي، مضيفاً: «الرئيس يواجه مشكلة حقيقية في الوقت الحالي، والجمهوريون الذين يخوضون انتخابات نوفمبر يواجهون المشكلة ذاتها؛ لذا تبدو الإدارة في حالة يأس متزايد في محاولة للتوصل إلى حل لهذا الأمر».

وانعكس هذا القلق الجمهوري في تصويت مجلس النواب لتقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران؛ إذ كانت النتيجة متقاربة جداً بفارق صوت واحد فقط تمكن من إفشال إقراره، على خلاف مجلس الشيوخ، حيث لا يزال الجمهوريون محافظين على وحدة صفهم.

وتنقل دانييلا تشيسلو، مراسلة الأمن القومي في موقع «بوليتيكو»، ما سمعته من آراء المشرّعين بهذا الخصوص، مشيرة إلى تقارب الأرقام في مجلس النواب. وقالت إن الديمقراطيين سيستمرون في محاولاتهم طرح هذه المشاريع للتصويت للضغط على الجمهوريين في الموسم الانتخابي، في حين يحرص الجمهوريون على عدم إغضاب ترمب في هذه المرحلة، ويدفعون نحو المزيد من الإحاطات من الإدارة التي لا تزال حتى الساعة مغلقة.

انقسامات حزبية

دافع فرانكو عن الموقف الجمهوري الداعم لسياسات ترمب تجاه إيران، مشدداً على أن التقارب في الأصوات طبيعي في قضايا من هذا النوع بسبب التركيبة الحالية في الكونغرس.

زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ جون ثون بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (رويترز)

ويعتبر فرانكو أن تحرك الديمقراطيين في مساعيهم لتقييد صلاحيات ترمب هو سياسي بحت، مشيراً إلى أنه، حتى لو تم إقرار المشروع، يمكن لترمب استعمال حق النقض ضده. وفي رأي المحلل الجمهوري، فإن مشروع تفويض الحرب الذي أقره الكونغرس في عام 1973، والذي يعطي المجلس التشريعي صلاحية الإعلان عن الحرب، هو «غير قانوني ومخالف للدستور»، معرباً عن أمله في أن يسعى ترمب إلى اختباره في المحاكم الأميركية.

ويخفف فرانكو من وطأة حرب إيران على حظوظ الجمهوريين في الانتخابات النصفية، مشيراً إلى أن حزب الرئيس غالباً ما يخسر الأغلبية في مجلس النواب بغض النظر عن القضايا المطروحة.

كما خفّف من شأن ارتفاع الأسعار، وقال: «أنا أختلف تماماً مع هذه المقاربة، لو كان هذا هو التحليل في الحرب العالمية الثانية، لما خضنا الحرب. إيران تشكل تهديداً وجودياً للمنطقة وللعالم. إنها دولة إرهابية لا يمكننا تحمل امتلاكها سلاحاً نووياً».

ورداً على انتقادات الديمقراطيين، ذكر فرانكو أن سعر البنزين في عهد إدارة بايدن وصل إلى مستويات عالية بسبب حرب أوكرانيا، مضيفاً: «كانت إدارة بايدن تدعو الأميركيين إلى التحمل بسبب حرب أوكرانيا. والوضع نفسه ينطبق الآن على الجمهوريين. لكن الفارق هو أن الشعب الأميركي يدرك أن إيران تشكل تهديداً لأمن هذا البلد».

ترتفع أسعار البنزين في أميركا جراء حرب إيران (رويترز)

تصريحات أثارت استياء راسل، الذي أعرب عن أمله في أن يردد الجمهوريون مواقف فرانكو في انتخابات التجديد النصفي، معتبراً أن الشعب الأميركي سيستجيب بشكل سلبي للغاية لهذه الرسالة. ويضيف: «الجمهوريون في وضع حرج بالفعل مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وما فعله ترمب هو أنه عقّد فرصهم في الفوز. فهو ركز في حملته الانتخابية على خفض التكاليف. لكن بدلاً من ذلك، ارتفعت التكاليف. كما لم يحاول إقناع الشعب الأميركي بضرورة خوض هذه الحرب».

واعتبر راسل أن الحرب ستتسبب في «كارثة سياسية للمرشحين الجمهوريين في جميع أنحاء البلاد». وتوقع أن يبرم ترمب اتفاقاً مشابهاً لذلك الذي أبرمته إدارة باراك أوباما مع إيران، مضيفاً: «لقد أدرك الإيرانيون أنه بإمكانهم فرض رسوم عبور على مضيق هرمز. وقد نكون في وضع أسوأ مما كنا عليه في عام 2016 بعد أن أبرم أوباما الاتفاق النووي مع إيران. إنها كارثة سياسية كاملة بالنسبة لترمب والجمهوريين، وأخشى أن الأسوأ لم يأتِ بعد».

ترمب يتحدث عن سياساته الضريبية في نيفادا يوم 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتسلط تشيسلو الضوء على ما تسمعه من بعض النشطاء الجمهوريين، مشيرة إلى أنهم يشعرون بالقلق من الانتخابات، وتنقل عنهم: «لقد قال أحد النشطاء لزملائي إن كل شيء أصبح أكثر صعوبة بسبب القرارات الصادرة من البيت الأبيض، على حد تعبيره. إنهم يشعرون أنه في الوقت الذي يريدون فيه أن يركز الرئيس على مسألة القدرة على تحمل التكاليف، فإنه يشتت انتباهه بالحرب في إيران».

وأعطت مثالاً على ذلك قائلة إن الخامس عشر من أبريل (نيسان) كان يوم الضرائب في أميركا، وهو يوم كان من المفترض أن يعكس انتصاراً سياسياً كبيراً للجمهوريين الذين أقروا تخفيضات كبيرة في الضرائب، لكن الناس لا يشعرون بتخفيف العبء؛ لأن أسعار البنزين ترتفع. وتضيف: «يشهد المزارعون ارتفاعاً في أسعار الأسمدة والديزل. هذه فئة من الناخبين كانت داعمة جداً للرئيس. وأعتقد أن الاستراتيجيين الجمهوريين يشعرون بقلق أكبر قليلاً مما قد نسمعه من الجمهوريين، مثل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون، الذي يتحدث بثقة كبيرة داعماً لتحركات الرئيس». لكن فرانكو يعارض هذا التقييم، ويرفض استطلاعات الرأي التي تظهر أن أغلبية الأميركيين يعارضون الحرب، مشيراً إلى أن «موسم الحرب لم ينتهِ بعد». ويقول: «بمجرد أن تنتهي هذه الحرب، وأعتقد أنها ستنتهي لصالح الولايات المتحدة وسنحقق أهدافنا، أعتقد أن شعبية الرئيس سترتفع بشكل كبير، وستبدأ الأسعار في الانخفاض بسرعة. أنا أتفق أنه من الصعب دائماً إقناع الناس بضرورة شد أحزمتهم. لكن الأمر يتعلق بكيفية انتهاء هذا الصراع في النهاية، وأعتقد أن الناس يرون الفرق بين القوة والضعف. وما نراه الآن هو اختلاف كبير مع سياسات الديمقراطيين الكارثية الاستسلامية والانهزامية».

استراتيجية ديمقراطية

أما راسل فيعتبر أن ما يراه الشعب الأميركي مختلف عما يصوره فرانكو. ويقول إن «أحد الأسباب التي تجعل هذه الأزمة كارثة سياسية كبرى بالنسبة لترمب، هو أن الشعب الأميركي يقول إن الأموال تتوفر بوفرة عندما يريد الجنرالات والسياسيون خوض حرب، ولكن عندما يتعلق الأمر بتوفير الرعاية الصحية أو بناء البنية التحتية أو تنمية بلدنا ورعاية شعبنا، فإن ترمب نفسه قال إننا لا نستطيع توفير حضانات للأطفال وتوفير الرعاية الصحية لأن لدينا حرباً نخوضها. الشعب الأميركي لم يوافق على هذه الصفقة، ولن يقبل بذلك. ولهذا السبب، سيُطرد الجمهوريون من مناصبهم في نوفمبر».

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (أ.ب)

تصريحات أثارت غضب فرانكو الذي توجّه إلى راسل بالحديث قائلاً: «لن تقلق بشأن الرعاية الصحية أو سوق الأسهم أو الاقتصاد إذا أطلقت إيران قنبلة نووية على الولايات المتحدة. مشكلة الحزب الديمقراطي هي أنه يدعم فلسفة الأربعينيات، التي انتظرت حتى ضربة في بيرل هاربور. ربما ينجح ذلك في الحرب التقليدية وعدم شن ضربة استباقية، لكنه لا ينجح في عالم اليوم. لن نضطر إلى القلق بشأن اقتصادنا إذا طورت إيران سلاحاً نووياً؛ سنضطر إلى القلق بشأن بقائنا. وهذا هو ما يُعتبر قصر نظر. كان قصر نظر في الثلاثينيات عندما كان أمثالهم في السلطة ووقع هجوم بيرل هاربور، وهو قصر نظر اليوم».

تراجع الدعم الحزبي لإسرائيل

وفي ظل هذه الاتهامات المتبادلة، تتحدث تشيسلو عن تغيير لافت في المشهد السياسي الأميركي. وتعطي مثالاً على ذلك بتصويت مجلس الشيوخ على تقييد الأسلحة الأميركية لإسرائيل الذي طرحه السيناتور التقدمي بيرني ساندرز.

السيناتور التقدمي بيرني ساندرز في تجمع للنقابات العمالية بنيويورك يوم 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

فرغم إسقاط المشروع، فإنه حصد دعم 40 ديمقراطياً من أصل 47، وهو يُعدّ سابقة في الكونغرس الذي لطالما دعم الحزبان فيه إسرائيل. وأضافت: «ما نراه الآن هو أن إسرائيل ستظهر مراراً وتكراراً كقضية حاسمة للغاية بالنسبة للديمقراطيين في الانتخابات النصفية، وستشكل نوعاً من الاختبار الحاسم لمعرفة مَن في الحزب مستعد لاتخاذ موقف أكثر تقدمية، وأكثر يسارية، وانتقادي تجاه إسرائيل، ومَن سيبقى متمسكاً بالموقف الأكثر اعتدالاً للحزب، الذي، مثل الجمهوريين، ظل على مدى عقود متحالفاً مع إسرائيل».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحافي بالقدس يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويلوم راسل رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسياساته على جعل إسرائيل قضية حزبية، بعد أن كانت قضية يُجمع عليها الحزبان. ويضيف: «لقد كانت إسرائيل وأمنها يعلوان على السياسة الحزبية، لكن نتنياهو غيّر ذلك. إذا نظرتم إلى التصويت في مجلس الشيوخ، فإن أي ديمقراطي في المجلس يفكر بجدية في الترشح للرئاسة صوّت لصالح مشروع ساندرز. وهذا يعكس موقف الناخبين وموقف الديمقراطيين. فهناك شعور أن إسرائيل تحصل على كل ما تطلبه من الولايات المتحدة. وحقيقة الأمر أن ترمب حقق حلم نتنياهو المحموم بضرب إيران، والشعب الأميركي يدفع ثمناً باهظاً لذلك».