صعود عالمي لجماعات مسلحة لا تتبع دولاً بالتزامن مع الانحسار الأمريكي

الذكاء الاصطناعي يسهِّل عمليات التجنيد ونشر المعلومات المضللة

صورة غير مؤرخة قدمها الجيش الفرنسي تُظهر مرتزقة روسيين تابعين لمجموعة «فاغنر» التي تمردت لفترة وجيزة على سلطة الرئيس فلاديمير بوتين يستقلون طائرة هليكوبتر شمال مالي (أ.ب)
صورة غير مؤرخة قدمها الجيش الفرنسي تُظهر مرتزقة روسيين تابعين لمجموعة «فاغنر» التي تمردت لفترة وجيزة على سلطة الرئيس فلاديمير بوتين يستقلون طائرة هليكوبتر شمال مالي (أ.ب)
TT

صعود عالمي لجماعات مسلحة لا تتبع دولاً بالتزامن مع الانحسار الأمريكي

صورة غير مؤرخة قدمها الجيش الفرنسي تُظهر مرتزقة روسيين تابعين لمجموعة «فاغنر» التي تمردت لفترة وجيزة على سلطة الرئيس فلاديمير بوتين يستقلون طائرة هليكوبتر شمال مالي (أ.ب)
صورة غير مؤرخة قدمها الجيش الفرنسي تُظهر مرتزقة روسيين تابعين لمجموعة «فاغنر» التي تمردت لفترة وجيزة على سلطة الرئيس فلاديمير بوتين يستقلون طائرة هليكوبتر شمال مالي (أ.ب)

حذر مسؤولون أمنيون وخبراء من مختلف أنحاء العالم، هذا الأسبوع، من أن عدة اتجاهات جديدة تُمكّن الجماعات المتطرفة العنيفة من التوسع وتحقيق أرباح أكبر، مما يمنحها مستقبلاً أكثر إشراقاً وربحية. وجاءت التحذيرات في إطار انعقاد «منتدى مركز سوفان الأمني».

ونبه المشاركون إلى أن العملات المشفرة والاستخدام المتقن للشركات الوهمية يساعدان هذه الجماعات على جمع الأموال. كما أن الذكاء الاصطناعي يسهِّل عمليات التجنيد ونشر المعلومات المضللة. وأدى تراجع الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى ازدهار مثل هذه الحملات. في الوقت ذاته، فإن تراجع الولايات المتحدة عن جهودها الدبلوماسية متعددة الأطراف، قلَّل مستوى الضغط الذي كان يكبح جماح تلك الجماعات.

كل هذا يزيد هذه الجماعات قوة واستقلالية، ويزيد من فائدتها كأدوات بالوكالة لحساب الأنظمة الاستبدادية.

الملاحَظ أن الميليشيات المدعومة من دول، لم تعد تعمل على الهامش، بل باتت تستخدم أسلحة وتكتيكات متطورة بشكل متزايد، الأمر الذي يرجع إلى عدة أسباب، منها زيادة التمويل وتدفق الأسلحة من رعاة استبداديين.

«فاغنر» في أوكرانيا

على سبيل المثال، نشرت روسيا مجموعة «فاغنر» في أوكرانيا وأفريقيا والشرق الأوسط.

صورة من مقطع فيديو نُشر 20 مايو 2023 على حساب «تلغرام» التابع للخدمة الصحافية لشركة «كونكورد» المرتبطة برئيس «فاغنر» المرتزقة الروسية يفغيني بريغوزين الذي يظهر واقفاً أمام علم وطني روسي مع جنوده الذين يحملون أعلام المجموعة (أ.ف.ب)

إلا أن هذا الحضور يبدو جلياً بشكل خاص في اليمن، حيث حوّلت المساعدات الإيرانية المادية والتقنية الحوثيين من حركة تمرد محلي إلى تهديد إقليمي.

جمات الحوثيين

اللافت أن هجمات الحوثيين تطورت من إطلاق صواريخ قصيرة المدى، إلى استخدام صواريخ كروز وطائرات مُسيَّرة، لضرب أهداف على بُعد مئات الأميال. وبالفعل، استهدفوا منشآت نفطية سعودية ومطارات إسرائيلية وأراضي إماراتية وسفناً في المياه الدولية.

عصرٌ ماليٌّ جديد

اليوم، أصبح من السهل أكثر من أي وقت مضى على الجماعات المتطرفة، جمع التمويل، حسبما شرح جان غليمان، العقيد المتقاعد من الجيش الأمريكي والباحث في «مبادرة الأمن المستقبلي»، التابعة بجامعة ولاية أريزونا.

وأضاف: «تاريخياً، كانت خيارات الجماعات الفاعلة غير الحكومية محدودة -كان عليها الاعتماد على المتطوعين والتبرعات. وإذا سيطرت على أرض، يمكنها حينها فرض ضرائب. وإذا كانت تملك الوسائل المناسبة فإنه يمكنها طلب الدعم من الشتات، أو المخاطرة بطلب راعٍ خارجي قد يُفقدها استقلاليتها».

العملات المشفرة

وأضاف غليمان أن هذه الخيارات المحدودة توسعت مع ظهور العملات المشفرة، والقدرة على إنشاء شركات وهمية بسرعة، وتنفيذ المعاملات المشفرة.

وقد طوَّر كثير من الجماعات غير التابعة لدول، مصادر دخل تتنوع ما بين صفقات الأسلحة في السوق السوداء، وشبكات فرض ضرائب داخل مناطق خارجة عن سيطرة الدولة.

وفي سياق متصل، قال محلل استخباراتي معنيٌّ بتتبع الجماعات غير التابعة لدول في الشرق الأوسط، إن المعاملات المالية الرقمية مكَّنتها من التلاعب بعقود حكومية وغسل الأموال من خلالها. وأضاف أن الفساد المحلي، خصوصاً في الشرق الأوسط، يلعب دوراً كبيراً في هذا الأمر: «الكل يحصل على نصيبه».

خدمات للإيجار

من ناحية أخرى، حوَّل بعض الجماعات أعمال الجريمة والتخريب إلى خدمات للإيجار. وأفاد خبراء أمنيون ومسؤولون استخباراتيون بأن مجموعة «فاغنر» تستخدم تطبيق «تلغرام»، لتجنيد أشخاص لتنفيذ عمليات حرق وجرائم أخرى.

وقالت ريبيكا وينر، نائبة مفوض مكتب الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في نيويورك: «نعاين ذلك في مدينتنا، مع جماعات إجرامية عابرة للحدود. ومثال على ذلك عصابة «ترين دي أراغوا» الفنزويلية، التي تنفّذ جرائم فردية متعاقَد عليها باستخدام التكنولوجيا، مما يجعلها نموذجاً لتأجير اليد العاملة الإجرامية».

هجوم صاروخي حوثي على سفينة شحن ليبيرية قبالة سواحل جنوب اليمن أسفر عن مقتل 3 من أفراد الطاقم وإصابة 4 آخرين حسب الجيش الأمريكي (د.ب.أ)

وهناك كذلك مفهوم الدولة الراعية بوصفها «مستثمر ملّاك». من جهته، قال العقيد الأمريكي المتقاعد جياني كوسكيناس، الذي يتولى الآن منصب المدير التنفيذي لمؤسسة «هوبلايت غروب»، إن إيران: «تُبدي ذكاءً في استغلالها للأموال، فهي تستخدمها على أنها تمويل مبدئي لجماعات تعمل بالوكالة، ثم ينتهي الحال بهذه الجماعات إلى كيانات قادرة على جني الأموال بنفسها». وأوضح أنه «على أقل تقدير، تحقق هذه الجماعات الاكتفاء الذاتي».

استقلالية أكبر

هذا العصر المالي الجديد يمنح الجماعات المتطرفة استقلالية أكبر عن داعميها من الدول، كما يساعدها على التملص من صور الضغط الدولي، مثل العقوبات. وأشار غليمان إلى أن بعض هذه الجماعات، ربما بدأت بالتحول من الأهداف الآيديولوجية إلى الربحية.

واستطرد موضحاً أن «سبل حشد الموارد يمكن أن يعيد تشكيل هوية هذه الجماعات بمرور الوقت، فبعضها يبدأ بدوافع سياسية، ثم يتطور ليصبح كياناً يسعى للربح».

الانتصار على صعيد السرد

مع تراجع منصات التكنولوجيا عن جهود مكافحتهم، تزداد قدرة المتطرفين على التجنيد وجمع الأموال ونشر المعلومات المضللة.

رجال يُشتبه في انتمائهم لتنظيم «داعش» ينتظرون تفتيشهم من عناصر «قسد» بعد مغادرتهم آخر معاقل التنظيم في محافظة دير الزور شمال سوريا 22 فبراير 2019 (أ.ف.ب)

في هذا الصدد، شرح آدم هادلي، المدير التنفيذي لمجموعة «التكنولوجيا ضد الإرهاب»، ومقرها المملكة المتحدة، أن «الحوثيين، مثلاً، يستغلون موقع (إكس) في بيع أسلحة. إنه لأمر صادم للغاية حجم الأسلحة التي يجري الاتجار فيها عبر الإنترنت، ومدى ضآلة الجهود الرامية لمكافحة ذلك».

في هذا السياق، عبّر مارك أوين جونز، الأستاذ المشارك في تحليل وسائل الإعلام بجامعة نورثويسترن في قطر، والذي يُجري تحقيقات حول حملات التضليل، عن اعتقاده بأن إيلون ماسك، مالك منصة «إكس»، لا يكتفي بعدائه لسياسات مراقبة المحتوى، بل يعد ناشراً للمعلومات المضللة.

وقال عبد القادر بقاق، العالم البارز في معهد قطر لبحوث الحوسبة، إن المتطرفين يعززون جهودهم باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، في الوقت الذي تتردد فيه الدول تجاه التعامل مع هذا الواقع.

وقال بقاق: «الجهات الحكومية متأخرة للغاية عن الجهات غير الحكومية. والسبب أن هذه التكنولوجيا أصبحت في متناول الجميع، والدول وجدت نفسها في عالم لا تعرف كيف تتعامل معه -سواء على مستوى السياسات، أو التشريعات، أو غيرها- فالإمكانات التكنولوجية تفوق بكثير قدرتنا على وضع السياسات وسَن القوانين».

تراجُع الولايات المتحدة في الولايات المتحدة

عمدت إدارة ترمب إلى تفكيك مؤسسات أُنشئت لمواجهة السرديات المتطرفة، مثل «مركز المشاركة العالمية»، (غلوبال إنغيدجمنت سنتر)، و«صوت أمريكا»، الأمر الذي يصب في مصلحة المتطرفين، حسب غليمان من جامعة ولاية أريزونا.

وأضاف غليمان: «الشرعية تُنتزع أولاً داخل ساحة السرديات، قبل أن تُنتزع في ميادين المعارك. مواجهة الجماعات العنيفة من غير الدول تتطلب الاستثمار في روايات محلية، ورُسُل محليين، وثقة سياسية، وليس فقط استراتيجيات اتصال تقنية ومشروعات تنموية». ويأتي قرار إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ليحرم هذه المشروعات من التمويل، الذي تحتاج إليه بشدة.

ومع ذلك، فإن ما يثير قلق غليمان وغيره من المشاركين في المنتدى أكثر، هو انسحاب الولايات المتحدة الأوسع من المؤسسات الدولية، التي تراقب الفساد والمعاملات المالية.

وأوضح أن استخدام القوة العسكرية الصارمة لا يُعد رداً مناسباً على تهديد الكيانات الإجرامية العابرة للحدود، الأمر الذي قال إنه يشرحه لطلابه.

وقال إن طلابه «يتوقعون دراسة تكتيكات حروب العصابات ومهام مكافحة الإرهاب، لكن ينتهي الحال بهم إلى التعرف على طرق غسل الأموال، و(مجموعة العمل المالي)، وكيفية رسم خرائط الملكية، ومثل هذه الجوانب المهمة».

كما قلصت واشنطن جهودها في مراقبة التدخلات الأجنبية في الانتخابات، ومراقبة الفساد -مما يعد انسحاباً من مجالات حيوية في وقت شديد السوء.

وشدد على أن «القدرة على مواجهة آليات تعبئة الموارد لدى الجماعات غير التابعة لدول، أمر بالغ الأهمية -ويتطلب تعاوناً عالمياً».

من جهته، أوضح المحلل المعنيّ بالشؤون الأمنية لدى شبكة «سي إن إن»، بيتر بيرغن، أن الرئيس جو بايدن كان داعماً قوياً للمؤسسات متعددة الأطراف، إلا أن تراجع الولايات المتحدة عن الساحة العالمية -خصوصاً انسحاب القوات من الشرق الأوسط- شكل اتجاهاً راسخاً في السياسات الأمريكية منذ قبل وصول ترمب إلى السلطة، مما أسهم في صعود هذه الجماعات.

ما شكل العالم حين تزداد الجماعات غير التابعة لدول تطرفاً وقوة؟ هنا، أجاب كوسكيناس: «انظروا إلى سوريا، حيث تتنافس مجموعات تعمل بالوكالة لصالح روسيا، والولايات المتحدة، وإيران، والعراق، وتركيا -التي تُعد المنتصر الأبرز- على النفوذ».

* خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

الجيش النيجيري يعلن القضاء على 24 مقاتلاً من «بوكو حرام»

أوروبا وحدة من قوات الشرطة تجوب شوارع مينا في نيجيريا (أ.ب)

الجيش النيجيري يعلن القضاء على 24 مقاتلاً من «بوكو حرام»

الجيش النيجيري يعلنُ القضاء على 24 مقاتلاً من «بوكو حرام»، بعد أن حاول عشرات المقاتلين من التنظيم الهجوم على قرية كوكاريتا.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»

اجتماع عسكري جزائري - موريتاني للتنسيق الأمني وإدارة الحدود

عقد وفدان عسكريان من الجزائر وموريتانيا اجتماعاً في مدينة تندوف، أقصى جنوب غربي الجزائر، بالقرب من الحدود بين البلدين، بهدف «تطوير التنسيق الأمني المشترك».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

نيجيريا: مقتل 20 مدنياً على يد «بوكو حرام»

هدد تنظيم «بوكو حرام» الإرهابي بتصفية 416 رهينة لديه إذا لم تستجب الحكومة لمطالبه المتمثلة في دفع مبلغ 3.7 مليون دولار أميركي...

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش خلال اجتماع حماية المنشآت من التهديدات (وزارة الدفاع)

الجزائر: قائد الجيش يبحث حماية المنشآت الحيوية من «تهديدات جديدة»

الفريق سعيد شنقريحة يؤكد أن وقاية المنشآت الحيوية والبنى التحتية «تعد خياراً استراتيجياً وعقلانياً وجزءاً أساسياً في منظومة الدفاع الوطني»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية أفراد من الشرطة يفتشون سيارة بموقع حادث بعد سماع دوي إطلاق نار بالقرب من مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول 7 أبريل 2026 (رويترز)

تركيا توقف 90 شخصاً تشتبه بارتباطهم بـ«داعش»

أعلنت وزارة الداخلية التركية، الاثنين، توقيف 90 شخصاً للاشتباه بارتباطهم بـ«داعش»، وذلك بعد أسبوعين من عملية إطلاق نار خارج القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

وزارة العدل الأميركية: يجب استخدام طرق إعدام مثل الرمي بالرصاص والصعق الكهربائي

صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)
صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)
TT

وزارة العدل الأميركية: يجب استخدام طرق إعدام مثل الرمي بالرصاص والصعق الكهربائي

صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)
صورة من مقر وزارة العدل الأميركية في واشنطن 24 يناير 2023 (رويترز)

قالت وزارة ‌العدل الأميركية، اليوم الجمعة، إن على الحكومة الأميركية إضافة الإعدام رمياً بالرصاص وصعقاً بالكهرباء وباستنشاق الغاز لطرق إعدام ​المدانين بارتكاب أخطر الجرائم الاتحادية، وذلك في تقرير أشار إلى الصعوبات التي تواجه الحصول على الأدوية اللازمة للحقن المميتة.

وجاء التقرير في إطار تنفيذ لتعهد من الرئيس دونالد ترمب باستئناف تطبيق عقوبة الإعدام في ولايته الرئاسية الثانية. وفي ولايته الأولى، التي انتهت في 2021، استأنف ‌ترمب تنفيذ عقوبة الإعدام ‌بعد توقف استمر 20 ​عاماً؛ ‌إذ أعدم ​13 سجيناً اتحادياً بالحقن المميتة خلال أشهر قليلة في نهاية ولايته.

وقالت الوزارة إن تود بلانش، القائم بأعمال وزير العدل الأميركي والذي أصدر التقرير، أذن بالسعي إلى إصدار أحكام بالإعدام بحق تسعة أشخاص بعد أن ألغى ترمب قرار وقف تنفيذ أحكام الإعدام الاتحادية الذي أصدره الرئيس السابق ‌جو بايدن، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضافت الوزارة، ‌في بيان: «من بين الإجراءات المتخذة ​إعادة اعتماد بروتوكول الحقن ‌المميت الذي استُخدم خلال إدارة ترمب الأولى، وتوسيع ‌نطاق البروتوكول ليشمل طرق إعدام إضافية مثل الرمي بالرصاص، وتبسيط الإجراءات الداخلية لتسريع حالات الإعدام».

وقال بلانش: «تحت قيادة الرئيس ترمب، تعود وزارة العدل مرة أخرى إلى ‌تطبيق القانون والوقوف في صف الضحايا».

وفي التقرير، أصدر بلانش تعليمات إلى مكتب السجون التابع لوزارة العدل بتعديل بروتوكول الإعدام «ليشمل طرق إعدام إضافية ودستورية ينص عليها حالياً قانون بعض الولايات»، مشيراً إلى الطرق القديمة المتمثلة في الإعدام رمياً بالرصاص والصعق بالكهرباء، وطريقة الإعدام الجديدة بالاختناق بالغاز بادرت ولاية ألاباما بتطبيقها في 2024.

وذكر التقرير: «سيساعد هذا التعديل على ضمان استعداد الوزارة لتنفيذ عمليات الإعدام القانونية حتى في حالة عدم توفر عقار معين».

وخفف بايدن، وهو ديمقراطي، أحكام ​37 مداناً من ​المحكوم عليهم بالإعدام في السجون الاتحادية، ولم يتبقَّ سوى 3 رجال.


حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
TT

حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)

تتناول تقارير أميركية حديثة استنزاف مخزونات الذخائر في الحرب مع إيران؛ ما قد يؤدي إلى معضلة أكبر من مجرد حسابات عسكرية آنية في الشرق الأوسط. فالمسألة لم تعد محصورة في قدرة الولايات المتحدة على مواصلة حملة جوية وصاروخية مكثفة ضد إيران، بل باتت تتصل مباشرة بجاهزية الجيش الأميركي لمواجهة طارئة في مسارح أخرى، خصوصاً في غرب المحيط الهادئ إذا قررت الصين التحرك ضد تايوان، أو في أوروبا إذا تصاعد التهديد الروسي.

وفي خلفية هذا النقاش، يبرز سؤال سياسي لا يقل حساسية، وفق ما يطرحه محللون، وهو: هل تعكس التسريبات قلقاً حقيقياً داخل المؤسسة العسكرية، أم أنها تتحول أيضاً أداةَ ضغطٍ على الكونغرس لتمرير ميزانية دفاعية ضخمة وطلب تمويل إضافي للحرب؟

وتستند هذه المخاوف إلى تقارير نشرتها صحف أميركية عدة، إضافة إلى تقديرات من مركز دراسات استراتيجية ودولية، تشير إلى أن الحرب مع إيران استهلكت كميات كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى واعتراضات دفاعية باهظة التكلفة.

وعلى سبيل المثال، تحدثت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن إطلاق أكثر من ألف صاروخ «توماهوك» وما بين 1500 و2000 صاروخ دفاع جوي اعتراضي، بينها «ثاد» و«باتريوت» و«ستاندرد»، مع تقديرات بأن تعويض بعض المخزونات بالكامل قد يستغرق حتى ست سنوات.

أما صحيفة «نيويورك تايمز»، فأشارت إلى استخدام نحو 1100 صاروخ «جاسم - إي آر» وأكثر من 1200 صاروخ «باتريوت»، فضلاً عن أكثر من ألف صاروخ أرضي من طرازات دقيقة؛ ما جعل المخزون العالمي الأميركي تحت ضغط شديد.

مخزون يتآكل سريعاً

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ورئيس أركان القوات المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون 24 أبريل (أ.ف.ب)

وتكمن خطورة هذه الأرقام في أن كثيراً من الذخائر المستهلكة ليست من النوع الذي يمكن استبداله سريعاً. فصواريخ «توماهوك» و«جاسم - إي آر» و«باتريوت» و«ثاد» ليست ذخائر عادية، بل هي جزء من العدة الأساسية لأي مواجهة مع قوة كبرى، خصوصاً في بيئة بحرية وجوية معقدة كالتي يتوقعها المخططون الأميركيون في حال نشوب حرب حول تايوان مثلاً. لذلك؛ لا يقاس الاستنزاف بعدد الصواريخ وحده، بل بموقع هذه الصواريخ داخل خطط الحرب الأميركية.

وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن بعض المسؤولين في الإدارة باتوا يقدّرون أن الولايات المتحدة قد لا تستطيع، في المدى القريب، تنفيذ خطط الدفاع عن تايوان بالكامل إذا وقع غزو صيني مفاجئ.

ويكمن جوهر القلق في أن الحرب مع إيران استهلكت ذخائر كان يُفترض أن تبقى جزءاً من «مخزون الردع» في آسيا. فالصين، بخلاف إيران، تملك قوة صاروخية وبحرية وجوية ضخمة، وتستند عقيدتها العسكرية في أي حرب محتملة إلى منع القوات الأميركية من الاقتراب، عبر كثافة نيران وصواريخ مضادة للسفن والطائرات.

في مثل هذا السيناريو، تصبح الاعتراضات الدفاعية والصواريخ البعيدة المدى سلعة استراتيجية لا يمكن تعويض نقصها بمجرد نقل وحدات أو حاملات إضافية.

تايوان وحرب إيران

تجربة صاروخ باليستي لكوريا الشمالية في موقع غير محدد 19 أبريل (أ.ف.ب)

من جانبها، تؤكد الإدارة الأميركية أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة عن خوض حرب كبرى. فالبيت الأبيض نفى بشدة خلاصات التقارير التي تتحدث عن ضعف القدرة العسكرية؛ إذ قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، إن فرضية النقص «خاطئة»، مؤكدة أن الولايات المتحدة تملك أقوى جيش في العالم ومخزونات كافية لتنفيذ أي عملية يوجه بها الرئيس.

وقال أيضاً المتحدث باسم وزارة الحرب (البنتاغون) شون بارنيل، إن الجيش يملك ما يحتاج إليه لتنفيذ المهمة في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس.

لكن النفي السياسي لا يلغي جوهر المشكلة العملياتية. فقائد القوات الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ، الأدميرال صامويل بابارو، حاول خلال شهادته في الكونغرس، الموازنة بين دعم العمليات الجارية في الشرق الأوسط والطمأنة إلى أن الردع ضد الصين لم يتضرر. غير أنه أقرّ ضمناً بوجود حدود في «المخزن»، وهي عبارة تحمل دلالة مهمة في النقاش العسكري الأميركي، مفادها أن القضية ليست فقدان القدرة، بل ارتفاع المخاطر إذا جاءت الأزمة التالية قبل إعادة ملء المخازن.

وتتعمق هذه المخاوف مع نقل منظومات وذخائر من آسيا وأوروبا إلى الشرق الأوسط. فالتقارير تتحدث عن إرسال رادارات من كوريا الجنوبية، وتحريك صواريخ اعتراضية من منظومة «ثاد»، وتحويل وحدات من مشاة البحرية من المحيط الهادئ إلى المنطقة.

كما سبقت ذلك إعادة توجيه حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط.

هذه التحركات لا تعني انسحاباً أميركياً من آسيا، لكنها تمنح بكين مادة دعائية وسياسية للقول إن واشنطن مشتتة بين حروب متعددة، وإن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الحلفاء ليست بلا حدود، وفق ما يقول عدد من المحللين.

امتحان الزمن والتكلفة

حاملة طائرات أميركية من طراز «نيميتز» خلال مناورات تدريبية في تشيلي 18 أبريل (رويترز)

تكشف الحرب مع إيران عن فجوة مزمنة في قاعدة التصنيع الدفاعي الأميركية. فقد اعتادت الولايات المتحدة على خوض حروب ضد خصوم أضعف بتكلفة عسكرية يمكن احتواؤها، لكنها تجد نفسها الآن أمام معادلة مختلفة، وهي استخدام ذخائر بملايين الدولارات لاعتراض صواريخ أو مسيّرات أرخص بكثير، أو لضرب أهداف كثيرة ومتفرقة في مسرح واسع.

وإذا صح أن تكلفة الحرب حتى الآن تراوح بين 25 و35 مليار دولار، حسب تقديرات نقلتها «نيويورك تايمز»، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالنفقات، بل بوتيرة الاستهلاك مقارنة بوتيرة الإنتاج.

تقول بعض التقارير إن إنتاج «باتريوت» في عام كامل لا يعادل تقريباً نصف ما استُهلك في الحرب. وتضيف أن تعويض «توماهوك» و«ثاد» و«ستاندرد» قد يستغرق سنوات، حتى لو ضُخت أموال جديدة. فالمال يشتري العقود، لكنه لا يبني فوراً خطوط إنتاج ولا يؤمّن سلاسل توريد معقدة ولا يضاعف العمالة المتخصصة خلال أسابيع.

لهذا؛ يضغط «البنتاغون» على شركات مثل «لوكهيد مارتن» و«آر تي إكس» لزيادة الإنتاج، بل ويفتح قنوات مع شركات السيارات والمصانع المدنية لاختبار إمكان تحويل جزء من القدرة الصناعية الأميركية إلى نمط أقرب إلى «اقتصاد حرب».

غير أن هذا التحول يصطدم بواقع سياسي واقتصادي. فشركات الدفاع تريد عقوداً طويلة الأجل قبل توسيع مصانعها، والكونغرس يريد رقابة على التكلفة، والرأي العام قد لا يتقبل بسهولة إنفاقاً إضافياً ضخماً على حرب لا تزال نهايتها غير واضحة.

وبينما تطلب الإدارة ميزانية دفاعية تصل إلى 1.5 تريليون دولار، وتطرح في الوقت نفسه حاجة إلى تمويل إضافي بنحو 200 مليار دولار للحرب مع إيران، تصبح أرقام الذخائر جزءاً من معركة داخل واشنطن حول حجم الدولة الأمنية والعسكرية في عهد ترمب.

إنذار أم ضغط على الكونغرس؟

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

ويتفق المراقبون على أنه من الصعب فصل البعد العسكري عن البعد السياسي في توقيت هذه التقارير. فالتسريبات تخدم، من جهة، وظيفة إنذارية حقيقية: تنبيه صناع القرار إلى أن الحروب الإقليمية الطويلة قد تستهلك بسرعة ذخائر مخصصة أصلاً لمنافسة القوى الكبرى. لكنها، من جهة أخرى، تمنح «البنتاغون» وحلفاءه في الكونغرس حجة قوية لطلب اعتمادات إضافية، تحت عنوان أن عدم التمويل لا يهدد حملة إيران وحدها، بل يضعف الردع في تايوان وأوروبا وكوريا الجنوبية.

هنا تتبدى المفارقة في خطاب الإدارة. فترمب يقول إن لدى الولايات المتحدة إمدادات تكاد تكون «غير محدودة» من بعض الذخائر، بينما تطالب مؤسسته العسكرية بزيادة تاريخية في الإنفاق وتسريع الإنتاج.

وينفي البيت الأبيض أن تكون الجاهزية قد تضررت، لكنه يدفع في الوقت نفسه باتجاه استثمارات ضخمة في القاعدة الصناعية الدفاعية. هذه المفارقة ليست جديدة في السياسة الأميركية: الطمأنة مطلوبة للحلفاء والخصوم، أما التهويل المدروس فمفيد داخل الكونغرس.

الخلاصة، أن حرب إيران لا تختبر القوة الأميركية في الشرق الأوسط وحده، بل تختبر نموذج القوة الأميركية عالمياً. فإذا كانت واشنطن قادرة على ضرب آلاف الأهداف، فإن السؤال الأعمق هو: كم مرة تستطيع أن تفعل ذلك، وفي كم مسرح، وبأي تكلفة، ومن دون أن تفتح نافذة إغراء أمام خصومها؟ تلك هي المعضلة التي تجعل نقص الذخائر قضية استراتيجية لا لوجستية فحسب.


ترمب يكسر مقاطعته ويشارك لأول مرة في حفل مراسلي البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يكسر مقاطعته ويشارك لأول مرة في حفل مراسلي البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

تشهد العاصمة الأميركية واشنطن، مساء السبت، حدثاً سياسياً – إعلامياً استثنائياً مع مشاركة الرئيس دونالد ترمب لأول مرة في حفل «عشاء مراسلي البيت الأبيض»، بعد سنوات من المقاطعة والانتقادات الحادة للمؤسسة الصحافية وسط تساؤلات وترقب حول ما سيقوله ترمب، وكيف ستكون ردة فعل الصحافيين، وهل سيستغل ترمب الحقل المخصص للاحتفال بالتعديل الأول للدستور وحرية الصحافة للشكوى من الأخبار المزيفة، أم سيوجه انتقاداته بأسلوب أخف وطأة.

الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)

غير أن هذه العودة لا تعني استعادة التقاليد القديمة، بقدر ما تعكس تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والإعلام، وفي وظيفة هذا الحدث الذي يعد تقليداً عريقاً يعود تاريخه إلى 100 عام منذ حضور الرئيس كالفن كوليدج عام 1924 له، والذي كان يُعرف تاريخياً بمزيج من السخرية السياسية والاحتفاء بحرية الصحافة.

كسر المقاطعة: من «الأخبار الكاذبة» إلى الحضور

الرئيس الأميركي باراك أوباما يمنح الممثل والمخرج روبرت ريدفورد وسام الحرية الرئاسي عام 2016 (أ.ف.ب)

وترى العديد من الشبكات الصحافية أن قرار ترمب المشاركة، هذا العام، يمثل انعطافة لافتة في موقفه من الحفل، الذي قاطعه طوال ولايته الأولى، مبرراً ذلك بما وصفه بـ«عداء غير مسبوق» من قبل الصحافة. وكتب مؤخراً أنه قاطع الحدث؛ لأن الإعلام كان «سيئاً للغاية» معه، ودأب على نشر «أخبار كاذبة بالكامل» عنه، لكنه أبدى هذه المرة تطلعاً إلى أن يكون الحفل مميزاً.

هذا التحول يقرؤه مراقبون في سياق أوسع: محاولة من ترمب لإعادة ضبط العلاقة مع النخبة الإعلامية دون التراجع عن خطابه النقدي؛ فالرئيس الذي خاض معارك قضائية وإعلامية مع مؤسسات كبرى، وفرض قيوداً على بعض وسائل الإعلام، يدرك في الوقت نفسه أهمية هذا الحدث بوصفه منصة رمزية تجمع صناع القرار والسياسيين ومشاهير هوليوود والصحافيين في فضاء واحد.

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وقرينته ميشيل يحيِّيان دونالد ترمب وزوجته ميلانيا في حفل تنصيب الرئيس الجمهوري عام 2017 (رويترز)

عشاء بلا سخرية

التحول الأكثر دلالة، هذا العام، يتمثل في التخلي عن أحد أبرز تقاليد الحفل؛ حيث اعتاد منظمو الحفل الاستعانة بكوميدي يسخر من الرئيس وسياساته؛ فقد قررت جمعية مراسلي البيت الأبيض أن تستبدل بهذا الدور عرضاً يقدمه (قارئ أفكار) هو أوز بيرلمان، في خطوة فسّرتها تقارير أميركية بأنها محاولة لتجنب التصعيد مع الرئيس.

ورأى البعض هذا القرار بوصفه يعكس حساسية غير مسبوقة.

فالحفل، الذي اعتاد أن يكون مساحة للسخرية اللاذعة من السلطة، شهد في الماضي لحظات محرجة لرؤساء أميركيين، من سخرية ستيفن كولبير من جورج بوش الابن، إلى الجدل الذي أثارته ميشيل وولف عام 2018، لكن حالة ترمب تبدو مختلفة؛ إذ يخشى المنظمون أن تتحول السخرية إلى مواجهة سياسية مباشرة في ظل علاقة متوترة أصلاً. كما أثار غياب الكوميديا انتقادات داخل الوسط الصحافي، حيث رأى البعض أن التخلي عن هذا التقليد يفرغ الحفل من أحد أهم أدواره: التعبير عن التوتر الطبيعي بين الصحافة والسلطة بأسلوب ساخر.

صور ترمب والرئيسين السابقين باراك أوباما وجورج دبليو بوش أسفلها لوحات تحمل تعليقات عن كل رئيس (أ.ب)

ذاكرة 2011: السخرية التي لم تُنسَ

لا يمكن فصل هذا التحول عن تجربة عام 2011، عندما تعرض ترمب لسخرية مباشرة من الرئيس باراك أوباما والكوميدي سيث مايرز خلال الحفل، في لحظة بقيت راسخة في الذاكرة السياسية الأميركية. ورغم نفي ترمب لاحقاً تأثره بتلك الليلة، فإن العديد من المحللين يرون أنها شكّلت نقطة مفصلية في علاقته بالإعلام، وربما في مسيرته السياسية نفسها. واليوم، ومع عودة ترمب لأول مرة لحضور الحفل، يبدو أن المنظمين اختاروا تجنب تكرار هذا السيناريو؛ ما يعكس تغيراً في ميزان العلاقة بين الطرفين.

خلال ولايته الرئاسية قام باراك أوباما بأعمال تطوّعية لمساعدة المعوزين (أ.ف.ب)

جدل داخل الوسط الإعلامي

وقد أثارت عودة ترمب إلى الحفل انقساماً واضحاً داخل الأوساط الصحافية، فقد عبّرت منظمات إعلامية بارزة عن قلقها من «الاحتفاء» برئيس اتهمته بشن «أوسع هجوم منهجي على حرية الصحافة» في تاريخ الولايات المتحدة الحديث. وقد اعترض أكثر من 250 صحافياً والعديد من مجموعات الدفاع عن حرية الإعلام في رسالة مفتوحة من أن حضور ترمب لهذا الحدث يمثل «تناقضاً صارخاً مع الغرض الأساسي الذي أُقيم من أجله.

وأشارت شبكة «سي بي إس» إلى سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها الإدارة، من تقييد الوصول إلى بعض الفعاليات، إلى النزاعات القانونية مع مؤسسات إعلامية كبرى، وصولاً إلى خطاب سياسي يتضمن أوصافاً حادة للصحافيين. وفي رسالة مفتوحة، دعت إلى استغلال الحفل لتوجيه رسالة «دفاع قوي عن حرية الصحافة». وفي المقابل، يدافع منظمو الحفل عن قرارهم، مؤكدين أن الهدف الأساسي ليس السخرية من الرئيس، بل دعم الصحافة من خلال تمويل المنح الدراسية والجوائز المهنية، والاحتفاء بالتعديل الأول للدستور الأميركي الذي يكفل حرية التعبير.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

وقد أشارت ويجيا جيانغ رئيسة رابطة مراسلي البيت الأبيض - وهي كبيرة مراسلي شبكة «سي بي إس نيوز» - إلى أن هذا الحفل مخصص للاعتراف بالأهمية الجوهرية للتعديل الأول للدستور، وحضور الرئيس يعد تذكيراً حياً للمعنى الحقيقي للصحافة الحرة في هذا البلد.

ويتجاوز الجدل مسألة شكل الحفل إلى جوهره؛ فالبعض يرى أن الحدث، الذي تحوّل في السنوات الأخيرة إلى مناسبة اجتماعية كبرى تجمع السياسيين والإعلاميين والمشاهير، يعكس تقارباً مقلقاً بين الصحافة والسلطة. بينما يرى آخرون أنه يوفر مساحة نادرة للحوار غير الرسمي بين الطرفين. وتبرز أهمية هذه المساحة في ظل إدارة تعتمد خطاباً تصادمياً مع الإعلام؛ ما يجعل أي فرصة للتواصل المباشر ذات دلالة سياسية.

الرئيس الأميركي السابق جو بايدن وعلى يمينه المذيع جيمي كيميل وعلى يساره الرئيس الأسبق باراك أوباما على مسرح الطاووس في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

ماذا سيقول ترمب؟

يبقى أحد أبرز الأسئلة المطروحة هو طبيعة خطاب ترمب خلال الحفل. ففي حين اعتاد رؤساء سابقون، مثل بيل كلينتون وأوباما، استخدام هذه المناسبة للسخرية من أنفسهم وسياساتهم، يشكك مراقبون في أن يسلك ترمب المسار نفسه. ويتوقع بعض الخبراء أن يستغل المنصة لتأكيد مواقفه من الإعلام، وربما تقديم روايته الخاصة حول العلاقة المتوترة معه. وفي هذا السياق، تشير تحليلات إلى احتمال أن يركز على ما يعده «نجاحاً» في مواجهة الإعلام، في خطاب قد يحمل طابعاً سياسياً أكثر منه فكاهياً.

المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت (رويترز)

على الصعيد الأمني، تشهد واشنطن استعدادات مكثفة للحفل، مع إغلاق شوارع رئيسية منذ الصباح الباكر في محيط فندق هيلتون الذي يستضيف الحفل، وانتشار واسع لقوات الأمن، نظراً لحضور الرئيس وكبار المسؤولين، إضافة إلى احتمال تنظيم احتجاجات من قبل صحافيين أو ناشطين. ولا تمثل عودة ترمب إلى «عشاء مراسلي البيت الأبيض» مجرد مشاركة بروتوكولية، بل تعكس إعادة تعريف أوسع للعلاقة بين السلطة والإعلام في الولايات المتحدة؛ فالحفل، الذي كان يوماً منصة للسخرية المتبادلة، يتحول اليوم إلى مساحة أكثر حذراً، تحكمها حسابات سياسية معقدة.