5 مؤشرات تشكل عقيدة ترمب الجيوسياسيّة

يعمل ضمن 4 دوائر جغرافية... إكراه في الدبلوماسيّة... ولا مكان للقوّة الناعمة... وكل شيء بثمن

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً من غرفة روزفلت بالبيت الأبيض يوم 3 مارس الحالي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً من غرفة روزفلت بالبيت الأبيض يوم 3 مارس الحالي (أ.ف.ب)
TT

5 مؤشرات تشكل عقيدة ترمب الجيوسياسيّة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً من غرفة روزفلت بالبيت الأبيض يوم 3 مارس الحالي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً من غرفة روزفلت بالبيت الأبيض يوم 3 مارس الحالي (أ.ف.ب)

حدّد الجنرال الإنجليزي هايستنيغز إيسماي، وهو أول أمين عام لحلف الناتو، أن هدف الحلف هو كالآتي: إبقاء الأميركيين في أوروبا، وإبقاء الروس خارجها، وإبقاء ألمانيا تحت السيطرة.

بعد حصول حزبه على المركز الأوّل في الانتخابات الألمانية، صرّح المستشار المقبل فردريك ميرتس بأنه سيسعى إلى الاستقلاليّة عن الولايات المتحدة الأميركيّة. لم يكتف بذلك، بل ذهب إلى حد القول إنه يريد مناقشة استبدال المظلّة النوويّة الأميركيّة (التي تحمي أوروبا) بواسطة المظلّة الأوروبيّة، أي تلك المتمثّلة بالسلاح النووي لكل من فرنسا وبريطانيا.

في إحدى المرات، قال توماس بين، وهو أحد الآباء الأميركيين المؤسسين: «هناك شيء سخيف في افتراض أن قارة ستظل تُحكم بشكل دائم من قبل إمبراطورية على الجانب الآخر من المحيط». كان يقصد استعمار الإمبراطوريّة البريطانيّة للقارة الأميركيّة.

صورة أرشيفية لحاملة الطائرات الأميركية «روزفلت» (أ.ب)

حالياً، يتصرّف الرئيس دونالد ترمب بصورة معاكسة. فهو يتحرّر من أوروبا، لأنها على الجهّة الأخرى من المحيط، علما بأنها كانت تُحكم بصورة غير مباشرة من «العم سام» منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية. وفي الواقع، هناك من يعتقد أن هذه القارة توحّدت وازدهرت فقط لأنها كانت تحت مظلّة الحماية الأميركيّة في وجه الاتحاد السوفياتي. فهل سقط مبدأ «الأمن من ضمن القطيع» في أوروبا؟

في عام 1962 قال الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول: «ما فائدة السوق الأوروبية المشتركة، وما فائدة أوروبا، إن لم تكن مستقلة عن كل من روسيا وأميركا؟».

من تابع لغة الجسد للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال لقائه الرئيس ترمب مؤخراً في البيت الأبيض، سيستنتج على الأرجح أنه كان مسروراً جداً. لكن ليس لأنه استطاع تليين موقف ترمب من الأزمة الأوكرانيّة، بل لأنه كان قد حذّر الأوروبيين، منذ عام 2019، أن حلف الناتو هو في حالة موت سريري، وأنه لا يمكن لأوروبا الاعتماد على الحماية الأميركيّة إلى ما لا نهاية.

ناقضت الحرب الأوكرانية مؤقّتاً موقف ماكرون، لتعود أميركا إلى القارة العجوز بكل ثقلها، وليتمدد الحلف أكثر فأكثر، خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن. وإذا كانت الحرب الأوكرانية هي سبب عودة أميركا إلى القارة، فهي أيضاً ومع الرئيس ترمب قد تكون سبب خروجها من القارة. وبذلك يكون ماكرون مُحّقاً في نظرته المستقبليّة.

بايدن ونائبته كامالا هاريس... دعم كبير لأوكرانيا في مواجهة الجيش الروسي (إ.ب.أ)

العقيدة الاستراتيجيّة

اشتهر الرؤساء الأميركيّون بإصدار ما يُسمّى العقيدة الاستراتيجيّة، وذلك بدءاً من الرئيس جيمس مونرو عام 1823 وصولاً إلى اليوم، ومروراً بكثير من الرؤساء. أغلب هذه العقائد كانت خلال الحرب الباردة. ما العقيدة الاستراتيجيّة بشكل عام؟

إنها رؤية الرئيس الأميركي للعالم (Worldview) إنها رسالة غير مباشرة للحلفاء، كما للأعداء والمنافسين. إنها الدبلوماسيّة غير المباشرة، وذلك توطئة للدبلوماسية المباشرة. هي ليست مُلزمة بحرفيّتها لمن وضعها. هي عامل ردع مُسبق. هي مبهمة، وليّنة، ومختصرة، لكنها تُشكّل خريطة طريق للإدارة المحيطة بالرئيس الذي أصدرها، وفي كل المجالات، سياسياً واقتصادياً وعسكريّاً. منها، ومن روحيّتها، تُستصدر القوانين والمراسيم التنفيذيّة. وعليها، واستناداً لها، تُخصّص الميزانيات. قد تكون العقيدة إقليميّة أو دوليّة.

كانت العقيدة الأميركية إقليميّة خلال حكم الرئيس جيمي كارتر وكان هدفها ضمان أمن منطقة الخليج بعد الغزو السوفياتي لأفغانستان. وكانت إقليميّة خلال حكم الرئيس مونرو. ولا تتطلّب هذه العقيدة موافقة من الكونغرس إلا إذا استدعت صرف الأموال، كما حصل مع الرئيس هاري ترومان عندما أراد مساعدة تركيا واليونان لمنع سقوطهما تحت العباءة الشيوعيّة. بعدها ارتسمت وتظهّرت «استراتيجية الاحتواء» للاتحاد السوفياتيّ.

قد تكون العقيدة لمنع الحرب، كما للتحضير لها. أحد أهمّ علماء الاجتماع الأميركيين، ويليام سمنر، قال في عام 1903: «إذا أردت الحرب، فغذِّ عقيدة». فهل العقيدة في جوهرها هي في البحث الأميركي الدائم عن عدو لتدميره؟ ألم يقل هنري كيسنجر إن أميركا هي دولة تروّج دائماً للحرب؟ وهو نفسه الذي قال: «إن تكون عدوّ أميركا فهذا شيء خطير جدّاً، لكن أن تكون صديقها، فهذا أمر قاتل».

فهل تشكّل العقيدة أيضاً مخرجاً للتخلّي عن التحالفات والمعاهدات، تحت شعارات على غرار «أميركا أوّلاً»؟

بوتين... هدايا من ترمب (رويترز)

مؤشرات على «عقيدة ترمب»

هل للرئيس ترمب عقيدة مختلفة عن سابقيه؟ هل هو رئيس تغييري (Transformative) فعلاً، أم أن حالة النظام العالمي القائم أصبحت حقاً حالة يُرثى لها وميؤوساً منها، الأمر الذي يفسّر مسعى ترمب إلى استغلالها لما يراه مصلحة لبلاده؟

في عام 1945، أعطى الرئيس الأميركي فرنكلين روزفلت، في مؤتمر يالطا، الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين ما أراده، برغم معارضة ونستون تشرشل. غابت فرنسا آنذاك عن المؤتمر. يدور الصراع حالياً على القرم حيث تقع يالطا، وعلى أوكرانيا التي تُعد في الوعي الروسي بمثابة روسيا الصغرى. ومن الواضح أن ترمب يعطي اليوم نظيره الروسي فلاديمير بوتين مكافآت جيوسياسيّة تبدو مجانيّة، وذلك رغم أنه ليس الحليف الذي كان عليه ستالين خلال الحرب ضد النازيّة في الحرب العالمية الثانية. وفي الواقع، تعامل الأميركيون مع بوتين في السنوات الماضية على أنه ليس فقط خصماً لهم بل هو بمثابة عدو. فقد مدّوا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، على مدى 3 سنوات، بكميات ضخمة من الأسلحة النوعية والدعم الاستخباراتي بهدف الصمود في وجه الجيش الروسي وإلحاق أكبر الخسائر في صفوفه.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما على هامش قمة «مجموعة العشرين» 14 يونيو 2019 (أرشيفية - د.ب.أ)

ما مؤشرات عقيدة ترمب؟

يتفق محلّلون على أن هناك خمسة مؤشرات أساسيّة لشكل عقيدة سيّد البيت الأبيض اليوم، وهي:

تُركّز عقيدة ترمب المُتخيّلة على أربع دوائر جغرافيّة هي: الدائرة الداخلية، حيث لإيلون ماسك الدور المهم حالياّ على صعيد إنتاجية الدولة. الدائرة في المحيط المباشر مع كل من كندا والمكسيك. هناك أيضاً الدائرة الإقليميّة، سواء ما يتعلق بقناة بنما أو شراء جزيرة غرينلاند. وأخيراً، هناك الدائرة الكونية التي تبدأ من غزة إلى أوكرانيا مروراً بالصين.

لا تفاوض، ولا إقناع، بل إكراه (Coercion) في الدبلوماسيّة، بما في ذلك مع الأصدقاء.

كل شيء بثمن في التعاملات، وضمناً الحلفاء. لا شيء مجانياً مع الرئيس ترمب. فعندما يُعطي، فهو ينتظر مكسباً بالمقابل.

لا مكان للقوّة الناعمة (Soft Power) التي بشّر بها المفكّر الأميركي الكبير جوزيف ناي. القوّة الصلبة، كما موازين القوى، هي التي تحدد مسار الدبلوماسيّة.

لا مكان للدبلوماسيّة الهادئة خلف الجدران، والتي تُنتج عادة سياسات محدّدة، يتم رسمها وتنفيذها بهدوء من ضمن القنوات الدبلوماسيّة. ألم يتّفق سراً كل من الرئيس جون كينيدي والزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف على سحب الصواريخ النوويّة الأميركية من تركيا بهدف تجنّب الحرب النوويّة الكونيّة خلال الأزمة الكوبيّة في ستينات القرن الماضي؟ حالياً، كل شيء علنيّ، أفقي وليس هرميّاً. فالسياسة تُحدد في قمّة السلطة، وتُنفّذ مباشرة من هذا المكان، وبصورة علنيّة. أما الهرميّة البيروقراطيّة فهي لتوضيح بعض معالم هذه السياسة التي يتخذها صاحب العقيدة... رئيس الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

المال السياسي يفشل في وقف المدّ الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي الأميركية

الولايات المتحدة​ مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز) p-circle

المال السياسي يفشل في وقف المدّ الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي الأميركية

رغم إنفاق ملايين الدولارات في انتخابات التجديد النصفي الأميركية للتأثير في خيارات الناخبين، لم تحقق هذه المبالغ أثرها المرجو، ولم تُعط النتيجة المتوخاة منها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ) p-circle

بعد نجاح الديمقراطيين... ترمب يواجه «خيارات سيئة» بشأن إيران

أقر ترمب بأن الحرب مع إيران كلفت الجمهوريين ثمناً باهظاً في انتخابات التجديد النصفي الأميركية. والآن، يتعين عليه أن يقرر ما إذا كان سيضع حداً لخسائره؟

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ردود فعل الحضور أثناء متابعتهم لنتائج الانتخابات للمرشحة الديمقراطية لمنصب حاكم تكساس جينا هينوجوسا في أوستن - تكساس (أ.ب)

الانقلاب الكبير... الكونغرس في قبضة الديمقراطيين

مُني الجمهوريون بهزيمة مدوّية في الانتخابات النصفية الأميركية، بعدما اجتاحت «موجة زرقاء» مجلسَي النواب والشيوخ، وأسقطت معاقل جمهورية تاريخية، من تكساس.

علي بردى (واشنطن) رنا أبتر (واشنطن) إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية زعيم تكتّل المعارضة الإسرائيلية غادي آيزنكوت (د.ب.أ) p-circle

آيزنكوت يتعهّد «تعزيز الشراكة» مع واشنطن في حال تولّيه رئاسة وزراء إسرائيل

تعهّد زعيم تكتّل المعارضة الإسرائيلية غادي آيزنكوت، الأربعاء، بتعزيز العلاقات مع أميركا إذا تولّى رئاسة الحكومة، والعمل مع ترمب لتعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين خلال جولة تفقدية لأعمال بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض (أ.ب) p-circle

ترمب عن هزيمة حزبه في الانتخابات: الحرب على إيران كانت تستحق

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن تحميل الحرب مع إيران مسؤولية خسارة حزبه في الانتخابات «صحيح إلى حد كبير».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

المال السياسي يفشل في وقف المدّ الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي الأميركية

مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز)
مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز)
TT

المال السياسي يفشل في وقف المدّ الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي الأميركية

مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز)
مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن العاصمة (رويترز)

رغم إنفاق ملايين الدولارات في انتخابات التجديد النصفي الأميركية للتأثير في خيارات الناخبين، لم تحقق هذه المبالغ الأثر المرجو منها، ولم تحقق النتيجة المتوخاة منها، بل إن الهزيمة السياسية التي مُني بها الجمهوريون في الكونغرس شكلت أيضاً انتكاسة للملياردير إيلون ماسك، أكبر ممولي حملاتهم.

وانتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، الثلاثاء، محققين انتصارات في سباقات انتخابية ضخت فيها المجموعات المحافظة أموالاً تفوق بكثير ما أنفقه منافسوها الليبراليون.

وكتب مؤسس موقع «ريس تو ذا وايت هاوس» المتخصص في التوقعات الانتخابية، لوغان فيليبس، على منصة «إكس»: «قد تكون هذه أكبر هزيمة للمال السياسي في تاريخ الولايات المتحدة»، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

أمّا ماسك فعلّق ساخراً على «إكس»، قائلاً: «يبدو أن أشعة الليزر الفضائية التي استخدمتها للتدخل في الانتخابات لم تنجح هذه المرة».

ووفق منظمة «أوبن سيكريتس» المتخصصة في تمويل الحملات الانتخابية، ضخّ ماسك نحو نصف مليار دولار دعماً للجمهوريين، ليصبح أكبر مساهم فردي في دورة انتخابية منذ عام 2010.

وكانت المحكمة العليا الأميركية قضت في ذلك العام بعدم جواز تقييد الإنفاق السياسي للشركات والنقابات وغيرها من الكيانات المستقلة، ما فتح الباب أمام ضخّ أموال طائلة في الحملات الانتخابية، من دون الإفصاح عن مصدرها أحياناً.

«عمالقة» في مواجهة «عمالقة»

أنفق ماسك أكثر من 200 مليون دولار دعماً لكين باكستون، المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ في تكساس، الذي هزم أمام جيمس تالاريكو، ليصبح هذا الأخير أول ديمقراطي يفوز بمنصب على مستوى الولاية في تكساس منذ عام 1994.

وقال تالاريكو: «في هذا السباق، واجهنا عمالقتنا: أغنى رجل في العالم، وأقوى رجل في العالم، والمنظومة السياسية بأكملها في واشنطن».

كذلك، هاجم أصحاب المليارات «الذين يملكون خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، وشبكات الأخبار التلفزيونية، والسياسيين»، والذين «يريدون لنا أن نبقى في حالة اقتتال دائم».

في أوهايو، تمكن الديمقراطي شيرود براون من إلحاق الهزيمة بالجمهوري جون هوستد في ثاني أغلى سباق انتخابي في البلاد، بعدما تجاوز حجم الإنفاق فيه 500 مليون دولار.

وفي جورجيا، فازت الديمقراطية كيشا لانس بوتومز بمنصب حاكمة الولاية على حساب رجل الأعمال الملياردير في قطاع الرعاية الصحية ريك جاكسون، الذي أنفق أكثر من 200 مليون دولار من ثروته الشخصية على حملته، حسب صحيفة «أتلانتا جورنال-كونستيتيوشن».

وخسر الملياردير فيفيك راماسوامي سباق حاكم ولاية أوهايو أمام الديمقراطية آيمي أكتون، رغم إنفاقه نحو 36 مليون دولار من أمواله الخاصة.

ولم تحقّق الأموال الآتية من قطاع الذكاء الاصطناعي النتائج المرجوة أيضاً.

ففي كارولاينا الجنوبية، أنفقت منظمة «أميركان ميشن»، الذراع الجمهورية لشبكة «ليدينغ ذا فيوتشر» المدعومة من رئيس شركة «أوبن إيه آي» غريغ بروكمان وشركة «أندريسن هورويتز» الاستثمارية، نحو 2,7 مليون دولار دعماً للمرشحة دارلين غراهام، التي هزمت أمام الديمقراطية آني أندروز في ولاية فاز فيها ترمب بفارق 18 نقطة مئوية.

«لا يمكن أن يستسلموا»

في المقابل، حظي الديمقراطيون أيضاً بدعم من أصحاب المليارات. فقد أنفق رئيس بلدية نيويورك السابق مايكل بلومبرغ 80 مليون دولار على انتخابات مجلسَي النواب والشيوخ وحكام الولايات، ثم أضاف 36 مليوناً أخرى في الأيام الأخيرة من الحملة، حسب موقع بوليتيكو.

وقال مستشاره السياسي هوارد وولفسون لشبكة «سي إن إن»: «المال ليس العامل الحاسم، لكنه يساعد»، مشيراً إلى أفضلية الجمهوريين في هذا الجانب.

من جهته، دعا ريد هوفمان، الشريك المؤسس لـ«لينكد إن»، الذي أسهم بـ11,5 مليون دولار للجنة السياسية الداعمة لتالاريكو، إلى إبعاد المال عن السياسة.

وكتب على منصة «إكس»: «في وقت ينفق فيه أشخاص مثل إيلون مبالغ طائلة للإبقاء على مهرّجين سلطويين في السلطة، لا يمكن أولئك الذين يؤمنون بالمثل الأميركية أن يستسلموا».

وفي كاليفورنيا، بدا أن مقترح فرض ضريبة استثنائية بنسبة خمسة في المائة على ثروات أصحاب المليارات في الولاية فشل، بعدما أنفق عدد من أثريائها مئات الملايين من الدولارات لإسقاطه.


بعد نجاح الديمقراطيين... ترمب يواجه «خيارات سيئة» بشأن إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)
TT

بعد نجاح الديمقراطيين... ترمب يواجه «خيارات سيئة» بشأن إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)

أقر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الحرب مع إيران كلفت الجمهوريين ثمناً باهظاً في انتخابات التجديد النصفي الأميركية. والآن، يتعين عليه أن يقرر ما إذا كان سيضع حداً لخسائره ويسعى للتوصل إلى اتفاق، أم سيواصل التصعيد ويعود إلى القصف ومواجهة إيران.

وانتزع الديمقراطيون السيطرة على الكونغرس الأميركي في انتخابات التجديد النصفي، في هزيمة قاسية للجمهوريين من شأنها أن تضع عراقيل شتى أمام ترمب في آخر سنتين من ولايته الرئاسية.

وتمكّن الديمقراطيون من إحكام سيطرتهم على مجلسَي الشيوخ والنواب، بعدما أدار الناخبون في عدد من المعاقل المحافظة ظهورهم للحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترمب. ووصل هذا التحول إلى ولاية تكساس، التي تحولت إلى اللون الأزرق، رمز الحزب الديمقراطي، بعد عقود من الهيمنة الجمهورية.

وكان ترمب قد صرح، على مدى أسابيع، بأنه سينهي الحرب مع إيران بطريقة أو بأخرى بعد الانتخابات. وفي هذا السياق، قال أحد مستشاريه السابقين لموقع «أكسيوس»: «خسارة انتخابات التجديد النصفي شيء، لكن ترمب لا يريد أن يبدو خاسراً مرتين». وقد ترك هذا حتى أقرب مساعديه في حالة من عدم اليقين بشأن خطوته المقبلة.

فلماذا يعد هذا مهماً؟ كل الخيارات المتاحة أمام ترمب تنطوي على إشكاليات، وفقاً لما ذكره تقرير لموقع «أكسيوس» الإخباري.

الخيار الأول

هو توجيه ضربات عسكرية؛ لكن العودة إلى الحرب ستكون خطوة غير شعبية على الإطلاق، إذ ستؤدي إلى بقاء أسعار الوقود مرتفعة، ومن المرجح ألا تحقق نتائج عسكرية أفضل.

الخيار الثاني

هو التفاوض؛ لكن إذا رفض المسؤولون الإيرانيون تقديم تنازلات -أو إذا استشعروا ضعفاً لدى الإدارة الأميركية عقب الهزيمة السياسية للرئيس وقرروا رفع سقف مطالبهم- فسيواجه ترمب صعوبة بالغة في التوصل إلى اتفاق.

الخيار الثالث

هو «خنق» النظام الإيراني، كما يصفه مساعدو ترمب؛ ويعني ذلك الإبقاء على الوضع الراهن -أي استمرار الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية القاسية التي تترك النظام الإيراني «يتآكل» من الداخل- مع الاستمرار في اختبار مدى استعداده للتوصل إلى اتفاق. غير أن هذا المسار قد يستغرق أشهراً قبل أن تظهر أي مؤشرات على إحراز تقدم.

نقطة مثيرة للاهتمام

في تصريح لافت صباح الأربعاء، حمّل نائب الرئيس فانس الحربَ المسؤولية المباشرة عن الهزيمة القاسية التي مني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، مما أضاف بُعداً سياسياً جديداً لحسابات ترمب.

وكتب فانس على منصة «إكس»: «السبب في خسارتنا هو الحرب. وقد أكد الرئيس نفسه ذلك الليلة الماضية. إذا كنتم ترغبون في المجادلة بأن الأمر كان يستحق العناء، وأن خسارة مجلس الشيوخ للسنوات الست المقبلة كانت ثمناً مقبولاً، فافعلوا ذلك... لكن الجميع يدركون سبب خسارتنا، وأي نقاش صادق حول مسارنا المستقبلي يجب أن يبدأ من هذه النقطة». كما أشار فانس إلى أن علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل شكلت عبئاً كبيراً على الجمهوريين.

ومن جانبه، صرح ترمب للصحافيين أمس بأن تحليل فانس «صحيح إلى حد كبير»، نظراً لأن الحرب تسببت في ارتفاع أسعار الوقود. لكن ترمب قال إنه سيكرر ذلك إذا لزم الأمر، مضيفاً: «لم يكن أمامنا خيار. لا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي».

ورداً على سؤال حول متى سينهي الحرب، أجاب ترمب: «في أي وقت أريد. لكن يجب أن يتم الأمر بشكل صحيح، لأنه لا يمكن السماح لهم بامتلاك سلاح نووي».

كواليس الأشهر الأخيرة

في الأشهر الأخيرة، قاد فانس تياراً داخل الدائرة المقربة من ترمب، حثه على التوصل إلى اتفاق مع إيران لإنهاء الحرب. وذكرت مصادر أن فانس اتهم -في أحاديث خاصة- رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه «مخطئ في كل شيء» فيما يتعلق بإيران.

وأشارت المصادر إلى أن فانس حذر من أن الحرب تحظى بمعارضة شعبية واسعة، وقد تكلف الجمهوريين خسارة الانتخابات.

ورغم أن معظم كبار المسؤولين المحيطين بترمب شاركوا فانس وجهة نظره، فإن ترمب ظل يميل نحو استئناف الحرب؛ بل إنه فكر في مرحلة ما بشن ضربات قبل انتخابات التجديد النصفي، وهو ما كان يضغط عليه نتنياهو للقيام به.

قرر ترمب الانتظار، لكنه -خلافاً لنصيحة كبار مستشاريه- أعلن دعمه لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية التي جرت الأسبوع الماضي.

ماذا يحدث الأن؟

يقول مسؤولون أميركيون إن الجيش الأميركي يضع اللمسات الأخيرة على استعداداته لاحتمالية استئناف عمليات قتالية واسعة النطاق في إيران، بما في ذلك إرسال المزيد من التعزيزات العسكرية إلى المنطقة.

وفي الوقت ذاته، يعمل الوسطاء على حشد دعم كل من الولايات المتحدة وإيران لمسودة اتفاق تهدف إلى منع العودة إلى القتال، وربما استئناف المحادثات المباشرة خلال الأيام المقبلة، وفقاً لمصادر إقليمية.

وكان الوسطاء قد سألوا مسؤولين في البيت الأبيض، قبل الانتخابات، عما سيفعله ترمب في حال خسارته، لكن مستشاري الرئيس لم يقدموا إجابة حاسمة، حسب مصدر مطلع لموقع «أكسيوس».

وقال مسؤول أميركي: «أبلغنا الجميع بأننا ننتظر أولاً لنرى كيف ستؤول نتائج الانتخابات بالنسبة إلينا».

«لا حرب ولا اتفاق»

واحتفى مسؤولون إيرانيون بهزيمة ترمب الانتخابية، معتبرين أنها دليل على أنهم ينتصرون في الحرب. كتب محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، على منصة «إكس»: «لقد ألحق الشعب الإيراني بترمب هزيمة استراتيجية في ساحة المعركة وفي مضيق هرمز، وهزيمة سياسية في واشنطن. وفي الوقت ذاته، وجد الأميركيون أنفسهم مضطرين لتحمل تكاليف حربه».

ويرى دبلوماسيون مشاركون في جهود الوساطة، ومستشارون لترمب، وخبراء في شؤون الشرق الأوسط، أن تباهي إيران بانتصارها قد يدفع الرئيس الأميركي للعودة إلى خيار الحرب.

وفي تصريح لموقع «أكسيوس»، قال علي واعظ، مدير برنامج إيران في «مجموعة الأزمات الدولية»: «قد تقع طهران في خطأ فادح إذا عدّت الضعف السياسي لترمب ضعفاً عسكرياً، مما يدفعها للمبالغة في تقدير موقفها. في حين أن الخطوة الأكثر ذكاءً هي إبرام اتفاق بينما لا تزال واشنطن ترغب في ذلك». لكن في المقابل، قد يختار ترمب الإبقاء على الوضع الراهن القائم على معادلة «لا حرب ولا اتفاق».

إذ يضغط كل من مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) جون راتكليف، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، ومستشارون آخرون، على ترمب لمواصلة الحصار البحري وحملة الضغوط الاقتصادية لفترة أطول، بهدف زيادة الخناق على إيران.

خلاصة القول: لا توجد طريقة سهلة أو مباشرة أمام ترمب «لإنجاز المهمة» في إيران.


الجمهوريون يطالبون ترمب بتغيير المسار بعد هزائم انتخابات التجديد النصفي

ترمب يتحدث للصحافيين يوم أمس خلال جولة في موقع بناء قاعة الرقص بالبيت الأبيض (ا.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين يوم أمس خلال جولة في موقع بناء قاعة الرقص بالبيت الأبيض (ا.ب)
TT

الجمهوريون يطالبون ترمب بتغيير المسار بعد هزائم انتخابات التجديد النصفي

ترمب يتحدث للصحافيين يوم أمس خلال جولة في موقع بناء قاعة الرقص بالبيت الأبيض (ا.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين يوم أمس خلال جولة في موقع بناء قاعة الرقص بالبيت الأبيض (ا.ب)

واجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ضغوطًا من الجمهوريين، أمس الأربعاء، لتغيير المسار بعد الهزائم الساحقة في انتخابات التجديد النصفي التي منحت الديمقراطيين السيطرة على الكونغرس، إلى جانب رفض الناخبين مرشحين اختارهم هو بنفسه لسباقات انتخابية حاسمة.

ومع دخول رئاسته عاميها الأخيرين، دعا حلفاء لترمب وخبراء استراتيجيون إلى إجراء تغييرات جذرية في طاقم البيت الأبيض، واستعادة الانضباط والتخلي عن السياسات التي حملوها المسؤولية عن هذه الخسائر، بما في ذلك حرب إيران والرسوم الجمركية.

ووصف الاستراتيجي الجمهوري المخضرم جون فيهيري النتائج بأنها «كارثة هائلة» حلت بترمب.

وقال فيهيري: «عليه أن يجري عملية تطهير شاملة. فمع كل يوم من الآن فصاعدًا، سيصبح وضعه أضعف وأضعف».

لكن ترمب لم يبدِ أي مؤشر يُذكر على أنه ينظر إلى نتيجة الانتخابات على أنها أمر يستدعي تغيير المسار.

وقال لـ«فوكس نيوز» في وقت متأخر من يوم الثلاثاء: «لا أعتبر ذلك ضربة موجهة إليّ».

وسيكون لدى الديمقراطيين الآن السلطة لعرقلة تشريعات ترمب، والتحقيق في أداء إدارته، والطعن في مرشحيه. ومن المتوقع أن يدفع ذلك ترمب، الذي يستخدم سلطته التنفيذية بالفعل بشكل مفرط، نحو الاعتماد بصورة أكبر على الإجراءات التي يمكنه اتخاذها بمفرده.

كما سيتعين عليه أن يقرر ما إذا كان سيواصل التركيز على أجندة يخشى بعض الجمهوريين من أن تكون قد أصبحت عبئًا سياسيًا، لا سيما بالنسبة للخلفاء المحتملين الذين يتطلعون إلى الترشح للبيت الأبيض في عام 2028.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ف.ب)

وبدا أن جيه دي فانس، نائب ترمب، والذي يُنظر إليه كوريث سياسي محتمل له، قد وضع بعض المسافة بينه وبين الرئيس أمس الأربعاء عندما حمّل حرب إيران المسؤولية عن خسائر انتخابات التجديد النصفي. وقال خبراء استراتيجيون ومسؤولون حزبيون إن مثل هذه المواقف قد تتكرر إذا خلص الجمهوريون إلى أن النفوذ الذي يتمتع به ترمب منذ فترة طويلة على ناخبي الحزب آخذ في الضعف.

استعدادات لتحقيقات وتغييرات في الموظفين داخل البيت الأبيض

وفقًا لمسؤول كبير تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، فإن كبار المساعدين يتأهبون لمغادرة موظفين وإجراء تغييرات محتملة في الإدارة، إلى جانب تحقيقات من المتوقع أن يطالب بها الديمقراطيون.

وقال المسؤول: «المعنويات عند أدنى مستوياتها على الإطلاق».

وأوضح المسؤول أن استطلاعات رأي داخلية حذرت قبل ستة أسابيع من الانتخابات من أن الجمهوريين يتجهون لتكبد خسائر في مجلسي النواب والشيوخ، لكن ترمب رفض تغيير المسار تجاه إيران، على الرغم من التحذيرات بشأن العواقب السياسية.

وقال المسؤول: «في نهاية المطاف، لم يكترث للأمر على الإطلاق. ورفض الاستماع إلى أي شخص».

وأقر ترمب في وقت متأخر من يوم الثلاثاء بأن الحرب التي بدأت مع إيران قبل ثمانية أشهر أضرت بالمرشحين الجمهوريين، لكنه دافع عن قراره بشن الصراع.

وامتدت مخاوف الجمهوريين إلى ما هو أبعد من الحرب. وقال مستشار سياسي جمهوري إنه في المجموعات النقاشية التي عُقدت للتركيز على سباقات مجلس الشيوخ المتقاربة في مناطق مثل ميشيغان وأيوا، كان قلق المستشارين السياسيين الجمهوريين على الصعيد الوطني يتصاعد هذا الصيف، مع تعبير المزيد من الناخبين الجمهوريين والمستقلين عن معارضتهم لتركيز الرئيس على أمور مثل قاعة الرقص بالبيت الأبيض وأعمال التجديد في واشنطن.

وأضاف المستشار: «إذا أمضى ترمب العامين المقبلين يتحدث عن هذه التفاهات نفسها، فسنتعرض لهزيمة ساحقة مرة أخرى في الانتخابات المقبلة».

ووسط كل هذا، جمع ترمب الصحافيين أمس الأربعاء لزيارة موقع بناء قاعة الرقص، ودافع عن الوقت الذي كرسه لهذا المشروع.

وقال: «بالنسبة إليّ، هذا أمر يبعث على الارتياح».

كما تبنى البيت الأبيض نبرة اتسمت بالتحدي، ونشر صورة لترمب على وسائل التواصل الاجتماعي مصحوبة برسالة: «تنبيه للجميع: ترمب لا يزال رئيسكم».

ولا يزال ترمب يتمتع بسلطة كبيرة. وسبق أن ذكرت «رويترز» أن البيت الأبيض أمضى شهورًا في إعداد تدابير تنفيذية تتعلق بالهجرة والرسوم الجمركية والإسكان والإنفاق الاتحادي، بما يمكن أن يسمح له بالمضي قدمًا في جوانب من أجندته رغم أي معارضة ديمقراطية.

لكن السلطة التنفيذية لن تكون قادرة على حماية الإدارة من تحقيقات الكونغرس.