ماذا سيذكر التاريخ عن ولاية الرئيس الـ46 وإرثه التاريخي؟

وضعت مجلة «تايم» جو بايدن واحداً من أفضل الرؤساء الذين تولّوا منصبهم لفترة واحدة في التاريخ الأميركي

أيام قليلة ويغادر الرئيس الأميركي بايدن البيت الأبيض تاركاً وراءه سجلاً من الإنجازات والإخفاقات التي سيذكرها ويقيمها التاريخ (أ.ف.ب)
أيام قليلة ويغادر الرئيس الأميركي بايدن البيت الأبيض تاركاً وراءه سجلاً من الإنجازات والإخفاقات التي سيذكرها ويقيمها التاريخ (أ.ف.ب)
TT

ماذا سيذكر التاريخ عن ولاية الرئيس الـ46 وإرثه التاريخي؟

أيام قليلة ويغادر الرئيس الأميركي بايدن البيت الأبيض تاركاً وراءه سجلاً من الإنجازات والإخفاقات التي سيذكرها ويقيمها التاريخ (أ.ف.ب)
أيام قليلة ويغادر الرئيس الأميركي بايدن البيت الأبيض تاركاً وراءه سجلاً من الإنجازات والإخفاقات التي سيذكرها ويقيمها التاريخ (أ.ف.ب)

يحرص كل رئيس أميركي على مغادرة السلطة وقد ترك بصمة خاصة في التاريخ الأميركي، من خلال ما أنجزه من سياسات اقتصادية، وإصلاحات اجتماعية، وعلاقات دولية. ويذكر التاريخ منذ عهد جورج واشنطن -أول رئيس للولايات المتحدة- البصمات التي تركها كل رئيس، وأبرز إنجازاته.

ويترك الرئيس جو بايدن منصبه بعد ولاية واحدة فقط، وقد شهدت السنوات الأربع كثيراً من الأحداث الدولية والمحلية والصراعات الحزبية والحروب، كما شهدت تقلبات اقتصادية وخلافات اجتماعية وأيديولوجية، فما الذي سيذكره التاريخ عن رئاسة بايدن وإرثه التاريخي؟ وأين سيضعه المؤرخون في قائمة الرؤساء الأميركيين؟ وهل سيذكره التاريخ بشكل إيجابي أم سلبي؟

«الكابيتول» الأميركي ونجاحات بايدن في تمرير تشريعات مهمة خلال ولايته رغم الانقسامات الحزبية (أ.ف.ب)

المشهد الأبرز

أبرز المشاهد في رئاسة بايدن هي المناظرة المأساوية بينه وبين الرئيس المنتخب دونالد ترمب في 27 يونيو (حزيران) 2024؛ حيث ظهر جلياً خلالها تراجع قدراته البدنية والذهنية، ما أثار المخاوف والشكوك لدى الناخبين وقيادات الحزب الديمقراطي حول قدرات الرئيس، لكنه أصرّ على الترشح مرة أخرى، إلا أنه خضع للضغوط الداخلية. التاريخ لا يُعطي تقييمات عالية للرؤساء الذين يقضون ولاية واحدة، بل يسجل تقييمات أفضل للذين قضوا فترتين في السلطة.

ورغم التبرعات الكبيرة التي حصدتها كمالا هاريس لحملتها، والدعم الحزبي من كبار قيادات الديمقراطيين، فإنها خسرت الانتخابات أمام منافسها دونالد ترمب. وتبادل الديمقراطيون أصابع الاتهام نتيجة هذه الهزيمة القوية، ووجهوا جانباً كبيراً من اللوم للرئيس بايدن لتأخره في الانسحاب من السباق.

وقد يكون من الصعب تقدير وتقييم كيفية تأثير إصرار بايدن على الترشح لولاية ثانية على فرص ترمب للفوز في الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ويعتقد بعض المراقبين أنه لو قرر الانسحاب أواخر 2022 فربما كان بقدرة مرشح آخر أصغر سنّاً وأكثر حيوية الفوز في الانتخابات الرئاسية التمهيدية، ولتمكن من هزيمة ترمب.

وبالتأكيد سيذكر التاريخ لبايدن أنه انسحب من السباق الرئاسي بشكل درامي في وقت متأخر جدّاً، ودفع بنائبته لخوض السباق دون انتخابات تمهيدية.

وقد يكون جزء من إرثه هو رسالة تحذير للأميركيين بعدم انتخاب أي شخص يتجاوز عمره 75 عاماً، كما يُطرح سؤال كبير حول الاتجاهات المستقبلية للحزب الديمقراطي.

وقد حمّلت جريدة «وول ستريت جورنال» الرئيس بايدن مسؤولية وضع ترمب شهيداً في مواجهة الملاحقات القضائية الكثيرة، وساعدت في فوزه بترشيح الحزب الجمهوري.

وكتب فرانكلين فوير -مؤلف كتاب البيت الأبيض في عهد بايدن- مقالاً في مجلة «أتلانتك»، قال فيه: «إن بايدن لا يستطيع الهروب من حقيقة أن سنواته الأربع في منصبه مهّدت الطريق لعودة دونالد ترمب، وهذا هو إرثه».

إنجازات قد يلغيها ترمب

الرئيس المنتخب دونالد ترمب وخططه لتغيير بعض أو كل الإنجازات التشريعية والبيئية والاقتصادية للرئيس بايدن (أ.ب)

بعض إنجازات بايدن التي يتفاخر بها هي تمرير قانون خفض التضخم للتعافي الاقتصادي في أعقاب «كوفيد-19»، وتمرير تشريعات للبنية التحتية والاستثمار، وقرارات تنفيذية بالتنازل عن قروض الطلاب، وقرارات حماية البيئة وتقليل انبعاثات الكربون، وقرارات لحماية المهاجرين. وقد وعد ترمب بالفعل بإلغاء بعض أجزاء قانون خفض التضخم، وإلغاء التنازل عن قروض الطلاب، وتعهّد بفتح الأبواب أمام شركات النفط والوقود الأحفوري، وتعهد مراراً بترحيل كل المهاجرين غير الشرعيين، كما يدرس أيضاً انسحاباً من منظمة الصحة العالمية.

أفغانستان وروسيا وإسرائيل

من الإخفاقات التي سيذكرها التاريخ لإدارة بايدن هو الانسحاب الفوضوي من أفغانستان وعودة حركة «طالبان» للحكم (أ.ف.ب)

وفي مجال السياسة الخارجية يتفاخر بايدن ومناصروه بالتحالفات التي أبرمها على مستوى «أيكوس» (بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا)، رغم أنها أثارت الخلافات بين واشنطن وباريس، وتحالف الرباعية «كواد» مع قادة اليابان وأستراليا والهند، لكن الانسحاب الأميركي الفوضوي من أفغانستان في 31 أغسطس (آب) 2021 وعودة «طالبان» للسلطة، سيكون في قائمة الإخفاقات في سجل بايدن.

وجانب آخر من إرث بايدن في مجال السياسة الخارجية يتعلّق بالحرب الروسية ضد أوكرانيا المستمرة منذ فبراير (شباط) 2022، دون أن تضع إدارته آفاقاً للنهاية، سوى الاستمرار في مساندة أوكرانيا بكل ما يلزم من مساعدات مالية وعسكرية وفرض العقوبات ضد روسيا، وقد يكون لعجز بايدن عن وضع نهاية لهذه الحرب عواقب وخيمة على أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي، وتحالفات الولايات المتحدة بشكل عام.

إلا أن الصدع الحقيقي سيكون تعامل بايدن في دعم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أعقاب «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، رغم الاعتراضات الداخلية من التيار التقدمي في حزبه الحاكم والمظاهرات التي اندلعت في الجامعات الأميركية ضد إسرائيل وحرب الإبادة التي تقودها ضد الفلسطينيين. وسيذكر التاريخ فشل إدارة بايدن في تأمين وقف لإطلاق نار دائم في غزة.

وليس واضحاً كيف سيُقيم التاريخ موقف بايدن من إسرائيل، وهل سيكون من منطلق مقارنته بالإدارات الأميركية السابقة التي لطالما دافعت عن إسرائيل وساندتها سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً، أم سيتم تقييم موقفه وسياساته من منطلق التباين والنفاق بين مساندته لأوكرانيا ضد عدوان روسيا، ومساندته لإسرائيل في عدوانها على الشعب الفلسطيني، وفوق ذلك، فإن مجيء ترمب إلى السلطة قد يقود إلى تغييرات في سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل بطريقة تطغى على ما فعله بايدن أو لم يفعله.

وقد توترت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين في عهد بايدن، الذي أبقى على التعريفات التي فرضها ترمب في ولايته السابقة، لكن بايدن صعّد من التوترات والصدام مع الصين منذ عام 2021 حول معاملة بكين لهونغ كونغ، وتهديداتها لتايوان.

استعادة روح أميركا

وقد جاء بايدن إلى السلطة في يناير (كانون الثاني) 2021 في خضم جائحة «كوفيد-19» وتأثيراته الصحية والاقتصادية، وفي أعقاب أحداث 6 يناير، وهجوم أنصار ترمب على مبنى «الكابيتول». وقد وعد خلال حملته الانتخابية في عام 2020 وفي خطابه يوم التنصيب بتوحيد الأمة والانتقال من عصر ترمب المثير للانقسام، ورفع شعار استعادة روح أميركا.

وقد يكون القرار التنفيذي الذي أصدره بايدن في أواخر نوفمبر 2024، بالعفو الكامل والشامل عن ابنه هانتر بايدن، الذي كان يواجه عقوبة السجن في جرائم تتعلق بالتهرب الضريبي، واقتناء سلاح بشكل غير قانوني، القشة التي قصمت ظهر البعير، فهذا القرار واجه انتقادات.

من أفضل الرؤساء

وقد وضعت مجلة «تايم» الرئيس بايدن واحداً من أفضل الرؤساء الذين تولوا منصبهم لفترة واحدة في التاريخ الأميركي، وقالت إنه تمكّن من توحيد الحزب الديمقراطي حول قيادته في وقت مبكر من ولايته، مستفيداً من خبرته السياسية والدبلوماسية الواسعة على مدى ما يقرب من نصف قرن، منها 36 عاماً في مجلس الشيوخ و8 سنوات نائباً للرئيس باراك أوباما.

وأشارت المجلة في عددها الصادر في أعقاب الانتخابات الرئاسية الأميركية، إلى نجاح بايدن في تمرير قانون البنية التحتية بقيمة تريليون دولار، وتمرير قانون يُقلل الاعتماد على التصنيع الأجنبي لرقائق أشباه الموصلات، وقوانين لتشديد الرقابة على الأسلحة، وقانون خفض التضخم بقيمة 800 مليار دولار، الذي تم تمريره في أغسطس 2022، وتم تمرير كل هذه القوانين على الرغم من أغلبية ديمقراطية ضئيلة في مجلس النواب، وانقسام مجلس الشيوخ (50 عضواً ديمقراطياً و50 عضواً جمهورياً). وقالت المجلة إن هذه الإنجازات تجعل بايدن أهم رئيس أصدر تشريعات منذ ليندون جونسون.

الرئيس فولوديمير زيلينسكي (يسار) يمنح وساماً لجندي خلال حفل في كييف وسط الغزو الروسي في أوكرانيا المستمر منذ 3 سنوات (أ.ف.ب)

ودافعت المجلة أيضاً عن دور بايدن في إحياء حلف شمال الأطلسي، بعد غزو بوتين لأوكرانيا، وتوسيع الحلف بانضمام فنلندا والسويد عضوين، وعدّت انسحابه من السباق الرئاسي بالقرار الشجاع، لأن خوض السباق كان دافعه منع ولاية ثانية لترمب، أي من منطلق وطني وليس بدافع شخصي. وقالت المجلة: «لو كان بايدن تمكّن من منع ولاية ثانية لترمب لأصبح واحداً من الرؤساء العظماء».

ودافعت مجلة «ذا هيل» أيضاً عن بايدن، واستشهدت بالإنجازات التشريعية نفسها، وبخفض معدل البطالة من 6.3 في المائة إلى 4.2 في المائة، وتوفير تطعيمات لإنهاء «كوفيد-19»، وخفض تكلفة التأمين الصحي والأدوية، إضافة إلى تعيين كيتانجي براون جاكسون -أول امرأة من ذوي البشرة السوداء- قاضية في المحكمة العليا.

وقالت المجلة إنه نجح في إطلاق سراح أكثر من 70 أميركياً محتجزين رهائن لدى حكومات أجنبية، بمن في ذلك لاعبة كرة السلة بريتني غرينر، والصحافي إيفان غيرشكوفيتش، وكل منهما كان محتجزاً لدى روسيا.

وقالت دونا برازيل، الخبيرة الاستراتيجية والمعلقة بشبكة «إيه بي سي نيوز»، إن التاريخ سيذكر إنجازات بايدن، وأن الشعب الأميركي مدين له بالشكر والامتنان لكل ما حققه للبلاد.

إنه الاقتصاد دائماً

والجانب الأكثر تذكراً لرئاسة بايدن هو ارتفاع مستويات التضخم في عامي 2021 و2022، الذي بلغ ذروته عند 9.1 في المائة منتصف عام 2022، وأصبح الملف المفضل للجمهوريين ضد بايدن في حملات الانتخابات النصفية التشريعية عام 2022، وفي الانتخابات الرئاسية عام 2024، وقد ظلّت تكلفة المعيشة وأسعار السلع والخدمات والرهون العقارية تحتل المرتبة الأولى في اهتمامات الناخبين، في استطلاعات الرأي، وهو ما دفع تقييم تأييد بايدن لدى الأميركيين إلى الانخفاض مع تراجع شعبيته عن معظم الرؤساء الأميركيين. ووفقاً لمعظم التحليلات التي أجريت بعد انتخابات 2024، كان الاقتصاد هو العامل الأكبر وراء فوز ترمب الكبير.

ولا شك في أن رئاسة بايدن ستقترن بعدم الرضا الاقتصادي للأميركيين، وهو ما يضعه في القائمة نفسها مع رؤساء سابقين، مثل جيمي كارتر وجورج بوش الأب، فقد شهدت فترة كارتر اضطرابات اقتصادية واضحة، من ركود تضخمي وانكماش للاقتصاد، كما شهدت فترة بوش الأب أيضاً فترة ركود.

ويعتقد عدد من خبراء الاقتصاد أن خطة الإنقاذ الأميركية -وهو أول تشريع لبايدن لمساعدة المتأثرين بالوباء- أسهمت إلى حد ما في ارتفاع التضخم.

ويدافع مناصرو بايدن عنه، مشيرين إلى أن ارتفاع التضخم كان نتيجة تفشي وباء «كوفيد-19»، واختلال سلاسل التوريد، ومن ثم لا يمكن إلقاء اللوم على بايدن، خصوصاً أن الرؤساء لا يملكون التحكم في الاقتصاد إلا بقدر ضئيل، لكن جانباً آخر من المحللين يشيرون إلى أن التاريخ يسجل للرؤساء الأميركيين الفضل أو اللوم في كيفية أداء الاقتصاد خلال ولايتهم، ويكفي أن بايدن سيخرج من البيت الأبيض بأقل معدل في التأييد والشعبية بين جميع الرؤساء الأميركيين.


مقالات ذات صلة

نتنياهو ورؤساء أميركا في 30 سنة: مَن رئيس الدولة العظمى هنا؟

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب أمام الكونغرس يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو ورؤساء أميركا في 30 سنة: مَن رئيس الدولة العظمى هنا؟

منذ تولى نتنياهو رئاسة الحكومة للمرة الأولى قبل 30 سنة، شهدت علاقات تل أبيب وواشنطن منعطفات مختلفة، لكنها لم تعرف متطاوِلاً مثله، ثم جاء ترمب ورسَّخ طريقته.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي السابق جو بايدن مع زوجته جيل (إ.ب.أ) p-circle

زوجة بايدن تكشف تطورات مرضه: السرطان انتشر وسيلازمه مدى الحياة

كشفت السيدة الأميركية الأولى السابقة جيل بايدن تفاصيل جديدة بشأن الحالة الصحية لزوجها جو بايدن، مؤكدة أنه يعاني من سرطان البروستاتا في المرحلة الرابعة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ جيل بايدن (أ.ب)

ترمب يسخر من اعترافات جيل بايدن: لم تكن تعلم مشكلة «جو النعسان»

سخر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الجمعة، من اعترافات جيل بايدن بشأن انهيار زوجها جو بايدن خلال المناظرة التلفزيونية الرئاسية في يونيو 2024.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ بايدن يقاضي وزارة العدل لمنع نشر تسجيلاته الصوتية

بايدن يقاضي وزارة العدل لمنع نشر تسجيلاته الصوتية

رفع الرئيس الأميركي السابق جو بايدن دعوى ضد وزارة العدل لمنعها من نشر تسجيلات ونصوص مقابلاته الخاصة بين عامي 2016 و2017.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب أثناء الإعلان من المكتب البيضوي (أ.ب)

ترمب يرفع القيود المفروضة على الغازات الدفيئة القوية

وصف ترمب الإجراءات التي أقرها سلفه الديموقراطي بأنها «سخيفة» مؤكدا أن قراره سيساعد في خفض كلفة الغذاء للأميركيين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الكونغرس يصطدم بالدستور في معركة الجنسية بالولادة

طرح الجمهوريون مشاريع قوانين لتقييد حق الجنسية بالولادة (أ.ف.ب)
طرح الجمهوريون مشاريع قوانين لتقييد حق الجنسية بالولادة (أ.ف.ب)
TT

الكونغرس يصطدم بالدستور في معركة الجنسية بالولادة

طرح الجمهوريون مشاريع قوانين لتقييد حق الجنسية بالولادة (أ.ف.ب)
طرح الجمهوريون مشاريع قوانين لتقييد حق الجنسية بالولادة (أ.ف.ب)

عندما يطلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من حزبه في الكونغرس دعم أجندته، يتسابق الجمهوريون لاسترضائه. لكن الأمر مختلف في قضية حق الجنسية بالولادة. فهذا الحق مضمون في الدستور الأميركي، تحديداً التعديل الرابع عشر منه. لهذا السبب حكمت المحكمة العليا مؤخراً، رغم أغلبيتها المحافظة، ضد قرار ترمب التنفيذي القاضي بإلغاء هذا الحق.

قرار أثار غضب ترمب، لكنه لم يثنه عن عزمه في مواصلة محاولاته، متوعداً من جهة بدفع المحكمة لإعادة النظر في قرارها، ومطالباً من جهة أخرى الكونغرس بالتصرف لتحقيق هدفه. لكن المهمة ليست بالسهولة التي يصورها الرئيس الأميركي. وتعلم القيادات الجمهورية ذلك جيداً. فهي بالكاد تستطيع إقرار مشاريع قوانين أساسية في ظل الانقسامات السياسية العميقة، وفي موسم انتخابي محتدم. فكيف ستتمكن من إقرار تغيير بهذا الحجم؟

قانون عادي!

يقول بعض الجمهوريين إن الأمر ليس بهذه الصعوبة، وجلّ ما يحتاجه هو تمرير مشروع قانون في الكونغرس يمنع منح الجنسية للمولودين في الولايات المتحدة لمهاجرين غير شرعيين أو للزائرين.

ترمب دعا الكونغرس إلى إلغاء حق الجنسية بالولادة (أ.ب)

وطرح السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام مشروعاً في مجلس الشيوخ، يرافقه آخر في مجلس النواب للنائب براين بابين. كما سعى جمهوريون آخرون كالسيناتور برني مورينو، والنائب جون مغواير، إلى طرح مشاريع أخرى تحمل الهدف نفسه.

ولا تكمن المعضلة هنا في أن هذه المشاريع تحتاج إلى 60 صوتاً في «الشيوخ» لتخطي المعارضة الديمقراطية، لكن في قرار المحكمة العليا بذاته الذي حمل في طياته تفاصيل مهمة تشرح كيفية تعديل هذا الحق. فقد رأى 5 من أصل 9 قضاة في المحكمة أن القضية «دستورية»، وليست «قانونية»، في حين اعتبر القاضي بريت كافناه أنها مسألة قانونية.

تعديل دستوري

عندما يقول القضاة إن القضية «دستورية وليست قانونية»، فهم يقصدون أن تغييرها لا يتم عبر إقرار قانون عادي في الكونغرس، بل يحتاج إلى توافق وطني عبر تعديل دستوري. وهي آلية معقدة لا يقتصر إقرارها على الكونغرس فحسب، وتعدّ من أصعب الإجراءات في الولايات المتحدة. فأي تعديل دستوري يحتاج لثلثي الأصوات في مجلسي الشيوخ والنواب، ولمصادقة 38 ولاية من أصل 50 عليها.

قضاة المحكمة العليا في صورة تذكارية أكتوبر 2022 (رويترز)

وهذا ما ذكّر به السيناتور الجمهوري جون كورنين، وهو من القيادات البارزة في مجلس الشيوخ، إذ قال على منصة «إكس»: «للتذكير، كي يُعتمد أي تعديل دستوري، يجب أولاً أن يحظى مشروع التعديل بموافقة ثلثي أعضاء مجلسي الكونغرس، ثم تصادق عليه المجالس التشريعية في 38 ولاية من أصل 50 ولاية». منشور مقتضب، لكنه يشير بوضوح إلى استحالة المهمة.

فإذا اعتبرت المحكمة العليا أن حق منح الجنسية بالولادة محمي بموجب التعديل الرابع عشر للدستور، فهذا يعني أن الرئيس لا يستطيع تغييره بقرار تنفيذي، ولا يمكن للكونغرس تعديله بقانون عادي. لهذا، حتى لو نجح الجمهوريون في تمرير مشاريع قوانين لإرضاء الرئيس الأميركي، فإنها ستواجه طعوناً قضائية تنتهي في المحكمة العليا، التي ألمحت في قرارها الأخير إلى أن تغيير هذا الحق لا يمر عبر قانون عادي، بل عبر تعديل دستوري. وهو مسار يعدّ مستبعداً، بل شبه مستحيل، في ظل الأجواء السياسية الحالية في أميركا.


استطلاع: عدد كبير من يهود أميركا تعرّضوا لاعتداءات العام الماضي

خلال فعالية دينية لليهود بالقرب من البيت الأبيض بالعاصمة الأميركية واشنطن... 14 ديسمبر 2025 (أ.ب)
خلال فعالية دينية لليهود بالقرب من البيت الأبيض بالعاصمة الأميركية واشنطن... 14 ديسمبر 2025 (أ.ب)
TT

استطلاع: عدد كبير من يهود أميركا تعرّضوا لاعتداءات العام الماضي

خلال فعالية دينية لليهود بالقرب من البيت الأبيض بالعاصمة الأميركية واشنطن... 14 ديسمبر 2025 (أ.ب)
خلال فعالية دينية لليهود بالقرب من البيت الأبيض بالعاصمة الأميركية واشنطن... 14 ديسمبر 2025 (أ.ب)

أظهر استطلاع رأي جديد، أجرته وكالة «أسوشييتد برس» بالتعاون مع مركز «نورك» لأبحاث الشؤون العامة، أن كثيراً من اليهود الأميركيين البالغين تعرّضوا لاعتداءات أو تحرّش خلال العام الماضي، وأن كثيرين منهم يشعرون بقدر أقل من الأمان مقارنة بفترة ما قبل وقوع هجمات «حماس» على إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، حسبما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

وسلّط استطلاع الرأي الضوء على كيفية تغيّر مواقف اليهود البالغين في الولايات المتحدة بشأن شعورهم بالأمان الشخصي خلال فترة قصيرة نسبياً، مع تحوّل المزيد من الأميركيين إلى انتقاد التحالف الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

وقال حوالي ثلث اليهود البالغين إنهم يشعرون بالأمان «للغاية» أو «إلى حد ما» باعتبارهم أشخاصاً يهوداً في الولايات المتحدة اليوم، في حين كشف قرابة الثلث أيضاً أنهم لا يشعرون بالأمان «للغاية» أو «إلى حد ما». أما النسبة الباقية التي تتراوح ما بين ثلاثة من كل عشرة، فقد ذكروا أنهم لا يشعرون بالأمان ولا عدم الأمان.

وذكر حوالي ستة من كل عشرة يهود بالغين أن التحامل ضد اليهود يمثل مشكلة «خطيرة للغاية» أو «بالغة» في الولايات المتحدة اليوم، ويزداد هذا الشعور لدى اليهود البالغين الذين يقولون إنهم متعلّقون عاطفياً بإسرائيل بشكل «بالغ».

وقال حوالي ستة من كل عشرة يهود بالغين إنهم يشعرون «بقدر أقل من الأمان» باعتبارهم أشخاصاً يهوداً في الولايات المتحدة، مقارنة بفترة ما قبل وقوع هجمات «حماس» عام 2023، فيما ذكر حوالي ثلث البالغين اليهود أنهم يشعرون «بنفس القدر من الأمان تقريباً»، وأفادت نسبة ضئيلة للغاية بأنهم يشعرون بقدر أكبر من الأمان.


ترمب يقيل مسؤولين عن سلامة التصويت قبيل انتخابات التجديد النصفي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية في حديقة الورود بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن - 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية في حديقة الورود بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن - 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يقيل مسؤولين عن سلامة التصويت قبيل انتخابات التجديد النصفي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية في حديقة الورود بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن - 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية في حديقة الورود بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن - 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، آخر مسؤولين فيدراليين يتوليان إدارة وكالة معنية بضمان دقة عملية التصويت وسلامتها، وذلك قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني)، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكرت صحيفة «يو إس آيه توداي» أن «لجنة المساعدة الانتخابية» التي تضم أعضاء من الحزبين الرئيسيين، تُدار عادة بواسطة مجلس مكون من أربعة مفوضين، إلا أن المفوضين الاثنين اللذين رشّحهما الحزب الجمهوري كانا قد استقالا في وقت سابق من هذا العام.

وأشارت الصحيفة إلى أن المفوضين المُقالين كانا قد عُيّنا من قبل الديمقراطيين، قبل أن يتلقيا رسالة بريد إلكتروني بقرار إقالتهما الخميس.

ونقلت شبكة «سي إن إن» نص الرسالة التي أرسلها مسؤول في البيت الأبيض إلى أحد المفوّضين المُقالين، وجاء فيها «نيابة عن الرئيس دونالد جاي ترمب، أكتب إليكم لإبلاغكم بإنهاء مهامكم بصفتكم مفوّضاً في لجنة المساعدة الانتخابية، وذلك بأثر فوري».

وندد الديمقراطيون بهذه الخطوة، حيث وصفها وزير خارجية ولاية أريزونا أدريان فونتس بأنها «غير مسؤولة وخطيرة».

ناخبة تدلي بصوتها في مركز اقتراع في كانساس الأميركية - 2 أغسطس 2022 (رويترز)

كما كتب السيناتور عن ولاية فرجينيا مارك وارنر على منصة «إكس»، أن عمليات الإقالة هذه «يجب أن تثير قلق كل أميركي بغض النظر عن انتمائه الحزبي»، مضيفاً أن «إقالة كل المفوّضين المتبقين قبل أشهر قليلة فقط من انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 تُعد خطوة استثنائية تتطلب تفسيراً فورياً من الإدارة».

ووصف مايكل والدمان، الرئيس التنفيذي لمركز «برينان» للعدالة، عمليات الإقالة بأنها «مثيرة للقلق الشديد في ظل جهود الرئيس ترمب المستمرة للتدخل في الانتخابات».

وذكرت شبكة «سي إن إن» أن لجنة المساعدة الانتخابية أُنشئت عام 2002، وهي تتولى اعتماد معدات التصويت وإدارة مئات ملايين الدولارات من الدعم الفيدرالي للانتخابات.

وأشارت الشبكة أيضاً إلى أن ترمب دخل في خلاف مع اللجنة بشأن أمره التنفيذي الذي يفرض إضافة شرط تقديم إثبات الجنسية إلى نماذج تسجيل الناخبين، وهو مطلب قوبل بعرقلة قضائية واسعة النطاق.

وذكرت صحيفة «يو إس آيه توداي» أن اللجنة تتطلب موافقة ثلاثة من مفوّضيها الأربعة على أي إجراء، إلا أن ملء الشواغر في عضوية اللجنة قد يستغرق شهوراً.

ووفقاً للصحيفة، صرّح البيت الأبيض بأن الرئيس «يحتفظ بحق إقالة الأفراد الذين قد لا يتماشون تماماً مع العمل المهم المتمثل في تأمين الانتخابات الأميركية وضمان احتساب كل صوت قانوني»، في الانتخابات.