لوس أنجليس: سباق مع الزمن لاحتواء الحرائق قبل عودة الطقس السيئ

ارتفاع عدد القتلى... ومخاوف من مخاطر الرياح

رجال الإطفاء يسعون لإخماد الحرائق بمنطقة مانديفيل كانيون في لوس أنجليس (رويترز)
رجال الإطفاء يسعون لإخماد الحرائق بمنطقة مانديفيل كانيون في لوس أنجليس (رويترز)
TT

لوس أنجليس: سباق مع الزمن لاحتواء الحرائق قبل عودة الطقس السيئ

رجال الإطفاء يسعون لإخماد الحرائق بمنطقة مانديفيل كانيون في لوس أنجليس (رويترز)
رجال الإطفاء يسعون لإخماد الحرائق بمنطقة مانديفيل كانيون في لوس أنجليس (رويترز)

دخلت فرق الإطفاء في سباق مع الزمن لاحتواء حرائق الغابات المشتعلة في لوس أنجليس، الاثنين لليوم السادس على التوالي، مستغلة التحسن الطفيف في الأحوال الجوية السيئة قبل أن تتسبب الرياح العاتية المتوقع هبوبها في الساعات المقبلة في تأجيج النيران من جديد. ولقي ما لا يقل عن 24 شخصاً حتفهم في الحرائق التي تجتاح ثانية كبريات مدن الولايات المتحدة؛ فقد تحوّلت تجمّعات سكنية بأكملها إلى مجرّد ركام محترق؛ مما أدى إلى تشرّد الآلاف. وحدّت جهود مكافحة الحريق الضخمة من انتشار حريق باليسيدس الذي يقترب من حي برينتوود الراقي ووادي سان فرناندو المكتظ بالسكان.

جانب من آثار الحرائق بحي باسيفيك باليسيدس في لوس أنجليس (أ.ب)

ويتوقع أن يتدهور الوضع بشكل أكبر مع ظروف تشكل تهديداً للأرواح في ظل اشتداد حدة الحرائق. وقالت الخبيرة لدى «الهيئة الوطنية للأرصاد الجوية»، روز شونفيلد، إن رياحاً تصل سرعتها إلى 110 كيلومترات في الساعة تعني أنه سيعلَن عن «وضع خطر بشكل خاص» بدءاً من صباح الثلاثاء.

ويُمكن لهبات الرياح هذه أن تؤجج الحرائق وتؤدي إلى انتقال الجمر من المناطق المحترقة حالياً إلى مناطق جديدة، وفق تحذيرات عناصر الإطفاء. وقال قائد قسم الإطفاء في مقاطعة لوس أنجليس، أنتوني مارون، إن الجهاز حصل على إمدادات تشمل عشرات شاحنات ضخ المياه الجديدة وعناصر إطفاء من مناطق بعيدة، مشيراً إلى أنه على استعداد لمواجهة التهديد الجديد.

ولدى سؤالها عن احتمال جفاف صنابير رش المياه مجدداً كما حدث عندما بدأت الحرائق الأسبوع الماضي، قالت رئيسة البلدية كارين باس: «أعتقد أن المدينة مستعدة».

وساد شعور بالإحباط أوساط السكان الذين أُجْلُوا وقيل لهم إنه لن يكون بإمكانهم العودة قبل يوم الخميس على أقل تقدير عندما تتراجع حدة الرياح. واصطف البعض لساعات على أمل العودة إلى منازلهم التي فروا منها؛ لأخذ أدويتهم أو تبديل ملابسهم.

البحث عن جثث في منزل دمرته الحرائق بمنطقة ألتادينا بكاليفورنيا (أ.ب)

البحث عن الجثث

لكن مسؤول الشرطة، روبرت لونا، قال إنه جرى تعليق عمليات مرافقة السكان إلى هذه المناطق الأحد بسبب الرياح والظروف الخطرة للركام، إضافة إلى الحاجة لانتشال جثث الضحايا.

وتنفّذ فرق تستعين بالكلاب عمليات بحث مع توقعات بأن ترتفع حصيلة القتلى. وأُوقف عدد إضافي من اللصوص الذين تنكر أحدهم في زي عنصر إطفاء. وجرى تمديد حظر التجوال الليلي في المناطق التي أُجلي منها السكان، وطُلبت إمدادات إضافية من قوات الحرس الوطني. وحاول هنري ليفتسون الوصول إلى منزله في حي باسيفيك باليسيدس. وقال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الأحد: «أتيت لأخذ رماد والدي وجدتي الذي تركناه خلفنا».

رجل إطفاء يحاول إخماد الحرائق في باليسيدس التابعة لماندفيل كانيون في لوس أنجليس (رويترز)

زوابع من اللهب

وأتى حريق «باليسيدس» على 9500 هكتار، وجرى احتواؤه بنسبة 13 في المائة فقط حتى الآن. وأظهرت تسجيلات مصورة «زوابع من اللهب» التي تتشكل عندما يكون الحريق قوياً إلى حد يؤدي إلى تشكّل نظامه الجوي الخاص به. لكن احتواء حريق «إيتون» في ألتادينا تحسن، وفق البيانات؛ إذ جرت السيطرة على 27 في المائة من المنطقة التي اشتعل فيها.

ونشرت إدارة الطب الشرعي بمقاطعة لوس أنجليس قائمة للقتلى من دون تقديم تفاصيل عن هويات أي منهم. وأفادت الوثيقة بأن 8 من القتلى سقطوا بمنطقة اندلاع حريق «باليسيدس»، و16 في منطقة اندلاع حريق «إيتون». وتراجع إجمالي عدد السكان الخاضعين لأوامر إخلاء إلى 100 ألف بعدما وصل إلى نحو 180 ألفاً.

وأفادت صحيفة «إل إيه تايمز» بأن جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس المحاذية لمنطقة الإخلاء في باليسيدس كانت خالية تماماً تقريباً مع مغادرة الطلاب طوعاً رغم عدم صدور أوامر بإخلاء الحرم الجامعي.

وبات العدد الكبير للأشخاص الذين يحتاجون فجأة إلى أماكن إقامة يمثّل مشكلة كبيرة بالنسبة إلى المدينة، مع ورود تقارير تفيد باستغلال البعض الأزمة لرفع الإيجارات. وتعهّد حاكم كاليفورنيا، غافين نيوسوم، بأنه سيعاد بناء المدينة، متحدثاً عن «خطة مارشال» لها، في إشارة إلى الدعم الأميركي الذي ساعد أوروبا على النهوض بعد الحرب العالمية الثانية.

وسيعوَّض البعض عن مقتنياتهم الثمينة التي التهمها الحريق. فعلى سبيل المثال، وعد رئيس اللجنة الأولمبية الدولية، توماس باخ، بطلَ السباحة الأميركي غاري هول جونيور بأنه سيحصل على بدائل للميداليات التي نالها وخسرها في الحريق.

حشد يجمع تبرعات للمتضررين من الحرائق بمنطقة سانتا أنيتا بارك في كاليفورنيا الأحد (رويترز)

«أسوأ الكوارث»

واتهم الرئيس المنتخب، دونالد ترمب، المسؤولين في كاليفورنيا بعدم الكفاءة رغم عملية إخماد النيران البطولية التي لم تهدأ على مدار 24 ساعة منذ اندلع الحريق.

وتعززت هذه الجهود مع وصول فرق من المكسيك. وانضم هؤلاء، الأحد، إلى فرق من أنحاء كاليفورنيا والولايات الغربية في الولايات المتحدة التي قدمت للمساعدة. وحتى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عرض، الأحد، إرسال 150 عنصراً إلى كاليفورنيا من بلاده التي تواجه الغزو الروسي. وقال على وسائل التواصل الاجتماعي إن «الوضع هناك صعب للغاية، ويمكن للأوكرانيين مساعدة الأميركيين في إنقاذ الأرواح».

ويجري تحقيق ضخم من قبل السلطات الفيدرالية والمحلية لتحديد أسباب اندلاع الحريق. وبينما يمكن لاندلاع حريق غابات أن يكون متعمداً، فإن الأمر جزء حيوي من دورة الحياة البيئية. لكن اتساع المناطق الحضرية يعرض الناس للخطر بشكل أكبر. كما أن التغير المناخي، الذي يسرّعه الاستخدام المكثف للوقود الأحفوري، يفاقم الظروف التي تؤدي إلى اندلاع مزيد من الحرائق المدمرة.


مقالات ذات صلة

الحرائق أتت على أكثر من 1.9 مليون هكتار من الأراضي في إندونيسيا

آسيا عربات إطفاء في ولاية كاليمانتان الغربية في إندونيسيا

الحرائق أتت على أكثر من 1.9 مليون هكتار من الأراضي في إندونيسيا

أتت الحرائق في إندونيسيا على أكثر من 1.9 مليون هكتار من الأراضي في الفترة بين يناير (كانون الثاني) ونهاية سبتمبر (أيلول) من هذا العام.

شمال افريقيا رجال إطفاء يواجهون حرائق شرق الجزائر في يوليو 2026 (الحماية المدنية)

الجزائر توجّه اتهامات غير مسبوقة لباريس بشأن «حملات الاستقطاب»

تبدو تصريحات من موقوفَين جزائريين كأنها اتهامات رسمية جديدة موجهة إلى فرنسا، بخصوص «توظيف عملاء بهدف ضرب استقرار البلاد»...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حرائق دمرت منطقة قالمة شرق الجزائر في يوليو الماضي (الحماية المدنية)

الجزائر تتهم معارضاً في الخارج بإشعال حرائق الغابات

اتهمت السلطات الجزائرية رسمياً وبشكل مباشر اليوتيوبر المعارض اللاجئ في فرنسا، أمير بوخرص، بدفع أموال لشخصين مقابل إشعال الحرائق التي ضربت شرق البلاد...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
يوميات الشرق في جوف الأرض جمرٌ لا يعرف النوم (أ.ف.ب)

حرائق «الزومبي» في إندونيسيا... نيران تختبئ أشهراً تحت الأرض

لأسابيع متواصلة، بدت أجزاء من جزيرة بورنيو الإندونيسية كأنها مشهد من مشاهد الدمار الشامل، إذ يتجوّل السكان مرتدين الأقنعة وسط ضباب كثيف كريه الرائحة...

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
شمال افريقيا من جلسة تصويت النواب على مشروع مراجعة قانون العقوبات (البرلمان)

«الأمة الجزائري» يصادق على قانون يمهد لإعادة تنفيذ عقوبة الإعدام

صادق مجلس الأمة الجزائري، الأربعاء، بالإجماع على نص القانون المعدل والمتمم لقانون العقوبات، والمتضمن استحداث عقوبة الإعدام لعدد من الجرائم.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مدعي مسيسيبي يبرر استخدام القوة في مقتل طفل بالغ من العمر عاماً واحداً

لافتة تشير إلى عدم العبور تابعة للشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
لافتة تشير إلى عدم العبور تابعة للشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
TT

مدعي مسيسيبي يبرر استخدام القوة في مقتل طفل بالغ من العمر عاماً واحداً

لافتة تشير إلى عدم العبور تابعة للشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)
لافتة تشير إلى عدم العبور تابعة للشرطة الأميركية (أرشيفية - رويترز)

أعلن مدعي عام ولاية مسيسيبي، الاثنين، بعد مراجعة التحقيقات في حادثة إطلاق النار، عدم توجيه أي اتهامات جنائية ضد فرد من شرطة الولاية أطلق النار على طفل رضيع أسود، فأرداه في أثناء الاستجابة لبلاغ سرقة متجر، وقرر عدم توجيه تهم بحقه.

ويأتي اختتام تحقيق الولاية في مقتل الطفل كوهين وايلي إثر أشهر من الحداد والدعوات المطالبة بتحقيق العدالة، على المستويين الوطني وفي سيناتوبيا، وهي بلدة صغيرة تقع على مسافة نحو 40 ميلاً (65 كيلومتراً) جنوب ممفيس في ولاية تينيسي، حيث وقع الحادث في منتصف شهر يونيو (حزيران) الماضي، عندما استجاب افراد من شرطة سيناتوبيا لبلاغ عن سرقة من متجر وول مارت، حيث شاهدوا فليسيجا وايلي، والدة كوهين، وهي تحمل طفلها بينما كانت برفقة صديقة لها تغادران المتجر، وصعدتا إلى سيارة، وبدأتا الانطلاق بالسيارة.

وتجدر الإشارة إلى أن وايلي وصديقتها من أصحاب البشرة السوداء.

وبحسب بيان أصدره مكتب التحقيقات في ولاية مسيسيبي بعد مدة وجيزة من حادثة إطلاق النار، حاول أفراد الشرطة إيقاف المركبة، إلا أن السيارة انطلقت باتجاه قوات إنفاذ القانون؛ ما دفع أحد الضباط إلى إطلاق النار داخل السيارة؛ ما أدى إلى إصابة كوهين وصديقة والدته.


زيلينسكي يحذر ترمب من صفقة على حساب بلاده... ومخاوف من «يالطا جديدة»

لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (رويترز)
لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

زيلينسكي يحذر ترمب من صفقة على حساب بلاده... ومخاوف من «يالطا جديدة»

لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (رويترز)
لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك يوم 22 سبتمبر 2026 (رويترز)

دخلت العلاقات الأميركية - الأوكرانية مرحلة جديدة من التوتر بعدما اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترمب بمحاولة دفع بلاده إلى الاستسلام لروسيا، في وقت تتحدث فيه تقارير عن مساعٍ لعقد قمة تجمع ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيرهما الصيني شي جينبينغ، من دون مشاركة أوكرانية معلنة. وتأتي هذه التطورات وسط خلافات بشأن تخفيف القيود الاقتصادية على موسكو، ومطالب أميركية بوقف الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية، وشكاوى من نقص الإمدادات الدفاعية وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ما يثير تساؤلات بشأن ما إذا كانت واشنطن تسعى إلى تسوية تفاوضية متوازنة، أم إلى تسريع إنهاء الحرب عبر زيادة الضغط على الطرف الأوكراني.

وفي مقابلة أجراها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع وكالة «بلومبرغ» قال: «أعتقد أن خطوات اتُّخذت لإقناع أوكرانيا بالاستسلام»، مضيفاً أنه لا يريد تصديق أن واشنطن تسعى إلى إنهاء الحرب سريعاً على حساب بلاده، «لكن هذا ما يبدو عليه الأمر». وفي مقابلة لافتة مع بيرس مورغان زاد زيلينسكي من حدة الموقف بقوله إنه يشعر بـ«خيانة ترمب». وتعكس هذه التصريحات مستوى غير مسبوق من الشك العلني في نوايا الإدارة الأميركية بعد أسبوع تبادل فيه الرئيسان انتقادات حادة؛ إذ اتهم زيلينسكي ترمبَ بالميل إلى القادة المستبدين، في حين دعا الرئيس الأميركي الأوكرانيين إلى استبدال رئيسهم عبر الانتخابات.

من الحوافز لموسكو إلى الضغوط على كييف

بدأ التصعيد الأخير في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) عندما أعلن ترمب أن الولايات المتحدة ستشتري الديزل الروسي للمساعدة في خفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني). وأثار القرار اعتراضات أوكرانية؛ لأن عودة كميات أكبر من المنتجات النفطية الروسية إلى الأسواق يمكن أن توفر إيرادات إضافية لموسكو، في وقت تعتمد فيه العقوبات الغربية على تقييد الموارد المتاحة لتمويل الحرب.

ولم يتوقف الخلاف عند الجانب الاقتصادي؛ فقد طالب ترمب كييف بوقف استهداف المصافي الروسية، وهي من أبرز الأدوات التي استخدمتها أوكرانيا للضغط على الاقتصاد الروسي، وإضعاف قدرته على دعم العمليات العسكرية. ومن وجهة النظر الأوكرانية، فإن مطالبتها بالتخلي عن هذه الورقة، بالتزامن مع تقديم حوافز اقتصادية لموسكو، تؤدي إلى اختلال ميزان الضغط بين الطرفين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما في أنكوراج بولاية ألاسكا يوم 15 أغسطس 2025 (رويترز)

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي مساء الأحد، شرح ترمب أسباب تقاربه مع روسيا قائلاً: «أنا في خضم التفاوض من أجل السلام في الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، ولا أريد القيام بأي خطوة تدفع روسيا بشكل أحمق إلى الابتعاد عن طاولة المفاوضات»، واتهم ترمب زيلينسكي بأنه لا يريد إنهاء هذه الحرب، وربما لم يرغب في ذلك قَطّ.

ويكشف هذا الاتهام اختلافاً جوهرياً في تعريف السلام؛ فالبيت الأبيض يعطي أولوية لإنهاء القتال عبر التفاوض، في حين تصر كييف على أن أي اتفاق يجب ألا يمنح روسيا مكاسب إقليمية أو أمنية تتيح لها استئناف الحرب مستقبلاً. ويطرح ذلك معضلة على الإدارة الأميركية؛ فالحوافز الاقتصادية قد تشجع موسكو على الدخول في مفاوضات، لكنها قد تضعف أيضاً فاعلية العقوبات إذا لم تُربط بتنازلات روسية محددة، مثل وقف الهجمات أو قبول آليات رقابة وضمانات أمنية قابلة للتنفيذ.

قمة ثلاثية تعيد هواجس «يالطا»

وتضيف التقارير عن قمة محتملة بين ترمب وبوتين وشي جينبينغ بعداً أكثر حساسية للخلاف الأميركي - الأوكراني؛ فقد كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» يوم الاثنين أن بوتين خلال اتصاله بترمب في التاسع من أكتوبر اقترح عقد اجتماع ثلاثي على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، المقررة في مدينة شنتشن الصينية يومَي 18 و19 نوفمبر المقبل، لمناقشة إنهاء الحرب وفق شروط مواتية لموسكو. وأكد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن الفكرة نوقشت بصورة غير رسمية، لكن لم يتم الاتفاق على عقد الاجتماع أو جدول أعماله. كما لم يوافق ترمب بعد على المشاركة، وفق مسؤول أميركي تحدث إلى الصحيفة. ولذلك تبقى القمة مقترحاً روسياً، لا ترتيباً دبلوماسياً نهائياً. غير أن مجرد طرح الفكرة، من دون مشاركة أوكرانية في الصيغة المقترحة، أعاد إلى الأذهان هواجس التسويات التي تتوصل إليها القوى الكبرى بشأن مصير دول أخرى مثلما حدث في مؤتمر يالطا عام 1945، حين اجتمع قادة الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفياتي، فرانكلين روزفلت ووينستون تشرشل وجوزيف ستالين، لرسم ملامح النظام الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، ومناقشة مستقبل ألمانيا وبولندا والدول المحررة من الاحتلال النازي.

وتقول صحيفة «وول ستريت» إن مخاوف كييف لا تكمن في الاجتماع نفسه، بل في احتمال أن تتحول المفاوضات من البحث عن اتفاق تقبله أوكرانيا إلى تفاهم أميركي - روسي - صيني بشأن حدود التسوية الممكنة، ثم ممارسة الضغط على زيلينسكي لقبول نتائجه. أما بوتين، فقد يحقق من القمة مكسباً دبلوماسياً حتى قبل التوصل إلى اتفاق، عبر تكريس موقع روسيا طرفاً في تفاوض مباشر مع أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم. ويمكن للصين بدورها أن تستخدم الاجتماع لتعزيز صورتها وسيطاً دولياً، من دون أن يعني ذلك بالضرورة استعدادها للضغط على موسكو لتقديم تنازلات جوهرية.

أزمة «باتريوت» والمعلومات الاستخباراتية

امرأة تقف في موقع منزل دُمِّر خلال غارة جوية روسية في ظل الهجوم الروسي على أوكرانيا وذلك بضواحي مدينة دنيبرو بأوكرانيا يوم 19 أكتوبر 2026 (رويترز)

وتتزامن هذه التحركات مع خلاف أشد حساسية يتعلق بقدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها. فقد نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» شكاوى مسؤولين أوكرانيين من قيود تتعلق باستخدام شبكة اتصالات فضائية آمنة تعتمد عليها القوات الأوكرانية، ومن انقطاعات في الإنذارات المبكرة التي توفرها المعلومات الاستخباراتية الأميركية بشأن الصواريخ الباليستية الروسية. وقال زيلينسكي إن كييف لم تتلقَّ تحذيراً مبكراً من شركائها قبل هجوم صاروخي مساء الأحد. وأكد المتحدث باسم القوات الجوية الأوكرانية يوري إهنات غياب التحذير قبل الموجة الأولى من الهجمات، في حين وصلت إنذارات قبل موجة لاحقة فجر الاثنين. لكن المسؤولين الأميركيين نفوا وقف تبادل المعلومات بشأن الصواريخ الباليستية. وأرجع وزير الخارجية ماركو روبيو بعض حالات غياب الإنذار إلى مشكلة برمجية في نظام التحذير المبكر، موضحاً أنه لا يستطيع تفسير ما حدث في الهجوم الأخير. ولذلك لا توجد أدلة معلنة كافية للجزم بأن الانقطاعات كانت قراراً أميركياً متعمداً للضغط على كييف.

وتتفاقم المشكلة مع نقص صواريخ الاعتراض المستخدمة في منظومات «باتريوت»، التي تعتمد عليها أوكرانيا للتصدي للصواريخ الباليستية الروسية. وقال زيلينسكي إن واشنطن تؤخر تسليم بعض هذه الصواريخ، في وقت ارتفع فيه الطلب العالمي عليها، خصوصاً بسبب الحرب في الشرق الأوسط. وبحسب الأرقام التي أوردتها السلطات الأوكرانية، شنت روسيا هجوماً شمل 16 صاروخاً باليستياً، ونحو 270 طائرة مسيّرة، استهدفت كييف ومحيطها، وأعلنت القوات الجوية إسقاط أكثر من 240 مسيّرة. ويكشف هذا الهجوم حجم الفجوة بين الدعوات الأميركية لإنهاء الحرب والواقع العسكري الذي تواجهه أوكرانيا؛ إذ يمكن لأي تراجع في قدرات الدفاع الجوي أن يزيد الضغط على القيادة الأوكرانية.

روسيا وإيران... ورقة إضافية لبوتين؟

وفي موازاة الأزمة الأوكرانية، تتحرك موسكو على جبهة دبلوماسية أخرى تتعلق بالمواجهة الأميركية - الإيرانية، مع زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لطهران يوم الاثنين ولقاء الرئيس بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، لإجراء محادثات تستهدف، بحسب تصريحاته، منع العودة إلى حرب واسعة النطاق في المنطقة.

وتقول صحيفة «واشنطن بوست» إن هذه التحركات تمنح بوتين فرصة لتقديم روسيا بوصفها طرفاً قادراً على المساهمة في إدارة أزمتين تشغلان واشنطن: الحرب في أوكرانيا، والتوتر مع إيران. كما أن استمرار ارتفاع أسعار النفط واضطراب الملاحة في مضيق هرمز يجعلان التعاون في ملف الطاقة أكثر أهمية بالنسبة إلى ترمب، الذي يواجه ضغوطاً اقتصادية قبل انتخابات التجديد النصفي. ومع ذلك، لا توجد أدلة مؤكدة على وجود مقايضة بين واشنطن وموسكو تربط تخفيف الضغط على روسيا بتقديم دور وساطة في الملف الإيراني. لكن تزامن المسارين يتيح للكرملين توسيع قنوات التواصل مع الإدارة الأميركية، ويمنحه مساحة إضافية للمناورة الدبلوماسية.

الكونغرس وأوروبا

وتثير سياسة ترمب قلقاً داخل الكونغرس الأميركي، خصوصاً بعدما استخدم صلاحياته لتعليق تطبيق عقوبات نص عليها قانون أُقر في سبتمبر (أيلول). فقد صدر الأمر التنفيذي في 16 أكتوبر، مستنداً إلى بند يسمح للرئيس بإعفاءات مرتبطة بالمصلحة الوطنية الأميركية، وهو ما فتح نقاشاً حول مدى توافق استخدام هذه الصلاحيات مع هدف المشرعين من تشديد الضغط على موسكو. وتخشى دوائر سياسية أميركية وأوروبية من أن يؤدي تخفيف العقوبات إلى منح روسيا متنفساً اقتصادياً، في وقت تستمر فيه عملياتها العسكرية. وأثار مشرعون في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي انتقادات لاذعة لإدارة ترمب لرفع وتخفيف العقوبات قبل الحصول على التزامات روسية قابلة للتحقق، مشيرين إلى أن هذا التخفيف للعقوبات يقلل دوافع بوتين لتغيير حساباته. أما البيت الأبيض فيراهن على أن توفير مكاسب اقتصادية محتملة يمكن أن يجعل التفاوض أكثر جاذبية لموسكو. وتزداد المخاوف الأوروبية مع احتمال انعقاد قمة ثلاثية تستبعد أوكرانيا؛ لأن أي اتفاق بشأن الأراضي أو الضمانات الأمنية سيؤثر مباشرة في أمن القارة الأوروبية، وليس في مستقبل كييف وحدها.

هل يستطيع ترمب فرض التسوية؟

ويرى المحللون أن هذه التطورات تكشف عن تحول مهم في طبيعة الضغوط الأميركية. فبدلاً من التركيز حصرياً على دفع روسيا إلى وقف الحرب عبر العقوبات والعزلة، باتت إدارة ترمب تستخدم الحوافز الاقتصادية تجاه موسكو، بالتزامن مع مطالب أكثر إلحاحاً لأوكرانيا بتعديل سلوكها العسكري والتفاوضي. وقد تفتح هذه المقاربة نافذة دبلوماسية إذا دفعت بوتين إلى قبول وقف إطلاق نار بشروط واضحة، فالاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الإدارة الأميركية على تحويل الحوافز إلى تنازلات روسية ملموسة، وتقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا، وإقناع الأوروبيين بأن التسوية لن تؤدي إلى حرب جديدة بعد سنوات قليلة، لكنها تحمل أيضاً مخاطر إذا فسرت موسكو تخفيف العقوبات والخلاف الأميركي - الأوكراني باعتبارهما مؤشرين على تراجع قدرة الغرب على مواصلة الضغط.

وتبقى أمام ترمب عقبتان أساسيتان؛ الأولى أن موسكو لم تُظهر حتى الآن استعداداً واضحاً للتخلي عن مطالبها الرئيسية، والثانية أن أي تسوية لا تقبلها كييف ستكون صعبة التنفيذ والاستمرار، حتى لو حظيت بتأييد واشنطن أو بكين.


المحكمة العليا الأميركية ترفض طلب المتهم بتدبير هجمات 11 سبتمبر

حريق برجي مركز التجارة الأميركي بمدينة نيويورك في يوم 11 سبتمبر عام 2001 (أ.ف.ب)
حريق برجي مركز التجارة الأميركي بمدينة نيويورك في يوم 11 سبتمبر عام 2001 (أ.ف.ب)
TT

المحكمة العليا الأميركية ترفض طلب المتهم بتدبير هجمات 11 سبتمبر

حريق برجي مركز التجارة الأميركي بمدينة نيويورك في يوم 11 سبتمبر عام 2001 (أ.ف.ب)
حريق برجي مركز التجارة الأميركي بمدينة نيويورك في يوم 11 سبتمبر عام 2001 (أ.ف.ب)

رفضت المحكمة العليا الأميركية، الاثنين، طعناً تقدم به المتهم بتدبير هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خالد شيخ محمد ومتهمان آخران، يسعون من خلاله إلى إعادة العمل باتفاقات إقرار بالذنب كانت أُلغيت بعد إقرارها في عام 2024.

وكان محمد وشخصان آخران متهمان بالمشاركة في هجمات 11 سبتمبر 2001، هما وليد بن عطاش ومصطفى الحوساوي، أبرموا اتفاقات ما قبل المحاكمة عام 2024 لتجنب عقوبة الإعدام، وذلك خلال إدارة الرئيس جو بايدن.

خالد شيخ محمد بعد القبض عليه في باكستان يوم 1 مارس 2003 (أرشيفية - أ.ب)

وبعد انتقادات من بعض عائلات الضحايا، أمر وزير الدفاع آنذاك لويد أوستن بإلغاء اتفاقات الإقرار بالذنب؛ ما أشعل معركة قانونية بشأن ما إذا كانت لديه صلاحية اتخاذ مثل هذ القرار أم لا.

وقضت محكمة استئناف، العام الماضي، بأن أوستن «تصرف ضمن حدود صلاحياته القانونية».

وجاء في رأي مقتضب غير موقّع للمحكمة العليا، الاثنين، أنها لن تقبل الطعن.

ويُعد الثلاثة من بين قلة لا تزال محتجزة في قاعدة غوانتانامو العسكرية الأميركية سيئة الصيت في كوبا، ومن المقرر أن تبدأ محاكمتهم في يونيو (حزيران) 2028.

وكان محمد، المعروف أيضاً باسم «كي إس إم»، يُعد أحد أبرز مساعدي زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن قبل إلقاء القبض عليه في مارس (آذار) 2003 في باكستان.

وركّز جانب كبير من السجالات القانونية في قضايا المتهمين باعتداءات 11 سبتمبر، على مسألة ما إذا كان بالإمكان محاكمتهم بشكل عادل بعد تعرضهم للتعذيب على أيدي عناصر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه).