تداعيات استراتيجية لعودة ترمب «اللامتوقّع»

ماذا يعني انتخابه لحرب أوكرانيا والتنافس مع التنين الصيني وصراعات الشرق الأوسط؟

الرئيس جو بايدن والرئيس المنتخب دونالد ترمب في البيت الأبيض (د.ب.أ)
الرئيس جو بايدن والرئيس المنتخب دونالد ترمب في البيت الأبيض (د.ب.أ)
TT

تداعيات استراتيجية لعودة ترمب «اللامتوقّع»

الرئيس جو بايدن والرئيس المنتخب دونالد ترمب في البيت الأبيض (د.ب.أ)
الرئيس جو بايدن والرئيس المنتخب دونالد ترمب في البيت الأبيض (د.ب.أ)

انتهت الانتخابات الأميركيّة، لكن الحديث عنها قد يستمرّ طويلاً. فالساكن الجديد في البيت الأبيض سيختزل المؤسسات الدستورية الأميركيّة في كل أبعادها، من السياسيّ، إلى الاقتصادي، إلى البُعد العسكري، وهو الأهم. طوّع دونالد ترمب حزبه وغيّر ثقافته وآيديولوجيّته. همّش الحزب الآخر الذي لم يع ويفهم التحوّلات الاجتماعيّة الجذريّة في نسيج المجتمع الأميركي.

مع الفترة الثانية للحكم، ستكون يد ترمب طليقة، خصوصاً وقد سيطر حزبه الجمهوري على الكونغرس ككل. وبحكم سيطرته على مجلسي الشيوخ والنواب، تبدو يد الرئيس المنتخب طليقة في صنع السياسات الخارجيّة، وهي سياسات بدت في جوانب كثيرة منها غير متوقعة خلال فترة حكمه الأولى (بعد انتخابات 2016). ومن هذا المنطلق، يمكن طرح التساؤل عما سيكون عليه حال العالم مع ترمب «اللامتوقّع»؟

يملك ترمب القرار، كما يملك وسائل التنفيذ. يقود دولة يبلغ حجم اقتصادها ربع حجم الدخل القومي العالمي ككل، ومع موازنة عسكرية هي أكبر من مجموع الموازنات العسكريّة لباقي دول العالم، بما في ذلك الصين وروسيا. يكره ترمب التحالفات، كما يكره المؤسسات الدوليّة التي تخدم النظام العالمي القائم. يُسوّق نفسه اليوم على أنه رجل سلام يريد وقف الحروب في العالم، مُبسّطاً بذلك ومُسطّحاً تعقيدات العلاقات الدولية والصراعات الجيوسياسيّة. يعود ترمب بعد أربع سنوات إلى عالم تغيّر كلّياً، وأصبح في مرحلة ما قبل الحرب العالميّة الثالثة. يُنظّر المفكّر الأميركي ستيفن كوتكين، وهو المتخصص بالاتحاد السوفياتيّ، الذي كتب عدة كتب عن جوزيف ستالين ومصطلح عبادة الشخص، فيقول، بما معناه، إنه يجب وضع الشخص في منظومته السياسيّة، وهو ما يفترض الإقرار بالاختلاف التام بين نظامي الحكم الأميركي والسوفياتيّ. ويتابع: «صحيح أن مصطلح عبادة الشخص تجسّد مع ستالين، لكن لستالين شخصية فريدة». وهكذا يبدو حال ترمب اليوم. شخصية فريدة، من وجهة نظر مؤيديه.

الديناميكيات الجيوسياسيّة في العالم

عند التوقّع الجيوسياسيّ، لا بد من رصد مصادر (Locations) التحوّلات الكبرى، أو بالأحرى الديناميكيات. من أين تبدأ، وكيف تؤثّر تموّجاتها على مستوى النظام العالميّ. وعليه وجب الاعتماد على النظريات الجيوسياسيّة لفهم الواقع. غير أن النظريات لا تعطي الحلول عادة، لكنها في الحد الأدنى تحدّد الاتجاه (Direction). ولعل أهم هذه النظريّات هي نظريّة هالفورد ماكندر وكذلك نظريّة نيكولا سبايكمان. يحدد الأول أهميّة السهل الأوراسيّ، أو «الهارتلاند». فمن يسيطر عليه يتحكّم بمصير العالم. أما سبايكمان فهو يقول بالسيطرة على الشواطئ (الريملاند) التي تحتوي «الهارتلاند». فمن يسيطر عليها يسيطر على العالم. تغيّر «الهارتلاند»، كما تغيّر «الريملاند» كثيراً، بعد نهاية الحرب الباردة. هناك ديناميكيّة داخل «الهارتلاند» تحصل حالياً، وذلك بسبب تراجع روسيا وصعود الصين، الأمر الذي أعطى دول السهل الأوراسيّ حريّة جيوسياسيّة كبيرة. كما أن هناك تحوّلات كبرى على مستوى «الريملاند»، أهمّها صعود الهند، واحتمال أن يكون المحيط الهندي مركز ثقل الصراع الجيوسياسيّ في القرن الـ21.

في هذا الإطار، ابتكر المفكّر جورج فريدمان نظرية جديدة ترتكز على ما يلي: إن مركز ثقل العالم موجود إلى الشمال من مدار السرطان. في هذه المنطقة تقع أهم دول العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، والدول الأوروبية، وروسيا، والصين، وأجزاء من الهند. تحوي هذه المنطقة أيضاً أهم اقتصادات العالم، وكذلك الثقل الديموغرافيّ، عدا عن أنها تحوي الترسانة النوويّة في العالم. منها تنطلق الديناميكيات، ومنها تتشظّى إلى أرجاء الكرة الأرضيّة. في هذه المنطقة أهم ثروات الطاقة في العالم، ولكن تدور فيها حروب عديدة. أهمّها الآن الحرب الأوكرانية، التي أصبحت بمثابة حرب عالمية بعد التدخّلات الخارجية لدعم الطرفين المتحاربين (الغرب مع أوكرانيا، وإيران وكوريا الشمالية مع روسيا، هذا عدا عن التدخّل الصيني الداعم لروسيا أيضاً بطريقة غير مباشرة، حسب ما يقول الغرب).

في الحقيقة، عمّت تموّجات (Ripples) هذه الحرب كل العالم. فهي خلقت مشكلة غذاء بسبب توقّف شحن القمح. كما خلقت أزمة طاقة (بسبب العقوبات الأوروبية على صادرات روسيا)، وقد تؤدّي إلى استعمال السلاح النوويّ، حسب تلويح بعض المسؤولين الروس. في هذه الحرب، تبيّن أن دولة لا تملك السلاح النووي، وهي أوكرانيا، ردت على الهجوم الروسي على أراضيها بالإقدام على احتلال أرض - منطقة كورسك - تابعة لدولة نوويّة تمتلك أكبر ترسانة في العالم.

إلى جانب الحرب الأوكرانيّة، هناك حروب متعدّدة تدور في منطقة الشرق الأوسط، سواء في غزّة، أو لبنان، أو حتى اليمن. هذا عدا النزال المباشر بين إيران وإسرائيل. وإضافة إلى كل ذلك، تفيد تقارير بأن الصين تدرس أداء الأسلحة الغربيّة على كل مسارح الحرب، وذلك من أجل استخلاص الدروس لحرب محتملة مع الغرب حول جزيرة تايوان.

الحدث الجيوسياسيّ... ترمب رئيساً

يعدُّ انتخاب ترمب الحدث الجيوسياسيّ الأهم في العالم اليوم. وهو، وحسب نظرية فريدمان أعلاه، سيبعث بتموّجات وديناميكيّات مقلقة للبعض، وجيّدة للبعض الآخر، وبكل الاتجاهات. ويعود سبب هذا التأثير إلى أمرين مهمّين هما: أوّلاً، طبيعة الشخص وتجاربه السابقة في الحكم، ثانياً، قدرات الولايات المتحدة الأميركيّة على التأثير في مجريات الأمور.

ماذا سيفعل ترمب في أوكرانيا، وهو الذي صرّح بأنه قد ينهي الحرب في يوم واحد. في هذا الإطار، صرّح نائب الرئيس الأميركيّ المُنتخب جي دي فانس، قبل انتخابه، بأن مشروع الحلّ للحرب الأوكرانيّة قد يكون على الشكل التالي: منطقة منزوعة السلاح على طول 1000 كلم لكنها محصّنة وبشكل لا يمكن اختراقها من قبل القوات الروسيّة. تحتفظ روسيا بالأرض التي احتلتها، وهي تقارب الـ20 في المائة من مساحة أوكرانيا. تطمين روسيا بالحياد الأوكراني والوعد بعدم الانضمام إلى حلف الناتو سوى بعد مرور 20 سنة.

ولكن ماذا لو لم تقبل أوكرانيا بذلك؟ وماذا عن الدول الأوروبيّة ومصير حلف الناتو؟ في هذا الإطار، يبدو أن موقف ترمب هو على الشكل التالي: أوروبا غنيّة. وهي قادرة على الدفاع عن نفسها، كما أن أوكرانيا هي مسألة أوروبيّة وبامتياز. فلماذا تُحمّل أميركا كل الأعباء؟ وتحضيراً لتسلّم ترمب الرئاسة كتب أمين حلف «الناتو» السابق ينس ستولتنبرغ مع معناه إن ما يقوله ترمب عن أوروبا وعلاقتها بروسيا صحيح، فهي تخلّت عن بناء قواتها العسكريّة، واعتمدت على الغاز الروسي. لكنه يتابع ليقول إن حلف «الناتو» أقوى اليوم من السابق، وإن أسرع طريقة لوقف الحرب هي الاستسلام، وهذا غير ممكن، وإن الطريق الوحيد للوصول إلى السلام هو عبر ضخّ المزيد من السلاح لأوكرانيا، خصوصاً وأن بوتين «قادر على استشعار ضعف الخصم لكنه حتماً يحترم القوّة».

الشرق الأوسط والتنين الصيني

لكن ماذا سيفعل ترمب حيال الحرب في الشرق الأوسط؟ ترمب، كما هو معروف، كان الرئيس الأميركي الذي نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس، واعترف بسيادة إسرائيل على الجولان، وهو الذي اغتال قائد «فيلق القدس» الإيراني قاسم سليمانيّ، وانسحب من الاتفاق النووي مع طهران؟ لكن ترمب يعود اليوم إلى الرئاسة مع شرق أوسط مختلف تماماً عما كان عليه عام 2020. يعود وإيران أصبحت حليفة وثيقة لروسيا.

وكيف سيتعامل ترمب مع الهند في إطار هدف أميركا إيجاد طرف يحقق التوازن مع الصين، علماً بأنه يبشّر برفع التعرفة على البضائع الهنديّة؟

يقول خبراء إن التحدّي الأكبر لترمب سيكون مع التنين الصيني. فالصين هي المنافس الأساسي لأميركا، عسكرياً وتكنولوجياً وجيوسياسيّاً وفي كلّ المجالات. وهي التي أصبحت تمتلك أكبر أسطول بحري في العالم لجهّة عدد القطع البحريّة. وهي التي بدأت تجري المناورات البحريّة حول جزيرة تايوان تمهيداً لإعادتها يوماً ما إلى حضن الوطن الأم، حسب ما تقول بكين، علماً بأن تايوان تُعدُّ بالمعنى الجيوسياسيّ أهم عقدة تربط اليابان بالفلبين وماليزيا، وصولاً إلى مضيق مالاكا أحد أهم المضايق في العالم. فإذا سقطت تايوان ستفتح كلّ البحار في العالم للبحريّة الصينية، الأمر الذي سيغيّر صورة النظام العالمي الحالي جذريّاً. فهل فعلاً ستكون أميركا عظيمة كما يريدها ترمب إذا تخلت عن مناطق نفوذها في العالم، خصوصاً في محيط الصين؟

في الختام، وقبل تغيير العالم عبر الانسحاب منه تبقى أسئلة مهمة:

كيف سيُنفذ ترمب وعوده الانتخابيّة للداخل الأميركي؟ كيف سيُرحّل ملايين المهاجرين غير الشرعيين؟ كيف سينتقم من وزارة العدل والمدعي العام الذي أراد سجنه. كيف سيتعامل مع أجهزة الاستخبارات، وكيف سيتعامل مع البنتاغون والعسكر؟ وكيف سيُخفض الضرائب والدين الأميركي بلغ 35 تريليون دولار؟ أسئلة كثيرة ستنتظر أجوبتها بالطبع بدء ولاية ترمب الثانية.


مقالات ذات صلة

ترمب: «من الممكن» استئناف المفاوضات مع إيران في الأيام المقبلة

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ترمب: «من الممكن» استئناف المفاوضات مع إيران في الأيام المقبلة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، في تبادل رسائل مع صحيفة «نيويورك بوست»، إنه «من الممكن» استئناف المحادثات مع إيران في الأيام المقبلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)

هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

تُصرّ كل من واشنطن وطهران على سياسة «عضّ الأصابع» لفرض كل طرف شروطه على الآخر، قبل العودة إلى طاولة المحادثات أو إلى ميدان المعركة.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ أفراد من مشاة البحرية الأميركيين يقومون بتوجيه أفغان جرى إجلاؤهم على متن طائرة نقل عسكرية في مطار كابل (رويترز)

إدارة ترمب بصدد ترحيل اللاجئين الأفغان إلى جمهورية الكونغو

تجري إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب محادثات لترحيل مئات اللاجئين الأفغان ممن ساعدوا الجيش الأميركي في حربه ضد «طالبان»، إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شخص يدلي بصوته ضمن استفتاء إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية بولاية فرجينيا الأميركية داخل مركز «فيرفاكس» الحكومي في فرجينيا يوم 21 أبريل 2026 (أ.ب)

في خطوة لتعزيز مقاعد الديمقراطيين بالكونغرس... ناخبو فرجينيا يوافقون على إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية

وافق ناخبو ولاية فرجينيا الأميركية على خطة لإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية، في خطوة قد تعزّز فرص الديمقراطيين في الفوز بـ4 مقاعد إضافية بمجلس النواب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية إيراني يتحدث إلى أحد الزبائن داخل محل صرافة يملكه في إسطنبول (أ.ب)

الحرب قد تدفع الإيرانيين في تركيا للعودة إلى بلادهم

الحرب تهدد استقرار الإيرانيين في تركيا؛ إقامات مؤقتة وفرص محدودة تدفع بعضهم للعودة رغم المخاطر، وصعوبة الأوضاع في بلدهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ترمب: «من الممكن» استئناف المفاوضات مع إيران في الأيام المقبلة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

ترمب: «من الممكن» استئناف المفاوضات مع إيران في الأيام المقبلة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، في تبادل رسائل مع صحيفة «نيويورك بوست»، إنه «من الممكن» استئناف المحادثات مع إيران في الأيام المقبلة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورداً على سؤال للصحيفة بشأن احتمال عقد مفاوضات خلال «36 إلى 72 ساعة»، أي قبل حلول يوم الجمعة، قال ترمب: «هذا ممكن».

وكان ترمب قد أعلن، الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار، لإتاحة المجال للتوصل إلى اتفاق مع إيران، من دون أن يحدد مهلة جديدة.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن، في وقت سابق، تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، فاتحاً نافذة زمنية إضافية بانتظار تقديم طهران «مقترحاً موحداً» ينهي حالة الانسداد السياسي، في حين هاجم «الحرس الثوري» ثلاث سفن في مضيق هرمز.


إصابة 11 شخصاً بعد اصطدام مركبة بقطار متوقف في واشنطن

قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
TT

إصابة 11 شخصاً بعد اصطدام مركبة بقطار متوقف في واشنطن

قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)

قال مسؤولون أميركيون إن مركبة عمل اصطدمت بقطار ركاب بوسط واشنطن في وقت مبكر من اليوم الأربعاء، مما أسفر عن إصابة 11 شخصاً.

وقالت هيئة النقل في منطقة العاصمة واشنطن في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي إن قطار الخط الفضي المتوقف تعرض للاصطدام بعد منتصف الليل في محطة المترو المركزية.

وذكرت المحطة أن حالة المصابين ليست خطيرة، ولكنها لم تقدم تفاصيل بشأن شدة الإصابات أو نوعها.


هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
TT

هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)

في لحظة بدت أقرب إلى إعادة ضبط الصراع، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران «إلى أجل غير مسمى»، مع الإبقاء على الحصار البحري لموانئها واستمرار التوتر في مضيق هرمز؛ ما جعل المشهد يبدو أقرب إلى هدنة قسرية فوق حافة الانفجار، حيث يصر كل طرف على سياسة «عض الأصابع» لفرض شروطه قبل العودة إلى طاولة المحادثات أو إلى ميدان المعركة.

وجاء التمديد بعد تعثر محادثات كان يفترض أن تُستأنف بوساطة باكستانية، وتراجع ترمب فيها عن موقف سابق برفض التمديد، وبعد مؤشرات متضاربة من واشنطن من تهديد باستئناف الضربات من جهة، ثم قرار بإعطاء التفاوض فرصة إضافية من جهة أخرى، بما يعكس مأزقاً استراتيجياً عميقاً يواجه الإدارة الأميركية.

وقد برر البيت الأبيض تمديد وقف إطلاق النار على أساس أن إدارة ترمب لم تحصل بعد على ما تعدّه «عرضاً إيرانياً موحداً»، ولأن ترمب، رغم لهجته التصعيدية، لا يبدو راغباً في استئناف حرب مفتوحة ما دام هناك احتمال لانتزاع تنازلات تحت الضغط.

وأشارت صحيفة «وول ستريت» إلى سلسلة اجتماعات تداول فيها ترمب خياراته مع نائبه جي دي فانس وصهره جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، وأُثيرت خلال الاجتماعات قضية الانقسامات داخل القيادة الإيرانية ووجود فصائل متشددة ترفض الانصياع لمطالب ترمب.

لماذا غير ترمب موقفه؟

ويقول محللون إن التحول من التلويح بعدم التمديد إلى إعلان تمديد مفتوح لا يعني أن ترمب أصبح أكثر ميلاً للتسوية بقدر ما يعكس حسابات التكلفة والمردود. ووفقاً لبعض التسريبات، كان البيت الأبيض يدرس بالفعل إمكان استئناف الهجمات بعد انهيار الترتيبات الخاصة بجولة تفاوض جديدة، لكن الرئيس انتهى إلى خيار وسط هو تمديد الهدنة مع الإبقاء على أقصى درجات الضغط.

ويحقق هذا الخيار ثلاثة أهداف لترمب: أولاً، تجنب التورط الفوري في حرب أطول وغير مضمونة النتائج، ثانياً، الإبقاء على صورة الرئيس القوي الذي لم يتراجع، بل قام فقط بتأجيل الضربة العسكرية، ثالثاً، منح الدبلوماسية فرصة أخيرة من دون رفع الحصار الذي يمثل ورقة الضغط الأهم حالياً.

ويرتبط هذا التبدل أيضاً بمعضلة سياسية داخلية، فترمب الذي هاجم طويلاً اتفاق باراك أوباما النووي المبرم في عام 2015، يجد نفسه الآن أمام مقارنات شبيهة جداً تتعلق بتخفيف عقوبات أو الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة مقابل قيود نووية مؤقتة - مثل إعادة 20 مليار دولار من أصول إيرانية المجمدة مقابل تسليم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، مع مناقشة حدود التخصيب والبرنامج الصاروخي والوكلاء الإقليميين.

سفن وقوارب في مضيق هرمز قبالة ساحل مسندم العُماني 20 أبريل 2026 (رويترز)

التهدئة

يبدو أن سيناريو التهدئة والتوصل إلى اتفاق مؤجل دون اختراق سريع، ممكن، لكنه ليس سهلاً، وفق مراقبين؛ إذ يتمثل في التوصل إلى اتفاق مرحلي أو شامل جزئياً، ويشترك الطرفان في الدوافع ذاتها في هذه المقاربة.

وتريد واشنطن ترجمة تفوقها العسكري والبحري إلى مكاسب سياسية ملموسة تتعلق مباشرة بضبط البرنامج النووي، وتقليص المخزون عالي التخصيب، وفرض ترتيبات دائمة أو شبه دائمة في مضيق هرمز، وربما توسيع التفاوض ليشمل الصواريخ والوكلاء الإقليميين. أما طهران، فرغم خطابها المتشدد، فإنها تحتاج إلى متنفس اقتصادي وإلى كسر دائرة الخنق المالي والعسكري.

ويشير خبراء أميركيين إلى أن نافذة إمكانية التوصل الي اتفاق لم تغلق، وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز والخبيرة في الشأن الإيراني، لصحيفة «واشنطن بوست» إن الإيرانيين «غير قابلين للتزحزح» في مسألة التخلي الكامل عن التخصيب، لكنهم أكثر استعداداً للتفاوض حول المدد، والمستويات، وكيفية التعامل مع المخزون. وهذا يعني أن جوهر التسوية المحتملة لن يكون «صفر تخصيب»، كما يطمح بعض صقور واشنطن، بل سيكون تقييداً صارماً ومراقباً للتخصيب.

وتقول ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأميركيين في عهد أوباما، إن ترمب يسعى هذه المرة إلى ملف أوسع من اتفاق 2015، يشمل الصواريخ والوكلاء وهرمز، لكنها تلفت في الوقت نفسه إلى أن مجرد انتزاع تعليق طويل الأمد للتخصيب سيكون إنجازاً أكبر مما تحقق في الاتفاق السابق، إذا أمكن التحقق منه وضمان تنفيذه.

أما ريتشارد غولدبرغ، الذي عمل على ملف إيران في إدارة ترمب الأولى، فيمثل تياراً جمهورياً متشدداً، لكنه يعترف بأن الوصول إلى السيطرة على مخزون اليورانيوم العالي التخصيب وتفكيك المنشآت الحساسة، مثل منشأة «بيك آكس ماونتن» التي يكثر الحديث عنها في التقارير الأميركية، سيكون تحولاً استراتيجياً يزيل التهديد النووي الإيراني لسنوات. هذه المقاربة تعني أن بعض دوائر اليمين الأميركي ليست ضد التفاوض من حيث المبدأ، بل ضد أي اتفاق لا يترجم الحرب إلى مكاسب ملموسة قابلة للتسويق سياسياً. وإذا اتجهت الأمور نحو هذا السيناريو، فلن يكون «سلاماً تاريخياً» سريعاً، بل صفقة إدارة أزمة تمنع الانفجار الكبير.

ر

سيناريو التصعيد

يبقى سيناريو التصعيد واستغلال تمديد الهدنة كاستراحة قبل استئناف الحرب مطروحاً بقوة، مع اتساع الهوة في المطالب بين الطرفين. فواشنطن تحث طهران على التراجع عن التخصيب، والنفوذ الإقليمي، والقدرة على التهديد في هرمز، بينما طهران تعدّ أن التفاوض تحت الحصار والإملاءات اعترافاً بالهزيمة.

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن ريتشارد نيفيو، المسؤول السابق في الخارجية الأميركية وأحد مهندسي نظام العقوبات على إيران، أن «الحرب لم تضعف إيران فقط، بل حررتها أيضاً من بعض ضغوط الردع التقليدية؛ لأنها أثبتت أنها قادرة على امتصاص الضربة والردّ».

وبرأيه، فإن صعود «الحرس الثوري» إلى مركز القرار قلّص مساحة المناورة التي كان يوفرها وجود تيارات أكثر براغماتية في مراحل سابقة.

من جانبه، حذر مايكل سينغ، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي والباحث في معهد واشنطن، لصحيفة «وول ستريت» من أن الحصار البحري الأميركي سلاح ذو حدين؛ إذ يعيد التوازن في الضغط ويمنع إيران من الاستفادة وحدها من ورقة هرمز، لكنه أيضاً رهان محفوف بالخطر.

ويصف بهنام بن طالبلو، في تقرير لموقع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، هذا المشهد بأنه «حرب إرادات» بقدر ما هو صراع طاقة وأمن؛ ما يعني أن كلاً من الطرفين يقيس نجاحه ليس فقط بالمكاسب المادية، بل أيضاً بمن يكسر إرادة الآخر أولاً.

وأوضح أنه في ظل هذا السيناريو، قد تتحول الهدنة الحالية إلى فترة إعادة تموضع عسكري وسياسي، وإذا خلص ترمب إلى أن إيران تشتري الوقت، أو إذا شعرت طهران بأن الحصار يخنقها من دون مقابل تفاوضي، فقد تعود الضربات الأميركية أو الهجمات الإيرانية غير المباشرة، ويعود المضيق إلى مركز الاشتعال العالمي.

المنطقة الرمادية

يصرّ الطرفان على سياسة «عضّ الأصابع»؛ وهذا لأن الصراع لم يعد تقنياً حول نسب التخصيب أو آليات التفتيش فقط، بل أصبح معركة وإرادة سياسية. فإدارة ترمب تريد فرض معادلة تقول إن الحرب نجحت، وإن إيران خرجت أضعف، وبالتالي عليها أن تقبل بالشروط الأميركية لا أن تفاوض من موقع الندّية.

أما طهران فترى، وفق مراقبين، أن أخطر ما يمكن أن تقبل به هو أن تظهر كمن انكسر تحت النار والحصار. لهذا؛ تصر على عدم منح واشنطن صورة النصر الكامل. هي تريد أن تقول إنها رغم الضربات، لا تزال تملك أوراقاً يمكن استخدامها ومنها التخصيب، ومضيق هرمز، والقدرة على الإيلام الاقتصادي، والقدرة على الصبر.

لهذا؛ تبدو سياسة «عضّ الأصابع» منطقية من منظور الطرفين. كل واحد منهما يعتقد أن الآخر يتألم، وأن مزيداً من الصبر والضغط قد يفرض تنازله. لكن خطورة هذه السياسة أنها كثيراً ما تنتهي ليس بفائز واضح، بل بانزلاق جماعي إلى مواجهة لا يريدها أحد بالكامل ولا يستطيع أحد منعها بالكامل.

ويقول المحللون إن السيناريو الأرجح في المدى القريب ليس اتفاقاً نهائياً ولا حرباً شاملة، بل استمرار هدنة هشة تحت ضغط متبادل فالرئيس ترمب مدّد الهدنة لأنه يريد صفقة من موقع القوة لا حرباً مفتوحة مجهولة الكلفة، وإيران قبلت ببقاء الباب موارباً؛ لأنها تريد تخفيف الخنق من دون تقديم مشهد استسلام. لكن هذه المنطقة الرمادية لا يمكن أن تدوم طويلاً.