بالابتسامات والمجاملات... كيف يستعد قادة العالم لولاية ترمب الثانية؟

ترمب مرحّباً بنتنياهو وزوجته في مارالاغو 26 يوليو (نيويورك تايمز)
ترمب مرحّباً بنتنياهو وزوجته في مارالاغو 26 يوليو (نيويورك تايمز)
TT

بالابتسامات والمجاملات... كيف يستعد قادة العالم لولاية ترمب الثانية؟

ترمب مرحّباً بنتنياهو وزوجته في مارالاغو 26 يوليو (نيويورك تايمز)
ترمب مرحّباً بنتنياهو وزوجته في مارالاغو 26 يوليو (نيويورك تايمز)

عندما التقى رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، مع دونالد ترمب في «برج ترمب» بنيويورك لتناول العشاء يوم 26 سبتمبر (أيلول)، كان ذلك جزءاً من هجوم بريطاني «ناعم» لتعزيز العلاقة بين زعيم يساري ورئيس يميني محتمل. لذا، عندما التفت ترمب إلى ستارمر قبل أن يفارقه وقال له: «نحن أصدقاء»، وفقاً لشخص مشارك في تلك الأمسية، لم يمر الأمر دون أن يلحظه أحد. رغم ذلك، لا يُمكن لأحد الجزم بما إذا كانا سوف يظلان صديقين.

على مدى أشهر سبقت عودة ترمب السياسية، وفي الأيام المثيرة منذ تأكيد فوزه، سارع القادة الأجانب، مجدداً، إلى مجاملته. وقد عمل مبعوثوهم على تنمية علاقات مع أشخاص في دائرة ترمب، أو مع مؤسسات بحثية من المتوقع أن تكون مؤثرة في وضع السياسات لإدارة ترمب الثانية. يقوم بعض القادة، مثل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بصياغة مواقفهم لاستمالة الطبيعة البراغماتية لدى ترمب في التعامل؛ وقام آخرون، مثل رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، بإرسال فرق من المسؤولين إلى الولايات المتحدة لزيارة عشرات من القادة الجمهوريين، على أمل أن يتمكنوا من تخفيف غرائز ترمب الأكثر تشدّداً في فرض الرسوم الجمركية.

التجهيز لحقبة ترمب

ترمب وزيلينسكي في مانهاتن 26 سبتمبر (نيويورك تايمز)

يشير التاريخ إلى أن كثيراً من جهود بناء الجسور هذه سوف تفشل. بحلول نهاية ولايته الأولى، كان ترمب قد تدهورت علاقته مع عدد من القادة الذين بدأ معهم بعلاقات جيدة، فقد غدت سياسته التجارية الحمائية، ونفوره من التحالفات، إضافة إلى شخصيته المتقلّبة، سبباً في نشوب صدامات تجاوزت مستوى الصداقة التي عمل القادة على تنميتها.

وقال مالكولم تورنبول، رئيس وزراء أستراليا السابق، في مقابلة أجريت معه: «لقد كان هناك نوعان من سوء الفهم بشأن ترمب؛ الأول: أنه سيكون مختلفاً في منصبه عما كان عليه في الحملة الانتخابية، والثاني: أن أفضل طريقة للتعامل معه هي مجاملته».

في يناير (كانون الثاني) 2017، أجرى تورنبول مكالمة هاتفية عنيفة مع ترمب حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستحترم اتفاقاً أُبرم في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما لقبول 1250 لاجئاً، الأمر الذي عارضه ترمب (انتهى الأمر بالولايات المتحدة بقبولهم). وقال تورنبول إنه وجد في وقت لاحق أرضية مشتركة أخرى مع ترمب، حتى إنه أقنعه بالتراجع عن فرض رسوم جمركية على بعض الصادرات الأسترالية. وأضاف تورنبول أن الفرق هذه المرة هو أن «الجميع يعرفون تماماً ما الذي سيحصلون عليه. إنه مولع بأسلوب التبادل. يجب أن تكون قادراً على إثبات أن مساراً معيناً من العمل يصب في مصلحته».

قبل فترة طويلة من الانتخابات، بدأ القادة في التجهيز لفوز ترمب، من خلال السعي إلى مقابلته. التقى زيلينسكي مع ترمب في نيويورك في أسبوع لقائه نفسه مع ستارمر. وسافر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى مارالاغو، مقرّ ترمب في بالم بيتش بفلوريدا، في يوليو (تموز)، وكذلك فعل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الشعوبي الذي يُعدّ أسلوبه الاستبدادي نموذجاً للبعض في حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً»، التي يتزعمها ترمب، وربما كان الأقرب إلى فك شفرة التعامل مع الرئيس المنتخب. إذ يلتقي الاثنان ويتحدثان بانتظام عبر الهاتف، ويثني أحدهما على الآخر. وقال ترمب إن أوربان «قائد عظيم للغاية، ورجل قوي للغاية»، ولا يحبه البعض فقط «لأنه قوي للغاية». ومن جانبه، أشاد أوربان بترمب بوصفه الأمل الوحيد للسلام في أوكرانيا، ولهزيمة «أنصار العولمة التقدميين».

أسلوب إقناع ترمب

إقناع ترمب بأن أولويات أوكرانيا تصب في مصلحته الخاصة يكمن في صميم استراتيجية الضغط التي ينتهجها زيلينسكي. تشكُّك ترمب في الدعم العسكري لأوكرانيا ضد روسيا معروف جيداً؛ فهو يزعم أنه يستطيع إنهاء الحرب في يوم واحد، ربما حتى قبل توليه منصبه، رغم أنه لم يذكر كيف يمكن ذلك.

ويخشى المحللون من أنه قد يُجبر زيلينسكي على التوصل إلى تسوية سلمية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من شأنها ترسيخ المكاسب الإقليمية لروسيا في أوكرانيا.

في اجتماعهما في نيويورك، ساق زيلينسكي الحجة بأن الدفاع عن أوكرانيا يصُبّ في المصلحة الاقتصادية للولايات المتحدة؛ وذلك لأن كثيراً من المساعدات العسكرية التي تقدمها الولايات المتحدة تعود بالفائدة على المتعاقدين مع قطاع الدفاع في البلاد، على سبيل المثال، شركة «لوكهيد مارتن»، التي تصنع نظام صواريخ «هيمارس»، والذي صار سلاحاً حيوياً في الترسانة الأوكرانية. وعمل المسؤولون الأوكرانيون مع الحلفاء الجمهوريين في واشنطن على تطوير سبل جديدة لتنظيم المساعدات العسكرية، بما في ذلك إنشاء برنامج إقراض وتأجير بقيمة 500 مليار دولار لمساعدة أوكرانيا في الدفاع عن نفسها. كان ذلك من بنات أفكار مايك بومبيو، وزير الخارجية السابق، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية في إدارة ترمب الأولى، والذي قد يضطلع بدور بارز في الإدارة الجديدة.

لدى كل من زيلينسكي وترمب أثقال وأعباء؛ إذ حركت مكالمة ترمب الهاتفية التي أجراها عام 2019 مع الزعيم الأوكراني -التي حثه فيها الرئيس الأميركي على التحقيق مع جو بايدن- أول إجراءات العزل بحقه. غير أن زيلينسكي كان من أوائل القادة الذين هنّأوا ترمب، وقدّم للرئيس المنتخب ثناءً غير محدود، على ما سمّاه «النصر التاريخي الساحق». وقال زيلينسكي: «لقد كانت محادثة دافئة للغاية». ولم يذكر ترمب أن إيلون ماسك، ملياردير وادي السيليكون الذي دعم حملته، شارك في المكالمة.

شبكة واسعة

جانب من قمة مجموعة السبع في شارلوفوا بكندا 8 يونيو 2018 (نيويورك تايمز)

كما شكّلت كندا أيضاً شبكة واسعة من ممثليها للتأثير على الإدارة المقبلة. وابتداءً من يناير الماضي، أرسل ترودو وزراء في الحكومة الكندية في زيارات منتظمة إلى الولايات المتحدة للقاء مسؤولين فيدراليين ومسؤولين في الولايات لتعزيز العلاقة التجارية الممتدة بين الولايات المتحدة وكندا.

وقال ترمب إنه يريد أن تخضع جميع السلع المستوردة لتعريفة جمركية قدرها 10 بالمائة أو أعلى، وسيكون ذلك كارثياً بالنسبة لكندا. وكان مبعوثو ترودو يدفعون بأن الأمر سيكون سيئاً بالنسبة للولايات المتحدة أيضاً. وانطلقوا إلى 23 ولاية، مستهدفين القادة الجمهوريين.

وكان ترودو على علاقة مُتقلّبة مع ترمب. وفي وقت من الأوقات، وقع الرجلان في خلاف حاد حول التعريفات الجمركية؛ إذ انسحب ترمب من اجتماع لمجموعة الدول السبع في كندا عام 2018، ووصف ترودو بأنه «غير أمين وضعيف». ولكن نائبة رئيس الوزراء الكندي، كريستيا فريلاند، حافظت على علاقات جيدة مع روبرت لايتهايزر، كبير مستشاري ترمب لشؤون التجارة، منذ عملهما معاً للتفاوض على اتفاق تجاري خلفاً لاتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية.

من الداخل والخارج

إن التعامل مع إدارة ترمب الجديدة أسهل بالنسبة لبعض الدول. على مدى عدة أشهر، قدّم مسؤولون إسرائيليون إحاطات إعلامية حول الحرب في قطاع غزة إلى جاريد كوشنر، صهر ترمب، الذي عمل على قضايا الشرق الأوسط خلال فترة ولايته الأولى، وأيضاً إلى ديفيد فريدمان، الذي شغل منصب سفير ترمب في إسرائيل، وفقاً لما ذكره مسؤولان إسرائيليان، تحدّثا بشرط عدم الكشف عن هويتيهما، لمناقشة اجتماعات حساسة.

وقالت إستر ألوش، المتحدثة باسم يوسي داغان، زعيم المستوطنين الإسرائيليين الذي كان من مؤيدي ترمب، إن داغان تلقّى دعوة لحضور مراسم التنصيب في واشنطن. وقد استضاف داغان فريدمان في مناسبة للترويج لكتاب فريدمان بعنوان: «دولة يهودية واحدة» الشهر الماضي.

وكان علاقة نتنياهو بترمب، على غرار ترودو، متأرجحة. وخلال فترة ولايته الأولى، اعترف ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إلى هناك، ما منح نتنياهو انتصاراً كبيراً. ولكن في عام 2020، أغضبه نتنياهو بتهنئة بايدن على فوزه في الانتخابات الرئاسية. وكان نتنياهو، بعد زيارته إلى مارالاغو لإصلاح العلاقات مع ترمب، من بين أوائل القادة الذين اتصلوا بالرئيس المنتخب الأربعاء، لإجراء ما وصفته الحكومة الإسرائيلية بأنه محادثة «دافئة وودية».

أما رئيس كينيا، ويليام روتو، وهو الزعيم الأفريقي الوحيد الذي استضافه بايدن في زيارة دولة، فقال إن فوز ترمب كان بمثابة تكريم لـ«قيادته الحكيمة والجريئة والمبتكرة». وتعد تايوان، التي يتعرض حكمها الذاتي للتهديد من قبل الصين، من بين النقاط الساخنة العالمية، والأكثر حرصاً على كسب اهتمام ترمب. وتلقّى ترمب اتصالاً هاتفياً، عام 2016، من تساي إينغ وين، رئيسة تايوان وقتذاك، ما يمثل انقطاعاً عن التقليد الأميركي إزاء الاتصالات السياسية رفيعة المستوى مع تايوان، بعد أن حوّلت واشنطن الاعتراف الدبلوماسي إلى بكين عام 1979. كان ذلك يُنبئ بدعم أقوى لتايوان في عهد ترمب. ولكن مزاجه تجاه الجزيرة أصبح بارداً منذ ذلك الحين، ولا توجد علامات حتى الآن تُشير إلى اتصال بينه وبين الرئيس التايواني الحالي لاي تشينغ تي. وبعث كل من لاي والرئيس الصيني شي جينبينغ رسائل تهنئة إلى ترمب.

وفي الاتحاد الأوروبي، أدّى القلق من عودة ترمب أيضاً إلى عصف ذهني استباقي. ففي الأسابيع الأخيرة، عقد بيورن سيبرت، كبير مساعدي رئيس المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، اجتماعات مع سفراء لمناقشة سيناريوهات الإدارة المقبلة. وقال عدد من المسؤولين الأوروبيين إن هذه الإجراءات تركّزت على ترمب وعلى التجارة. والواقع أن الدبلوماسيين الأوروبيين واقعيون في التعامل مع المهمة التي تواجههم. ولكنهم يتمسّكون بفكرة أنه من خلال نهج سليم، يمكنهم التأثير على ترمب.

وقالت كارين بيرس، سفيرة بريطانيا لدى الولايات المتحدة: «إن التعامل مع الرئيس ترمب يدور حول فن الممكن. وإذا كان بوسعنا أن نشرح (لترمب) ما الذي يمكننا القيام به معاً، وكيف يمكننا تحسين الأمور على نحو كبير، فعندئذ يمكننا أن نحرز تقدماً».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب يكسر مقاطعته ويشارك لأول مرة في حفل مراسلي البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يكسر مقاطعته ويشارك لأول مرة في حفل مراسلي البيت الأبيض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

تشهد العاصمة الأميركية واشنطن، مساء السبت، حدثاً سياسياً – إعلامياً استثنائياً مع مشاركة الرئيس دونالد ترمب لأول مرة في حفل «عشاء مراسلي البيت الأبيض»، بعد سنوات من المقاطعة والانتقادات الحادة للمؤسسة الصحافية وسط تساؤلات وترقب حول ما سيقوله ترمب، وكيف ستكون ردة فعل الصحافيين، وهل سيستغل ترمب الحقل المخصص للاحتفال بالتعديل الأول للدستور وحرية الصحافة للشكوى من الأخبار المزيفة، أم سيوجه انتقاداته بأسلوب أخف وطأة.

الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)

غير أن هذه العودة لا تعني استعادة التقاليد القديمة، بقدر ما تعكس تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والإعلام، وفي وظيفة هذا الحدث الذي يعد تقليداً عريقاً يعود تاريخه إلى 100 عام منذ حضور الرئيس كالفن كوليدج عام 1924 له، والذي كان يُعرف تاريخياً بمزيج من السخرية السياسية والاحتفاء بحرية الصحافة.

كسر المقاطعة: من «الأخبار الكاذبة» إلى الحضور

الرئيس الأميركي باراك أوباما يمنح الممثل والمخرج روبرت ريدفورد وسام الحرية الرئاسي عام 2016 (أ.ف.ب)

وترى العديد من الشبكات الصحافية أن قرار ترمب المشاركة، هذا العام، يمثل انعطافة لافتة في موقفه من الحفل، الذي قاطعه طوال ولايته الأولى، مبرراً ذلك بما وصفه بـ«عداء غير مسبوق» من قبل الصحافة. وكتب مؤخراً أنه قاطع الحدث؛ لأن الإعلام كان «سيئاً للغاية» معه، ودأب على نشر «أخبار كاذبة بالكامل» عنه، لكنه أبدى هذه المرة تطلعاً إلى أن يكون الحفل مميزاً.

هذا التحول يقرؤه مراقبون في سياق أوسع: محاولة من ترمب لإعادة ضبط العلاقة مع النخبة الإعلامية دون التراجع عن خطابه النقدي؛ فالرئيس الذي خاض معارك قضائية وإعلامية مع مؤسسات كبرى، وفرض قيوداً على بعض وسائل الإعلام، يدرك في الوقت نفسه أهمية هذا الحدث بوصفه منصة رمزية تجمع صناع القرار والسياسيين ومشاهير هوليوود والصحافيين في فضاء واحد.

الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وقرينته ميشيل يحيِّيان دونالد ترمب وزوجته ميلانيا في حفل تنصيب الرئيس الجمهوري عام 2017 (رويترز)

عشاء بلا سخرية

التحول الأكثر دلالة، هذا العام، يتمثل في التخلي عن أحد أبرز تقاليد الحفل؛ حيث اعتاد منظمو الحفل الاستعانة بكوميدي يسخر من الرئيس وسياساته؛ فقد قررت جمعية مراسلي البيت الأبيض أن تستبدل بهذا الدور عرضاً يقدمه (قارئ أفكار) هو أوز بيرلمان، في خطوة فسّرتها تقارير أميركية بأنها محاولة لتجنب التصعيد مع الرئيس.

ورأى البعض هذا القرار بوصفه يعكس حساسية غير مسبوقة.

فالحفل، الذي اعتاد أن يكون مساحة للسخرية اللاذعة من السلطة، شهد في الماضي لحظات محرجة لرؤساء أميركيين، من سخرية ستيفن كولبير من جورج بوش الابن، إلى الجدل الذي أثارته ميشيل وولف عام 2018، لكن حالة ترمب تبدو مختلفة؛ إذ يخشى المنظمون أن تتحول السخرية إلى مواجهة سياسية مباشرة في ظل علاقة متوترة أصلاً. كما أثار غياب الكوميديا انتقادات داخل الوسط الصحافي، حيث رأى البعض أن التخلي عن هذا التقليد يفرغ الحفل من أحد أهم أدواره: التعبير عن التوتر الطبيعي بين الصحافة والسلطة بأسلوب ساخر.

صور ترمب والرئيسين السابقين باراك أوباما وجورج دبليو بوش أسفلها لوحات تحمل تعليقات عن كل رئيس (أ.ب)

ذاكرة 2011: السخرية التي لم تُنسَ

لا يمكن فصل هذا التحول عن تجربة عام 2011، عندما تعرض ترمب لسخرية مباشرة من الرئيس باراك أوباما والكوميدي سيث مايرز خلال الحفل، في لحظة بقيت راسخة في الذاكرة السياسية الأميركية. ورغم نفي ترمب لاحقاً تأثره بتلك الليلة، فإن العديد من المحللين يرون أنها شكّلت نقطة مفصلية في علاقته بالإعلام، وربما في مسيرته السياسية نفسها. واليوم، ومع عودة ترمب لأول مرة لحضور الحفل، يبدو أن المنظمين اختاروا تجنب تكرار هذا السيناريو؛ ما يعكس تغيراً في ميزان العلاقة بين الطرفين.

خلال ولايته الرئاسية قام باراك أوباما بأعمال تطوّعية لمساعدة المعوزين (أ.ف.ب)

جدل داخل الوسط الإعلامي

وقد أثارت عودة ترمب إلى الحفل انقساماً واضحاً داخل الأوساط الصحافية، فقد عبّرت منظمات إعلامية بارزة عن قلقها من «الاحتفاء» برئيس اتهمته بشن «أوسع هجوم منهجي على حرية الصحافة» في تاريخ الولايات المتحدة الحديث. وقد اعترض أكثر من 250 صحافياً والعديد من مجموعات الدفاع عن حرية الإعلام في رسالة مفتوحة من أن حضور ترمب لهذا الحدث يمثل «تناقضاً صارخاً مع الغرض الأساسي الذي أُقيم من أجله.

وأشارت شبكة «سي بي إس» إلى سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها الإدارة، من تقييد الوصول إلى بعض الفعاليات، إلى النزاعات القانونية مع مؤسسات إعلامية كبرى، وصولاً إلى خطاب سياسي يتضمن أوصافاً حادة للصحافيين. وفي رسالة مفتوحة، دعت إلى استغلال الحفل لتوجيه رسالة «دفاع قوي عن حرية الصحافة». وفي المقابل، يدافع منظمو الحفل عن قرارهم، مؤكدين أن الهدف الأساسي ليس السخرية من الرئيس، بل دعم الصحافة من خلال تمويل المنح الدراسية والجوائز المهنية، والاحتفاء بالتعديل الأول للدستور الأميركي الذي يكفل حرية التعبير.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

وقد أشارت ويجيا جيانغ رئيسة رابطة مراسلي البيت الأبيض - وهي كبيرة مراسلي شبكة «سي بي إس نيوز» - إلى أن هذا الحفل مخصص للاعتراف بالأهمية الجوهرية للتعديل الأول للدستور، وحضور الرئيس يعد تذكيراً حياً للمعنى الحقيقي للصحافة الحرة في هذا البلد.

ويتجاوز الجدل مسألة شكل الحفل إلى جوهره؛ فالبعض يرى أن الحدث، الذي تحوّل في السنوات الأخيرة إلى مناسبة اجتماعية كبرى تجمع السياسيين والإعلاميين والمشاهير، يعكس تقارباً مقلقاً بين الصحافة والسلطة. بينما يرى آخرون أنه يوفر مساحة نادرة للحوار غير الرسمي بين الطرفين. وتبرز أهمية هذه المساحة في ظل إدارة تعتمد خطاباً تصادمياً مع الإعلام؛ ما يجعل أي فرصة للتواصل المباشر ذات دلالة سياسية.

الرئيس الأميركي السابق جو بايدن وعلى يمينه المذيع جيمي كيميل وعلى يساره الرئيس الأسبق باراك أوباما على مسرح الطاووس في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

ماذا سيقول ترمب؟

يبقى أحد أبرز الأسئلة المطروحة هو طبيعة خطاب ترمب خلال الحفل. ففي حين اعتاد رؤساء سابقون، مثل بيل كلينتون وأوباما، استخدام هذه المناسبة للسخرية من أنفسهم وسياساتهم، يشكك مراقبون في أن يسلك ترمب المسار نفسه. ويتوقع بعض الخبراء أن يستغل المنصة لتأكيد مواقفه من الإعلام، وربما تقديم روايته الخاصة حول العلاقة المتوترة معه. وفي هذا السياق، تشير تحليلات إلى احتمال أن يركز على ما يعده «نجاحاً» في مواجهة الإعلام، في خطاب قد يحمل طابعاً سياسياً أكثر منه فكاهياً.

المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت (رويترز)

على الصعيد الأمني، تشهد واشنطن استعدادات مكثفة للحفل، مع إغلاق شوارع رئيسية منذ الصباح الباكر في محيط فندق هيلتون الذي يستضيف الحفل، وانتشار واسع لقوات الأمن، نظراً لحضور الرئيس وكبار المسؤولين، إضافة إلى احتمال تنظيم احتجاجات من قبل صحافيين أو ناشطين. ولا تمثل عودة ترمب إلى «عشاء مراسلي البيت الأبيض» مجرد مشاركة بروتوكولية، بل تعكس إعادة تعريف أوسع للعلاقة بين السلطة والإعلام في الولايات المتحدة؛ فالحفل، الذي كان يوماً منصة للسخرية المتبادلة، يتحول اليوم إلى مساحة أكثر حذراً، تحكمها حسابات سياسية معقدة.


ترمب وإيران... سياسة على إيقاع «تروث سوشيال»

يدير ترمب حرب إيران بمنشورات على «تروث سوشيال» (د.ب.أ)
يدير ترمب حرب إيران بمنشورات على «تروث سوشيال» (د.ب.أ)
TT

ترمب وإيران... سياسة على إيقاع «تروث سوشيال»

يدير ترمب حرب إيران بمنشورات على «تروث سوشيال» (د.ب.أ)
يدير ترمب حرب إيران بمنشورات على «تروث سوشيال» (د.ب.أ)

بين الترغيب والتهديد، بين التصعيد والتهدئة، بين الحرب والمفاوضات، يقود الرئيس الأميركي دونالد ترمب سياسته تجاه إيران على منصة «تروث سوشيال» بتقلبات أربكت حتى حلفاءه. فمن الحديث عن اتفاق وشيك إلى التلويح باستئناف الحرب وتدمير البلاد، ومن إعلان تحركات تفاوضية إلى نفيها بعد ساعات، تتزايد التساؤلات ما إذا كانت هذه التصريحات ناجمة عن استراتيجية ضغط مدروسة أم تصريحات تُصاغ على وقع اللحظة؟

يستعرض تقرير واشنطن وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق» خلفيات هذا المسار المتقلب وكيف تترجم هذه الرسائل المتناقضة على الأرض.

حرب أم مفاوضات؟

ترمب في البيت الأبيض 23 أبريل 2026 (رويترز)

أعلن ترمب مطلع هذا الأسبوع عن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران. وترى جينيفر غافيتو، المسؤولة السابقة في مجلس الأمن القومي ونائبة مساعد وزير الخارجية سابقاً، أن الطرفين الأميركي والإيراني بدآ يدركان تدريجياً أنه لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع، وأن المَخرج الوحيد هو المَخرج الدبلوماسي، لكن رغم ذلك يواصلان اتخاذ مواقف متطرفة من دون إبداء أي استعداد للتوصل إلى تسوية حقيقية.

أضافت غافيتو: «لذا؛ أعتقد أن هذا المأزق الذي نجد أنفسنا فيه، حيث لا يوجد صراع مفتوح، ولكن في الوقت نفسه يستمر الحصار وتواصل إيران تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. إنها حالة قد نجد أنفسنا فيها إلى أن تقرر إدارة ترمب ما إذا كانت تريد، من ناحية، تصعيد الصراع مرة أخرى أو بدلاً من ذلك محاولة إيجاد مخرج سيتطلب على الأرجح درجة ما من التسوية. ولا أعتقد أننا نعرف بعد إلى أي اتجاه يتجه الأمر».

من ناحيته، يرى لستر مانسون، مدير الموظفين السابق في لجنة العلاقات الخارجية في الشيوخ، أن حالة من الجمود ستسيطر على الوضع لفترة؛ لأن الأمر أشبه بلعبة «من يرمش أولاً»، على حد تعبيره. وتابع: «ترمب يحاول إيصال رسالة مفادها أنه مستعد للانتظار مهما طال الأمر، وأنه راضٍ بإغلاق مضيق هرمز. وهو مستعد لتحمل أي صعوبات اقتصادية أو سياسية قد يتعرض لها شخصياً فقد تراجعت شعبيته بالفعل بشكل ملحوظ في الكثير من استطلاعات الرأي الأخيرة بسبب هذه الحرب، وهو لا يمانع ذلك؛ إذ إنه يبحث عن فوز طويل الأمد هنا». وأشار مانسون إلى أنه إذا فهم الإيرانيون هذه الرسالة؛ فقد يدفعهم ذلك إلى طاولة المفاوضات. ويقربهم من التوصل إلى اتفاق، مضيفاً: «إيران تريد إدارة ترمب لترى إلى متى هم مستعدون لتحمل إغلاق مضيق هرمز، وهذه هي اللعبة حالياً».

وزير الحرب بيت هيغسيث في مؤتمر صحافي بالبنتاغون 16 أبريل 2026 (أ.ب)

ويقول أليكس فاتانكا، كبير الباحثين في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، إن الجانب الإيراني مهتم حقاً بالتوصل إلى حل دبلوماسي إذا أمكنه التوصل إلى حل يلبي حداً أدنى من مطالبه الأساسية، رافضاً صحة تقييم إدارة ترمب عن وجود انقسام في إيران وفراغ في السلطة، عادَّاً أن النظام الإيراني، أو ما تبقى منه، قد توطد. وأضاف: «إنه (النظام) يريد إنهاء هذه الحرب، لكنه لن يمنح الولايات المتحدة دبلوماسياً ما لم تتمكن تحقيقه عسكرياً. الأمر يتعلق بفكرة من سيتراجع أولاً. عليهم أن يضعوا ذلك جانباً ويمضوا قدماً في جوهر ما يحتاجون إلى التفاوض عليه حقاً، وهو في الواقع الجزء الأصعب. عندها تبدأ المفاوضات الحقيقية ولن تستغرق أياماً ولا أسابيع، بل ربما أشهراً عدة». وأعرب فاتانكا عن أسفه بأن الجانبين يخوضان هذه المعركة في حرب كلامية، على وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى الملأ ما يعرقل مسار الحل.

حرب عبر «تروث سوشيال»

منشور لترمب يعلن فيه عن اتفاق وقف إطلاق نار مع إيران لأسبوعين 7 أبريل 2026 (رويترز)

يصدر ترمب غالبية مواقفه عبر «تروث سوشيال» بعيداً عن القنوات الدبلوماسية التقليدية برسائل متناقضة بعض الأحيان، وفي حين يقول مانسون إن ما يراه البعض تناقضاً قد يكون براعة ترمب في التلاعب بالناس في الشرق الأوسط والولايات المتحدة والأحزاب السياسية المختلفة، إلا أنه يرجح أن يكون هذا الأسلوب نوعاً من التعبير الفوري عن رد فعله تجاه الأحداث، وأنه يريد أن يعيش اللحظة عبر سرعة الاستجابة، وأن يكون الشخص الذي يدفع الأخبار إلى الأمام مهما كان الثمن.

يضيف مانسون: «إنه (ترمب) يفضّل أن يكون هو من يدفع بدلاً من أن يُدفع. ولذلك؛ فهو استفزازي للغاية. يقول أشياء تسيء إلى الناس. يقول أشياء تتجاوز الحدود العادية عن قصد لإثارة الفوضى وجعل الأشخاص يتخذون موقفاً مختلفاً. ثم يحاول الاستفادة من ذلك في المفاوضات أو في صفقات إبرام الاتفاقات. ومن الواضح أنه يحاول فعل ذلك هنا فيما يتعلق بإيران».

ورأى مانسون أن هذا الأسلوب هو نوع من الاستراتيجية التي تعتمد على التفاعل مع اللحظة في كل وقت، «قد تنجح أحياناً وتفشل أحياناً أخرى». لكن فاتانكا يؤكد أن نتيجة هذا الأسلوب هي «عكس النجاح» مع الإيرانيين، ويفسّر قائلاً: «إن الفوضى التي يخلقها في هذه الحالة لم تخلق فوضى في طهران. بل العكس هو الصحيح. فقد أعطت الإيرانيين انطباعاً بأن الرئيس الأميركي يشعر بإحباط شديد. ولا يعرف ماذا يفعل وأن الوقت في صالحهم».

وأشار إلى أن ما فعله الرئيس الأميركي هو الخلط بين مسألة الظهور بمظهر رائع وجيد وقوي أمام الرأي العام الأميركي، مع إغفال حقيقة أنه يحاول التوصل إلى اتفاق مع هذا النظام الإيراني؛ لأن خيار الحرب لم ينجح حقاً، مقوضاً هدفه الخاص وهو إحياء الدبلوماسية. وأضاف: «إن أكبر أداة في صندوق أدوات الولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بالنظام الإيراني، ليست سلاح الجو الأميركي مهما كان قوياً، بل المشاعر العامة الإيرانية الغاضبة من ذلك النظام. وماذا تفعل حيال هذا الشعور العام الإيراني عندما تقول إنك تريد القضاء عليهم جميعاً؟ لذا؛ أعتقد أن حملته على وسائل التواصل الاجتماعي قد جاءت بنتائج عكسية، وأضعفت موقفه».

يسعى ترمب لإرباك النظام الإيراني (إ.ب.أ)

وتوافق غافيتو مع هذا التقييم، عادَّة أن استراتيجية ترمب تأتي بنتائج عكسية، فتقول: «أخشى أن الرئيس ومؤيديه ينظرون إلى الأمر على أنه مفاوضات مستوحاة من كتاب (فن الصفقة)، لكننا لا نتعامل هنا مع صفقة تجارية أخرى. نحن لا نتعامل حتى مع عملية صنع قرار عقلانية بالطريقة التي نفهمها. أعتقد أن هناك عقلانية في عملية صنع القرار لدى النظام الإيراني هنا، لكنها ليست لإبرام صفقة».

وأشارت غافيتو إلى قلقها من أن ترمب «محاط بالكثير من الأشخاص الذين يسيئون فهم الدوافع التي تحرك النظام الإيراني»، مضيفة: «إلى أن يجمعوا الخبرة اللازمة لتقييم ذلك بشكل مناسب، أخشى أن تستمر هذه الأخطاء بطرق تعيدنا إلى حافة تصعيد خطير للغاية. ورغم أني أعتقد أن الرئيس يفضل عدم العودة إلى الصراع المفتوح، وأنه يرغب في التوصل إلى اتفاق، لكن هذه التصريحات الاستفزازية تبعدنا عن ذلك أكثر فأكثر».

إقالة وزير البحرية

وزير البحرية المُقال جون فيلان مع ترمب في فلوريدا 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وفي خضم هذه التجاذبات، أعلنت وزارة الحرب عن مغادرة وزير البحرية الأميركي جون فيلان لمنصبه مع تسريبات أشارت إلى إقالته، ويقول مانسون إنه رغم أن أسباب فصل فيلان غير مرتبطة بإيران، فإن إقالة وزير البحرية هو تحرك غير معتاد «عندما تكون البحرية تنفذ حصاراً ضد دولة معادية».

ويشير مانسون إلى أن التأثير العملي لهذه الإقالة لن يكون كبيراً، لكن خطوة من هذا النوع في خضم أزمة هو أمر مثير للجدل، ويضيف: «هذا رئيس يتبنى الفوضى عن قصد كآلية للحصول على ما يريد في أي موقف. لذا؛ قد يكون راضياً تماماً عن إرباكنا جميعاً بشأن دوافعه وراء هذا التغيير في الموظفين. وبينما نتساءل عن سبب قيامه بمثل هذا الأمر، هذه هي البيئة التي يشعر فيها بالراحة عند اتخاذ القرارات».

من ناحية أخرى، يشدد مانسون على ضرورة إعطاء ترمب فرصة للنجاح في ملف إيران، مشيراً إلى أن اتباع نهج مختلف في السياسات قد يؤتي ثماره؛ لأن المحاولات التقليدية فشلت في تحقيق أهدافها. ويذكر بأن الرئيس الأميركي حقق بالفعل الكثير من النتائج التي أعلن عنها من تدمير الجيش الإيراني، والبحرية، وأنظمة الصواريخ، وقدرتهم على صنع الصواريخ، والتدمير المستمر لبرنامج الأسلحة النووية الإيراني، ويختم قائلاً: «هذا، في نهاية المطاف، يصبّ في مصلحة الولايات المتحدة».


هيغسيث: الحصار البحري على إيران «يتسع لنطاق عالمي»

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» الجمعة (أ.ف.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» الجمعة (أ.ف.ب)
TT

هيغسيث: الحصار البحري على إيران «يتسع لنطاق عالمي»

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» الجمعة (أ.ف.ب)
وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» الجمعة (أ.ف.ب)

قال وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، الجمعة، إن الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على إيران يتسع إلى نطاق عالمي، مؤكداً أن طهران لا تزال تملك فرصة لعقد «صفقة جيدة» مع واشنطن.

وخلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون»، قال هيغسيث إن «حصارنا يتوسع ويمتد إلى نطاق عالمي»، مضيفاً: «لا يُسمح لأي سفينة بالإبحار من مضيق هرمز إلى أي مكان في العالم دون إذن من البحرية الأميركية».

وجاءت تصريحات هيغسيث إلى جانب رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كين، بعد نحو أسبوعين من بدء الحصار البحري الأميركي على إيران في 13 أبريل (نيسان).

وقال هيغسيث إن واشنطن «ليست متلهفة» للتوصل إلى اتفاق مع إيران، مكرراً تصريحات الرئيس دونالد ترمب بأن لديه «كل الوقت في العالم».

وأضاف هيغسيث أن إيران تعرف أن أمامها «نافذة مفتوحة» كي تختار بحكمة على طاولة المفاوضات، قائلاً: «كل ما عليها فعله هو التخلي عن السلاح النووي بطرق ذات معنى وقابلة للتحقق».

تفاصيل الحصار

قال الجنرال دان كين إن القيادة المركزية الأميركية تواصل فرض حصار صارم على جميع الموانئ الإيرانية، وإن 34 سفينة أُجبرت على تغيير مسارها حتى صباح الجمعة.

وأضاف كين أن الجيش الأميركي سيواصل اعتراض السفن الإيرانية في المحيطَين الهادئ والهندي، قائلاً: «نحن نفرض الحصار على نطاق شامل ضد أي سفينة من أي جنسية تعبر إلى ميناء أو أراضٍ إيرانية أو منها».

رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» الجمعة (أ.ف.ب)

وتابع: «نحن نتابع من كثب السفن محل الاهتمام المتجهة نحو إيران، وتلك التي تتحرك بعيداً عنها وكانت خارج منطقة الحصار عندما صدر أمر هذا الحصار، ونحن مستعدون ومتموضعون لاعتراضها».

وقال كين أيضاً إن أطقم السفن التجارية الثلاث التي احتجزها الجيش الأميركي خلال الأسبوع الماضي لا تزال كلها بعهدة الولايات المتحدة. وأضاف: «سنواصل تنفيذ إجراءات وأنشطة اعتراض بحري مماثلة في المحيطَين الهادئ والهندي ضد السفن الإيرانية وسفن أسطول الظل».

وتحدّث كين عن سفينة الشحن «توسكا»، وهي أول سفينة تجارية احتجزتها القوات الأميركية يوم الأحد، قائلاً إن طاقمها «تجاهل مراراً التحذيرات الأميركية» على مدى ست ساعات. وأضاف أن هذا السلوك دفع طاقم المدمرة الأميركية التي كانت تلاحق السفينة إلى إطلاق خمس طلقات تحذيرية.

وقال كين: «واصلت السفينة وطاقمها تجاهل التحذيرات، وبعد استنفاد كل الإجراءات الأخرى، أذنت القيادة المركزية بإطلاق نار لتعطيل (توسكا)». وأضاف أن المدمرة عطّلت محرك السفينة بإطلاق تسع طلقات خاملة من مدافع عيار خمس بوصات «بدقة داخل غرفة المحرك ومساحة المحرك على متن (توسكا)».

وتابع: «ليس مفاجئاً أن السفينة أبلغت بعد ذلك عن مشكلات في محركها، وتوقفت عن الحركة في الماء، وبدأت الامتثال لتوجيهات الولايات المتحدة».

محادثات محتملة

تزامنت تصريحات هيغسيث مع قول ثلاثة مصادر باكستانية لـ«رويترز» إن محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة قد تُستأنف قريباً في باكستان، بعدما تعثرت الجولة الأخيرة التي كان متوقعاً عقدها في وقت سابق من الأسبوع.

ولم تؤكد واشنطن أو طهران عقد جولة جديدة، فيما لم يرد البيت الأبيض فوراً على أسئلة بشأن توجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى باكستان، أو ما إذا كانت الولايات المتحدة سترسل وفداً للمشاركة في المحادثات.

وقال هيغسيث إن الحصار سيستمر «إذا لزم الأمر»، وفق ما يقرره الرئيس ترمب. وجعلت إيران رفع الحصار شرطاً لاستئناف المحادثات الهادفة إلى إنهاء الحرب.

دوريات أميركية في بحر العرب بالقرب من السفينة التجارية «توسكا» المرتبطة بإيران الاثنين الماضي (البنتاغون)

وحسب التصريحات الأميركية، يشمل الحصار السفن الإيرانية، والسفن المتجهة إلى موانئها أو الخارجة منها، بالإضافة إلى سفن مرتبطة بما تسميه واشنطن «أسطول الظل» الإيراني.

وقال هيغسيث إن الولايات المتحدة احتجزت هذا الأسبوع سفينتين إيرانيتين من «أسطول الظل» في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، كانتا قد غادرتا الموانئ الإيرانية قبل دخول الحصار حيز التنفيذ. وأضاف: «ظنوا أنهم خرجوا في الوقت المناسب تماماً. لم يفعلوا. احتجزنا سفنهم الخاضعة للعقوبات، وسنحتجز مزيداً».

ألغام «هرمز»

حذّر هيغسيث إيران من أن أي محاولة لزرع ألغام في مضيق هرمز ستكون انتهاكاً لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة. وقال إن الجيش مستعد للتعامل مع أي سفن إيرانية تزرع مزيداً من الألغام «بتهور وبلا مسؤولية».

وأضاف أن العبور في مضيق هرمز لا يزال جارياً، لكنه «أكثر محدودية بكثير مما يود أي شخص أن يرى»، وينطوي على «مخاطر أكبر مما يود الناس أن يروا»، متهماً إيران بالقيام بأعمال غير مسؤولة عبر «قوارب صغيرة وسريعة تحمل أسلحة».

وكان هيغسيث يرد على تصريحات ترمب التي قال فيها، الخميس، إنه أمر الجيش الأميركي بـ«إطلاق النار وقتل» القوارب الإيرانية الصغيرة التي تنشر ألغاماً. وقال هيغسيث إن الولايات المتحدة واثقة بقدرتها على إزالة أي ألغام تحددها، وستشجع دولاً أخرى على المشاركة في هذا الجهد.

ورفض هيغسيث التكهن بالتقارير التي أفادت بأن إزالة الألغام من المضيق قد تستغرق ستة أشهر، بعدما ذكرت «أسوشييتد برس» أن «البنتاغون» قدم هذا الجدول الزمني في إحاطة سرية للمشرعين هذا الأسبوع.

انتقاد أوروبا

انتقد هيغسيث الحلفاء الأوروبيين بسبب عدم التحرك في مضيق هرمز، قائلاً إن إبقاء الممر مفتوحاً لا ينبغي أن يكون مهمة الولايات المتحدة وحدها.

وقال: «نحن لا نعوّل على أوروبا، لكنهم يحتاجون إلى مضيق هرمز أكثر بكثير مما نحتاج إليه». وسخر من اجتماعات أوروبية أخيرة، قائلاً إن الحلفاء «قد يرغبون في أن يبدأوا بالكلام أقل» بدلاً من عقد «مؤتمر فاخر» و«مؤتمر سخيف».

وأضاف أن أوروبا وآسيا استفادتا من الحماية الأميركية لعقود، لكن «زمن الركوب المجاني انتهى». وردد بذلك انتقادات ترمب لحلفاء واشنطن، حين قال إن على الدول الأخرى أن «تذهب وتجلب نفطها بنفسها»، وأن «تبدأ بتعلم كيف تقاتل من أجل نفسها».

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث (يسار) يستمع إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين وهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» الجمعة (أ.ف.ب)

وقال هيغسيث إن الولايات المتحدة «بالكاد» تستخدم مضيق هرمز، وإن الوضع «معركتهم أكثر بكثير من معركتنا»، داعياً الحلفاء إلى تقليل الكلام والمشاركة عملياً في تأمين الملاحة.

وتقول شركات تتبع السفن إن إيران لا تزال قادرة على نقل بعض نفطها الخاضع للعقوبات. وأفادت «لويدز ليست إنتليجنس» بأن «تدفقاً ثابتاً من حركة أسطول الظل» دخل الخليج العربي وخرج منه، بما في ذلك 11 ناقلة تحمل شحنات إيرانية غادرت خليج عمان خارج المضيق منذ 13 أبريل. كما قالت شركة «ويندوارد» إن حركة الملاحة الإيرانية مستمرة «عبر الخداع»، بما يشمل تزوير بيانات التتبع والمرور عبر المياه الإقليمية الباكستانية.