كيف فاز ترمب... وكيف خسرت هاريس؟

حملته تخلّت عن الاستراتيجية التقليدية واستفادت من إداناته

الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب يرقص أثناء إلقاء خطاب النصر في بالم بيتش بفلوريدا (أ.ب)
الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب يرقص أثناء إلقاء خطاب النصر في بالم بيتش بفلوريدا (أ.ب)
TT

كيف فاز ترمب... وكيف خسرت هاريس؟

الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب يرقص أثناء إلقاء خطاب النصر في بالم بيتش بفلوريدا (أ.ب)
الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب يرقص أثناء إلقاء خطاب النصر في بالم بيتش بفلوريدا (أ.ب)

شهد توني فابريزيو، كبير خبراء استطلاعات الرأي لدى دونالد ترمب، كل سيناريو محتمل خلال عمله على الحملات الثلاث التي خاضها الرئيس المنتخب. ولكن حتى هو نفسه بدا كأنه يستعد لأخبار سيئة.

كان ترمب قد خاض للتو مناظرة مع نائبة الرئيس بايدن، كامالا هاريس، وابتلع طعمها مراراً وتكراراً، وأهدر الوقت في التباهي بشأن حشوده الغفيرة، ونشر شائعات بلا أساس حول مهاجرين «يأكلون الحيوانات الأليفة».

وكان فابريزيو قد تنبّأ لزملائه بأن التغطية الإعلامية الوحشية لأداء ترمب، في مناظرة شاهدها 67 مليون شخص، سوف ترفع حظوظ كامالا هاريس في استطلاعات الرأي. وفي حين أنه كان محقاً بشأن التغطية الإعلامية، فإنه أخطأ بشأن البقية، فقد صدمه أول استطلاع للرأي بعد المناظرة: كامالا هاريس اكتسبت بعض الدعم المحدود، لكن ترمب لم يفقد ميزته في السباق الرئاسي.

وقال فابريزيو في مكالمة هاتفية مع كبار قادة الحملة الانتخابية: «لم أرَ شيئاً من هذا القبيل مطلقاً». كان ذلك دليلاً إضافياً -كما لو كانت هناك حاجة إلى مزيد- على شعبية ترمب على مدى عقد من الزمن في السياسة، وقدرته على تحدي قوانين الجاذبية الطبيعية. نجح في تجاوز نقاط ضعف سياسية بدت قاتلة، وشملت 4 لوائح اتهام جنائية، و3 دعاوى قضائية مكلفة، وإدانة في 34 تهمة جناية وعبارات متهورة لا نهاية لها في خطبه، بل إنه حوّل بعضها على الأقل إلى مزايا تنافسية في السباق الرئاسي.

رهان أساسي

ويعود فوز ترمب في عام 2024 إلى رهان أساسي واحد؛ أن مظالمه يمكن أن تمتزج مع مظالم حركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً»، ومع الحزب الجمهوري، ومع أكثر من نصف سكان البلاد. وأصبحت القمصان التي تحمل صورته بعد إدانته من أكثر القمصان مبيعاً. فيما ألهمت إدانته الجنائية تدفق 100 مليون دولار من التبرعات في يوم واحد، وأصبحت صوره وهو ينزف بعد محاولة اغتيال فاشلة رمزاً لما عدّه مؤيدوه «حملة مصيرية».

وقال في خطاب النصر الذي ألقاه، في وقت مبكر من يوم الأربعاء: «لقد أنقذ الله حياتي لسبب ما، وسوف ننجز هذه المهمة معاً». في بعض الأحيان، قد يكون ترمب فظّاً ومتغطرساً للغاية، إلى درجة أن مساعديه تساءلوا عمّا إذا كان منخرطاً في تجربة عبثية لاختبار مدى السلوك الضال الذي يمكن أن يتسامح معه الناخبون. لكن ترمب نجح في تسخير مشاعر الغضب والإحباط التي يشعر بها ملايين الأميركيين تجاه بعض المؤسسات والأنظمة نفسها، التي سيسيطر عليها قريباً بصفته الرئيس السابع والأربعين للبلاد.

لقد حوّله الناخبون غير الراضين عن توجهات الأمة إلى وعاء لغضبهم. وقال نيوت غينغريتش، الرئيس السابق لمجلس النواب، والمستشار غير الرسمي للرئيس المنتخب: «النخب لا تدرك مدى انعزالها عن البلاد».

حملة منظّمة

ولكن لم تكن القوى المجتمعية واسعة النطاق وحدها هي التي لعبت دوراً في هذا الانتصار، إذ يرجع فوزه، جزئياً، إلى قرارات استراتيجية اتخذها خلال عملية انتخابية كانت الأكثر استقراراً حتى الآن، وحافظت على تماسكها لمدة 4 سنوات تقريباً، بفضل وجود عضو مخضرم، هي سوزي وايلز، حتى لو كان المرشح نفسه، خلال جزء كبير من عام 2024، متقلباً كعادته.

خطّط فريق ترمب لسبل توفير أمواله النقدية في حملة دعائية ضخمة، متخلياً عن الاستراتيجية التقليدية لحشد ناخبيه، والاعتماد بدلاً من ذلك على فريق عمل صغير نسبياً مدفوع الأجر يدعمه متطوعون وغرباء، بمن في ذلك أغنى رجل في العالم، إيلون ماسك. ودفع ترمب بلا هوادة إلى تعريف كامالا هاريس ليس فقط بأنها ليبرالية، وإنما أيضاً بأنها «حمقاء».

كان الإلهام -كما قال مستشاروه- نابعاً من مقولة لا تُنسى للخبير الاستراتيجي الجمهوري آرثر فينكلستاين، من عهد الرئيس نيكسون، مفادها أن «المخادع» -أو، في حالة ترمب: المدان- «دائماً ما يهزم الأحمق». وراهن مساعدو ترمب على حشد الناخبين الرجال، على الرغم من أن الرجال يصوتون أقل من النساء، وقد أتى هذا الرهان بثماره. كما راهنوا على محاولة تقليص الهوامش الكبيرة التي يحظى بها الديمقراطيون عادة بين الناخبين السود واللاتينيين، وقد أثمر ذلك أيضاً.

خسارة هاريس

قصة فوز ترمب، هي أيضاً قصة خسارة هاريس. فقد واجهت هاريس صعوبات بسبب تدني شعبية الرئيس بايدن، وكافحت للانفصال عنه في عيون الناخبين التواقين إلى التغيير. ولم يكن لديها سوى 3 أشهر فقط، لتُعيد تقديم نفسها إلى البلاد. أولاً، حاولت هي والمرشّح لمنصب نائبها، تيم والز، التقليل من ترمب عبر السخرية منه، ووصفه بـ«الغريب» و«غير الجاد»، متجاهلين تحذيرات بايدن الخطيرة بأن ترمب كان يُشكل تهديداً وجودياً للديمقراطية الأميركية. ثم ركّزت على رسالة شعبوية: بأن ترمب لا يهتم سوى بأصدقائه الأثرياء، في حين أنها ستُخفض أسعار البقالة والمساكن للمواطنين العاديين.

وأخيراً، في وقت متأخر من الحملة الانتخابية، غيَّرت كامالا هاريس موقفها مرة أخرى، إذ حذّرت من أن ترمب «فاشي»، ما يعد عودة إلى التهديد الوجودي الذي تحدث عنه بايدن قبلها.

وقد ظهرت بعض الاتهامات من داخل الحزب الديمقراطي، بما في ذلك ما إذا كانت كامالا هاريس قد ركزت كثيراً على مناشدة الجمهوريين المترددين، أو ما إذا كان بايدن قد عرقل فرصها في الفوز منذ البداية.

وكتب ديفيد بلوف، أحد كبار مستشاري كامالا هاريس، على موقع «إكس»: «لقد خرجنا من حفرة عميقة، ولكن ليس بما فيه الكفاية».

قوة قناعاته

بالنسبة لأي سياسي آخر تقريباً، فإن الإدانة بـ34 تهمة جنائية تتعلق بدفع مبالغ مالية لنجمة أفلام إباحية كانت ستُعدّ أسوأ أيام الحملة. أما ترمب، فقد منحته الإدانة وقوداً مالياً. وأُبلغت لجنة العمل السياسي الرئيسية الخاصة به، عن تحويل مصرفي بقيمة 50 مليون دولار في اليوم التالي للإدانة، لكنها احتاجت أولاً إلى تأكيد من أرسل المبلغ للتأكد من أنه لم يكن احتيالاً. وكانت بذلك واحدة من كبرى الإسهامات في التاريخ الأميركي التي أُرسلت من دون أي إخطار مسبق. في نهاية المطاف، حددوا المبلغ ومصدره: الملياردير المنعزل تيموثي ميلون. ولتمويل سلسلة متأخرة من الإعلانات التلفزيونية، قام فريق ترمب بتمديد الحدود القانونية لتحويل عشرات الملايين من الدولارات من نفقات الحملة إلى الحزب الجمهوري وجماعات أخرى. والأهم من ذلك، بمجرد أن أصبح المرشح المحتمل، ألغوا العملية الميدانية التقليدية التي تديرها الحملة ويمولها الحزب، وحوّلوا مصادرها بدلاً من ذلك إلى لجان العمل السياسي الفائقة.

وكانت حملة كامالا هاريس قد قضت أشهراً في توظيف 2500 عامل، وفتح 358 مكتباً في جميع أنحاء الولايات المتأرجحة، وهي تكاليف ثابتة هائلة لم تكن حملة ترمب لتتحملها. في نهاية الأسبوع الماضي، قرع نحو 90 ألف متطوع ديمقراطي أكثر من 3 ملايين باب، ووصلت الوتيرة إلى 1000 باب في الدقيقة في بنسلفانيا. وأظهرت استطلاعات الرأي أن السباق كان واحداً من أقرب السباقات في التاريخ الحديث. ويعتقد فريق كامالا هاريس أن بنية الحملة المتفوقة، وجيش المتطوعين سيحدثان الفرق. ولكن الاستطلاع الداخلي الذي أجراه فابريزيو أظهر قصة مختلفة وأكثر دقة؛ قصة حافظ فيها ترمب على تقدم ثابت.

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعقيلته في أثناء مشاركتهما باحتفال في ذكرى 11 سبتمبر (أ.ب)

تحليل إخباري فوز كاسح لمرشح ديمقراطي في فرجينيا يلوّح بتحول سياسي أوسع

فوز كاسح لمرشح ديمقراطي في فرجينيا يلوّح بتحول سياسي أوسع ويسلط الأضواء على انتخابات 2026 النصفية.

إيلي يوسف (واشنطن)

إدارة ترمب تقاضي جامعة هارفارد بدعوى تقصيرها في حماية طلاب يهود

ساحة جامعة هارفارد (أ.ف.ب)
ساحة جامعة هارفارد (أ.ف.ب)
TT

إدارة ترمب تقاضي جامعة هارفارد بدعوى تقصيرها في حماية طلاب يهود

ساحة جامعة هارفارد (أ.ف.ب)
ساحة جامعة هارفارد (أ.ف.ب)

صعدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب حملتها على جامعة هارفارد، الجمعة، ورفعت دعوى قضائية على الجامعة المرموقة لاسترداد مليارات الدولارات بدعوى عدم حماية طلاب يهود وإسرائيليين.

وشكلت جامعة هارفارد محور تركيز رئيساً لحملة الرئيس لفرض تغييرات في الجامعات الأميركية الكبرى التي انتقدها ترمب بسبب ما قال إنها معاداة للسامية، وتبني فكر «يساري متطرف»، وهدد بحجب التمويل الاتحادي، أو سحبه.

وفي دعوى رُفعت أمام محكمة اتحادية في بوسطن، ذكرت وزارة العدل الأميركية أن هارفارد ظلت «تتجاهل عمداً» مضايقة طلاب يهود وإسرائيليين، وترفض عمداً تطبيق قواعد الجامعة عندما يكون المتضررون من اليهود، أو الإسرائيليين.

وجاء في الدعوى: «هذا يبعث برسالة واضحة إلى اليهود والإسرائيليين في هارفارد مفادها بأن هذا التجاهل لم يكن صدفة، بل يُستبعدون عمداً، ويُحرمون فعلياً من تكافؤ الفرص في التعليم». ولم يصدر تعليق بعد من جامعة هارفارد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأعلنت الجامعة، التي يقع مقرها في كامبريدج بولاية ماساتشوستس، من قبل عن خطوات للتصدي لمعاداة السامية في الحرم الجامعي، منها توسيع نطاق التدريب، وتحسين الإجراءات التأديبية، واعتماد تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة لمعاداة السامية.

ووجهت إدارة ترمب أيضاً اتهامات لجامعات أخرى بغض الطرف عن معاداة السامية منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس» الفلسطينية في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وتعاود الدعوى القضائية التي رفعت، الجمعة، في الأغلب سرد وقائع واتهامات سابقة لجامعة هارفارد، دون تقديم حالات جديدة تشير لما تقول إنه تمييز متعمد.

وقالت الدعوى إن تجاهل جامعة هارفارد لما تعرض له يهود وإسرائيليون ينتهك البند السادس من قانون الحقوق المدنية لعام 1964 الذي يحظر التمييز على أساس العرق، واللون، والأصل القومي في البرامج التي تتلقى تمويلاً اتحادياً.

وتسعى الدعوى القضائية إلى استرداد قيمة جميع المنح الاتحادية المقدمة إلى هارفارد خلال فترة عدم امتثالها لذلك، والحصول على إذن بتجميد المدفوعات على المنح الحالية. وتسعى كذلك إلى تعيين مراقب خارجي مستقل معتمد من الولايات المتحدة لمراقبة امتثال الجامعة.


قتيلان بضربة أميركية على سفينة يشتبه في تهريبها مخدرات بالمحيط الهادئ

فيديو نشره الجيش الأميركي لغارة استهدفت سفينة في شرق المحيط الهادئ (أ.ف.ب)
فيديو نشره الجيش الأميركي لغارة استهدفت سفينة في شرق المحيط الهادئ (أ.ف.ب)
TT

قتيلان بضربة أميركية على سفينة يشتبه في تهريبها مخدرات بالمحيط الهادئ

فيديو نشره الجيش الأميركي لغارة استهدفت سفينة في شرق المحيط الهادئ (أ.ف.ب)
فيديو نشره الجيش الأميركي لغارة استهدفت سفينة في شرق المحيط الهادئ (أ.ف.ب)

نفّذت القوات الأميركية ضربة جوية على سفينة يُشتبه في قيامها بتهريب مخدرات في شرق المحيط الهادئ ما أسفر عن مقتل شخصين، فيما نجا شخص واحد تم إنقاذه، حسبما أعلن مسؤولون، الجمعة.

وأفادت القيادة الجنوبية الأميركية (ساوثكوم) في منشور على منصة «إكس» بأن الغارة التي نُفّذت، الخميس، استهدفت «سفينة يصعب رصدها كانت تعبر طرق تهريب المخدرات المعروفة في شرق المحيط الهادئ، وتُشارك في عمليات تهريب مخدرات».

ورغم وصفها الضربة بأنها «قاتلة» لم تعلن القيادة الجنوبية عدد القتلى، واكتفت بالإشارة إلى إخطار خفر السواحل «فوراً» للبحث عن الناجين الثلاثة.

وأعلن متحدث باسم خفر السواحل لاحقاً أنهم «تلقوا بلاغاً من القيادة الجنوبية الأميركية يفيد بوجود ثلاثة أشخاص في محنة في المحيط الهادئ».

وأضاف المتحدث أن زورقاً تابعاً لخفر السواحل «وصل إلى الموقع وانتشل جثتين وناجياً من الماء، ثم قام بتسليم جميع الأشخاص إلى خفر السواحل الكوستاريكي»، وفقاً لما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبدأت الولايات المتحدة استهداف قوارب تشتبه في قيامها بتهريب مخدرات في أوائل سبتمبر (أيلول)، وأسفرت الحملة حتى الآن عن مقتل أكثر من 150 شخصاً.

وتقول إدارة الرئيس دونالد ترمب إنها في حالة حرب فعلياً مع ما تُسمّيه «إرهابيي المخدرات» الذين ينشطون في أميركا اللاتينية. لكنها لم تقدم أي دليل قاطع على تورط السفن المستهدفة في تهريب المخدرات، مثيرةً جدلاً حول شرعية هذه العمليات.

ويقول خبراء القانون الدولي ومنظمات حقوق الإنسان إن هذه الضربات ترقى على الأرجح إلى عمليات قتل خارج نطاق القضاء، إذ يبدو أنها استهدفت مدنيين لا يشكلون تهديداً مباشراً للولايات المتحدة.

ونشرت واشنطن قوة كبيرة في منطقة الكاريبي، حيث شنت قواتها في الأشهر الأخيرة غارات على قوارب يُشتبه في تهريبها المخدرات واستولت على ناقلات نفط، ونفذت عملية في العاصمة الفنزويلية اعتقلت خلالها الرئيس اليساري نيكولاس مادورو.


ترمب يهاجم «الناتو»: «نمر من ورق» وأعضاؤه «جبناء»

الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)
TT

ترمب يهاجم «الناتو»: «نمر من ورق» وأعضاؤه «جبناء»

الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي والأمين العام لـ«الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

في منشور غاضب على منصة «تروث سوشيال»، حمل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بحدّة على حلف شمال الأطلسي (الناتو)، متهماً أعضاءه بالجبن والتنصل من المسؤولية، متوعداً بالانتقام، ومؤكداً أنه «لن ينسى هذا الموقف».

وكتب ترمب: «لولا الولايات المتحدة، لكان حلف الناتو مجرد نمر من ورق! لقد أحجموا عن الانخراط في المعركة الرامية إلى وقف تحول إيران إلى قوة نووية. والآن، وقد حُسمت تلك المعركة عسكرياً - مع ما انطوى عليه ذلك من مخاطر ضئيلة للغاية بالنسبة لهم - تراهم يتذمرون من ارتفاع أسعار النفط التي يُجبرون على دفعها، ومع ذلك يرفضون تقديم العون لفتح مضيق هرمز؛ وهي مناورة عسكرية بسيطة تُعد السبب الأوحد وراء ارتفاع أسعار النفط هذا. إنه لأمر يسير للغاية عليهم إنجازه، وينطوي على مخاطر لا تكاد تُذكر. إنهم جبناء، ولن ننسى ذلك أبداً!».

ولم يكن المنشور مجرد تعبير عن إحباط، بل جاء بمثابة إعلان صريح عن تحول استراتيجي أميركي نحو العمل الأحادي، بعد الفشل في تشكيل «تحالف هرمز البحري» الذي دعا إليه ترمب مراراً لمرافقة الناقلات وإعادة فتح المضيق، الذي تعرقل إيران الملاحة فيه بصواريخها وطائراتها المسيّرة والألغام.

تصدّع الحلف الغربي

يعكس غضب ترمب من «الناتو» تصدّعاً متزايداً في العلاقات عبر الأطلسي، ما يثير تساؤلات بشأن ما إذا كان هذا الرفض سيدفع إلى إعادة النظر في مستقبل الحلف، أم أن ترمب سيحاول إثبات قدرة الولايات المتحدة على تأمين الملاحة في مضيق هرمز منفردة، وكيف قد يترجم تهديده بالانتقام من الحلف.

أمين عام «الناتو» مارك روته مع وزراء دفاع الدول الأعضاء بالتكتل العسكري في بروكسل يوم 12 فبراير (أ.ف.ب)

وبدأت محاولات ترمب للحشد منذ انطلاق عملية «ملحمة الغضب» في 28 فبراير 2026؛ إذ طالب حلفاءه الأوروبيين والآسيويين بإرسال سفن حربية لحماية الملاحة في هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من نفط العالم. وكرر هذا الطلب في اجتماعاته مع رئيسة الوزراء اليابانية وفي تصريحات علنية، محذراً من أن «مستقبل الناتو سيكون سيئاً جداً» إذا رفضوا.

غير أن الرد جاء «رفضاً شبه عام»، وفق ما وصفته وسائل إعلام أميركية وأوروبية.

أسباب التردّد الأوروبي

رفضت الدول الأوروبية الانخراط لأسباب مترابطة، أبرزها أن النزاع لا يُعدّ حرباً لـ«الناتو». فقد أكّدت ألمانيا أن الصراع «لا علاقة له بالناتو»، باعتبار أن الحلف مُخصّص للدفاع عن أراضي أعضائه، لا لعمليات خارجية. وأوضح المستشار الألماني فريدريش ميرتس أنه «لا يوجد قرار جماعي للتدخل»، وأن نشر سفن ألمانية في هرمز يتطلب موافقة برلمان بلاده (البوندستاغ)، وهو أمر غير مُرجّح.

صورة من مدخل مقر «الناتو» في بروكسل (رويترز - أرشيفية)

كما تخشى دول الحلف من الانزلاق إلى تصعيد أوسع، في ظل مخاطر مواجهة مباشرة مع إيران، لا سيما مع احتمال استخدام طهران صواريخ مضادة للسفن أو طائرات مسيّرة. وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قد أكد أن بلاده لن تنجر إلى حرب أوسع، فيما قالت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، صراحة: «لا أحد مستعد لوضع جنوده في خطر عند مضيق هرمز».

وترى الدول الأوروبية أن الأولوية يجب أن تبقى لمواجهة ما تراه تهديداً روسياً مستمراً لأراضيها في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، معتبرة أن موسكو تمثل الخطر الوجودي الأبرز، وأن أي نشر لقوات في الشرق الأوسط قد يؤدّي إلى تشتيت الموارد وإضعاف الدفاعات الأوروبية.

وتفضل أوروبا أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات على الخيار العسكري، رغم تأثرها بارتفاع أسعار النفط والغاز، مع رهان على أن الضربات الجوية الأميركية كافية لدفع إيران إلى التراجع. وحتى بريطانيا، أقرب حلفاء واشنطن، اكتفت بإرسال فريق تخطيطي صغير إلى واشنطن من دون التزام بإرسال سفن حربية، فيما رفضت اليابان وكوريا الجنوبية، رغم اعتمادهما الكبير على نفط هرمز، المشاركة العسكرية المباشرة.

«أدوات انتقامية»

خلال الأيام الماضية، لمّح ترمب لمستشاريه إلى أنه سيُعيد تقييم «الكلفة العادلة» لمشاركة الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي. وتُشير تقديرات إلى أنه قد يدرس خفض عدد القوات الأميركية في أوروبا (الذي يتجاوز حالياً 80 ألف جندي) بنسبة تتراوح بين 30 و50 في المائة خلال عام 2026، لا سيما في ألمانيا التي رفضت المشاركة عسكرياً لتأمين هرمز.

سفن شحن في الخليج بالقرب من مضيق هرمز يوم 11 مارس (رويترز)

كما يملك ترمب ورقة ضغط تتعلّق بتكاليف القواعد الأميركية، إذ يبحث مطالبة الدول الأوروبية بتحمّل 100 في المائة من هذه التكاليف، بدلاً من النسبة الحالية. والأكثر حساسية هو احتمال تجميد مساهمة واشنطن في ميزانية الناتو، التي تُشكّل نحو 70 في المائة من إجماليها، إلى حين «إثبات الحلفاء ولاءهم». وتشير صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن هذه الخيارات ليست نظرية، إذ بدأ البنتاغون بالفعل مراجعة انتشار القوات في أوروبا. كما يمتلك ترمب ورقة ضغط إضافية تتمثل في الطاقة؛ فأوروبا، التي تعاني من ارتفاع أسعار النفط نتيجة إغلاق هرمز، تعتمد على الغاز الطبيعي المسال الأميركي. وقد تشمل الخيارات فرض رسوم جمركية جديدة على السيارات الأوروبية، خصوصاً الألمانية، أو ربط صادرات الغاز الأميركي بمواقف الدول من أزمة هرمز، بما يعني أسعاراً أعلى أو تأخيراً في الإمدادات للدول الرافضة.

كما يُرجّح أن يتجه ترمب إلى دعم مشاريع الطاقة في آسيا، لا سيما في اليابان وكوريا الجنوبية، على حساب أوروبا، في رسالة مفادها بأن «أميركا أولاً» قد تعني أيضاً «أوروبا أخيراً».

وبحسب تقرير لمركز «أتلانتيك»، يمتلك ترمب أدوات ضغط إضافية، من بينها دعم أحزاب يمينية متطرفة في أوروبا للضغط على الحكومات من الداخل، أو إعادة توجيه التركيز العسكري الأميركي بعيداً عن أوروبا نحو المحيطين الهادئ والخليج، ما قد يقلص الدعم في مواجهة روسيا ويدفع الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي إلى نحو 4 في المائة من الناتج المحلي. ويخلُص التقرير إلى أنّ مثل هذه الخطوات قد تقود إلى تصدع دائم في الحلف، في ظل سعي ترمب إلى استثمار الأزمة لإعادة صياغة «الناتو» وفق رؤيته: إما حلف تتحمل فيه الدول الأوروبية الكلفة، أو حلف يواجه خطر التفكك.