ترمب ثاني رئيس أميركي يعود إلى البيت الأبيض بعد مغادرته

دونالد ترمب في حفل مراقبة ليلة الانتخابات في مركز مؤتمرات بالم بيتش (أ.ب)
دونالد ترمب في حفل مراقبة ليلة الانتخابات في مركز مؤتمرات بالم بيتش (أ.ب)
TT

ترمب ثاني رئيس أميركي يعود إلى البيت الأبيض بعد مغادرته

دونالد ترمب في حفل مراقبة ليلة الانتخابات في مركز مؤتمرات بالم بيتش (أ.ب)
دونالد ترمب في حفل مراقبة ليلة الانتخابات في مركز مؤتمرات بالم بيتش (أ.ب)

حسم المرشح الجمهوري دونالد ترمب الانتخابات الرئاسية لصالحه ليعود إلى البيت الأبيض مرة أخرى، بعد أربع سنوات من مغادرته، ليكون بذلك ثاني رئيس يعود للرئاسة مجدداً عبر تاريخ الانتخابات الأميركية.

وحصد ترمب أكثر من 270 صوتاً في المجمع الانتخابي بفوزه في ولايتي بنسلفانيا وويسكونسن الحاسمتين على المرشحة الديمقراطية ونائبة الرئيس كامالا هاريس.

وعبر تاريخ طويل من «رئاسية أميركا» التي شهدت صراعات في الساحة السياسية بين الجمهوريين والديمقراطيين، حاول بعض الرؤساء الترشح مرة أخرى للفوز بالمكتب البيضاوي، ولم ينجح سوى اثنين، وكانت المرة الثانية من نصيب دونالد ترمب ليصبح أول رئيس يفوز بولايتين غير متعاقبتين منذ أكثر من 100 عام.

نجاح العودة مرة أخرى للبيت الأبيض

جروفر كليفلاند (1837 - 1908): كان أول ديمقراطي يُنتخب بعد الحرب الأهلية الأميركية في عام 1885، ليصبح الرئيس الثاني والعشرين في الفترة من (1885 - 1889)، ويغادر البيت الأبيض، ثم يعود مجدداً لفترة ولاية ثانية بعد أربع سنوات (1893 - 1897)، حسب ما ذكر الموقع الرسمي للبيت الأبيض.

في سن الرابعة والأربعين، برز كليفلاند إلى الساحة السياسية مما أدى إلى وصوله إلى البيت الأبيض في غضون ثلاث سنوات. وفي عام 1881، انتخب عمدة لمدينة بوفالو، ثم حاكماً لنيويورك.

فاز كليفلاند بالرئاسة بدعم مشترك من الديمقراطيين والجمهوريين الإصلاحيين، الذين كرهوا سجل خصمه جيمس جي بلين من ولاية مين.

جروفر كليفلاند في منزله في برينستون بولاية نيوجيرسي في عام 1908 (مكتبة الكونغرس)

وفي يونيو (حزيران) 1886 تزوج كليفلاند من فرنسيس فولسوم البالغة من العمر 21 عاماً، وكان الرئيس الوحيد المتزوج في البيت الأبيض.

سعى كليفلاند بقوة إلى تطبيق سياسة تحظر تقديم امتيازات خاصة لأي مجموعة اقتصادية. كما اعترض على العديد من مشاريع قوانين المعاشات الخاصة للمحاربين القدامى في الحرب الأهلية. وعندما أقر الكونغرس، تحت ضغط، مشروع قانون يمنح معاشات تقاعدية للإعاقات غير الناجمة عن الخدمة العسكرية، اعترض كليفلاند عليه أيضاً.

وأثار غضب شركات السكك الحديدية عندما أمر بالتحقيق في الأراضي الغربية التي كانت تحتلها الحكومة بموجب منحة حكومية. وأجبرها على إعادة 81 مليون فدان.

وهُزم كليفلاند في عام 1888، وعلى الرغم من فوزه بأغلبية شعبية أكبر من المرشح الجمهوري بنيامين هاريسون، فإنه حصل على عدد أقل من الأصوات الانتخابية.

وبعد انتخابه مرة أخرى للرئاسة في عام 1892، وبعد مرور عام على ولايته الثانية، تعرضت أميركا لأزمة اقتصادية حادة عرفت بـ«هلع 1893»، مما تسبب في فشل كثير من البنوك، ونجم عن ذلك أسوأ كساد في تاريخ الولايات، ولم ينجح في إخراج بلاده من الكساد، وبالتالي لم تتعافَ أميركا خلال ولايته، ولم يتم ترشيحه مرة أخرى في الانتخابات التالية.

بعد مغادرته البيت الأبيض، عاش كليفلاند متقاعداً في برينستون، نيو غيرسي. وتوفي في عام 1908.

محاولات لم تنجح

مارتن فان بورين: كان أول رئيس حاول العودة إلى الحكم بعد خسارته الانتخابات، والذي جرى انتخابه رئيساً ثامناً للولايات المتحدة عام 1836 وتولى منصبه في 4 مارس (آذار) 1837.

وبعد أربع سنوات من خسارته لحملة إعادة انتخابه عام 1840، كان بورين مرة أخرى المرشح الأبرز عن الحزب الديمقراطي قبل الكشف عن معارضته للضم الفوري لتكساس، حيث سيتم السماح بالعبودية.

ورد مؤيدو الضم الغاضبون في مؤتمر الحزب بالضغط بنجاح من أجل قاعدة تتطلب أغلبية الثلثين للترشيح، مما أدى إلى إحباط فرص فان بورين.

وخسر فان بورين في انتخابات عام 1840 أمام المرشح اليميني ويليام هنري هاريسون، بيد أنه لم ييأس، فرشح نفسه لانتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية في عام 1844، لكنه خسر أمام جيمس بوك، الذي فاز لاحقاً في الانتخابات، حسب ما ذكر موقع «ذا هيل» الأميركي.

مارتن فان بورين وميلارد فيلمور وثيودور روزفلت (موقع الأرشيف الوطني الأميركي)

ميلارد فيلمور: صعد نائب الرئيس ميلارد فيلمور إلى البيت الأبيض بعد وفاة الرئيس زاكاري تايلور في يوليو (تموز) 1850، لكنه قرر عدم السعي للحصول على فترة رئاسية كاملة في عام 1852. وبعد أربع سنوات، غيّر عضو حزب «الأحرار» السابق رأيه وقَبِل ترشيح الحزب.

ويقول المؤرخ روبرت ج. رايباك لموقع «ذا هيل» الأميركي، إن فيلمور أصبح «زعيماً لحزب مكرس للنزعة القومية»؛ لأنه كان يعتقد أن هذا الحزب «قد يصبح نقطة التجمع لحزب قوي ووطني حقيقي»، ويخفف من المرارة الطائفية المتزايدة بين الشمال والجنوب في أميركا حينها، ورغم هزيمته بسهولة، فقد نجح فيلمور في الحصول على أكثر من 20 في المائة من الأصوات الشعبية، وفاز بأصوات ماريلاند الانتخابية الثمانية.

يوليسيس س. غرانت: فشلت محاولته للحصول على ترشيح جمهوري آخر في عام 1880، مدفوعاً بمخاوفه بشأن صعود الكونفدراليين السابقين في الجنوب الذين سعوا إلى التراجع عن «نتائج الحرب».

وكان غرانت قد «تجددت شعبيته في الداخل»، وكان حريصاً على تحقيق دور دولي أكبر للولايات المتحدة بعد جولته العالمية التي استمرت 18 شهراً بعد مغادرة البيت الأبيض. في الاقتراع الخامس والثلاثين في المؤتمر الوطني الجمهوري في يونيو 1880، تمكنت القوى المناهضة لغرانت داخل حزبه من حرمانه من الترشيح، واختارت بدلاً من ذلك جيمس أ. جارفيلد.

ثيودور روزفلت: في أواخر فبراير (شباط) 1912، وبعد أربع سنوات من رفضه الترشح مرة أخرى، ألقى روزفلت بقبعته في الحلبة بوصفه مرشحاً لولاية أخرى.

وكان روزفلت المرشح المفضل في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، ولكن سيطرة تافت على التنظيم الحزبي كانت أكثر مما يمكن التغلب عليه في المؤتمر. ثم اتهم روزفلت الحزب الجمهوري بالفساد، وأطلق حملة حزبية ثالثة للرئاسة تحت قيادة «الحزب التقدمي». وأدى الخلاف بين روزفلت وتافت إلى انقسام أصوات الجمهوريين، مما سمح للمرشح الديمقراطي وودرو ويلسون بالفوز في الانتخابات.

مسيرة سياسية بعد الرئاسة

وكان لأربعة رؤساء سابقين آخرين مسيرة سياسية بعد الرئاسة الأميركية، بفترات متفاوتة، وفقاً لما ذكره موقع «مركز بيو للدراسات» وهو مركز أبحاث أميركي غير حزبي ومقره واشنطن العاصمة.

جون كوينسي آدامز: بعد عامين من خسارته في محاولة إعادة انتخابه أمام أندرو جاكسون، أصبح جون كوينسي آدامز أول رئيس سابق - والوحيد حتى الآن - يترشح ويفوز بمقعد في مجلس النواب الأميركي. شغل آدامز المقعد من عام 1831 إلى عام 1848، وأصيب بسكتة دماغية وهو على مكتبه في قاعة مجلس النواب، وتوفي بعدها بيومين.

جون تايلر: في عام 1841، أصبح تايلر أول نائب رئيس يخلف سلفه في الرئاسة بعد وفاته، لكن فترة ولايته الوحيدة في المنصب لم تمثل نجاحاً مثيراً. بعد ما يقرب من عقدين من الزمان، انتُخب تايلر لمؤتمر انفصال فرجينيا، ثم لمؤتمر الكونفدرالية المؤقت. في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1861، انتُخب لعضوية مجلس النواب الكونفدرالي، لكنه توفي في يناير (كانون الثاني) 1862 قبل أن يتمكن من تولي مقعده.

أندرو جونسون: بعد نجاته من محاكمة عزله في عام 1868، غادر جونسون البيت الأبيض وعاد إلى موطنه الأصلي تينيسي. لكن جونسون ظل مهتماً بالمناصب الانتخابية، فترشح دون جدوى لمقعد في مجلس الشيوخ الأميركي في عام 1869 ومقعد في مجلس النواب في عام 1872. وأخيراً، في عام 1875، تم اختيار جونسون عضواً في مجلس الشيوخ من تينيسي، لكنه توفي بعد أقل من خمسة أشهر من ولايته.


مقالات ذات صلة

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إجلاء ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض بعد دوي طلقات نارية

 الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)
TT

إجلاء ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض بعد دوي طلقات نارية

 الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي ⁠دونالد ترمب ‌في حفل عشاء ​مراسلي ‌البيت ⁠الأبيض (إ.ب.أ)

أجلى رجال الخدمة السرية الرئيس الاميركي دونالد ترمب من حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في واشنطن مساء السبت بينما سُمع دوي قوي لطلقات نارية، وفق ما أفاد شهود عيان بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.

أفراد الخدمة السرية خلال استجابتهم لسماع دوي طلقات نارية (أ.ب)

واندفع الضيوف الذين كانوا يحضرون حفل العشاء للاحتماء تحت الطاولات بعد سماع أصوات الطلقات، في حين تمركز رجال الأمن شاهرين مسدساتهم حول المنصة حيث كان ترمب يجلس قبل أن يتم إخراجه من المكان.

وطوّقت الشرطة فندق هيلتون واشنطن الذي كان يستضيف الحفل وحلقت مروحيات في أجوائه. وأفاد تقرير صحافي مشترك نقلاً عن جهاز الخدمة السرية أن مطلق النار قيد الاحتجاز.


مقتل ضابط وإصابة آخر في إطلاق نار بمستشفى في مدينة شيكاغو الأميركية

رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)
رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)
TT

مقتل ضابط وإصابة آخر في إطلاق نار بمستشفى في مدينة شيكاغو الأميركية

رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)
رجال شرطة في موقع إطلاق النار (ا.ب)

توفي ضابط شرطة وأصيب آخر بجروح حرجة بعد إطلاق نار في مستشفى بمدينة شيكاغو الأميركية يوم السبت، وفقا لمسؤولين.

وقال لاري سنيلينج، مدير شرطة شيكاغو، إنه تم احتجاز المشتبه به، الذي لم يجر الكشف عن هويته.

وقال سنيلينج في مؤتمر صحافي بعد الظهر: «نقل الضباط فردا إلى مستشفى سويديش للملاحظة، وفي ذلك الوقت تعرض اثنان من ضباطنا لإطلاق نار. أحدهما أصيب بجروح حرجة وأعلنت وفاته، والضابط الثاني يقاتل الآن من أجل حياته في المستشفى».

ووقع إطلاق النار في مستشفى «إنديفور هيلث سويديش» في شيكاغو، وقال المستشفى إن مجمعه وضع تحت الإغلاق، وإن المرضى والموظفين في المنشأة الصحية في أمان.

وذكر سنيلينج أن هناك تحقيقا جاريا، ولم يتمكن من تقديم تفاصيل. لكن المستشفى ذكر في منشور على «فيسبوك» أن فردا كان محتجزا لدى السلطات الأمنية أحضر إلى قسم الطوارئ لتلقي العلاج وتم «تفتيشه عند الوصول» بجهاز الكشف اليدوي، وفقا للبروتوكولات. وقال المستشفى إنه كان برفقة قوات إنفاذ القانون في جميع الأوقات.

وأضاف المستشفى أن الرجل أطلق النار لاحقا على ضباط إنفاذ القانون وخرج من مبنى المستشفى، وتم القبض عليه في وقت لاحق.


غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
TT

غياب روبيو عن محادثات إيران يسلّط الضوء على دوره في الداخل

روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)
روبيو وترمب يتحدّثان للصحافة قبل مغادرة البيت الأبيض يوم 20 مارس (نيويورك تايمز)

عندما تفاوض الرئيس باراك أوباما على اتفاق نووي مع إيران قبل أكثر من عقد، كان مبعوثه الرئيسي هو وزير الخارجية جون كيري. وعلى مدى 20 شهراً من المحادثات، التقى كيري نظيره الإيراني فيما لا يقل عن 18 يوماً مختلفاً، وغالباً عدة مرات في اليوم الواحد.

وكانت الدبلوماسية النووية رفيعة المستوى تُعدّ دوراً طبيعياً لكبير الدبلوماسيين الأميركيين، فعادة ما يتولى وزراء الخارجية قيادة أبرز المهام الدبلوماسية للبلاد، من معاهدات الحدّ من التسلح إلى الاتفاقات الإسرائيلية - الفلسطينية.

لكن مع استعداد الرئيس دونالد ترمب لإرسال وفد إلى الجولة الأخيرة من المحادثات الأميركية - الإيرانية في باكستان هذا الأسبوع، سيبقى وزير خارجيته، ماركو روبيو، حيث يوجد غالباً: داخل الولايات المتّحدة. ولم يحضر روبيو الاجتماع الأميركي الأخير مع إيران في وقت سابق من هذا الشهر. كما لم يشارك في عدة اجتماعات عُقدت خلال العام الماضي في جنيف والدوحة.

وغاب روبيو أيضاً عن وفود أميركية في الخارج تعمل على تسوية الحرب في أوكرانيا وحرب إسرائيل في قطاع غزة. وعلى الرغم من فترة طويلة من الأزمات والحروب في المنطقة، فإنه لم يزر الشرق الأوسط منذ توقف قصير في إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

منصب مزدوج

وفي الأشهر الأخيرة، لم يسافر روبيو كثيراً على الإطلاق؛ إذ استهلكه دوره الثاني بوصفه مستشاراً للأمن القومي لدى ترمب. وخلال إدارة جو بايدن، قام وزير الخارجية أنتوني بلينكن بـ11 رحلة خارجية بين يناير (كانون الثاني) 2024 وأواخر أبريل (نيسان) 2024، زار خلالها نحو ثلاث عشرة مدينة، وفق وزارة الخارجية. أما روبيو، فقد زار هذا العام ست مدن أجنبية، من بينها محطة في ميلانو لحضور دورة الألعاب الأولمبية الشتوية 2026.

وقد عهد ترمب بجزء كبير من دبلوماسيته إلى آخرين، بينهم صديقه ستيف ويتكوف، وهو شريك ثري من عالم العقارات في مانهاتن، وصهره جاريد كوشنر. وقد قاد ويتكوف وكوشنر الجهود الدبلوماسية مع إسرائيل وأوكرانيا وروسيا، وكذلك إيران، التي سيلتقي وفدها للمرة الثانية هذا الشهر في إسلام آباد، عاصمة باكستان.

ويعكس ابتعاد روبيو عن خطوط التماس الدبلوماسية دوره المزدوج في فريق الأمن القومي لترمب. فعلى مدى العام الماضي، شغل منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، حتى في أثناء قيادته وزارة الخارجية - وهو أول شخص يجمع بين المنصبين منذ هنري كيسنجر في منتصف سبعينات القرن الماضي.

ويتولى وزير الخارجية إدارة وزارة الخارجية، والإشراف على الدبلوماسيين الأميركيين والسفارات حول العالم، إضافة إلى صُنّاع السياسات في واشنطن. أما مستشار الأمن القومي فيعمل من البيت الأبيض على تنسيق عمل الوزارات والوكالات، بما في ذلك وزارة الخارجية، لوضع توصيات سياسية للرئيس.

تعزيز العلاقة مع ترمب

ويعكس الجمع بين المنصبين نفوذ روبيو لدى ترمب، ويُوفّر له وسيلة للحفاظ عليه. فبالنسبة لروبيو، يعني قضاء وقت أقل في الخارج وقتاً أطول إلى جانب رئيس يميل إلى اتخاذ قرارات حاسمة في مجال الأمن القومي في أي لحظة.

وعندما التقى ويتكوف وكوشنر ونائب الرئيس جي دي فانس مسؤولين إيرانيين في باكستان، في وقت سابق من هذا الشهر، كان روبيو إلى جانب ترمب في فعالية لـ«بطولة القتال النهائي»، بحسب ما أشارت إليه إيما أشفورد، المحللة في شؤون الدبلوماسية الأميركية لدى مركز «ستيمسون» في واشنطن. وقالت: «من الواضح أن روبيو يفضل البقاء قريباً من ترمب».

وكان روبيو قد تولى منصب مستشار الأمن القومي بصفة مؤقتة في مايو (أيار) الماضي، بعد أن أعاد ترمب تكليف شاغل المنصب السابق مايكل والتز. غير أن مسؤولين يقولون إنه يُتوقع أن يحتفظ بالمنصب إلى أجل غير مسمى. وأضافت أشفورد أن هذا الترتيب ليس سيئاً بالضرورة، مشيرة إلى أن رؤساء سابقين أوكلوا مهام دبلوماسية كبرى إلى أشخاص غير وزير الخارجية. فقد كلّف بايدن مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام بيرنز بإدارة الدبلوماسية مع روسيا، ومفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»، على سبيل المثال.

لكنها رددت شكاوى العديد من الدبلوماسيين الحاليين والسابقين بأن روبيو يبدو كمستشار أمن قومي يظهر أحياناً في وزارة الخارجية. وقالت: «أعتقد أن ذلك يضر بوزارة الخارجية ككل، وبقدرة الولايات المتحدة على إدارة الدبلوماسية بشكل عام؛ إذ إننا فعلياً لدينا منصب وزير الخارجية شاغراً».

من جانبه، رفض تومي بيغوت، المتحدث باسم وزارة الخارجية، هذه الانتقادات، قائلاً: «أي شخص يحاول تصوير التنسيق الوثيق بين الوزير روبيو والبيت الأبيض والوكالات الأخرى على أنه أمر سلبي، فهو مخطئ تماماً». وأضاف: «لدينا الآن مجلس أمن قومي ووزارة خارجية يعملان بتناغم كامل، وهو هدف استعصى على إدارات سابقة لعقود».

توازن صعب

ويقسم روبيو وقته بين وزارة الخارجية والبيت الأبيض، وغالباً ما يقضي وقتاً في كليهما في اليوم نفسه. وفي مقابلة مع «بوليتيكو» في يونيو (حزيران)، قال إنه يزور وزارة الخارجية «تقريباً كل يوم».

وفي أثناء وجوده هناك، يلتقي غالباً مسؤولين زائرين قبل أن يعود إلى البيت الأبيض. وفي الأسبوع الماضي، ترأس روبيو اجتماعاً في وزارة الخارجية بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين مهّد الطريق لوقف إطلاق النار في لبنان. وقال إن وظيفتيه «تتداخلان بالفعل في كثير من الحالات». وأضاف: «في كثير من الأحيان، تجد نفسك في الاجتماعات نفسها أو في الأماكن نفسها؛ الأمر ببساطة أن هناك شخصاً أقل في الغرفة، إذا فكرت في الأمر». وتابع: «كان كثير من الناس يأتون إلى واشنطن للاجتماعات ويرغبون في لقاء مستشار الأمن القومي ثم لقائي بصفتي وزير الخارجية. الآن يمكنهم القيام بالأمرين في اجتماع واحد».

وعند سؤاله عن جدول سفره خلال مؤتمر صحافي في ديسمبر (كانون الأول)، قال روبيو إن لديه أسباباً أقل للسفر إلى الخارج؛ لأن «الكثير من القادة يأتون إلى هنا باستمرار» لزيارة ترمب في البيت الأبيض. كما يرافق روبيو ترمب في رحلاته الخارجية بصفته مستشاراً للأمن القومي.

ويرى العديد من المخضرمين في شؤون الأمن القومي أن هذا الترتيب غير حكيم، مؤكدين أن كلا المنصبين شديد المتطلبات، ولا يتوافقان معاً.

تجربة كيسنجر

ولم يكن الأمر سهلاً حتى بالنسبة لكيسنجر، الذي كان قد رسّخ موقعه على مدى أكثر من أربع سنوات مستشاراً للأمن القومي قبل أن يقنع الرئيس ريتشارد نيكسون بالسماح له بتولي منصب إضافي كوزير للخارجية عام 1973. وعلى عكس نهج روبيو، كان كيسنجر دائم الحركة، بما في ذلك جولات دبلوماسية مكوكية في الشرق الأوسط أبقته متنقلاً لمدة 33 يوماً متواصلة.

وقال ماثيو واكسمان، الذي شغل مناصب رفيعة في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية والبنتاغون خلال إدارة جورج دبليو بوش: «بشكل عام، يُعد الجمع بين هذين الدورين خطأ». وأضاف: «مع ذلك، ليس بالضرورة أمراً سيئاً أن يكون روبيو، الذي يجمع بين المنصبين، بعيداً نسبياً عن الواجهة حالياً». وتابع: «خاصة في وقت يتركز فيه كثير من الاهتمام على دبلوماسية دقيقة مع إيران، يحتاج شخص ما إلى إدارة السياسة الخارجية في بقية أنحاء العالم».

* خدمة صحيفة «نيويورك تايمز».