مخاوف أميركية من أعمال عنف إذا خسر ترمب الانتخابات

جمهوريون يوقِّعون رسالة لتأكيد موافقتهم على النتائج حتى لو فازت هاريس

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب يرقص خلال مناسبة انتخابية في جورجيا 15 أكتوبر (أ.ب)
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب يرقص خلال مناسبة انتخابية في جورجيا 15 أكتوبر (أ.ب)
TT

مخاوف أميركية من أعمال عنف إذا خسر ترمب الانتخابات

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب يرقص خلال مناسبة انتخابية في جورجيا 15 أكتوبر (أ.ب)
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب يرقص خلال مناسبة انتخابية في جورجيا 15 أكتوبر (أ.ب)

بات الأميركيون قاب قوسين أو أدنى من انتخابات قد تُعيد الرئيس السابق دونالد ترمب، إلى البيت الأبيض. يساور الشك كثيرين من أن خسارته المحتملة يمكن أن تعني أنه لن يعترف قط بفوز منافسته نائبة الرئيس كامالا هاريس، على غرار ما فعله عندما فاز الرئيس جو بايدن في انتخابات عام 2020.

عامذاك، أدى رفضه الاعتراف بالهزيمة إلى موجة من أعمال العنف التي بلغت ذروتها في اقتحام أنصاره مبنى الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) 2021 لمنع مصادقة الجلسة المشتركة لمجلسي النواب والشيوخ في الكونغرس على انتخاب بايدن، مستخدماً وسائل مختلفة، بما فيها الضغط من دون جدوى على نائب الرئيس مايك بنس.

وهناك مخاوف من احتجاجات واسعة النطاق حتى لو فاز ترمب بالانتخابات. ويبدو الميل إلى هذا النوع من الاحتجاج عند ترمب قديماً قِدَم حياته السياسية. فبعد حصوله على المركز الثاني في المجالس الانتخابية التمهيدية للجمهوريين في أيوا عام 2016، وجَّه ترمب اتهامات إلى السيناتور تيد كروز بالاحتيال، داعياً إلى منافسة جديدة. ولاحقاً، في أثناء مواجهته للديمقراطية هيلاري كلينتون، ادعى ترمب قبل إعلان فوزه، أن الانتخابات «مزورة»، رافضاً مراراً القول ما إذا كان سيلتزم النتيجة.

شرطي أميركي بالقرب من مبنى الكابيتول في واشنطن 19 أغسطس 2021 (رويترز)

والآن مضت السنوات الأربع من عهد الرئيس بايدن من دون أن يعترف ترمب بخسارته انتخابات 2020. وها هو اليوم يرفض المرة تلو الأخرى القول ما إذا كان سيقبل نتائج الانتخابات التي ستجري الشهر المقبل من دون قيد أو شرط. و في أحدث تعليق له، كرر عبر صحيفة «ميلووكي جورنال سنتينل» ادعاءاته بأنه فاز بويسكونسن خلال انتخابات عام 2020، قائلاً إنه «إذا كان كل شيء صادقاً، سأقبل النتائج بكل سرور. لن أغيِّر ذلك. إذا لم يكن كذلك، فعليك أن تقاتل من أجل حق البلاد». ثم ألقى بظلال من الشك على ما إذا كانت الأصوات ستُحسب «بصدق». وأضاف: «إذا عدتم ونظرتم إلى كل الأمور التي اكتُشفت، يظهر أنني فزت بالانتخابات في ويسكونسن. كما يظهر أني فزت بالانتخابات في أماكن أخرى»، علماً بأن بايدن فاز في ويسكونسن خلال عام 2020، متقدماً بنحو 21 ألف صوت. وكذلك قال ترمب: «أريد من الناس الذين يصوتون أن يدلوا بأصواتهم بصدق. أريد أن تفرَز الأصوات بصدق. لا أريد أن يذهب الناس إلى الهيئات التشريعية ويحصلوا على أشياء غير معتمدة».

هاريس تندد

ونددت حملة هاريس بتصريحات ترمب، مؤكدة أنه «لا يمكنك أن تحب بلدك فقط عندما تفوز». واعتبرت أن ترمب «يَعِد بالحكم كديكتاتور من اليوم الأول» إذا فاز، مشيرةً إلى تهديده بـ«استخدام الجيش ضد الشعب الأميركي، ومعاقبة أولئك الذين يقفون ضده، والتغاضي عن العنف المرتكَب نيابةً عنه، ووضع سعيه إلى السلطة قبل ما هو أفضل لأميركا». ورأت أن «ترمب يشكل خطراً على الدستور وتهديداً لديمقراطيتنا. سيصيبه الشعب الأميركي بهزيمة انتخابية أخرى في نوفمبر (تشرين الثاني)، لأنهم يواصلون رفض تطرفه وحبه للعنف وتعطشه للانتقام».

نائبة الرئيس الأميركي المرشحة الرئاسية كامالا هاريس لدى وصولها لحضور حدث انتخابي في ديترويت بولاية ميشيغان 15 أكتوبر (أ.ف.ب)

وخلال مناظرته الأولى -وربما الوحيدة- ضد هاريس في 10 سبتمبر (أيلول) الماضي، رفض ترمب مرة أخرى الاعتراف بخسارته انتخابات 2020، وتراجع عن تعليقاته في مقابلة بودكاست قال فيها إنه «خسر بفارق ضئيل». ورغم مواجهة اتهامات جنائية بالضغط على مسؤولي الانتخابات لإلغاء نتائج عام 2020، لم يشر ترمب إلى أنه سيقبل النتائج في الانتخابات الجديدة.

وعلى غرار ترمب، أعلن مرشحه لمنصب نائب الرئيس، السيناتور جاي دي فانس، أنه ما كان ليصادق على نتائج انتخابات عام 2020 لو كان في الكونغرس وقتها. وقال: «كنت لأطلب من الولايات تقديم قوائم بديلة للناخبين» في المجمع الانتخابي المؤلف من 538 صوتاً.

وفي ظل التقارب الشديد بين هاريس وترمب في الاستطلاعات، مما يشير إلى أن فوز أي منهما سيكون بهامش ضيق وفي عدد قليل من الولايات السبع المتأرجحة: أريزونا وبنسلفانيا وجورجيا وويسكونسن وميشيغان ونيفادا ونورث كارولاينا. ومثل المرة الأخيرة، توضح بعض الاستطلاعات أن نسبة كبيرة من الجمهوريين يبدون استعدادهم لرفض النتائج إذا خسر ترمب.

اللجوء إلى العنف

وأفاد المعهد الأميركي للأبحاث الدينية العامة بأن المسح الذي أجراه في سبتمبر (أيلول) الماضي أظهر أن نحو ربع الجمهوريين يعتقدون أنه يجب أن يفعل ترمب «كل ما يلزم لضمان أن يصير رئيساً على أي حال». ولاحظ استطلاع آخر أجرته جامعة «جونز هوبكنز»، في أغسطس (آب) الماضي، أن ذلك «قد يشمل اللجوء إلى العنف»، مضيفاً أن ثلث الجمهوريين «لا يعتقدون أن فوز بايدن عام 2020 كان شرعياً»، متوقعين «الكثير» من العنف السياسي بعد انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. لكنَّ ذلك «لا يعني هذا أن العنف أمر لا مفر منه».

الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب متحدثاً خلال حملة انتخابية في جورجيا 15 أكتوبر (رويترز)

وتنبع هذه المعتقدات من حقيقة أن ترمب لا يزال المصدر الأكثر موثوقية للمعلومات حول نتائج الانتخابات، بالنسبة إلى الجمهوريين، متفوقاً بشكل كبير على منافذ الأخبار المحلية والوطنية. وأظهر استطلاع لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية أن أكثر من 60 في المائة من الجمهوريين يعتقدون أن ترمب نفسه هو أفضل مكان للحصول على الحقائق حول النتائج.

ويبدو أن انتشار ادعاءات ترمب في شأن الانتخابات أسهم أيضاً في إثارة مخاوف الجمهوريين بشأن مستقبل الديمقراطية في الولايات المتحدة. وتأكيداً لهذه الحقيقة، تشير الاستطلاعات إلى أن كثيرين يعتقدون أن هناك احتمالاً واقعياً أن ترمب لن يقبل نتائج الانتخابات. ووجد استطلاع، أجرته مؤسسة «إيه بي سي» مع «إبسوس» في أغسطس (آب) الماضي، أن 29 في المائة فقط قالوا إنهم يعتقدون أن ترمب مستعد لقبول النتائج بغض النظر عن هوية الفائز.

لذلك، فإن هذه الصورة مقلقة: إذا كانت نتيجة الانتخابات متقاربة -وكل المؤشرات تشير إلى أنها ستكون كذلك- تبدو الولايات المتحدة مهيأة لأزمة شرعية حقيقية إذا خسر ترمب.

دعوة جمهورية للهدوء

وفي محاولة لاستدراك هذا الخطر، وقّع عدد من من النواب الجمهوريين على رسالة ثنائية الحزبية، متعهدين بـ«الاعتراف بالفائز في الانتخابات (...) كرئيس شرعي للولايات المتحدة». وقاد هذا الجهد النائبان الديمقراطي جوش غوتهايمر والجمهوري دون بيكون. ووقَّع على الرسالة 25 ديمقراطياً آخرين، والنواب الجمهوريون براين فيتزباتريك، ومايك لولير، ولوري تشافيز دو ريمير، ونيك لالوتا، وأنتوني دي إسبوزيتو.

أما الجانب غير المنظور حالياً، فيتمثل في أن فوز ترمب يمكن أن يؤدي أيضاً إلى احتجاجات سلمية كبرى، على غرار ما حصل عقب إعلان انتخابات 2016، والتي لم تتخلّلها أعمال عنف تُذكر.


مقالات ذات صلة

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
TT

ترمب: حصار موانىء إيران «سيظل قائماً» في حال عدم التوصل إلى اتفاق

ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)
ترمب متحدثاً للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية (ا.ف.ب)

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه يعتزم مواصلة محاصرة الموانىء الإيرانية في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع طهران، مشيرا إلى أنه قد لا يمدد وقف إطلاق النار بعد موعد انتهائه الأربعاء.

 

وقال ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «اير فورس وان» في تعليق على مصير وقف إطلاق النار في حال عدم التوصل لاتفاق مع طهران «ربما لن أمدده»، مضيفا «لكن الحصار سيظل قائما».

وقد أعادت إيران فتح مضيق هرمز الجمعة إثر اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، رغم تهديد طهران بإغلاق هذا الممر المائي الحيوي مجددا في حال استمرار الحصار الأميركي.

وعند سؤال ترمب عن إمكانية التوصل إلى اتفاق، قال «أعتقد أن ذلك سيحدث».

ولا تزال ثمة خلافات جوهرية بين مطالب الولايات المتحدة وإيران اللتين فشلتا سابقا في التوصل إلى اتفاق خلال محادثات باكستان.

وأبلغ ترمب الصحافيين أنه «لن تُفرض رسوم» من جانب إيران على السفن العابرة لمضيق هرمز، وهو مطلب طرحته الجمهورية الإسلامية خلال مفاوضات سابقة.

وفي منشور على منصته «تروث سوشال»، قال ترمب إن الرئيس الصيني شي جينبينغ «سعيد للغاية» بإعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي.

وأضاف «سيكون اجتماعنا في الصين مميزا، وربما تاريخيا»، في إشارة إلى القمة المزمع عقدها في بكين بين الرئيسين الأميركي والصيني في مايو (أيار).

كما شدد ترمب على أن واشنطن وطهران ستنقلان معا اليورانيوم المخصب المخزّن في إيران إلى الولايات المتحدة بموجب الخطة التي تعمل عليها واشنطن لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وكانت وزارة الخارجية الإيرانية قد صرّحت سابقا بأن مخزونها من اليورانيوم لن يُنقل «إلى أي مكان».

 


الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة تمدد إعفاء النفط الروسي الموجود في عرض البحر من العقوبات

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا بتاريخ 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إعفاء لمدة شهر يسمح ببيع النفط الروسي المحمل على متن ناقلات في عرض البحر، وذلك في إطار خطوة سابقة لتهدئة ارتفاع أسعار الطاقة.

ويأتي هذا الترخيص الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية، بعد يومين من تصريح وزير الخزانة سكوت بيسنت بأن واشنطن لن تمدد الإعفاء.


انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
TT

انقسامات وضغوط داخلية ترافق توجّه ترمب نحو حسم حرب إيران

تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)
تستمر أسعار الوقود في الارتفاع بالولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

بالتوازي مع الحديث عن جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن حرب إيران شارفت على الانتهاء، في تغيير لافت في مواقفه من لهجة التصعيد إلى التهدئة، ومن التهديد إلى الانفتاح على التسوية.

وفي الداخل الأميركي، تتصاعد الضغوط على الإدارة مع ارتفاع مستمر في الأسعار، وتململ جمهوري من حرب قد تتحول إلى عبء انتخابي مع اقتراب استحقاق نوفمبر (تشرين الثاني) للتجديد النصفي.

في المقابل، لا تزال الحشود العسكرية تتوجه إلى الشرق الأوسط مع إعلان «البنتاغون» عن إرسال الآلاف من القوات الإضافية هذا الأسبوع.

يستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، التجاذبات الداخلية في الولايات المتحدة جراء حرب إيران، وما إذا كانت تؤثر على توجّه ترمب في استئناف الحرب أو التوصل إلى اتفاق مع إيران.

لبنان وإيران

مع إعلان ترمب عن التوصل إلى وقف إطلاق نار بين لبنان وإسرائيل، رحب أدولفو فرانكو مستشار السيناتور الجمهوري السابق جون ماكين والخبير الاستراتيجي الجمهوري، بهذا التطور ووصفه بالإيجابي للغاية، مشيراً إلى ارتباطه الوثيق بالملف الإيراني. وفسّر قائلاً إن وقف إطلاق النار شكّل نقطة خلافية مع إيران، التي تصر على أنه كان جزءاً من الاتفاق الأولي معها، على خلاف موقف الولايات المتحدة.

ترمب أعلن عن اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويعتبر فرانكو أن هذا الإعلان من شأنه أن يزيل عقبة أمام استمرار المفاوضات مع طهران.

من ناحيته، يعتبر إيان راسل نائب المدير التنفيذي السابق للجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، أن أحد أسباب هذا الإعلان هو أن ترمب يواجه مشكلة حقيقية في الداخل الأميركي، ما سيدفعه للجوء إلى تسوية مع إيران. ويشير إلى أنه أصبح في موقف دفاعي بسبب ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، وتأثير ذلك على استطلاعات الرأي، مضيفاً: «الرئيس يواجه مشكلة حقيقية في الوقت الحالي، والجمهوريون الذين يخوضون انتخابات نوفمبر يواجهون المشكلة ذاتها؛ لذا تبدو الإدارة في حالة يأس متزايد في محاولة للتوصل إلى حل لهذا الأمر».

وانعكس هذا القلق الجمهوري في تصويت مجلس النواب لتقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران؛ إذ كانت النتيجة متقاربة جداً بفارق صوت واحد فقط تمكن من إفشال إقراره، على خلاف مجلس الشيوخ، حيث لا يزال الجمهوريون محافظين على وحدة صفهم.

وتنقل دانييلا تشيسلو، مراسلة الأمن القومي في موقع «بوليتيكو»، ما سمعته من آراء المشرّعين بهذا الخصوص، مشيرة إلى تقارب الأرقام في مجلس النواب. وقالت إن الديمقراطيين سيستمرون في محاولاتهم طرح هذه المشاريع للتصويت للضغط على الجمهوريين في الموسم الانتخابي، في حين يحرص الجمهوريون على عدم إغضاب ترمب في هذه المرحلة، ويدفعون نحو المزيد من الإحاطات من الإدارة التي لا تزال حتى الساعة مغلقة.

انقسامات حزبية

دافع فرانكو عن الموقف الجمهوري الداعم لسياسات ترمب تجاه إيران، مشدداً على أن التقارب في الأصوات طبيعي في قضايا من هذا النوع بسبب التركيبة الحالية في الكونغرس.

زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ جون ثون بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (رويترز)

ويعتبر فرانكو أن تحرك الديمقراطيين في مساعيهم لتقييد صلاحيات ترمب هو سياسي بحت، مشيراً إلى أنه، حتى لو تم إقرار المشروع، يمكن لترمب استعمال حق النقض ضده. وفي رأي المحلل الجمهوري، فإن مشروع تفويض الحرب الذي أقره الكونغرس في عام 1973، والذي يعطي المجلس التشريعي صلاحية الإعلان عن الحرب، هو «غير قانوني ومخالف للدستور»، معرباً عن أمله في أن يسعى ترمب إلى اختباره في المحاكم الأميركية.

ويخفف فرانكو من وطأة حرب إيران على حظوظ الجمهوريين في الانتخابات النصفية، مشيراً إلى أن حزب الرئيس غالباً ما يخسر الأغلبية في مجلس النواب بغض النظر عن القضايا المطروحة.

كما خفّف من شأن ارتفاع الأسعار، وقال: «أنا أختلف تماماً مع هذه المقاربة، لو كان هذا هو التحليل في الحرب العالمية الثانية، لما خضنا الحرب. إيران تشكل تهديداً وجودياً للمنطقة وللعالم. إنها دولة إرهابية لا يمكننا تحمل امتلاكها سلاحاً نووياً».

ورداً على انتقادات الديمقراطيين، ذكر فرانكو أن سعر البنزين في عهد إدارة بايدن وصل إلى مستويات عالية بسبب حرب أوكرانيا، مضيفاً: «كانت إدارة بايدن تدعو الأميركيين إلى التحمل بسبب حرب أوكرانيا. والوضع نفسه ينطبق الآن على الجمهوريين. لكن الفارق هو أن الشعب الأميركي يدرك أن إيران تشكل تهديداً لأمن هذا البلد».

ترتفع أسعار البنزين في أميركا جراء حرب إيران (رويترز)

تصريحات أثارت استياء راسل، الذي أعرب عن أمله في أن يردد الجمهوريون مواقف فرانكو في انتخابات التجديد النصفي، معتبراً أن الشعب الأميركي سيستجيب بشكل سلبي للغاية لهذه الرسالة. ويضيف: «الجمهوريون في وضع حرج بالفعل مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وما فعله ترمب هو أنه عقّد فرصهم في الفوز. فهو ركز في حملته الانتخابية على خفض التكاليف. لكن بدلاً من ذلك، ارتفعت التكاليف. كما لم يحاول إقناع الشعب الأميركي بضرورة خوض هذه الحرب».

واعتبر راسل أن الحرب ستتسبب في «كارثة سياسية للمرشحين الجمهوريين في جميع أنحاء البلاد». وتوقع أن يبرم ترمب اتفاقاً مشابهاً لذلك الذي أبرمته إدارة باراك أوباما مع إيران، مضيفاً: «لقد أدرك الإيرانيون أنه بإمكانهم فرض رسوم عبور على مضيق هرمز. وقد نكون في وضع أسوأ مما كنا عليه في عام 2016 بعد أن أبرم أوباما الاتفاق النووي مع إيران. إنها كارثة سياسية كاملة بالنسبة لترمب والجمهوريين، وأخشى أن الأسوأ لم يأتِ بعد».

ترمب يتحدث عن سياساته الضريبية في نيفادا يوم 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وتسلط تشيسلو الضوء على ما تسمعه من بعض النشطاء الجمهوريين، مشيرة إلى أنهم يشعرون بالقلق من الانتخابات، وتنقل عنهم: «لقد قال أحد النشطاء لزملائي إن كل شيء أصبح أكثر صعوبة بسبب القرارات الصادرة من البيت الأبيض، على حد تعبيره. إنهم يشعرون أنه في الوقت الذي يريدون فيه أن يركز الرئيس على مسألة القدرة على تحمل التكاليف، فإنه يشتت انتباهه بالحرب في إيران».

وأعطت مثالاً على ذلك قائلة إن الخامس عشر من أبريل (نيسان) كان يوم الضرائب في أميركا، وهو يوم كان من المفترض أن يعكس انتصاراً سياسياً كبيراً للجمهوريين الذين أقروا تخفيضات كبيرة في الضرائب، لكن الناس لا يشعرون بتخفيف العبء؛ لأن أسعار البنزين ترتفع. وتضيف: «يشهد المزارعون ارتفاعاً في أسعار الأسمدة والديزل. هذه فئة من الناخبين كانت داعمة جداً للرئيس. وأعتقد أن الاستراتيجيين الجمهوريين يشعرون بقلق أكبر قليلاً مما قد نسمعه من الجمهوريين، مثل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون، الذي يتحدث بثقة كبيرة داعماً لتحركات الرئيس». لكن فرانكو يعارض هذا التقييم، ويرفض استطلاعات الرأي التي تظهر أن أغلبية الأميركيين يعارضون الحرب، مشيراً إلى أن «موسم الحرب لم ينتهِ بعد». ويقول: «بمجرد أن تنتهي هذه الحرب، وأعتقد أنها ستنتهي لصالح الولايات المتحدة وسنحقق أهدافنا، أعتقد أن شعبية الرئيس سترتفع بشكل كبير، وستبدأ الأسعار في الانخفاض بسرعة. أنا أتفق أنه من الصعب دائماً إقناع الناس بضرورة شد أحزمتهم. لكن الأمر يتعلق بكيفية انتهاء هذا الصراع في النهاية، وأعتقد أن الناس يرون الفرق بين القوة والضعف. وما نراه الآن هو اختلاف كبير مع سياسات الديمقراطيين الكارثية الاستسلامية والانهزامية».

استراتيجية ديمقراطية

أما راسل فيعتبر أن ما يراه الشعب الأميركي مختلف عما يصوره فرانكو. ويقول إن «أحد الأسباب التي تجعل هذه الأزمة كارثة سياسية كبرى بالنسبة لترمب، هو أن الشعب الأميركي يقول إن الأموال تتوفر بوفرة عندما يريد الجنرالات والسياسيون خوض حرب، ولكن عندما يتعلق الأمر بتوفير الرعاية الصحية أو بناء البنية التحتية أو تنمية بلدنا ورعاية شعبنا، فإن ترمب نفسه قال إننا لا نستطيع توفير حضانات للأطفال وتوفير الرعاية الصحية لأن لدينا حرباً نخوضها. الشعب الأميركي لم يوافق على هذه الصفقة، ولن يقبل بذلك. ولهذا السبب، سيُطرد الجمهوريون من مناصبهم في نوفمبر».

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بالكونغرس يوم 14 أبريل 2026 (أ.ب)

تصريحات أثارت غضب فرانكو الذي توجّه إلى راسل بالحديث قائلاً: «لن تقلق بشأن الرعاية الصحية أو سوق الأسهم أو الاقتصاد إذا أطلقت إيران قنبلة نووية على الولايات المتحدة. مشكلة الحزب الديمقراطي هي أنه يدعم فلسفة الأربعينيات، التي انتظرت حتى ضربة في بيرل هاربور. ربما ينجح ذلك في الحرب التقليدية وعدم شن ضربة استباقية، لكنه لا ينجح في عالم اليوم. لن نضطر إلى القلق بشأن اقتصادنا إذا طورت إيران سلاحاً نووياً؛ سنضطر إلى القلق بشأن بقائنا. وهذا هو ما يُعتبر قصر نظر. كان قصر نظر في الثلاثينيات عندما كان أمثالهم في السلطة ووقع هجوم بيرل هاربور، وهو قصر نظر اليوم».

تراجع الدعم الحزبي لإسرائيل

وفي ظل هذه الاتهامات المتبادلة، تتحدث تشيسلو عن تغيير لافت في المشهد السياسي الأميركي. وتعطي مثالاً على ذلك بتصويت مجلس الشيوخ على تقييد الأسلحة الأميركية لإسرائيل الذي طرحه السيناتور التقدمي بيرني ساندرز.

السيناتور التقدمي بيرني ساندرز في تجمع للنقابات العمالية بنيويورك يوم 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

فرغم إسقاط المشروع، فإنه حصد دعم 40 ديمقراطياً من أصل 47، وهو يُعدّ سابقة في الكونغرس الذي لطالما دعم الحزبان فيه إسرائيل. وأضافت: «ما نراه الآن هو أن إسرائيل ستظهر مراراً وتكراراً كقضية حاسمة للغاية بالنسبة للديمقراطيين في الانتخابات النصفية، وستشكل نوعاً من الاختبار الحاسم لمعرفة مَن في الحزب مستعد لاتخاذ موقف أكثر تقدمية، وأكثر يسارية، وانتقادي تجاه إسرائيل، ومَن سيبقى متمسكاً بالموقف الأكثر اعتدالاً للحزب، الذي، مثل الجمهوريين، ظل على مدى عقود متحالفاً مع إسرائيل».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحافي بالقدس يوم 19 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويلوم راسل رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسياساته على جعل إسرائيل قضية حزبية، بعد أن كانت قضية يُجمع عليها الحزبان. ويضيف: «لقد كانت إسرائيل وأمنها يعلوان على السياسة الحزبية، لكن نتنياهو غيّر ذلك. إذا نظرتم إلى التصويت في مجلس الشيوخ، فإن أي ديمقراطي في المجلس يفكر بجدية في الترشح للرئاسة صوّت لصالح مشروع ساندرز. وهذا يعكس موقف الناخبين وموقف الديمقراطيين. فهناك شعور أن إسرائيل تحصل على كل ما تطلبه من الولايات المتحدة. وحقيقة الأمر أن ترمب حقق حلم نتنياهو المحموم بضرب إيران، والشعب الأميركي يدفع ثمناً باهظاً لذلك».