هاريس تتعجل حماية «الجدار الأزرق» لوقف تقدم ترمب

حملتها تستقطب آلاف المتطوعين وأكثر من 100 مليون دولار

نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس تصعد إلى طائرة الرئاسة الثانية في قاعدة «آندروز» الجوية بولاية ماريلاند يوم 22 يوليو الحالي (أ.ب)
نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس تصعد إلى طائرة الرئاسة الثانية في قاعدة «آندروز» الجوية بولاية ماريلاند يوم 22 يوليو الحالي (أ.ب)
TT

هاريس تتعجل حماية «الجدار الأزرق» لوقف تقدم ترمب

نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس تصعد إلى طائرة الرئاسة الثانية في قاعدة «آندروز» الجوية بولاية ماريلاند يوم 22 يوليو الحالي (أ.ب)
نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس تصعد إلى طائرة الرئاسة الثانية في قاعدة «آندروز» الجوية بولاية ماريلاند يوم 22 يوليو الحالي (أ.ب)

تحركت نائبة الرئيس الأميركي، كامالا هاريس، بقوة خلال الساعات القليلة الماضية، مستفيدة من الزخم الذي حظيت به حملتها الانتخابية الوليدة بعد قرار الرئيس جو بايدن الانسحاب من السباق لمصلحتها؛ إذ أمّنت العدد الكافي من المندوبين للفوز بترشيح حزبها الديمقراطي، وتوجهت إلى ولاية ويسكونسن المتأرجحة لتكون هذه باكورة حملاتها الفعلية ضد المرشح الجمهوري الرئيس السابق دونالد ترمب لانتخابات 5 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وفي حين واصل الديمقراطيون عملية الالتفاف حول هاريس وحشد الدعم لها، سافرت هاريس إلى ميلووكي، حيث ستعقد أول تجمع انتخابي لها منذ إعلان بايدن تخليه عن ترشحه الأحد الماضي. ومنذ ذلك الحين، جمعت هاريس تبرعات قياسية بلغت أكثر من 100 مليون دولار، وحصدت دعماً واسع النطاق من المسؤولين الديمقراطيين والجماعات المؤيدة للحزب. وتعدّ ويسكونسن جزءاً مما يسمى «الجدار الأزرق» الذي يشمل ولايات متأرجحة أخرى مثل ميشيغان وبنسلفانيا، وهي ولايات لا بد من الفوز بها للتغلب على الجمهوريين في الانتخابات بعد أقل من 4 أشهر.

«نوع ترمب»

وخلال زيارة لمقر الحملة الانتخابية في ويلمينغتون بولاية ديلاوير، الاثنين، حيث استقبلتها مجموعة من النشطاء، عرضت هاريس للموضوعات التي ستكون بارزة في حملتها ضد ترمب، مقارنة بين موقعها مدعيةً عامة وترمب بوصفه «مجرماً» صدرت ضده أحكام بالإدانة. وقالت: «في تلك الأدوار، حاربت الجناة من كل الأنواع (...) المفترسين الذين يسيئون معاملة النساء، والمحتالين الذين سرقوا المستهلكين، والغشاشين الذين انتهكوا القواعد لتحقيق مكاسبهم الخاصة. لذا؛ فاسمعوني عندما أقول إنني أعرف نوع دونالد ترمب».

وأضافت أنه «على مدى الأيام (...) المقبلة، سننقل قضيتنا إلى الشعب الأميركي، وسننتصر». واتهمت الرئيس السابق بالرغبة في «إعادة بلادنا إلى الوراء، إلى ما قبل حصول مواطنينا الأميركيين على الحريات والحقوق الكاملة»، مضيفة: «نحن نؤمن بمستقبل أكثر إشراقاً يفسح المجال لجميع الأميركيين».

وخلال الاجتماع، اتصل بايدن عبر الهاتف، مستخدماً تصريحاته العلنية الأولى بعد انسحابه من السباق الرئاسي ليشكر موظفيه ويطلب منهم دعم هاريس «قلباً وروحاً». وقال: «تغيّر الاسم في الجزء العلوي من البطاقة، لكن المهمة لم تتغير على الإطلاق. لا نزال بحاجة إلى إنقاذ هذه الديمقراطية. ترمب لا يزال يشكل خطراً على المجتمع. إنه خطر على الأمة».

الرئيس جو بايدن متحدثاً في «المكتب البيضاوي» بالبيت الأبيض يوم 14 يوليو الحالي (أ.ب)

اصطفاف الديمقراطيين

وبالفعل، فبعد أقل من 36 ساعة من خروج بايدن من السباق وتأييد هاريس خلفاً له، ألقى المئات من مندوبي الولايات وأكثرية المشرعين والحكام الديمقراطيين ومجموعة من رؤساء الأحزاب في الولايات وكثير من مجموعات المصالح المؤثرة، بدعمهم خلف هاريس. وأكد المرشحون المحتملون أنهم لن يتحدوها. وحذا كبار قادة الكونغرس حذوهم، حيث عبّر زعيم الأكثرية الديمقراطية في مجلس الشيوخ السناتور تشاك شومر، وزعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز، ورئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، عن دعمهم هاريس منذ الاثنين.

وبينما دعا عدد صغير من الديمقراطيين إلى عملية تنافسية مفتوحة، بدا أن هاريس لديها مسار داخلي لتأمين الترشيح بسرعة قبل المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي الشهر المقبل.

وسعت هاريس إلى عكس هذا الشعور بالوحدة خلال زيارتها إلى ويلمينغتون، حيث أشادت ببايدن وأعلنت أنها عينت رئيسة حملته جين أومالي ديلون، لقيادة حملتها الرئاسية.

وفي مؤشرات سريعة إلى التفاف الديمقراطيين حول هاريس، أعلن حاكم كنتاكي، آندي بشير، تأييده لها، فقال: «أنا متحمس لتأييد نائبة الرئيس هاريس بشكل كامل»، واصفاً إياها بأنها «ذكية وقوية، مما يجعلها رئيسة جيدة، لكنها أيضاً لطيفة وتتمتع بالتعاطف، مما قد يجعلها رئيسة عظيمة».

كما أيد حكام ولايات: ميشيغان غريتشن ويتمر، وإلينوي جاي بي بريتزكر، وماريلاند ويس مور، وكاليفورنيا غافين نيوسوم، وبنسلفانيا جوش شابيرو، ترشيح هاريس، منضمين إلى قائمة كبيرة من المنافسين المحتملين للترشيح. وكشف الزعماء الديمقراطيون عن أن جلسة افتراضية ستعقد لاختيار المرشحة مكان بايدن بحلول 7 أغسطس (آب) المقبل، أي قبل 12 يوماً من بدء مؤتمر الترشيح في شيكاغو.

وقال مساعدو حملة هاريس إن أكثر من 28 ألف متطوع جديد سجلوا أسماءهم لتقديم الدعم، أي أكثر من 100 ضعف العدد المعتاد.

وقال مساعدون إن حملة هاريس جمعت رقماً قياسياً قدره 81 مليون دولار في أول 24 ساعة بعد انسحاب بايدن وتأييده نائبة الرئيس.

وكان الاحتضان السياسي السريع لهاريس بمثابة تحول ملحوظ من حزب كان شكك في السابق في نقاط قوتها مرشحةً ونائبةً للرئيس. في العام الماضي، دعا كثير من المعلقين إلى الاستبدال بهاريس من منصب نائب الرئيس، وكافح كثير من الديمقراطيين البارزين على شاشات التلفزيون المباشر للإجابة عما أصبح سؤالاً ساخناً: هل هاريس هي الخيار الأفضل للمرشح لمنصب نائب الرئيس؟

ومع انسحاب بايدن، أظهر السناتور جو مانشين في البداية اهتمامه بتحدي هاريس، قبل أن ينسحب من السباق الاثنين. وقال مانشين، الذي ترك الحزب الديمقراطي في مايو (أيار) الماضي ليصبح مستقلاً، إنه يريد أن يتبنى الحزب عملية مفتوحة للسماح للمرشحين الأكثر اعتدالاً بالمنافسة.

وقال: «أعتقد أنه يمكننا إعادة بناء العلامة التجارية للحزب الديمقراطي، والآن سيتعين عليك اختيار شخص يؤمن جسدياً وعقلياً بكل ذرة من جسده بأننا ذهبنا بعيداً إلى اليسار» مع هاريس.

«ليبرالية خطرة»

وفي حين كانت هاريس تضع رسالة حملتها تحت شعار «الدفاع عن الحريات»، استعدت حملة ترمب لشن هجوم واسع النطاق ضدها من خلال وصفها بأنها «ليبرالية خطرة» وتهديد لحقوق الأميركيين الأساسية.

وكتبت كبيرتا المستشارين في حملة المرشح الجمهوري، كريس لاسيفيتا وسوزي ويلز، مذكرة هاجمتا فيها هاريس في شأن ملفات التضخم، والهجرة، والسيارات الكهربائية، والجريمة. وقالتا إن «هذه معركة جديدة من أجل الاستقلال الأميركي».

وكذلك حمل المرشح لمنصب نائب الرئيس على بطاقة ترمب، السيناتور جاي دي فانس، بشدة على هاريس، واصفاً بايدن بأنه «انهزامي»، وعادّاً أن هاريس «أسوأ منه بمليون مرة».

وتعكس المذكرة وظهور فانس، الذي حدد بعض الخطوط الرئيسية لهجوم الحزب الجمهوري على هاريس، مدى اضطرار ترمب وحلفائه إلى إعادة تجميع صفوفهم وإعادة توجيه استراتيجيتهم في أعقاب خروج بايدن، علماً بأن الجمهوريين احتفلوا بالخلافات الداخلية بين الديمقراطيين في أعقاب أداء بايدن الكارثي في مناظرته مع ترمب خلال يونيو (حزيران) الماضي.

المرشح الجمهوري لمنصب نائب الرئيس على بطاقة الرئيس السابق دونالد ترمب السيناتور جاي دي فانس يتحدث خلال تجمع انتخابي في فيرجينيا يوم 22 يوليو الحالي (أ.ف.ب)

وكان ترمب حقق تقدماً في استطلاعات الرأي في الولايات المتأرجحة الرئيسية وبدا في بعض الأحيان محبطاً من خروج بايدن من السباق. وهو أسف الأحد لأنه اضطر إلى «البدء من جديد» بعد التركيز لفترة طويلة على بايدن. وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، الاثنين، وصف ترمب، الذي يعتمد في كثير من الأحيان على الإهانات والشتائم، هاريس بأنها «غبية كالصخرة».


مقالات ذات صلة

كامالا هاريس تعيد تفعيل حساب حملتها الانتخابية على مواقع التواصل

الولايات المتحدة​ كامالا هاريس (أ.ف.ب - أرشيفية)

كامالا هاريس تعيد تفعيل حساب حملتها الانتخابية على مواقع التواصل

أعادت نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس، تفعيل حساب تابع لحملتها الانتخابية الرئاسية على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أثار تكهنات عدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر المسرح بعد أن تحدث إلى أفراد الجيش على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» بجنوب طوكيو (أ.ب) p-circle

ترمب: أرغب في الترشح لولاية رئاسية ثالثة

تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إمكانية ترشح نائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو للرئاسة في عام 2028، لكنه لم يستبعد نفسه من السباق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابق كامالا هاريس (أ.ب)

كامالا هاريس تلمح إلى إمكان خوضها الانتخابات الرئاسية مجدداً

ألمحت نائبة الرئيس الأميركي السابق كامالا هاريس، في مقابلة تلفزيونية مع قناة بريطانية، إلى أنها قد تترشح مجدداً للانتخابات الرئاسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إصابة 11 شخصاً بعد اصطدام مركبة بقطار متوقف في واشنطن

قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
TT

إصابة 11 شخصاً بعد اصطدام مركبة بقطار متوقف في واشنطن

قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)
قطار في واشنطن (تويتر- هيئة النقل)

قال مسؤولون أميركيون إن مركبة عمل اصطدمت بقطار ركاب بوسط واشنطن في وقت مبكر من اليوم الأربعاء، مما أسفر عن إصابة 11 شخصاً.

وقالت هيئة النقل في منطقة العاصمة واشنطن في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي إن قطار الخط الفضي المتوقف تعرض للاصطدام بعد منتصف الليل في محطة المترو المركزية.

وذكرت المحطة أن حالة المصابين ليست خطيرة، ولكنها لم تقدم تفاصيل بشأن شدة الإصابات أو نوعها.


هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
TT

هدنة ترمب المفتوحة إلى تنازلات مؤلمة أو صِدام عسكري أشد

امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)
امرأة إيرانية تمر بجوار جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران وسط تمديد لهدنة وقف إطلاق النار بالمنطقة (أ.ف.ب)

في لحظة بدت أقرب إلى إعادة ضبط الصراع، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران «إلى أجل غير مسمى»، مع الإبقاء على الحصار البحري لموانئها واستمرار التوتر في مضيق هرمز؛ ما جعل المشهد يبدو أقرب إلى هدنة قسرية فوق حافة الانفجار، حيث يصر كل طرف على سياسة «عض الأصابع» لفرض شروطه قبل العودة إلى طاولة المحادثات أو إلى ميدان المعركة.

وجاء التمديد بعد تعثر محادثات كان يفترض أن تُستأنف بوساطة باكستانية، وتراجع ترمب فيها عن موقف سابق برفض التمديد، وبعد مؤشرات متضاربة من واشنطن من تهديد باستئناف الضربات من جهة، ثم قرار بإعطاء التفاوض فرصة إضافية من جهة أخرى، بما يعكس مأزقاً استراتيجياً عميقاً يواجه الإدارة الأميركية.

وقد برر البيت الأبيض تمديد وقف إطلاق النار على أساس أن إدارة ترمب لم تحصل بعد على ما تعدّه «عرضاً إيرانياً موحداً»، ولأن ترمب، رغم لهجته التصعيدية، لا يبدو راغباً في استئناف حرب مفتوحة ما دام هناك احتمال لانتزاع تنازلات تحت الضغط.

وأشارت صحيفة «وول ستريت» إلى سلسلة اجتماعات تداول فيها ترمب خياراته مع نائبه جي دي فانس وصهره جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، وأُثيرت خلال الاجتماعات قضية الانقسامات داخل القيادة الإيرانية ووجود فصائل متشددة ترفض الانصياع لمطالب ترمب.

لماذا غير ترمب موقفه؟

ويقول محللون إن التحول من التلويح بعدم التمديد إلى إعلان تمديد مفتوح لا يعني أن ترمب أصبح أكثر ميلاً للتسوية بقدر ما يعكس حسابات التكلفة والمردود. ووفقاً لبعض التسريبات، كان البيت الأبيض يدرس بالفعل إمكان استئناف الهجمات بعد انهيار الترتيبات الخاصة بجولة تفاوض جديدة، لكن الرئيس انتهى إلى خيار وسط هو تمديد الهدنة مع الإبقاء على أقصى درجات الضغط.

ويحقق هذا الخيار ثلاثة أهداف لترمب: أولاً، تجنب التورط الفوري في حرب أطول وغير مضمونة النتائج، ثانياً، الإبقاء على صورة الرئيس القوي الذي لم يتراجع، بل قام فقط بتأجيل الضربة العسكرية، ثالثاً، منح الدبلوماسية فرصة أخيرة من دون رفع الحصار الذي يمثل ورقة الضغط الأهم حالياً.

ويرتبط هذا التبدل أيضاً بمعضلة سياسية داخلية، فترمب الذي هاجم طويلاً اتفاق باراك أوباما النووي المبرم في عام 2015، يجد نفسه الآن أمام مقارنات شبيهة جداً تتعلق بتخفيف عقوبات أو الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة مقابل قيود نووية مؤقتة - مثل إعادة 20 مليار دولار من أصول إيرانية المجمدة مقابل تسليم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، مع مناقشة حدود التخصيب والبرنامج الصاروخي والوكلاء الإقليميين.

سفن وقوارب في مضيق هرمز قبالة ساحل مسندم العُماني 20 أبريل 2026 (رويترز)

التهدئة

يبدو أن سيناريو التهدئة والتوصل إلى اتفاق مؤجل دون اختراق سريع، ممكن، لكنه ليس سهلاً، وفق مراقبين؛ إذ يتمثل في التوصل إلى اتفاق مرحلي أو شامل جزئياً، ويشترك الطرفان في الدوافع ذاتها في هذه المقاربة.

وتريد واشنطن ترجمة تفوقها العسكري والبحري إلى مكاسب سياسية ملموسة تتعلق مباشرة بضبط البرنامج النووي، وتقليص المخزون عالي التخصيب، وفرض ترتيبات دائمة أو شبه دائمة في مضيق هرمز، وربما توسيع التفاوض ليشمل الصواريخ والوكلاء الإقليميين. أما طهران، فرغم خطابها المتشدد، فإنها تحتاج إلى متنفس اقتصادي وإلى كسر دائرة الخنق المالي والعسكري.

ويشير خبراء أميركيين إلى أن نافذة إمكانية التوصل الي اتفاق لم تغلق، وتقول سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز والخبيرة في الشأن الإيراني، لصحيفة «واشنطن بوست» إن الإيرانيين «غير قابلين للتزحزح» في مسألة التخلي الكامل عن التخصيب، لكنهم أكثر استعداداً للتفاوض حول المدد، والمستويات، وكيفية التعامل مع المخزون. وهذا يعني أن جوهر التسوية المحتملة لن يكون «صفر تخصيب»، كما يطمح بعض صقور واشنطن، بل سيكون تقييداً صارماً ومراقباً للتخصيب.

وتقول ويندي شيرمان، كبيرة المفاوضين الأميركيين في عهد أوباما، إن ترمب يسعى هذه المرة إلى ملف أوسع من اتفاق 2015، يشمل الصواريخ والوكلاء وهرمز، لكنها تلفت في الوقت نفسه إلى أن مجرد انتزاع تعليق طويل الأمد للتخصيب سيكون إنجازاً أكبر مما تحقق في الاتفاق السابق، إذا أمكن التحقق منه وضمان تنفيذه.

أما ريتشارد غولدبرغ، الذي عمل على ملف إيران في إدارة ترمب الأولى، فيمثل تياراً جمهورياً متشدداً، لكنه يعترف بأن الوصول إلى السيطرة على مخزون اليورانيوم العالي التخصيب وتفكيك المنشآت الحساسة، مثل منشأة «بيك آكس ماونتن» التي يكثر الحديث عنها في التقارير الأميركية، سيكون تحولاً استراتيجياً يزيل التهديد النووي الإيراني لسنوات. هذه المقاربة تعني أن بعض دوائر اليمين الأميركي ليست ضد التفاوض من حيث المبدأ، بل ضد أي اتفاق لا يترجم الحرب إلى مكاسب ملموسة قابلة للتسويق سياسياً. وإذا اتجهت الأمور نحو هذا السيناريو، فلن يكون «سلاماً تاريخياً» سريعاً، بل صفقة إدارة أزمة تمنع الانفجار الكبير.

ر

سيناريو التصعيد

يبقى سيناريو التصعيد واستغلال تمديد الهدنة كاستراحة قبل استئناف الحرب مطروحاً بقوة، مع اتساع الهوة في المطالب بين الطرفين. فواشنطن تحث طهران على التراجع عن التخصيب، والنفوذ الإقليمي، والقدرة على التهديد في هرمز، بينما طهران تعدّ أن التفاوض تحت الحصار والإملاءات اعترافاً بالهزيمة.

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن ريتشارد نيفيو، المسؤول السابق في الخارجية الأميركية وأحد مهندسي نظام العقوبات على إيران، أن «الحرب لم تضعف إيران فقط، بل حررتها أيضاً من بعض ضغوط الردع التقليدية؛ لأنها أثبتت أنها قادرة على امتصاص الضربة والردّ».

وبرأيه، فإن صعود «الحرس الثوري» إلى مركز القرار قلّص مساحة المناورة التي كان يوفرها وجود تيارات أكثر براغماتية في مراحل سابقة.

من جانبه، حذر مايكل سينغ، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي والباحث في معهد واشنطن، لصحيفة «وول ستريت» من أن الحصار البحري الأميركي سلاح ذو حدين؛ إذ يعيد التوازن في الضغط ويمنع إيران من الاستفادة وحدها من ورقة هرمز، لكنه أيضاً رهان محفوف بالخطر.

ويصف بهنام بن طالبلو، في تقرير لموقع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، هذا المشهد بأنه «حرب إرادات» بقدر ما هو صراع طاقة وأمن؛ ما يعني أن كلاً من الطرفين يقيس نجاحه ليس فقط بالمكاسب المادية، بل أيضاً بمن يكسر إرادة الآخر أولاً.

وأوضح أنه في ظل هذا السيناريو، قد تتحول الهدنة الحالية إلى فترة إعادة تموضع عسكري وسياسي، وإذا خلص ترمب إلى أن إيران تشتري الوقت، أو إذا شعرت طهران بأن الحصار يخنقها من دون مقابل تفاوضي، فقد تعود الضربات الأميركية أو الهجمات الإيرانية غير المباشرة، ويعود المضيق إلى مركز الاشتعال العالمي.

المنطقة الرمادية

يصرّ الطرفان على سياسة «عضّ الأصابع»؛ وهذا لأن الصراع لم يعد تقنياً حول نسب التخصيب أو آليات التفتيش فقط، بل أصبح معركة وإرادة سياسية. فإدارة ترمب تريد فرض معادلة تقول إن الحرب نجحت، وإن إيران خرجت أضعف، وبالتالي عليها أن تقبل بالشروط الأميركية لا أن تفاوض من موقع الندّية.

أما طهران فترى، وفق مراقبين، أن أخطر ما يمكن أن تقبل به هو أن تظهر كمن انكسر تحت النار والحصار. لهذا؛ تصر على عدم منح واشنطن صورة النصر الكامل. هي تريد أن تقول إنها رغم الضربات، لا تزال تملك أوراقاً يمكن استخدامها ومنها التخصيب، ومضيق هرمز، والقدرة على الإيلام الاقتصادي، والقدرة على الصبر.

لهذا؛ تبدو سياسة «عضّ الأصابع» منطقية من منظور الطرفين. كل واحد منهما يعتقد أن الآخر يتألم، وأن مزيداً من الصبر والضغط قد يفرض تنازله. لكن خطورة هذه السياسة أنها كثيراً ما تنتهي ليس بفائز واضح، بل بانزلاق جماعي إلى مواجهة لا يريدها أحد بالكامل ولا يستطيع أحد منعها بالكامل.

ويقول المحللون إن السيناريو الأرجح في المدى القريب ليس اتفاقاً نهائياً ولا حرباً شاملة، بل استمرار هدنة هشة تحت ضغط متبادل فالرئيس ترمب مدّد الهدنة لأنه يريد صفقة من موقع القوة لا حرباً مفتوحة مجهولة الكلفة، وإيران قبلت ببقاء الباب موارباً؛ لأنها تريد تخفيف الخنق من دون تقديم مشهد استسلام. لكن هذه المنطقة الرمادية لا يمكن أن تدوم طويلاً.


إدارة ترمب بصدد ترحيل اللاجئين الأفغان إلى جمهورية الكونغو

أفراد من مشاة البحرية الأميركيين يقومون بتوجيه أفغان جرى إجلاؤهم على متن طائرة نقل عسكرية في مطار كابل (رويترز)
أفراد من مشاة البحرية الأميركيين يقومون بتوجيه أفغان جرى إجلاؤهم على متن طائرة نقل عسكرية في مطار كابل (رويترز)
TT

إدارة ترمب بصدد ترحيل اللاجئين الأفغان إلى جمهورية الكونغو

أفراد من مشاة البحرية الأميركيين يقومون بتوجيه أفغان جرى إجلاؤهم على متن طائرة نقل عسكرية في مطار كابل (رويترز)
أفراد من مشاة البحرية الأميركيين يقومون بتوجيه أفغان جرى إجلاؤهم على متن طائرة نقل عسكرية في مطار كابل (رويترز)

كشف رئيس منظمة «أفغان إيفاك» الإنسانية شون فاندايفر أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجري محادثات لترحيل مئات اللاجئين الأفغان ممن ساعدوا الولايات المتحدة في حربها ضد «طالبان» في أفغانستان، إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية. وكانت إدارة ترمب اتخذت خلال الأشهر الماضية إجراءات لرفع الحماية عن هؤلاء اللاجئين الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة مع - أو بعيد - انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان في صيف 2021، وأوقفت إعادة توطينهم.

وأفاد فاندايفر أنه تلقى إحاطة من مسؤولين مطلعين يعملون في وزارة الخارجية أو بالتنسيق الوثيق معها أن خطة إدارة ترمب تشير إلى احتمال ترحيل اللاجئين الأفغان إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تشهد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. واتهم إدارة ترمب بتقديم خيار سيء للغاية للاجئين الأفغان، يدفعهم إلى اختيار العودة إلى أفغانستان حتى لو كان ذلك يعني المخاطرة بحياتهم.

آلاف الأفغان في مطار كابول ينتظرون نقلهم خلال انسحاب القوات الأميركية (غيتي)

وقال عبر شبكة «إن بي سي» إن «هذا جنون» لأنه لا حل لأزمة اللاجئين في الولايات المتحدة بإلقائهم في دولة تعاني أصلاً أزمة لاجئين. وأوضح أن جمهورية الكونغو عاجزة عن إعالة اللاجئين الموجودين لديها حالياً، ومعظمهم من رواندا وجمهورية أفريقيا الوسطى المجاورتين. كما أنه من غير الواضح ما إذا كان هناك أي حماية للأفغان من الترحيل. وأضاف: «لا توجد وظائف. إنهم يعيشون في خضم حرب أهلية. هذا ليس مكاناً مناسباً للأفغان. سينتهي بهم المطاف بالترحيل إلى أفغانستان من حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية».

«حل إيجابي»؟

وفي إطار حملته المتشددة على الهجرة، أغلق ترمب فعلاً كل السبل المؤدية إلى الولايات المتحدة أمام الحلفاء الأفغان، الذين أعيد توطين أكثر من 190 ألفاً منهم في الولايات المتحدة بين أغسطس (آب) 2021 ومنتصف عام 2025. وقد احتجز مسؤولو الهجرة الأميركيون الحلفاء الأفغان وأفراد أسرهم، وتوفي أحدهم، وهو رحمن الله لكانوال (41 عاماً)، خلال الشهر الماضي بعد أقل من 24 ساعة من احتجازه.

وكان الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت أعلن أن إدارة ترمب لا تعتزم إجبار أي شخص على العودة إلى أفغانستان، وأن نقل اللاجئين إلى دول ثالثة يُعد «حلاً إيجابياً». وقال: «دفع الشعب الأميركي ثمن الطريقة غير المسؤولة التي جلب فيها مئات الآلاف من الأفغان إلى الولايات المتحدة. وينصب تركيزنا الآن على استعادة المسألة من خلال تعزيز خيارات إعادة التوطين المسؤولة والطوعية».

مسؤول أمني يقوم بدورية في كابل بأفغانستان (إ.ب.أ)

ويقول المدافعون عن اللاجئين الأفغان في مخيم السيلية الذي أنشئ في قطر كونه محطة لنقلهم إلى الولايات المتحدة، ومن المقرر إغلاقه قريباً، إن إدارة ترمب تحاول الضغط عليهم للعودة إلى أفغانستان، حيث يواجهون خطر الاضطهاد أو السجن أو الموت.

ويوجد في المخيم نحو 1100 أفغاني، بينهم أفراد سابقون في القوات الخاصة الأفغانية، ومترجمون عملوا مع الجيش الأميركي، وغيرهم ممن يعرضهم عملهم لخطر الاضطهاد من «طالبان».

حصل معظم سكان المخيم على موافقة لإعادة التوطين في الولايات المتحدة بعد خضوعهم لفحص أمني دقيق، وأكثر من 400 بينهم أطفال. وينتظر الكثيرون منذ أشهر أو سنوات لم شملهم مع عائلاتهم في الولايات المتحدة، وبينهم أقارب أفراد الخدمة العسكرية الأميركية وقدامى المحاربين.

أفراد أمن تابعون لحركة «طالبان» يحرسون معبر تورخم الحدودي بين أفغانستان وباكستان بولاية ننغرهار الأفغانية (أ.ف.ب)

موعد لم يتحقق

وكانت وزارة الخارجية أعلنت هذا العام أنها تخطط لإخلاء المخيم بحلول شهر مارس (آذار) الماضي. غير أن الموعد انقضى من دون أي تحديثات. وقال فاندايفر إن إدارة ترمب تجري مفاوضات مع عشرات الدول، معظمها في أفريقيا، لاستقبال الأفغان الموجودين حالياً في قطر. وأضاف أن المحادثات ربما تعقدت بسبب إجراءات أخرى اتخذتها الإدارة، التي شملت العديد من الدول نفسها في حظر السفر أو اشترطت على مواطنيها دفع آلاف الدولارات على أنها ضمانات تأشيرة قبل السفر إلى الولايات المتحدة.

وتختلف هذه المفاوضات عن تلك التي تجريها إدارة ترمب مع دول مختلفة، ومنها جمهورية الكونغو الديمقراطية، لاستقبال مهاجرين من دول أخرى يواجهون الترحيل من الولايات المتحدة.

وفي المقابل، تدفع الولايات المتحدة ملايين الدولارات لحكومات هذه الدول. ويقول منتقدو معاملة إدارة ترمب لحلفاء أفغانستان إنها قد تضر بالأمن القومي الأميركي بجعل السكان المحليين أقل استعداداً للتعاون مع القوات الأميركية في النزاعات المستقبلية.