قبل الاعتراف بالدولة الفلسطينية... مناقشات غير معلنة بين أميركا والدول الأوروبية

آيرلندا حاولت تجنب إثارة غضب واشنطن قبل الإعلان

إسبانيا والنرويج وآيرلندا اعترفت بالدولة الفلسطينية (إ.ب.أ)
إسبانيا والنرويج وآيرلندا اعترفت بالدولة الفلسطينية (إ.ب.أ)
TT

قبل الاعتراف بالدولة الفلسطينية... مناقشات غير معلنة بين أميركا والدول الأوروبية

إسبانيا والنرويج وآيرلندا اعترفت بالدولة الفلسطينية (إ.ب.أ)
إسبانيا والنرويج وآيرلندا اعترفت بالدولة الفلسطينية (إ.ب.أ)

إعلان إسبانيا والنرويج وآيرلندا الاعتراف بالدولة الفلسطينية، أمس (الأربعاء)، لم يسعد واشنطن بحسب تقرير لمجلة «بوليتيكو»، لكنه أشار إلى أنها «لم تكن مفاجأة أيضاً».

وكشف التقرير عن حصول اجتماعات لمسؤولين في البيت الأبيض مع مسؤولين أوروبيين في الأيام التي سبقت إعلان إسبانيا والنرويج وآيرلندا الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

أمس، وفي إعلان مشترك مع آيرلندا وإسبانيا، أكد رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور أن بلاده ستعترف بالدولة الفلسطينية بدءاً من 28 مايو (أيار)، رغم التحذيرات الإسرائيلية.

وردت إسرائيل باستدعاء سفرائها لدى الدول الثلاث، في حين اعتبرت حركة «حماس» القرار «خطوة مهمة» على طريق تثبيت حقوق الفلسطينيين في أرضهم وفي إقامة دولتهم.

وقال مسؤولون أميركيون وآيرلنديون لـ«بوليتيكو»، إن بعض المسؤولين الأوروبيين أجروا مناقشات مع إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، «لتجنب إغضاب البيت الأبيض، إذ إن الرئيس الأميركي يدعم منذ فترة طويلة حل الدولتين، ويرى أن أفضل طريقة للوصول إليه هي الدبلوماسية المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين».

«تطور لا مفر منه»

وحسبما أشار مسؤول آيرلندي بارز، فضل عدم الكشف عن هويته، لـ«بوليتيكو»، فإنه خلال تلك المناقشات، أكد المسؤولون الأميركيون أنه «رغم عدم موافقة واشنطن على الخطوة، فإنها تتفهم سبب اتخاذنا هذا القرار الآن، ويبدو أنهم قبلوه على أنه تطور لا مفر منه».

وقال المسؤول: «لم تكن هناك معارضة حقيقية».

ووفق المجلة، يُظهر التراجع في الفترة التي سبقت إعلان الاعتراف مدى محاولة حلفاء واشنطن في جميع أنحاء العالم تحقيق التوازن بين مصالحهم السياسية في الداخل ورغبتهم في تجنب المزيد من زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط.

وشدد مسؤول أميركي مطلع على المناقشات على أن واشنطن أوضحت للدول الثلاث؛ إسبانيا وآيرلندا والنرويج، أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية «لن يكون مفيداً»، ومع ذلك، تعتقد الإدارة الأميركية أن الخطوة التي اتخذتها إسبانيا والنرويج وآيرلندا لن تؤدي إلى زيادة كبيرة في التوترات العالمية بشأن الحرب في غزة.

وقال للمجلة: «نعتبر هذه الخطوة حقيقة لا مفر منها في سياسات إسبانيا وآيرلندا، بينما النرويج لديها أسباب خاصة بسبب اتفاقيات أوسلو».

واتفاقيات أوسلو هي اتفاقيات السلام عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي أسست لعملية سلام تنتهي بحل الدولتين، لكنها تعثرت في نهاية المطاف.

دبلن أبلغت واشنطن «سريعاً»

وبحسب «بوليتيكو»، كانت دبلن مصممة على اتخاذ هذه الخطوة من دون الإضرار بعلاقاتها القوية مع أميركا، خصوصاً البيت الأبيض في عهد بايدن. ونتيجة لذلك، حرص دبلوماسيو وزارة الخارجية الآيرلندية على إطلاع نظرائهم الأميركيين بشكل سريع على كل محادثة أجراها الآيرلنديون مع الحكومات الأوروبية التي ستتخذ خطوة مماثلة، وهي بلجيكا ومالطا والنرويج وسلوفينيا وإسبانيا.

وقال المسؤول الآيرلندي: «لم يكن بوسعنا أن نكون أكثر وضوحاً بشأن نوايانا قبل أسابيع أو أشهر، للتأكد من عدم وجود مفاجآت أو شكوك في واشنطن لسنا بحاجة لها».

وأضاف: «المحادثات مع الولايات المتحدة أثرت أيضاً على رسائل آيرلندا بشأن الإعلان».

وفي بيانه، أكد رئيس الوزراء الآيرلندي سايمون هاريس أن آيرلندا تأمل في رؤية استئناف الدبلوماسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ولا ترغب في إلقاء طوق نجاة دبلوماسي لـ«حماس».

إعلانات واشنطن

وأشار المسؤول إلى أن إدارة بايدن كانت قلقة من أن الاعتراف قد يؤدي إلى تقوية حركة «حماس»، لذلك حرصنا على التأكيد في رسالتنا على أن آيرلندا ليست صديقة لـ«حماس».

والأربعاء، انتقدت أميركا خطوة الدول الثلاث، وقالت المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي أدريان واتسون، في بيان، إن الدولة الفلسطينية يجب أن تتحقق من خلال المفاوضات وليس باعتراف من أطراف منفردة.

ورداً على سؤال حول العزلة الدبلوماسية المتزايدة لإسرائيل، يوم الأربعاء، قال مستشار الأمن القومي جيك سوليفان: «هذا يثير قلقنا لأننا لا نعتقد أن ذلك يسهم في أمن إسرائيل وحيويتها على المدى الطويل».

لكن وراء الكواليس، قلل المسؤولون من أهمية هذه الإعلانات، بحسب «بوليتيكو».

وقال المسؤول الأميركي للمجلة: «بغض النظر عن كل ما شهده الشرق الأوسط هذا الأسبوع، ومن بينه قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية التحرك لإصدار أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع يوآف غالانت، وقادة (حماس) إسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد الضيف، فإن جهود الدول الثلاث ربما لا يكون لها تأثير كبير».

وتابع: «حاولوا تكوين مجموعة كافية لإحداث ضجة، لكن من وجهة نظرنا ما حدث كان أشبه بموجة صغيرة».

وتعترف بالفعل نحو 144 دولة من أصل 193 دولة أعضاء في الأمم المتحدة بدولة فلسطين، بما في ذلك أغلب دول نصف الكرة الأرضية الجنوبي، وروسيا والصين والهند.


مقالات ذات صلة

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

رفضت حركة «حماس» الفلسطينية بشدة تبنّي ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف الرواية الإسرائيلية بشأن تعليق إدخال البضائع المخصصة للقطاع الخاص إلى غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية وزير ​الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)

إيطاليا تدرج كاتس ومسؤولين إسرائيليين كباراً في تحقيق «أسطول غزة»

أدرجت إيطاليا أسماء وزير ​الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ومسؤولين في الجيش والشرطة والسجون الإسرائيلية ضمن تحقيق يتعلق بمعاملة نشطاء أسطول غزة.

«الشرق الأوسط» (روما )
المشرق العربي فلسطينيون يبحثون عن ناجين تحت أنقاض بناية دمرها القصف الإسرائيلي ليلاً في «مخيم المغازي» (أ.ب)

إسرائيل تواصل التدمير وتوسع نطاق عمليات سيطرتها داخل غزة

نشرت وزارة الصحة في غزة بياناً بمناسبة «يوم الغذاء العالمي»، أكدت فيه أن معدلات سوء التغذية والتجويع بلغت مستويات كارثية تفتك بالأطفال وكبار السن والفئات الهشة.

«الشرق الأوسط» (غزّة)
شؤون إقليمية ملصق انتخابي يظهر فيه غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) ومنافسه رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

لكمات متبادلة وثقيلة قبل أسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية

لجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومنافسه على رئاسة الحكومة غادي آيزنكوت، إلى تبادل اللكمات الثقيلة خلال الأسبوعين المتبقيين من المعركة الانتخابية.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي Palestinians walk amidst destroyed buildings in Gaza City (AP)

مقتل فلسطيني وإصابة آخرين إثر قصف إسرائيلي على مدينة غزة

قُتل فلسطيني وأصيب آخرون اليوم الخميس، جراء قصف مُسيَّرة إسرائيلية مجموعة من المواطنين شمال غرب مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض
TT

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

من كاتي زكريا إلى سكاراموتشي... تاريخ الإقالات السريعة لمتحدثي البيت الأبيض

لم يكن منصب المتحدث باسم البيت الأبيض يوماً مجرد وظيفة إدارية عادية، بل هو خط الدفاع الأول عن أدق أسرار وتوجهات الإدارة الأميركية، والموقع الأكثر عرضة لـ«مقاصل» الإقالة السياسية السريعة.

ومع التطورات الأخيرة الصادمة في أروقة واشنطن، أعاد سقوط المتحدثة الجديدة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا بعد أسبوع فقط من تعيينها، تسليط الضوء على تاريخ هذا المنصب المليء بالإعفاءات العاصفة والوجوه التي لم تكد تحفظ ممرات المبنى البيضاوي حتى أُجبرت على مغادرته.

الأسرع في التاريخ... زلة لسان وأكاذيب قانونية تطيح بزكريا

سجلت كاتي زكريا الرقم القياسي كأقصر المتحدثين الرسميين بقاءً في تاريخ البيت الأبيض بعد خمسة أيام فقط من توليها المنصب في أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

وجاء سقوطها المدوي إثر مواجهتها لإحاطة صحافية أولى استمرت 14 دقيقة فقط، تخللتها زلات لسان غريبة أثارت سخرية منصات التواصل الاجتماعي.

ولم تقف الأمور عند حد الارتباك المهني، بل جاء المنعطف الحاسم الذي عجل برحيلها، والذي كان افتضاح أمر مؤهلاتها القانونية، حيث قدّمها الرئيس دونالد ترمب كمحامية محترفة، ليتبين لاحقاً للصحافة الاستقصائية أنها رسبت في اختبار نقابة المحامين ولم تحصل قط على الترخيص، ما دفع ترمب لحثها علناً على الاستقالة قائلاً لها أمام الكاميرات إن عليها إعادة النظر في موقعها.

وبذلك غادرت المعلقة السياسية المحافظة والمستشارة الإعلامية السابقة منصبها قبل أن تبدأ عملياً في ممارسته.

المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)

شون سبايسر... حارس بوابة «الحقائق البديلة» الذي دهسته التجاذبات

وفي سياق متصل، حفر شون سبايسر اسمه في ذاكرة الإقالات الخاطفة خلال عهد ترمب الأول عام 2017، حيث أمضى 182 يوماً فقط في منصبه. سبايسر، الذي كان يشغل سابقاً منصب الخبير الاستراتيجي الإعلامي للجنة الوطنية للحزب الجمهوري، دخل في مواجهة طاحنة مع الجسم الصحافي منذ اليوم الأول لتكليفه، عندما أُجبر على تضخيم أرقام الحضور في حفل تنصيب ترمب بما يخالف الصور الجوية الواقعية.

وتآكلت الرصانة المهنية لسبايسر يومياً تحت وطأة ضغوط الإدارة ورغبتها في الهجوم الشرس على وسائل الإعلام، لتأتي نهايته السريعة بالاستقالة احتجاجاً على تعيين ترمب للمستثمر النيويوركي أنتوني سكاراموتشي مديراً للاتصالات.

المتحدث باسم البيت الأبيض السابق شون سبايسر (أ.ف.ب)

مفارقة سكاراموتشي... «الخروج الكبير» في أحد عشر يوماً

وعلى الرغم من أن أنتوني سكاراموتشي لم يشغل تقنياً منصب السكرتير الصحافي بل مدير اتصالات البيت الأبيض، فإن تجربته تظل الأيقونة التاريخية للإقالات الخاطفة في الجناح الغربي بعد أن أمضى 11 يوماً فقط في منصبه في يوليو (تموز) 2017.

وفقد الممول القادم من قطاع وول ستريت وظيفته إثر إجرائه مقابلة صحافية هاتفية مليئة بالألفاظ النابية والشتائم الموجهة لزملائه في الإدارة مثل رينس بريبوس وستيف بانون.

وجاء قرار إبعاده السريع بضغط مباشر من رئيس الموظفين آنذاك، جون كيلي، لفرض الانضباط العسكري داخل الفريق، ما جعل اسم سكاراموتشي يتحول في واشنطن إلى وحدة قياس زمنية تهكمية للمقارنة مع أي مسؤول يقال سريعاً.

مدير اتصالات البيت الأبيض السابق أنتوني سكاراموتشي (رويترز)

وعلّق سكاراموتشي عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» متفاعلاً مع كسر رقمه القياسي السابق، حيث كتب معقباً على تغريدة للإعلامي جو سكاربورو: «الأرقام القياسية وُجدت لتُحطم.. لكنني لا أجد أي متعة في آلام الآخرين».

وجاء هذا التعليق ليعكس المفارقة التاريخية الساخرة التي أصبحت تربط بين اسمه واسم زكاريا كأقصر المسؤولين بقاءً في مناصبهم الإعلامية داخل البيت الأبيض.

ستيفاني غريشام... المتحدثة التي غادرت دون منصة

ومن باب مغاير تماماً، دخلت ستيفاني غريشام التاريخ السياسي الأميركي بصفتها المتحدثة الوحيدة باسم البيت الأبيض التي أمضت كامل فترة خدمتها السريعة، البالغة تسعة أشهر بين عامي 2019 و2020، دون أن تعقد إحاطة صحافية رسمية واحدة في قاعة الصحافة «جيمس برادي».

غريشام، التي امتلكت خلفية كمؤلفة ومسؤولة إعلامية ومساعد إداري مقرب من ميلانيا ترمب، اقتصر دورها على التصريحات المكتوبة والمقابلات التلفزيونية الصديقة للحزب.

وتمثلت أسباب إبعادها السريع في رغبة الإدارة في تغيير الاستراتيجية الاتصالية بالكامل مع بدء أزمة جائحة كورونا (كوفيد - 19) والتحضير للانتخابات، حيث استُبدلت بها كيلي ماكناني، لتتحول غريشام لاحقاً إلى واحدة من أشرس منتقدي ترمب.

ستيفاني غريشام المتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض (إ.ب.أ)

مقاصل الرؤساء الآخرين... جيرالد فورد وبيل كلينتون نموذجاً

ولم تكن الإقالات والاستقالات السريعة حكراً على عهد ترمب، بل عرفت الإدارات الأميركية السابقة هزات مماثلة، وتبرز في هذا السياق تجربة الصحافي المخضرم جيرالد تيرهورس الذي عينه صديقه القديم الرئيس جيرالد فورد كأول متحدث رسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) فور توليه الرئاسة عام 1974.

جيرالد تيرهورس المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) عام 1974 (ويكيبيديا)

تيرهورس، الذي أمضى عقوداً في عالم الصحافة مديراً لمكتب صحيفة «ديترويت نيوز» في واشنطن، وكان يبلغ من العمر آنذاك 52 عاماً عند تكليفه بالمنصب، لم يصمد في موقعه سوى شهر واحد فقط (30 يوماً) وجاء خروجه الخاطف في خطوة وُصفت تاريخياً بـ«موقف ضمير أخلاقي نادر»، بعد أن قدّم استقالته احتجاجاً على قرار فورد المفاجئ بمنح عفو رئاسي كامل وغير مشروط عن الرئيس السابق ريتشارد نيكسون في فضيحة «ووترغيت»، ليحل محله سريعاً مراسل شبكة «إن بي سي» رون نيسن.

رسالة استقالة جيرالد تيرهورس المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض (السكرتير الصحافي الـ14) عام 1974 (ويكيبيديا)

وفي عهد الديمقراطيين، واجهت دي دي مييرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض في عهد بيل كلينتون عام 1993، تهميشاً وإقالة ضمنية مبكرة خلال السنة الثانية من حكم كلينتون، حيث سُحبت منها الصلاحيات تدريجياً بسبب ما وصفه البيت الأبيض بسوء تنسيق الرسالة السياسية للإدارة، وحُرمت لفترة من دخول بعض الاجتماعات الاستراتيجية الحساسة قبل استبدال مايك مكوري كلياً بها.

دي دي مييرز المتحدثة باسم البيت الأبيض السابقة (ويكيبيديا)

وتوضح هذه النماذج التاريخية المتعاقبة طبيعة العمل الحساسة المرتبطة بمنصب المتحدث باسم البيت الأبيض، إذ يظل استمرار المسؤول في موقعه رهناً بدقة الأداء الإعلامي ومدى التوافق الاستراتيجي مع رئيس الإدارة.

وبيّنت التجارب السابقة أن أي تراجع في هذا التنسيق، أو غياب الانسجام في الرؤى السياسية، كفيل بإنهاء المسيرة المهنية للمتحدث رسميّاً في غضون فترة وجيزة، بصرف النظر عن خبراته المهنية السابقة أو درجة ولائه السياسي للرئيس.


المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا تغادر منصبها بعد أسبوع واحد من تعيينها

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
TT

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا تغادر منصبها بعد أسبوع واحد من تعيينها

المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)
المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا (أ.ب)

بعدما لمّح الرئيس الأميركى دونالد ترمب إلى قرب رحيل المتحدثة باسمه، كاتي زكريا، بعد أسبوع واحد فقط من تعيينها في المنصب، مشيراً إلى أنه لم يتخذ قراراً نهائياً بشأن مستقبلها، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول أميركي كبير، اشترط عدم ذكر اسمه، تأكيداً لمغادرة المتحدثة الجديدة باسم ترمب منصبها.

وكان ترمب قد قال للصحافيين على العشب أمام البيت الأبيض، قبيل توجهه إلى ولاية جورجيا، إنه نصح كاتي زكريا بأن «السعادة قد تكون أفضل لها»، لافتاً إلى أنها تتمتع بحياة عائلية جيدة ولا تحتاج إلى الاستمرار في منصب المتحدثة باسم البيت الأبيض.

ورأى أن كاتي زكريا تعرضت لمعاملة «غير منصفة إطلاقاً» من جانب وسائل الإعلام، مضيفاً أنها واجهت انتقادات وضغوطاً إعلامية شديدة.

وأكد الرئيس الأميركي أنه سيحسم موقفه في وقت لاحق، من دون أن يحدد موعداً لاتخاذ القرار.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب قُبيل مغادرته واشنطن إلى ولاية جورجيا (أ.ب)

ورداً على سؤال بشأن الشخص الذي قد يخلف كاتي زكريا في حال مغادرتها المنصب، قال ترمب إن هناك كثيرين يرغبون في تولي هذه المهمة.

ومعلوم أن كاتي زكريا حاصلة على شهادة في الحقوق من جامعة بيبرداين عام 2011، لكنها لم تنجح في امتحان نقابة المحامين بولاية كاليفورنيا، معترفةً بأنها لم تُعد التقدم إليه. ولم يُعثر على سجل يثبت حصولها على ترخيص لممارسة المحاماة في أي ولاية أميركية أو في واشنطن العاصمة.

وقالت كاتي زكريا إنها عملت في المجال القانوني في بكين بين عامَي 2011 و2013، ووصفت عملها بأنه متعلق بالتعاملات الدولية، لكن هذا الأمر أثار مزيداً من التساؤلات، إذ إن القانون الصيني يشترط الجنسية الصينية لممارسة المحاماة.

وكانت زكريا قد قالت في مقابلة سابقة، الخميس، مع وسيلة الإعلام المحافظة «ريل أميريكاز فويس»، إنها سُجّلت للخضوع لامتحان النقابة، لكن التحضيرات للانتقال للعيش في الصين مع شريكها «ألهتني وغمرتني» في ما بعد.

وصرّحت: «قلنا: لنأخذ وقتنا، سوف أخضع للامتحان، وأرى النتيجة. والنتائج ليست فعلاً مهمة لأنني علمت أنني لم أكن بحاجة إلى النقابة في الصين. وغادرنا بُعيد ذلك».

وانتقلت كيتي زكريا مع شريكها للعيش في الصين حيث عملت خبيرة قانونية في مكتب محاماة صيني معروف.

وأشارت إلى أنها لم تتقدّم لامتحان النقابة من جديد بعد عودتها إلى الولايات المتحدة؛ لأنها رُزقت «بأربعة أطفال في خلال 6 سنوات».


ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)
أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)
TT

ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)
أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)

في العقد الأخير، لم يعد الفضاء مجرد ساحة للاستكشاف العلمي أو إطلاق أقمار البث التلفزيوني التقليدية، بل تحول المدار الأرضي المنخفض إلى جبهة القتال الأكثر حيوية في الحروب الحديثة.

خلف هذا التحول المفاجئ تقف منظومتان غيّرتا مفاهيم الاتصالات العسكرية والمدنية على حد سواء: «ستارلينك» (Starlink) و«ستارشيلد» (Starshield). هاتان الشبكتان، اللتان خرجتا من عباءة شركة «سبيس إكس» (SpaceX) المملوكة للملياردير الأميركي إيلون ماسك، تحولتا من مشروع تجاري لتوفير الإنترنت للمناطق النائية إلى عصب الحروب السيبرانية والفضائية التي تشكل ملامح الصراع الدولي الراهن في عام 2026.

وبينما يظن الكثيرون أن المنظومتين وجهان لعملة واحدة، فإن التفاصيل الدقيقة تكشف عن تباين عميق في العقيدة التشغيلية، والسرية، والتحالفات الجيوسياسية التي تحكم كلاً منهما.

شاشة تُظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

النشأة والتطور: من فكرة طموحة إلى أساطيل مدارية

بدأت الحكاية في عام 2015 عندما أعلن ماسك رسمياً عن مشروع «ستارلينك»؛ بهدف خلق شبكة إنترنت فضائي عالمية تغطي كوكب الأرض بالكامل عبر آلاف الأقمار الاصطناعية الصغيرة.

وفي مايو (أيار) من عام 2019، نجحت «سبيس إكس» في إطلاق أولى المجموعات التشغيلية المكونة من ستين قمراً اصطناعياً. ومع تسارع وتيرة الإطلاقات باستخدام صواريخ «فالكون 9» القابلة لإعادة الاستخدام، نمت الشبكة بشكل أسي ليقترب عدد أقمارها في الربع الأخير من عام 2026 من عتبة 11 ألف قمر اصطناعي نشط في الفضاء.

هذا النجاح التجاري الباهر والقدرة العالية على الصمود في ظروف التشويش العسكري جذبا أنظار وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون).

صورة ظِلّية لإيلون ماسك تظهر إلى جانب شعار «ستارلينك» (رويترز)

وفي ديسمبر (كانون الأول) من عام 2022، أعلنت شركة «سبيس إكس» رسمياً عن تأسيس وحدة أعمال جديدة ومستقلة تماماً تُدعى «ستارشيلد».

لم تكن هذه الوحدة مجرد تحديث للنظام التجاري، بل كانت استجابة مباشرة لطلب وكالات الاستخبارات والأمن القومي الأميركي لبناء شبكة مخصصة للأغراض العسكرية، ومحاطة بجدار سميك من السرية الحكومية؛ ما جعلها الذراع الفضائية الضاربة للولايات المتحدة وحلفائها.

إعلان لخدمة «ستارلينك» التابعة لإيلون ماسك يظهر على شاشة في ساحة تايمز سكوير بنيويورك (أ.ف.ب)

الهندسة الدقيقة: كيف تتدفق البيانات بين الفضاء والأرض؟

تعتمد منظومة «ستارلينك» المدنية على معمارية معقدة من الأقمار الاصطناعية التي تحلّق في المدار الأرضي المنخفض، على ارتفاعات تتراوح بين 540 و550 كيلومتراً فوق سطح الأرض.

هذا الارتفاع المنخفض يمنح المنظومة ميزة حاسمة تتفوق بها على الأقمار الاصطناعية التقليدية المستقرة في المدار الجغرافي الثابت (على ارتفاع 36 ألف كيلومتر)، حيث يتقلص زمن استجابة الإشارة (الكمون) من 600 مللي ثانية إلى أقل من 25 مللي ثانية.

وتتواصل هذه الأقمار فيما بينها عبر روابط ليزرية فضائية متطورة؛ ما يسمح بنقل البيانات بسرعة هائلة دون الحاجة إلى المرور بمحطات أرضية في كل خطوة. ويستقبل المستخدم النهائي الإشارة عبر هوائي صغير يوجّه نفسه آلياً نحو السماء.

على الجانب الآخر، تعمل منظومة «ستارشيلد» بالفلسفة المدارية ذاتها، لكن مع تعديلات هندسية جذرية ترفع من كفاءتها القتالية.

لا تقتصر أقمار «ستارشيلد» على بث البيانات، بل تُدمج في هياكلها حمولات عسكرية مخصصة تشمل أجهزة استشعار بصرية ورإدارية عالية الدقة لمراقبة الأرض والاستطلاع المستمر، وأنظمة إنذار مبكر لرصد الصواريخ الباليستية والمجنحة الفرط صوتية.

الميزة الأهم في تصميم «ستارشيلد» هي قدرتها على «استضافة الحمولات»، بمعنى أن الحكومات الحليفة يمكنها وضع أجهزتها العسكرية وشفراتها الخاصة مباشرة على متن ناقل الأقمار الاصطناعية الذي تصنعه «سبيس إكس»، مع فصل تام لتدفق البيانات العسكرية عن أي شبكات مدنية.

توفر أقمار «ستارلينك» اتصال إنترنت سريعاً في جميع أنحاء العالم (أ.ف.ب)

تشفير السيبرانية وسوق الأسعار: من المجاني إلى مليارات العقود

تخضع منظومة «ستارلينك» لتشفير تجاري قوي يحمي بيانات المستخدمين، وتُباع خدماتها في السوق العالمية بأسعار متاحة للأفراد والشركات.

وتبدأ تكلفة المعدات الأرضية الأساسية للمستخدم المنزلي من نحو 599 دولاراً أميركياً، مع اشتراك شهري يتراوح بين 120 و150 دولاراً، حسب الدولة. وتوفر الشركة باقات مخصصة لقطاعات الطيران، والسفن البحرية، والرحلات البرية بأسعار أعلى تتناسب مع حجم الاستهلاك المرتفع للبيانات.

في المقابل، تدخل «ستارشيلد» في منطقة سعرية وتنظيمية مختلفة كلياً، حيث تحكمها عقود حكومية سرية تُقدر بمليارات الدولارات.

وتتميز هذه الشبكة بمستويات تشفير عسكرية فائقة الأمان ومقاومة للتشويش الإلكتروني النبضي، تلبي الصرامة التي تطلبها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ووكالة الأمن القومي.

وتدير هذه الأقمار قنوات اتصال آمنة ومغلقة تماماً، مخصصة لنقل المعلومات الاستخباراتية المصنفة «سرية للغاية»، ولا يمكن لأي مستخدم مدني الوصول إليها أو كشف تردداتها.

نيران المعارك: خطوط التماس والصدام الأوكراني المفاجئ

لطالما سعت شركة «سبيس إكس» إلى الحفاظ على الطابع المدني لمنظومة «ستارلينك»، مؤكدة في شروط استخدامها أنها مخصصة للأغراض الإنسانية والاتصالات الدفاعية البحتة، ويُحظر توظيفها في توجيه الضربات الهجومية أو إدارة الطائرات المسيرة الانتحارية.

وتسبب هذا الخط الفاصل في أزمات دبلوماسية متكررة بين ماسك والحكومة الأوكرانية، لا سيما عندما قرر الملياردير الأميركي في محطات سابقة تقييد التغطية الفضائية لمنع هجمات أوكرانية خاطفة ضد الأسطول الروسي في البحر الأسود؛ تفادياً لانزلاق الصراع نحو حرب عالمية ثالثة.

أحد أجهزة «ستارلينك» (رويترز)

لكن المشهد في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2026 شهد تحولاً دراماتيكياً بعد تداخل صلاحيات النظامين. فقد أصدرت الإدارة الأميركية أمراً تنظيمياً لشركة «سبيس إكس» بفرض قيود جغرافية وتقنية مشددة على وحدات «ستارشيلد» الممنوحة للجيش الأوكراني، تقضي بتعطيل الاتصال الفضائي فوراً في حال تحركت الآليات أو الطائرات المسيَّرة بسرعة تتجاوز 160 كيلومتراً في الساعة.

هذا التقييد الصارم أدى إلى إصابة سلاح المسيَّرات الهجومية ومنظومات التوجيه الأوكرانية بشلل شبه كامل على خطوط التماس؛ ما دفع بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للدخول في مواجهة كلامية حادة مع واشنطن، في حين أكد ماسك أن شركته لا تملك خياراً سوى الامتثال للقرارات السيادية الصادرة عن البيت الأبيض؛ كون «ستارشيلد» خاضعة لإشراف البنتاغون الكامل.

أبعاد الملكية والرقابة التنظيمية في قطاع الاتصالات الفضائية

تطرح هذه التطورات المدارية تساؤلات قانونية وتنظيمية في الأوساط الدولية بشأن طبيعة العلاقة بين الشركات التكنولوجية والمؤسسات الحكومية في إدارة العقود الأمنية.

فمن منظور القانون الدولي، تظل شركة «سبيس إكس» المشغل الفعلي للبنية التحتية لشبكة «ستارلينك»؛ ما يضع قطاع الاستثمار الخاص في موقع المؤثر ضمن ترتيبات النقل الفضائي العالمي، وهو ما دفع أطرافاً دولية عدة للمطالبة بوضع أطر تنظيمية تضمن عدم تداخل المصالح التجارية مع السياسات الخارجية للدول.

«ستارلينك» تعتمد على شبكة من الأقمار الاصطناعية في مدار أرضي منخفض ما يتيح اتصالاً سريعاً وكموناً منخفضاً في أصعب البيئات (أدوبي ستوك)

أما فيما يتعلق بمنظومة «ستارشيلد»، فإن طبيعة العقود المبرمة مع وزارة الدفاع الأميركية تخضع لآليات رقابة حكومية صارمة. وبموجب هذه الاتفاقيات، تلتزم الشركة بالقرارات السيادية والتوجيهات الصادرة عن الجهات الرسمية في واشنطن، والتي تملك الصلاحية الحصرية في تحديد نطاقات البث والقيود الجغرافية والسرعات المتاحة للمستخدمين.

ويعكس هذا التمايز التشغيلي السياق التنظيمي المعاصر الذي تسعى فيه الحكومات إلى الاستفادة من القدرات التقنية للقطاع الخاص، مع الحفاظ على التزاماتها القانونية والأمنية تحت الإشراف الحكومي المباشر والمنظم.