هل انتهى الدعم الأميركي لأوكرانيا؟

تحذيرات من تداعيات رفض الكونغرس تمويل كييف

بايدن خلال زيارته إلى كييف في 20 فبراير 2023 (أ.ب)
بايدن خلال زيارته إلى كييف في 20 فبراير 2023 (أ.ب)
TT

هل انتهى الدعم الأميركي لأوكرانيا؟

بايدن خلال زيارته إلى كييف في 20 فبراير 2023 (أ.ب)
بايدن خلال زيارته إلى كييف في 20 فبراير 2023 (أ.ب)

مع فشل الكونغرس في إقرار تمويل أوكرانيا، تتصاعد التحذيرات من نفاد الأموال المخصصة لكييف قريباً، فاتهم البيت الأبيض الكونغرس بـ«تقديم أكبر هدية» للرئيس الروسي فلاديمير بوتن عبر رفض تمويل خصمه.

ولم تتمكن زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الاستثنائية لواشنطن، ولا تحذيرات البيت الأبيض، من تغيير رأي المشرعين المصرّين على ربط أمن الحدود بتمويل الحرب في أوكرانيا، فغادروا واشنطن حتى العام المقبل من دون الموافقة على حزمة المساعدات التي طلبتها الإدارة منهم منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تضمنت أكثر من 60 مليار دولار لأوكرانيا.

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق» انعكاسات هذا الرفض على مسار الحرب، وإمكانية تخطي المشرعين لخلافاتهم قبل فوات الأوان، بالإضافة إلى تأثير هذه الاعتراضات على ثقة حلفاء أميركا بها.

بايدن وزيلينسكي في البيت الأبيض في 12 ديسمبر 2023 (أ.ب)

غياب استراتيجية أميركية؟

تعرب لورا كيلي، مراسلة الشؤون الخارجية لصحيفة «ذي هيل»، عن اندهاشها من رفض المشرعين لتمويل أوكرانيا، مشيرة إلى تأكيدهم المستمر على أهمية الدعم الأميركي لكييف وتقول: «لقد قرروا احتجاز المساعدات لأوكرانيا كرهينة أثناء المحادثات الخاصة بالحدود، وبرأيي هذا أمر مثير للدهشة».

من ناحيته، يوجه دايف دو روش، المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأميركية والبروفسور في مركز الشرق الأدنى للدراسات الأمنية، اللوم للإدارة الأميركية في عدم عرض استراتيجيتها في أوكرانيا بطريقة واضحة للأميركيين، ما أدى إلى تراجع الدعم للحرب، وقال دي روش إن الالتزام بالحرب سيمتد على مدى «جيل بكامله»، داعياً الإدارة إلى أن تكون صريحة مع الشعب الأميركي، فأضاف: «الإدارة لم تعرض قضية أوكرانيا بطريقة استراتيجية أمام الشعب الأميركي على الأرجح؛ خوفاً من الانعكاسات السلبية عليها».

أما ديريك هانتر، المتحدّث السابق باسم السيناتور الجمهوري كونراد برنز، فيعتبر أن الإدارة «ليست لديها استراتيجية في أوكرانيا»، وفسر قائلاً: «لم يقدّم الرئيس خطاباً بارزاً عن أسباب أهمية هذا الدعم بأي شكل من الأشكال، وفي طلب التمويل الأخير ربط دعم أوكرانيا بالدعم لإسرائيل وخلط بين الخطابين...». وأضاف هانتر: «السؤال الذي يطرحه العديد من الجمهوريين وأعضاء الكونغرس هو: أين تذهب هذه الأموال؟ أرسلنا مبالغ طائلة إلى أوكرانيا. وإذا نظرنا إلى التزام طويل الأمد فإننا سنحتاج أكثر بكثير من تعبير أن (أوكرانيا تحتاج إلى التمويل وإلا فسيفوز بوتين). يجب أن نعلم المبلغ بالتحديد، والهدف منه... لا يمكن أن نستمر بتحرير شيكات على بياض».

ورفض هانتر تحذيرات البيت الأبيض من نفاد الأموال لأوكرانيا، مشيراً إلى أن الإدارة تستطيع تجيير أسلحة من مرافق أخرى لدعم كييف، كما أن «الدول الأوروبية تستطيع أن تتدخل في أي لحظة لسد الفراغ، بينما تمارس الولايات المتحدة المسار التشريعي التقليدي».

زيلينسكي خلال زيارته الأخيرة إلى الكونغرس في 12 ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

لكن كيلي عارضت التعابير التي يستعملها المعارضون للتمويل حول «غياب الرقابة» و«الشيك على بياض»، معتبرة أن هؤلاء يتجاهلون التفاصيل التي تقدمها الإدارة والرقابة التي تفرضها، مضيفة: «لقد وقف الرئيس بايدن بجانب الرئيس زيلينسكي منذ أسبوع، وعرض لماذا يصب دعم أوكرانيا في مصلحة أميركا، كما أن زيلينسكي طلب دفاعات جوية لحماية البنية التحتية الحرجة التي تستهدفها روسيا وقدرات هجومية أكبر».

بدوره، نفى دي روش، الذي عمل في وزارة الدفاع، أن «البنتاغون» يستطيع «منح المال لأوكرانيا من دون موافقة الكونغرس، مضيفاً: «وزير الدفاع يستطيع توفير المعدات وليس المال، فلديه سلطة أحادية لسحب بعض الإمدادات، وهذه هي الطريقة التي وفرنا بها المعدات خلال الأيام الأولى من الحرب». لكن دي روش اعتبر أن المشكلة هي أن «معظم هذه الإمدادات قد تم سحبها، ويبقى القليل فقط، والكثير منها يحتاج إلى التمويل ليصبح مؤهلاً للاستخدام في المعارك».

وسلّط دي روش الضوء على تحد آخر، وهو تدريب القوات الأوكرانية على المعدات الأميركية، مضيفاً: «إن الأمر لا يتوقف فقط على تدريب الطيارين وسائقي الدبابات، بل التدريب على الصيانة».

يصر الجمهوريون على ربط أزمة الحدود بتمويل أوكرانيا (إ.ب.أ)

أزمة الحدود و«شبح ترمب»

يصرّ الجمهوريون في الكونغرس على ربط أمن الحدود بتمويل الحرب في أوكرانيا، محذرين من أن أزمة الحدود باتت تشكل خطراً على الأمن القومي الأميركي، ويشدد هانتر على ضرورة أن «تدافع الولايات المتحدة عن نفسها كذلك» فيقول: «يجب أن نحمي حدودنا أيضاً. ينظر الشعب الأميركي إلى عشرات مليارات الدولارات التي تستخدم لحماية حدود أوكرانيا، ونحن لسنا ضد هذا الأمر لكن من جهة أخرى يشاهدون تدفقاً هائلاً للمهاجرين غير الشرعيين على الحدود...». ويعتبر هانتر أن هذه القضية ستتفاعل في الموسم الانتخابي، مشيراً إلى أن الوقت مناسب الآن للحصول على تنازلات من الإدارة لحل أزمة الحدود عبر ربطها بتمويل أوكرانيا.

من ناحيته، يعتبر دي روش أن أزمة الحدود تتفاعل اليوم في الولايات المتحدة لأن الأميركيين في الولايات غير الحدودية باتوا يشعرون بها، فقال: «إن أزمة الحدود التي اقتصرت على ما نسميه في واشنطن بـ(الدولة البعيدة) (أي الولايات الحدودية)، يمكن الشعور بها حالياً في شيكاغو ونيويورك وواشنطن وبوسطن. والإدارة الآن تقطف الثمار المرّة لعدم الدفاع عن قضاياها أمام الشعب الأميركي».

وأشار دي روش إلى أن أمن الحدود هو من أبرز التحديات الأمنية في الولايات المتحدة منذ الثمانينات، معتبراً أن الرئيس الأميركي جو بايدن تردد في التصدي لهذه الأزمة؛ لأنه «يخشى من شبح دونالد ترمب»، ويفسر قائلاً: «لقد اعترض على كل ما كان يدعمه ترمب، وسيكون من الصعب عليه تغيير ذلك».

يواجه جونسون مهمة صعبة في إقناع حزبه بالالتزام بتسوية حول أمن الحدود (أ.ف.ب)

أما كيلي فتشكك في احتمالات التوصل إلى اتفاق يرضي كل الأطراف حول أمن الحدود، التي تعد من أكثر القضايا حساسية في البلاد، فتذكّر بمواقف أعضاء مجلس النواب التي تعدّ أكثر تشدداً من مواقف أعضاء مجلس الشيوخ، وتقول: «سيعد ذلك امتحاناً مهماً بالنسبة إلى رئيس مجلس النواب مايك جونسون، ومن غير الواضح ما إذا كان يتمتع بالنفوذ اللازم للالتزام بالتسوية التي قد يتوصل إليها مفاوضو مجلس الشيوخ». وتضيف كيلي: «إذا وافق مجلس الشيوخ على هذا القرار، ماذا سيكون موقف جونسون؟ هل سيرفضه إن لم ينل الدعم اللازم في صفوف قاعدته، أم هل سيقول: يجب أن نوافق على هذا الاقتراح للتقدم في مسائل تتعلق بالمساعدات إلى أوكرانيا وإسرائيل إلى دول المحيط الهادي أيضاً؟».


مقالات ذات صلة

روسيا تؤكد مصرع 16 كاميرونياً كانوا يقاتلون في صفوف قواتها بأوكرانيا

أوروبا جنديان روسيان يستعدان لإطلاق قاذفة قنابل يدوية باتجاه مواقع أوكرانية (أ.ب)

روسيا تؤكد مصرع 16 كاميرونياً كانوا يقاتلون في صفوف قواتها بأوكرانيا

أكّدت روسيا مقتل 16 كاميرونياً كانوا يقاتلون في صفوف قواتها في الحرب ضد أوكرانيا، وفق ما أوردت مذكّرة داخلية للحكومة الكاميرونية، نُشرت الاثنين.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الحافلة التي أصابتها مُسيّرة روسية بوسط ​مدينة ‌نيكوبول جنوب شرقي أوكرانيا الثلاثاء (أ.ب)

كييف تتهم موسكو بالتصعيد

اتهمت كييف موسكو بتصعيد هجماتها، بدلاً من الموافقة على وقف لإطلاق النار، خلال عيد القيامة، وقالت إن هجمات روسية قتلت سبعة أشخاص وأصابت أكثر من 20 آخرين.

«الشرق الأوسط» (كييف)
شمال افريقيا ناقلة الغاز الروسية المتضررة قرب الساحل الليبي في مارس الماضي (بلدية زوارة الليبية)

لماذا تتجاهل «الوحدة» الليبية التحقيق في حادث الناقلة الروسية؟

لا تزال ملابسات حادث «تفجير» واشتعال النار بناقلة غاز روسية قبالة الساحل الليبي مجهولة في ظل عدم قيام سلطات غرب ليبيا بأي تحقيق حيال الواقعة

علاء حموده
الاقتصاد محطة نفط كوزمينو على شاطئ خليج ناخودكا في روسيا (رويترز)

الكرملين: العالم يتهافت على الطاقة الروسية

قال الكرملين، الثلاثاء، إن روسيا تلقَّت عدداً هائلاً من الطلبات على إمدادات الطاقة، من مجموعة متنوعة من الدول، في ظل أزمة طاقة عالمية خطيرة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا صورة التقطها قمر اصطناعي تظهر مقر قيادة إنفاذ القانون الإيرانية (الفرجة) في طهران (رويترز) p-circle

أوكرانيا: روسيا زودت إيران بدعم إلكتروني لإحكام هجماتها

أظهر تقييم مخابراتي أوكراني أن الأقمار الاصطناعية الروسية أجرت عشرات العمليات التفصيلية للمسح بالتصوير للمنشآت العسكرية، والمواقع الحيوية في أنحاء الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بيل غيتس سيمثل أمام لجنة في الكونغرس في قضية إبستين

بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)
بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)
TT

بيل غيتس سيمثل أمام لجنة في الكونغرس في قضية إبستين

بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)
بيل غيتس وطليقته ميليندا فرينش (رويترز)

سيدلي الملياردير بيل غيتس بشهادته في العاشر من يونيو (حزيران) أمام لجنة في الكونغرس تُحقق في قضية المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين وشريكته غيلاين ماكسويل، حسبما أفاد مصدر مطّلع وكالة الصحافة الفرنسية الثلاثاء.

ويرد اسم بيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت، ضمن أسماء شخصيات ذُكرت في وثائق نشرتها وزارة العدل الأميركية، وكشفت عن علاقات صداقة وثيقة وتعاملات مالية غير مشروعة وصور خاصة مع إبستين.

وأوضح المصدر أن غيتس سيخضع لـ«مقابلة مُسجّلة»، ما يُشير إلى أن شهادته ستُكون في القاعة المغلقة نفهسا التي عُقدت فيها جلسات استجواب الرئيس الأسبق بيل كلينتون ووزيرة الخارجية السابقة عضو مجلس الشيوخ هيلاري كلينتون.

وقال متحدث باسم بيل غيتس في رسالة إلكترونية إن غيتس «يرحب بفرصة المثول أمام اللجنة». وأضاف أن غيتس «لم يشهد أو يُشارك في أي من سلوكيات إبستين غير القانونية، لكنه يتطلع إلى الإجابة على جميع أسئلة اللجنة لدعم عملها المهم».

أقرّ غيتس بارتكابه «خطأ فادحا» في علاقته بإبستين، وصرح لموظفي مؤسسته الخيرية في فبراير (شباط) بأنه أقام علاقات مع امرأتين روسيتين، لكنه نفى أي تورط له في جرائم المتمول المُدان. وفي مسودة بريد إلكتروني ضمن الوثائق التي نشرتها وزارة العدل، يقول إبستين أن غيتس كان على علاقة خارج إطار الزواج، وكتب أن علاقته بغيتس راوحت بين «مساعدة بيل في الحصول على مخدرات للتخفيف من عواقب ممارسة الجنس مع فتيات روسيات، وتسهيل لقاءاته غير المشروعة مع نساء متزوجات».

واعترف غيتس البالغ 70 عاما، في لقاء عام، بعلاقتين خارج إطار الزواج. وقال «أقمت علاقتين، إحداها مع لاعبة بريدج روسية التقيتها في فعاليات لعبة البريدج، والأخرى مع عالمة فيزياء نووية روسية تعرفت عليها من خلال أنشطة تجارية».

لكنه نفى أي تورط له مع ضحايا إبستين الذي توفي في زنزانته بسجن نيويورك عام 2019 أثناء انتظاره المحاكمة بتهمة الاتجار بالجنس بقاصرات.

وقال غيتس في اللقاء العام «لم أفعل شيئا غير قانوني، ولم أرَ شيئا غير قانوني». وأوضح قطب التكنولوجيا أن علاقته بإبستين بدأت عام 2011، بعد ثلاث سنوات من إقرار الأخير بالذنب في قضية استدراج قاصر لممارسة الدعارة.

وأضاف أنه كان على علم بحظر سفر مفروض على إبستين لمدة 18 شهرا، لكنه لم يتحقق من خلفيته. وقال إن زوجته آنذاك ميليندا، عبرت عن مخاوفها بشأن إبستين عام 2013 لكنه استمر في علاقته به لعام آخر على الأقل.


غوتيريش يبدي «قلقه البالغ» حيال تصريحات ترمب الأخيرة عن إيران

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)
TT

غوتيريش يبدي «قلقه البالغ» حيال تصريحات ترمب الأخيرة عن إيران

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (د.ب.أ)

أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم الثلاثاء، عن قلقه إزاء تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أن «حضارة بكاملها» سيتم القضاء عليها في إيران إذا لم تستجِب البلاد لإنذار نهائي بقبول مطالب الولايات المتحدة المتعلقة بالحرب، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال المتحدث باسم الأمين العام ستيفان دوجاريك في تصريح لصحافيين: «إن الأمين العام قلق للغاية إزاء التصريحات التي سمعناها أمس ومجدداً هذا الصباح، وهي تصريحات توحي بأن شعباً بكامله أو حضارة بكاملها قد تُحَمّل عواقب قرارات سياسية وعسكرية».

وتسارعت وتيرة الضربات داخل إيران مع تركيز واضح على الجسور وشبكات السكك الحديدية، بالتوازي مع انقضاء مهلة حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة فتح مضيق هرمز.

وطالت غارات إسرائيلية جسراً للسكك الحديدية في كاشان، ومحطة قطار في مشهد، وجسراً على طريق سريع قرب تبريز، مما أدى إلى تعطيل محاور نقل رئيسية داخل البلاد.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه قصف ثمانية جسور في أنحاء إيران. ولم يُفصح الجيش عن أسماء الجسور، لكن وفقاً لرسم بياني مرفق بالإعلان، يبدو أنها تتركز في شمال غربي إيران.

وفي وقت مبكر من الثلاثاء، أصدر ترمب أحد أكثر تهديداته صراحةً خلال الحرب. وهدد بمحو الحضارة الإيرانية بأكملها إذا لم تستجِب طهران لمطالبه بحلول الساعة الثامنة مساءً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة.


مهلة ترمب لإيران... حافة هاوية أم جولة حرب أقسى؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

مهلة ترمب لإيران... حافة هاوية أم جولة حرب أقسى؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

دخلت الحرب مع إيران، بعد المؤتمر الصحافي للرئيس الأميركي دونالد ترمب الاثنين، مرحلة أكثر التباساً وخطورة في آن واحد: تهديدات قصوى تكاد تلامس منطق «الحرب الشاملة» ضد البنية التحتية الإيرانية، تقابلها إشارات إلى أن باب التفاوض لم يُغلق نهائياً، بل ربما يُترك موارباً حتى اللحظة الأخيرة إذا ظهرت صيغة تحفظ لواشنطن مكسباً سياسياً وعسكرياً، وتمنح طهران مخرجاً من دون استسلام معلن.

وبين هذين المسارين، يبدو أن الإدارة الأميركية نفسها لم تحسم بعد: هل تريد استخدام التهديد الأقصى لفرض تسوية، أم أنها تتهيأ فعلاً لجولة أشد إيلاماً من الحرب؟ وتستند هذه التساؤلات إلى ما أعلنه ترمب نفسه، وما أوردته تقارير صحافية أميركية، فضلاً عن حديثين خاصين لـ«الشرق الأوسط» مع خبيرين في شؤون المنطقة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمره الصحافي الاثنين في البيت الأبيض (أ.ب)

ترمب يرفع السقف

أهم ما كشفه مؤتمر ترمب ليس فقط مستوى التهديد، بل التناقض المقصود في الخطاب. فقد قال إنه «لا يستطيع الجزم» ما إذا كانت الحرب تتجه إلى الانحسار أم إلى التصعيد، وربط الأمر بما ستفعله إيران قبل مهلة يوم الثلاثاء. وفي الوقت ذاته، رسم مشهداً تدميرياً هائلاً، متحدثاً عن القدرة على شلّ الجسور ومحطات الطاقة الإيرانية خلال ساعات، بل وذهب أبعد حين قال إن «البلاد كلها يمكن القضاء عليها في ليلة واحدة».

هذا الجمع بين أقصى التهديد وأدنى اليقين السياسي ليس عرضياً. فهو يعكس أسلوب ترمب التفاوضي القائم على دفع الخصم إلى حافة الهاوية، ثم ترك مساحة لمراجعة اللحظة الأخيرة. موقع «أكسيوس» كان واضحاً في هذا السياق، إذ أشار إلى أن ترمب يواجه قراراً مصيرياً: تنفيذ تهديده بتدمير البنية التحتية الإيرانية ابتداءً من الثامنة مساءً، أو تمديد المهلة مرة أخرى إذا بدت ملامح اتفاق ممكنة. كما نقل عن مسؤولين أن الرئيس وحده يتخذ القرار، وأن وسطاء من باكستان ومصر وتركيا يعملون لإعادة «الوقت إلى الساعة» إذا لاحت فرصة.

دخان كثيف يتصاعد بعد ضربة جوية على طهران الثلاثاء (أ.ف.ب)

هل المفاوضات حقيقية؟

الحديث عن مفاوضات مباشرة، كما ورد في التسريبات التي نشرتها الصحف الأميركية، لا يعني بالضرورة أن اختراقاً وشيكاً قد حصل. الأرجح أن ما يجري هو تفاوض تحت النار، هدفه الأساسي اختبار حدود الطرف الآخر، لا الوصول السريع إلى تسوية. فـ«بوليتيكو» كشفت أن نائب الرئيس جي دي فانس «في حالة تأهب» للدخول على الخط إذا تقدمت المحادثات الخلفية إلى مستوى لقاء مباشر مع الإيرانيين، على أن يقود المسار حالياً ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.

في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، قال مايكل روبين الباحث في معهد «أميركان إنتربرايز» إن ما يجري لا ينبغي قراءته بوصفه مساراً تفاوضياً مستقراً، بل بوصفه لعبة حافة هاوية يتقنها الطرفان. وأضاف: «القيادة الإيرانية والرئيس ترمب يتبنيان سياسة (حافة الهاوية)».

ومع ذلك، توقع روبين «انطلاقات كاذبة عدة». وقال إن «تمديد المهل في اللحظة الأخيرة لا يوحي فقط بأن الدبلوماسية ممكنة، بل يحمل قيمة استخباراتية، لأن البنتاغون يستطيع أن يرى ما الذي يفعله الإيرانيون كلما اقتربت المهل. وتكرار هذه الانطلاقات الكاذبة يبدد جاهزية إيران».

أما برايان كاتوليس الباحث في «معهد الشرق الأوسط» فكان أكثر تشاؤماً في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إذ رأى أنه «لم تكن هناك مفاوضات جادة أو حقيقية في أي وقت مع إيران. كل هذا مسرح سياسي يسبق مزيداً من الحرب والدمار، ثم ينتهي بادعاء كاذب بالنصر من الطرفين».

بهذا المعنى، فإن الحديث عن «مفاجأة في اللحظة الأخيرة لا يمكن استبعاده، لكنه أيضاً لا ينبغي أن يُفهم على أنه انعطافة نحو السلام، بقدر ما قد يكون مجرد تأجيل لجولة أخرى من التصعيد»، وفق كاتوليس.

جنود أميركيون يحضرون القاذفة «ب 52» في قاعدة فيرفورد ببريطانيا تمهيداً لمشاركتها بعمليات القصف على إيران الثلاثاء (رويترز)

لماذا لا تستجيب طهران؟

لماذا تواصل إيران الرفض، رغم أن الحرب أظهرت محدودية فاعلية الرهان على «المجتمع الدولي» أو على دعم الحلفاء؟ يتحدث روبين، لـ«الشرق الأوسط»، عن سببين يفسران السلوك الإيراني. الأول آيديولوجي، إذ إن الغرب، برأيه، لم يعد يفهم أثر العقيدة في صناعة القرار لدى بعض دوائر الحكم في إيران. أما الثاني فهو أن طهران تعتقد أن الولايات المتحدة تفتقر إلى الصبر الاستراتيجي. ويقول روبين: «إيران لا تحتاج إلى أن تنتصر في ساحة المعركة؛ بل إلى الصمود حتى تشعر الولايات المتحدة بالملل وتغادر».

هذا التفسير يتقاطع مع تقدير كاتوليس بأن النظام الإيراني لا يراهن على انتصار عسكري مباشر، بل على رفع تكلفة الحرب على الإقليم والعالم. وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» قال إن «النظام الإيراني قدّم عبر قنوات مختلفة عروضاً مضادة، لكن يبدو أن الطرفين ما زالا بعيدين جداً عن بعضهما. والاستراتيجية الأساسية للنظام هي إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر والخسائر الاقتصادية بالشرق الأوسط الأوسع وبالعالم».

ومن هنا يصبح مضيق هرمز جوهر المعركة، وليس تفصيلاً فيها. فترمب جعل إعادة فتحه شرطاً رئيسياً لأي تهدئة، فيما أظهرت تقارير «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» أنه عاد وطرح أفكاراً مرتبكة، من القبول الضمني بصيغ مختلفة إلى الحديث حتى عن «تحصيل رسوم» أميركية على المرور في المضيق.

هذا التخبط لا يعكس فقط صعوبة فرض الشروط الأميركية، بل يكشف أيضاً أن واشنطن تبحث عن صيغة تعيد حرية الملاحة من دون الانزلاق إلى حرب استنزاف مفتوحة.

دمار واسع جراء ضربة جوية على جامعة الشريف للتكنولوجيا في طهران (أ.ف.ب)

سلاح ضغط أم فخ سياسي؟

إذا فشلت المفاوضات، فإن السؤال التالي هو: هل يؤدي قصف محطات الطاقة والجسور إلى تغيير قواعد اللعبة؟ هنا تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما يوحي به خطاب ترمب. فقد نقلت «وول ستريت جورنال» عن خبير الطاقة أومود شوكري أن الضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية ستصيب المدنيين على نطاق واسع، لكنها لن تشلّ بالضرورة القدرات العسكرية، لأن الشبكة الإيرانية موزعة جغرافياً، ومتعددة المصادر، ومترابطة على نحو يمنحها قدراً من المرونة.

ووفق التقرير، فإن أكبر 15 إلى 20 محطة لا تنتج سوى نسبة محدودة من الكهرباء، كما أن كثيراً من المواقع العسكرية يملك مولدات احتياطية أو بدائل إمداد.

هذا يعني أن قصف الطاقة قد يوجع المجتمع الإيراني أكثر مما يحسم المعركة عسكرياً. لذلك تبدو الإدارة الأميركية وكأنها تبحث عن مخرج قانوني وسياسي لهذا الخيار.

«بوليتيكو» كشفت أن البنتاغون وسّع لائحة الأهداف لتشمل مواقع «مزدوجة الاستخدام» توفر الوقود والطاقة للمدنيين والعسكريين معاً، بما يمنح البيت الأبيض حجة لتفادي اتهامات ارتكاب جرائم حرب.

لكن التقرير نفسه أشار إلى جدل داخلي حول مدى مشروعية هذا المنطق، وإلى أن تقليص دوائر المراجعة القانونية داخل البنتاغون قد يقلل من الضوابط السابقة.

سياسياً، هذا المسار ينطوي على مخاطرة مزدوجة: فهو قد لا يكسر قدرة النظام على القتال، وقد يدفع في الوقت نفسه قطاعات من الإيرانيين إلى الالتفاف حول الدولة تحت وطأة العقاب الجماعي. وحتى افتتاحية «وول ستريت جورنال»، المؤيدة عادة لسياسات الضغط، حذرت من أن الضربات غير التمييزية على البنية الأساسية قد تكون «خاطئة وغير حكيمة»، وأن المعيار الأهم لأي تصعيد يجب أن يكون: هل يساعد فعلاً في تهيئة عملية إعادة فتح هرمز أم يضاعف معاناة الإيرانيين من دون مكسب عسكري واضح؟

«الناتو» الصامت

ورغم انتقادات ترمب المتكررة لحلفاء الأطلسي، فإن صورة العزلة الأميركية ليست دقيقة بالكامل. فحسب تقرير «وول ستريت جورنال»، هناك دعم أوروبي «صامت» لكنه عملي، يشمل قواعد، وحقوق عبور، وإسناداً لوجيستياً وعملياتياً من بريطانيا وألمانيا والبرتغال وإيطاليا وفرنسا بدرجات مختلفة، فيما بقيت إسبانيا الاستثناء الأوضح. أهمية هذا المعطى أنه يبيّن أن الحرب، وإن افتقدت الغطاء السياسي الأوروبي العلني، لا تُدار من دون بنية الدعم الغربية الممتدة من القارة الأوروبية إلى المتوسط.

وهنا تحديداً يظهر تناقض آخر في خطاب البيت الأبيض: ترمب يهاجم «الناتو» سياسياً، لكنه يستفيد عملياً من ممرات القوة التي يوفرها الحلفاء. وهذا يفسر لماذا تبقى واشنطن حريصة، رغم التصعيد اللفظي، على عدم تحويل الخلاف مع أوروبا إلى قطيعة تشغيلية، خصوصاً في حرب تعتمد بهذا القدر على القواعد والتموين والانتشار الجوي.

الخلاصة أن الحرب تقف عند تقاطع بالغ الحساسية. لا مؤشرات حاسمة إلى أن المسار الدبلوماسي وصل إلى اختراق، لكن لا مؤشرات أيضاً إلى أن قرار «محو الحضارة» قد اتُّخذ نهائياً. الأرجح أن ترمب يستخدم أقصى درجات التهديد لانتزاع تنازل إيراني في ملف هرمز وشروط التهدئة، من دون أن يكون واثقاً من أن تنفيذ تهديده سيمنحه النتيجة التي يريدها.

إذا حصلت «مفاجأة» في اللحظة الأخيرة، فستكون على الأرجح في شكل تمديد جديد، أو تفاهم جزئي، أو صيغة مؤقتة توقف الانفجار الأكبر ولا تنهي الحرب فعلاً. أما إذا لم تحصل فإن الضربات المقبلة قد تكون أوسع وأكثر إيذاءً، لكن ليس بالضرورة أكثر حسماً.