هل تكرر إسرائيل أخطاء أميركا في العراق؟

مسؤولون سابقون يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» عن أوجه الشبه والاختلاف

تدريبات لجنود إسرائيليين قرب الحدود مع لبنان في 8 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
تدريبات لجنود إسرائيليين قرب الحدود مع لبنان في 8 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

هل تكرر إسرائيل أخطاء أميركا في العراق؟

تدريبات لجنود إسرائيليين قرب الحدود مع لبنان في 8 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)
تدريبات لجنود إسرائيليين قرب الحدود مع لبنان في 8 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

مع دخول حرب غزة شهرها الثاني، واستمرار إسرائيل في خطواتها التصعيدية، تتصاعد التحذيرات الأميركية من تكرار سيناريو العراق في غزة.

فالتصريحات المبطنة التي أدلى بها الرئيس الأميركي جو بايدن، خلال زيارته إلى تل أبيب، والتي اعترف فيها بأن الولايات المتحدة ارتكبت «أخطاء بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001»، داعياً إسرائيل إلى عدم «الانجرار» وراء الرغبة في الانتقام، دفعت بعدد متزايد من المسؤولين العسكريين والسياسيين إلى تكرار التحذير نفسه، بدرجات غموض متفاوتة، فقال الجنرال ديفيد بترايوس، الذي قاد القوات الأميركية في العراق وأفغانستان، إن «تجارب الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر يجب أن تكون عبرة للكثيرين»، مضيفاً: «نحن ننظر إلى بعض الخطوات التي اتخذناها بطريقة مختلفة الآن... وسوف يأتي وقت تنظر فيه إسرائيل للخطوات التي اتخذتها اليوم بالطريقة نفسها».

وزير الخارجية أنتوني بلينكن يزور القوات الأميركية بسفارة بلاده في بغداد 5 نوفمبر 2023 (أ.ب)

ولم يكن السيناتور الديمقراطي تيم كاين غامضاً بالدرجة نفسها في تصريحاته، فقد ذكر تجربة العراق بوضوح خلال جلسة استماع في الكونغرس للمصادقة على السفير الأميركي لدى إسرائيل جاك لو. حذّر كاين إسرائيل من «فقدان المصداقية والدعم الدوليين» في حرب غزة، على غرار ما جرى مع الولايات المتحدة في حرب العراق. فقال: «يجب أن نقوم بكل ما يمكننا القيام به لتشجيع حليفتنا إسرائيل على توجيه القتال نحو مرتكبي الجريمة وليس نحو مَن لم يرتكبها. تعلمنا دروساً موجعة هنا في الولايات المتحدة عندما وسّعنا رقعة القتال بعد الحادي عشر من سبتمبر لتشمل حرباً أوسع منها، الحرب ضد العراق، ففقدنا المصداقية والدعم الدولي وخلقنا تبعات كان يمكن تجنبها لو لم نفعل هذا».

تحذيرات أميركية لإسرائيل من تكرار أخطاء حرب العراق (رويترز)

استراتيجيات مختلفة وظروف متشابهة

ويرى الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة الوسطى السابق، أن استراتيجيات إسرائيل وأميركا في غزة والعراق مختلفة «لكن الظروف مشابهة». وأشار فوتيل، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إلى أن الاستراتيجية الأميركية في مكافحة تنظيم داعش «ارتكزت على دعم شركاء الولايات المتحدة على الأرض، مع وجود بعض التجارب المشابهة في المناطق السكنية حيث يوجد المدنيون على مقربة من العمليات العسكرية». لكن فوتيل تحدث عن فارق بارز وهو أن الولايات المتحدة «تمهلت في تنفيذ الحملة للحرص على أننا قمنا بكل ما يمكن للحد من تأثير الحملة على المدنيين. ومن المهم أن نشارك تجربتنا مع الجيش والحكومة الإسرائيلية».

من ناحيته، يشير كبير المستشارين العسكريين السابق في وزارة الخارجية الأميركية عباس داهوك إلى أن «هناك تشابهاً في تعقيدات العمليات في المناطق السكنية فهي من أصعب أنواع الحروب». وأضاف، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»: «الفلوجة كانت الامتحان الأصعب للولايات المتحدة حيث تعلمت دروساً صعبة بطريقة دامية». وتحدث داهوك عن تصريحات بعض أعضاء الكونغرس الذين أشاروا إلى أخطاء أميركا من خلال خوض حرب العراق، فقال: «يرى بعض أعضاء مجلس الشيوخ أن تدخلنا في العراق كان خطأ، لكن إسرائيل ترى أن تدخلها في غزة أمر وجودي».

ويعارض مايك سينغ، المدير السابق لمكتب الشرق الأوسط وإيران في البيت الأبيض، فكرة المقارنة بين أميركا وإسرائيل في هذا الإطار، لافتاً إلى أنها غير مناسبة. لكنه يشير في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إلى أن «إسرائيل من الممكن أن تتعلم بعض الدروس من تجربة أميركا، إلا أن الدروس المناسبة أكثر هي تلك التي تعلمتها من تجاربها الماضية في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان».

مساعدات إنسانية مخصصة لغزة في مطار الكويت الدولي في 5 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

تقييم الاستراتيجية والمساعدات الإنسانية

وبينما أشار فوتيل إلى أن إسرائيل في استراتيجيتها العسكرية «تركز على عزل قيادة (حماس) وشن عمليات عسكرية لغارات جوية وعمليات ميدانية لإضعاف قدرة الحركة على شن اعتداءات إضافية ضد إسرائيل»، انتقد داهوك الاستراتيجية ووصفها بالحملة الانتقامية، قائلاً: «الاستراتيجيات العسكرية تعتمد على الاستخبارات والمصادر المعلوماتية لدفع العمليات لكن يبدو أن إسرائيل لجأت إلى الانتقام في قيادة عملياتها العسكرية». ورأى داهوك أن عملية الجيش الإسرائيلي الجوية «حوّلت شمال غزة إلى مقبرة للنساء والأطفال والعجزة».

ومع عرقلة وصول المساعدات الإنسانية لغزة، يشدد فوتيل على أهمية تسليم هذه المساعدات، مشيراً إلى أنها «ضرورة استراتيجية». ويضيف فوتيل: «من المهم جداً أن نحرص على وجود تعاون وثيق وتخطيط بين الجيش الإسرائيلي والمجتمع الدولي الذي يدعم جهود المساعدات الإنسانية، فقد قمنا بهذا بشكل جيد في حملة (طرد داعش من) الموصل». أما داهوك فقد أكد أن المساعدات الإنسانية «ليست ضرورة استراتيجية فحسب، بل هي واجب أخلاقي وجزء ضروري من أي حرب»، محذراً من أن «العالم يراقب ما تقوم به إسرائيل أو ما فشلت في القيام به من حيث توفير الظروف الملائمة لوصول هذه المساعدات».

أما سينغ فشدد على أن المساعدات الإنسانية ليست قضية قيم ومبادئ، بل إنها مهمة لاستمرار الدعم الغربي لإسرائيل، ولفصل «حماس» عن الشعب الفلسطيني.

يرى مسؤولون أميركيون سابقون أن تدمير «حماس» أمر «غير ممكن» (أ.ف.ب)

«تدمير حماس» مهمة صعبة

مع إعلان إسرائيل أن هدف حرب غزة هو «تدمير حماس»، يحذّر فوتيل، قائلاً إنه من المهم فهم ماذا تعني إسرائيل بـ«تدمير». ويضيف: «إذا كانت تعني إزالة قدرة (حماس) على تنفيذ اعتداءات وشنّ حرب، أعتقد أن هذا يمكن تحقيقه. لكنه سيتطلب الكثير من الوقت والموارد. أما إذا كان الهدف قتل أو احتجاز كل زعيم ومقاتل في (حماس) فأعتقد أن هذا سيكون صعباً. بالإضافة إلى ذلك، المهمة الأصعب في محاربة التنظيمات الإرهابية هي التطرق للآيديولوجيا. هذا لا يمكن تحقيقه عسكرياً ويتطلب موارد ضخمة اقتصادية وسياسية ودبلوماسية ومعلوماتية».

من ناحيته، يقول داهوك إن «تدمير حماس كفكرة هدف غير ممكن». ويفسّر قائلاً: «حركة حماس بنت نفسها حول فكرة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. وهي أيضاً جزء من السياسة الفلسطينية. من السهل قتل الأشخاص لكن من غير السهل قتل الأفكار. على المدى الطويل، من الممكن أن يؤدي حلّ مستدام للصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى عزل (حماس) سياسياً ووضع نهاية لقضيتهم. على المدى القصير، (حماس) تحمل ورقة الرهائن. وهذا قد يرغم حكومة (بنيامين) نتنياهو على التفاوض معها».

أرسلت الولايات المتحدة حاملات طائرات إلى البحر المتوسط في 3 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

أميركا «جزء من المعركة»

وفي خضم النزاع، تصاعدت الهجمات على القوات الأميركية في المنطقة، ما أدى إلى زيادة التحذيرات من جر الولايات المتحدة إلى الصراع، ودعا الجنرال فوتيل الإدارة الأميركية لأن «تكون واضحة جداً في أن الولايات المتحدة لن تتساهل مع أي اعتداءات على جيشها أو على كياناتها أو مواقعها الدبلوماسية أو التجارية في المنطقة». وأضاف فوتيل: «أعتقد أن الطريقة الأفضل لفعل هذا، هي من خلال ضرب الميليشيات التي تشن هذه الاعتداءات مباشرة. السماح باستمرار هذه الاعتداءات من دون عقاب يخلق الانطباع بأن هذه الميليشيات المدعومة من إيران تستطيع أن تنجو من الرد. يجب أن نمحو هذا التردد وأن نرد على هذه الاعتداءات بطريقة سريعة ومباشرة».

لكن داهوك أوضح أن الولايات المتحدة أصبحت جزءاً من النزاع؛ إذ إنها «تقدّم لإسرائيل الردع العسكري والسياسي اللازم لوقف دول ومجموعات من الدخول في الصراع». وأضاف داهوك: «نقدّم الردع العسكري من خلال المعدات العسكرية واستعراض القوة في الشرق الأوسط، ونقدم الدعم السياسي في الأمم المتحدة من خلال حق الفيتو والانخراط الدبلوماسي من قبل وزير الخارجية...».

من جهته، يشدد سينغ على ضرورة أن ترد الولايات المتحدة على الهجمات التي تشنها المجموعات المدعومة من إيران من خلال دمج أسلوب «الردع من خلال الدفع»، أي دفاع جوي وصاروخي قوي وتدابير مضادة للمسيّرات، وأسلوب «الردع من خلال العقاب»، أي الرد بحزم على الاعتداءات ضد القوات الأميركية. ويختم سينغ: «إذا تجنبت الولايات المتحدة سياسة الردع، فهذا يعني الدعوة للمزيد من الاعتداءات».


مقالات ذات صلة

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

المشرق العربي مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

أفادت مصادر بأن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من 17 مليار دولار سبق التعهد بها لغزة، مما يحول دون المضي قدماً في خطة دونالد ترمب لمستقبل القطاع المدمر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle 00:43

نتنياهو يتهم إسبانيا بـ«العدائية» تجاه إسرائيل

اتهم بنيامين نتنياهو، الجمعة، إسبانيا بالعداء وشن حملة دبلوماسية ضد إسرائيل بعد منعه مدريد من المشاركة في أعمال «مركز استقرار غزة» الذي تقوده أميركا.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص فلسطينيات خارج مستشفى ناصر في خان يونس الجمعة خلال تشييع قتيل سقط بضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

خاص ضغوط متزايدة على «حماس» بانتظار ردها على «نزع السلاح»

أكد مصدر من «حماس» أن الحركة ستتعامل بمرونة مع الوسطاء وجميع الأطراف للتوصل إلى حلول لا تسمح باستئناف الحرب في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أطفال فلسطينيون من عائلات نازحة يتجمعون في ساحة مدرسة دير البلح المشتركة التابعة لوكالة «الأونروا» غرب دير البلح وسط قطاع غزة لتلقي بعض الدروس (أ.ف.ب)

مسعفون: مقتل تلميذة بنيران إسرائيلية في غزة

قال مسؤولون في مجالي الصحة والتعليم في قطاع غزة اليوم الخميس إن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على تلميذة، وقتلتها أثناء حضورها فصلاً دراسياً.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي امرأة فلسطينية نازحة تقف على شرفة داخل مبنى مهدم في جامعة الأقصى جنوب غزة يُستخدم كمأوى (رويترز) p-circle

عصابة مسلحة مدعومة إسرائيلياً تحرق منازل في غزة

في تصعيد لافت، أفاد سكان في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، بأن عناصر تابعة لعصابات مسلحة موالية لإسرائيل أحرقت، يوم الخميس، أراضي ومنازل ثابتة، وصوبات زراعية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

هانتر بايدن (رويترز)
هانتر بايدن (رويترز)
TT

بايدن الابن يتحدّى نجلي ترمب لخوض نزال في قفص

هانتر بايدن (رويترز)
هانتر بايدن (رويترز)

وجّه نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن دعوة مباشرة إلى نجلي الرئيس الحالي دونالد ترمب، دونالد جونيور وإريك، لخوض نزال داخل قفص بأسلوب فنون القتال المختلطة.

وبعد سنوات من التراشق اللفظي، قال هانتر بايدن، في مقطع فيديو نُشر عبر الإنترنت، الخميس، إنه سيكون «مستعداً بنسبة 100 في المائة» لخوض مواجهة ضد نجلي ترمب، في خطوة قد تحوّل الخلاف الطويل الأمد بين العائلتين إلى حدث رياضي يُبثّ بنظام الدفع مقابل المشاهدة.

ونشر حساب القناة الخامسة، التي يديرها صانع المحتوى اليساري أندرو كالاغان، مقطع فيديو عبر منصة «إنستغرام»، الخميس، يظهر فيه بايدن الابن، وهو يعلن مشاركته في عدد من الفعاليات ضمن جولة إعلامية مقبلة داخل الولايات المتحدة.

وقال بايدن: «أعتقد أنه يحاول تنظيم نزال داخل القفص بيني وبين إريك ودونالد جونيور. لقد قلت له إنني مستعد، بنسبة 100 في المائة، إذا تمكن من تنظيمه»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

دونالد جونيور وإريك ترمب (أ.ب)

ولا تزال تفاصيل المواجهة المقترحة غير واضحة، بما في ذلك ما إذا كان الشقيقان ترمب سيخوضان النزال معاً أو بشكل منفصل، وأين يمكن أن يُقام هذا الحدث في حال تنظيمه.

وحتى الآن، لم يصدر أي ردّ علني من دونالد جونيور أو إريك، اللذين يتمتعان، في سن 48 و42 عاماً على التوالي، بأفضلية عمرية مقارنة بمنافسهما المفترض البالغ من العمر 56 عاماً.

وتأتي هذه التطورات في سياق منافسة سياسية محتدمة بين شاغل البيت الأبيض الحالي وسلفه، التي تصاعدت بعد فوز بايدن على ترمب في انتخابات عام 2020، واتسمت بهجمات شخصية غير معتادة وتصعيد مستمر في حدة الخطاب.

ودأب ترمب على توجيه انتقادات لاذعة لخصمه الديمقراطي، مستخدماً ألقاباً مثل «جو النائم»، كما اتهم إدارته، من دون تقديم أدلة، بتزوير انتخابات 2020 و«تسليح» الوكالات الفيدرالية ضد الجمهوريين.

في المقابل، وصف بايدن ترمب بأنه تهديد للمعايير الديمقراطية، وقال في وقت سابق إنه كان سيتمنى «تلقينه درساً قاسياً» بسبب تعليقاته الفظة تجاه النساء، لو أنهما كانا في مرحلة الدراسة الثانوية معاً.


من ساحة المعركة إلى طاولة المفاوضات

صورة لترمب في تايمز سكوير بنيويورك في 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
صورة لترمب في تايمز سكوير بنيويورك في 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

من ساحة المعركة إلى طاولة المفاوضات

صورة لترمب في تايمز سكوير بنيويورك في 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
صورة لترمب في تايمز سكوير بنيويورك في 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

عاشت الولايات المتحدة أياماً متقلبة من التصريحات الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول حرب إيران، بدأت بالتصعيد، ووصلت إلى التهدئة ووقف إطلاق النار؛ فبعد تهديداته بمحو حضارة بكاملها، حبس العالم أنفاسه تحسباً وترقباً، لكن، وبعد ساعات طويلة من الانتظار، أتى الخبر المفاجئ: اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار على مدى أسبوعين فقط أعلن عنه ترمب على منصة «تروث سوشيال»، واعداً بعصر ذهبي في الشرق الأوسط، بعد ساعات من توعُّده بإعادة إيران إلى العصر الحجري. يستعرض تقرير واشنطن وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق» أسباب هذا التغيير، وما إذا أدَّت الضغوط الداخلية المتصاعدة إلى التهدئة قبل الموسم الانتخابي.

اتفاق «هش»

وزير الحرب بيت هيغسيث في مؤتمر صحافي مع ترمب بالبيت الأبيض في 6 أبريل 2026 (د.ب.أ)

يقول تشارلز كوبشان، المسؤول السابق بمجلس الأمن القومي في عهدَي كلينتون وأوباما وكبير الباحثين في معهد العلاقات الخارجية أنه رغم وجود احتمال معقول لاستمرار وقف إطلاق النار، فإنه هش للغاية، ويشدد على ضرورة فتح مضيق هرمز، مشيراً إلى أن ناقلات النفط لم تبدأ في عبور المضيق بعد.

وأضاف: «ترمب بحاجة إلى ذلك. وأعتقد أن أحد الأسباب التي دفعته للموافقة على وقف إطلاق النار أن هذه الحرب اندلعت بطرق لم يكن يتوقعها. كان يظن أنه يمكنه شن حملة قصف لمدة 3 إلى 5 أيام، وأن النظام سوف يسقط، وسينزل الشعب الإيراني إلى الشوارع، وسيدخل التاريخ باعتباره الرئيس الأميركي الذي امتلك الشجاعة لفعل ما لم يجرؤ أحد آخر على فعله، وهو إسقاط الجمهورية الإسلامية. لكن ذلك لم يحدث».

واعتبر كوبشان أن إيران أظهرت «مرونة» أكبر مما توقَّعه أي شخص، ولعبت ورقتها الرابحة، عبر إغلاق المضيق؛ ما وضع ترمب في موقف صعب للغاية على الصعيد الداخلي، لأن نقطة ضعفه السياسية الرئيسية هي أزمة التكاليف التي تزداد سوءاً.

ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

وأشار كوبشان إلى أن ترمب شعر بضغوط داخلية دفعته إلى محاولة نقل الحرب من ساحة المعركة إلى طاولة المفاوضات، وذلك بسبب استياء الأميركيين منها، لكنه يشكك في الوقت نفسه من احتمالات التوصل إلى اتفاق، متسائلاً: «هل هناك أرضية مشتركة كافية بين خطة إيران المكونة من 10 نقاط وخطة ترمب المكونة من 15 نقطة لبناء سلام دائم؟ يبدو أنهما متباينتان تماماً، وهناك القليل جداً من العوامل المشتركة بينهما».

ويشكك ريك ديلاتوري، المسؤول السابق بـ«وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)» في احتمال التوصل لحل دائم للصراع الحالي، مشيراً إلى أن الإيرانيين لم يقدموا أي شيء ملموس أو أي تنازلات من شأنها أن تثبت للإدارة أنهم غيروا أساليبهم؛ فلم يقدموا اليورانيوم، ومضيق هرمز لا يزال مغلقاً، ويضيف: «لا شك أن الأمر محبط للغاية بالنسبة لهذه الإدارة. لكن لا تزال هناك قوة عسكرية كبيرة في تلك المنطقة، بحيث يمكن للولايات المتحدة أن تواصل ممارسة ضغوط إضافية على ذلك النظام».

أما جون هيربست، السفير الأميركي السابق لدى أوكرانيا والقنصل العام السابق في القدس، فيشير إلى أنه من الواضح أن إدارة ترمب لم تكن مستعدة لاحتمال أن تستخدم إيران سيطرتها على مضيق هرمز للتأثير على السياسة الأميركية، ووصف الأمر بـ«الخطأ الفادح».

ويرجح هيربست أن يعود السبب إلى اعتقاد ترمب أن ما حققه في فنزويلا يمكنه تحقيقه في إيران، عبر إطاحة سريعة بالنظام تؤدي إلى نظام أكثر مرونة. ويضيف: «من الواضح أن ذلك لم يحدث؛ فعلى الرغم من العدد الكبير من القادة الإيرانيين الذين تم القضاء عليهم، لا تزال هناك عمليات عسكرية خطيرة تتحدى المصالح الأميركية بشكل مباشر، وتؤدي إلى مقتل جنود وطيارين أميركيين في الشرق الأوسط. هذه هي المشكلة في الوقت الحالي، كما لا يوجد أي تداخل بين مقترحات الجانبين الأميركي والإيراني».

فانس و«تقديم تنازلات»

نائب ترمب جاي دي فانس يتحدث مع الصحافيين في بودابست في 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وبينما تستعد إسلام آباد للجولة الأولى من المحادثات، يوم السبت، يقول كوبشان إن ترؤس نائب ترمب، جاي دي فانس، للوفد الأميركي يزيد من فرص التوصل إلى اتفاق، لأن فانس ينتمي إلى جناح الحزب من حركة «ماغا»، ويصفه بالـ«نيو - انعزالي» الذي يؤمن بأن الولايات المتحدة «قد تجاوزت حدودها»، وأنها لم تعد «شرطي العالم»، ويضيف: «هذا هو موقف فانس. ونتيجة لذلك، قد يكون أكثر ميلاً لتقديم التنازلات التي قد تكون ضرورية لإنهاء الصراع وإيجاد أرضية مشتركة مع إيران».

ومع ذلك، إذا نظرت إلى موقف الإيرانيين وموقف إدارة ترمب، فمن الصعب أن ترى كيف سيتوصلون إلى اتفاق، لأن الإيرانيين يقولون إنهم يريدون السيطرة على المضيق، ويريدون تخصيب اليورانيوم، ويريدون خروج جميع القوات الأميركية من الخليج، ويريدون تعويضات حرب، بينما يريد ترمب إنهاء عمليات التخصيب وفرض قيود صارمة على مجال الصواريخ الباليستية، ووقف الدعم للوكلاء المتطرفين في المنطقة.

يبدو الأمر وكأن هذين الطرفين يعيشان على كوكبين مختلفين. لذا أعتقد أن هناك قلقاً من أن تكون هذه مجرد فترة توقف مؤقتة أكثر من كونها نهاية للحرب.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر - 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وهنا يتساءل ديلاتوري عن أسباب وقف إطلاق النار من دون إحداث تغيير بارز في النظام قائلاً: «لقد صنفنا هذا النظام على مدى الخمسين عاماً الماضية على أنه المصدر الرئيسي للإرهاب في جميع أنحاء العالم، وهو نظام يستمر في التحريض على العنف، وفي انتهاك حقوق الإنسان؛ فلماذا ينبغي لنا في هذه المرحلة المبكرة، حيث لم يمضِ على بدء الأزمة سوى ما يزيد قليلاً على شهر، أن نفكر حتى في فكرة وقف إطلاق النار؟».

ويعتبر ديلاتوري أنه كان من الخطأ توصيف مسؤولين في إدارة ترمب لهذه الحرب بالسريعة، لأن هذا دفع بالأميركيين إلى الاعتقاد بأنها ستنتهي في غضون أيام، ويضيف: «إن إدارة ترمب أعطت بعضاً من الأمل للأميركيين، بدلاً من الاعتراف حقاً بأن هذه حرب أطول وأصعب بكثير. صحيح أن أسعار النفط مرتفعة الآن، لكن هذه مشكلة مؤقتة تتعلق بالأسواق، وليست مشكلة تتعلق بالإمدادات؛ فالولايات المتحدة لا تحصل على نفطها عبر مضيق هرمز».

ويشير ديلاتوري إلى وجود بعض الاعتبارات السياسية التي تراعيها الإدارة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، ومع وجود ضغوط كبيرة من الحزب الديمقراطي الذي يصعّد من انتقاداته لترمب ويدفع باتجاه عزله.

لكن هيربست يعارض تقييم ديلاتوري، حيال عدم اعتماد أميركا على المضيق، فيشير إلى أنه عندما ترتفع أسعار النفط العالمية، ترتفع أسعار النفط في الولايات المتحدة أيضاً: «ولهذا السبب هي الآن أعلى بنسبة 60 في المائة أو 70 في المائة عما كانت عليه قبل بدء الحرب».

ويشكك هيربست في نية النظام الإيراني فتح مضيق هرمز، مذكّراً بطبيعة هذا النظام، فيقول: «من الواضح أن المتطرفين في طهران مستعدون للقتال حتى النهاية، لأنهم يعتقدون أن استمرارية نظامهم باتت على المحك. وكان هدف ترمب، بالتعاون مع (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو في هذه الحرب الإطاحة بهذا النظام من خلال القضاء أولاً على جميع قادته، ومن الواضح أن ذلك قد فشل. لا نعرف ما إذا كان النظام في طهران يمكنه الاستمرار، إذا استمر اقتصاده في التعرض لضغوط كبيرة لمدة 6 أشهر أخرى. ربما لا يستطيع، ولكن ربما يستطيع أيضاً. ولا أعتقد أن المخابرات الأميركية تعرف الإجابة عن ذلك، ولا المخابرات الإسرائيلية». ولهذا السبب يقول هيربست إن استعداد النظام و«الحرس الثوري» في طهران للتحمل أكبر بكثير من استعداد القادة الغربيين، بما في ذلك الرئيس ترمب.

تحذيرات من تصعيد خطير

ترمب يتحدث مع عناصر أميركيين في قاعدة (فروت براغ) في نورث كارولاينا في 10 يونيو 2025 (رويترز)

وفي حين صدمت تهديدات ترمب التي حذر فيها من القضاء على حضارة بكاملها واشنطن، ودفعت بالجمهوريين إلى القول إنه لم يكن يقصدها «حرفياً»، يقول كوبشان إنه لو لم يتخذ رئيس الوزراء الباكستاني المبادرة، ويجد طريقة لإقناع الطرفين بالموافقة على هدنة لمدة أسبوعين في الساعة الثامنة مساءً لكان دونالد ترمب أمر بشن حملة جوية واسعة النطاق ضد أهداف مدنية وعسكرية، ويعرب عن ارتياحه من عدم الوصول إلى تلك المرحلة، مضيفاً: «أنا مؤيد لتغيير النظام، بمعنى أنني لن أذرف الدموع إذا سقطت الجمهورية الإسلامية، وتحولت إيران إلى ديمقراطية. سيكون ذلك جيداً للإيرانيين، وسيكون جيداً لبقية العالم. لكنني أخشى أن محاولة تغيير النظام بالقوة مرة أخرى هو أمر محفوف بالمخاطر، لأننا جربنا ذلك في أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا، وفي كل تلك الحالات، لم تكن النتائج جيدة. ولذا سأفضل توخي الحذر هنا، وألا أسعى إلى تغيير النظام.

ومع اقتراب المفاوضات يدعو كوبشان إدارة ترمب إلى التمسك بمواقفها، وعدم الإعلان عن «إنجاز المهمة» ما لم يتم وقف تخصيب اليورانيوم وفرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، وتقليص الدعم المقدم للوكلاء. لكنه يتخوف من امتلاك إيران ورقة ضغط مهمة، وهي مضيق هرمز، مضيفاً: «يحتاج ترمب إلى إنهاء الحرب. لكن إذا فشل، وإذا اندلعت هذه الحرب مجدداً، أتوقع أن نرى تصعيداً خطيراً للغاية. أنا أخشى من الشكل الذي قد تتخذه تلك الحرب إذا اندلعت مرة أخرى».


حرب إيران تكشف هشاشة منظومة الدفاع الأميركية أمام سيطرة الصين على المعادن الحرجة

 دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)
دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف هشاشة منظومة الدفاع الأميركية أمام سيطرة الصين على المعادن الحرجة

 دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)
دونالد ترمب وشي جينبينغ يتصافحان بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)

لم تكن تكلفة الحرب مع إيران محصورة في عدد الصواريخ الاعتراضية التي أُطلقت، ولا في حجم الضربات التي طالت القواعد والرادارات الأميركية في الشرق الأوسط، بل في حقيقة أكثر عمقاً وإزعاجاً لواشنطن وهي أن إعادة بناء ما استُهلك أو تضرر من منظومات الدفاع المتقدمة لا تتوقف فقط على القدرات الصناعية الأميركية، بل تمر أيضاً عبر معادن حرجة تملك الصين قبضتها شبه الكاملة عليها.

ترمب وجينبينغ بعد محادثات القمة الأميركية الصينية بمطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)

هنا، لا تبدو المشكلة مجرد فجوة لوجيستية مؤقتة، بل نقطة ضعف استراتيجية تتقاطع فيها الجغرافيا العسكرية مع الجغرافيا الاقتصادية، وتعيد إحياء سؤال قديم تردد في تقارير أميركية سابقة: ماذا لو وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام أزمة دولية جديدة، بينما مخزوناتها تتآكل وقدرتها على التعويض بطيئة ومقيّدة؟

استنزاف الحرب لا يُقاس بعدد الصواريخ فقط

مقاتلة صينية تستعد للإقلاع من على متن حاملة الطائرات «شاندونغ» خلال تدريبات عسكرية حول تايوان (أرشيفية - أ.ب)

تقرير في «بوليتيكو» كشف أن الحرب خلال أسابيع قليلة استنزفت جزءاً مهماً من منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية في المنطقة، بعدما استهدفت إيران وحدات رادار واتصالات ومكونات إنذار مبكر، بما أجبر الولايات المتحدة وحلفاءها على إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ الاعتراضية للتعامل مع التهديدات الواردة. ووفق التقديرات المشار إليها، فإن إضعاف الرادارات ومنظومات التتبع يرفع تلقائياً تكلفة الاعتراض؛ لأن إصابة الهدف تصبح أصعب؛ ما يعني استخدام عدد أكبر من الصواريخ لإسقاط مسيّرة أو صاروخ واحد.

هذه النقطة أساسية؛ لأن النقاش العام غالباً ما ينشغل بعدد ما أطلقته إيران أو ما تم اعتراضه، بينما الخطر الحقيقي يكمن في «معدل الاستهلاك» الأميركي؛ فالحروب الحديثة لا تُنهك فقط عبر الخسائر المباشرة، بل عبر إجبار الخصم على إنفاق ذخائر باهظة ومعقدة أسرع من قدرته على تعويضها.

وهذا ما يفسر سبب تصاعد القلق الأميركي منذ سنوات من أن أي مواجهة كبيرة في الشرق الأوسط، أو في أوروبا، أو في المحيط الهادئ، قد تلتهم مخزونات بُنيت على افتراضات زمن السلم لا على متطلبات حرب ممتدة ومتعددة المسارح.

ومن هذه الزاوية، جاءت حرب إيران لتؤكد ما حذرت منه تقارير سابقة عن القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية: أن الولايات المتحدة لا تعاني فقط من ضغط على الإنتاج، بل من اختناق في المكونات الدقيقة والمواد الخام اللازمة لصناعة الأسلحة المتقدمة؛ ولذلك فإن الحديث عن «إعادة التسلح» بعد الحرب ليس قراراً مالياً فحسب، بل اختبار لقدرة الاقتصاد الأميركي نفسه على إنتاج الحرب بوتيرة كافية.

شعار «تي إس إم سي» في متحف الشركة للابتكار في هسينتشو (رويترز)

المعادن الحرجة نقطة تفوق صينية

العقدة الأكثر إحراجاً لواشنطن تتمثل في أن كثيراً من مكونات الدفاع الصاروخي تعتمد على معادن حرجة تسيطر الصين على معالجتها وتكريرها. تقرير «بوليتيكو» يركز خصوصاً على الغاليوم، وهو عنصر أساسي في بعض الأنظمة الإلكترونية والرادارية المستخدمة في الاعتراض والكشف، إلى جانب معادن أرضية نادرة ثقيلة مثل التيربيوم والديسبروسيوم، التي تدخل في أنظمة التوجيه والاستهداف، بينما تهيمن بكين على أكثر من 90 في المائة من معالجة هذه المعادن.

رئيسة حزب «كومينتانغ» التايواني تشنغ لي وون في زيارة لبكين (أ.ب)

المفارقة هنا أن الحرب التي يُفترض أنها برهنت على التفوق العسكري الأميركي، كشفت في الوقت نفسه أن هذا التفوق يعتمد جزئياً على سلاسل إمداد لا تتحكم فيها واشنطن. وبذلك، تتحول الصين من منافس جيوسياسي بعيد عن ساحة المعركة إلى لاعب حاضر في قلب معادلة التعويض العسكري الأميركي. فكلما ارتفع الطلب الأميركي على الغاليوم وغيره من المعادن لإعادة ملء المخزونات أو إصلاح المنظومات المتضررة، ازدادت قدرة بكين على استخدام موقعها الصناعي ورقة ضغط في التفاوض السياسي والتجاري.

مشاة يمرون أمام شاشة عملاقة تعرض حركة الأسهم في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

تضيف «بوليتيكو» أن هذا ليس تخوفاً نظرياً؛ إذ إن أسعار الغاليوم ارتفعت بنسبة 32 في المائة خلال شهر واحد، بعد شهور من التراجع النسبي الذي أعقب تفاهمات أميركية ـ صينية سابقة، كما أن الصين سبق أن أظهرت استعدادها لتقييد الوصول إلى هذه المواد عندما رأت في ذلك أداة نفوذ. لذلك، فإن أي نقاش أميركي عن «استعادة الجاهزية» بعد الحرب لا يمكن فصله عن ميزان القوة مع الصين، حتى لو كان القتال نفسه قد وقع في الشرق الأوسط.

الأخطر من ذلك أن المشكلة لا تخص الحرب الحالية وحدها. فإذا اندلعت أزمة جديدة في آسيا، مثلاً حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي، بينما لم تكن الولايات المتحدة قد أعادت بناء مخزوناتها ومكوناتها الأساسية بعد، فإنها ستدخل المواجهة وهي أقل مرونة وأكثر اعتماداً على خصمها الاستراتيجي لتأمين ما تحتاجه من مواد أولية. وهذه مفارقة يصعب على واشنطن قبولها نظرياً، لكنها قائمة عملياً.

الزمن الصناعي أبطأ من الزمن العسكري

يشير التقرير إلى أن الإدارة الأميركية تحاول منذ مدة تقليص هذا الاعتماد عبر توسيع الشراكات مع الحلفاء ودعم الإنتاج المحلي، وعمدت إلى خطوات من قبيل التفاوض على ترتيبات متعددة الأطراف للمعادن الحرجة، وطلب تمويل لمكتب مختص في وزارة الطاقة، وتحرك وزارة الخارجية مع الحلفاء لتأمين السلسلة، فضلاً عن استثمار «البنتاغون» في شركات أميركية وأسترالية، ومنها مشروع مصفاة غاليوم في أستراليا الغربية.

وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار برفقة نظيره الصيني وانغ يي في بكين يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

لكن المشكلة أن هذه الجهود، مهما بدت جدية، تحتاج إلى سنوات كي تعطي نتائج ملموسة، بينما الاستنزاف العسكري يمكن أن يقع خلال أسابيع؛ فبناء منشأة معالجة، أو تطوير قدرة تكرير مستقلة، أو إنشاء مخزون استراتيجي من المعادن، كلها عمليات بطيئة، ومعرضة لعقبات تمويلية وبيئية وتجارية. أما الحرب فلا تنتظر. وهذا ما يجعل الفجوة بين «الزمن العسكري» و«الزمن الصناعي» إحدى أخطر الثغرات في الاستراتيجية الأميركية الحالية.

لهذا، لا يبدو السؤال اليوم: هل تستطيع الولايات المتحدة إعادة بناء ما خسرته، بل بأي تكلفة، وخلال كم من الوقت، وتحت أي شروط سياسية مع الصين؛ فالمخزون العسكري ليس مجرد أرقام في المستودعات، بل انعكاس لسلامة القاعدة الإنتاجية وقدرتها على الاستجابة السريعة. وإذا كانت الحرب مع إيران قد أظهرت أن واشنطن قادرة على القتال بكثافة، فإنها أظهرت أيضاً أن الاستدامة أصعب من التفوق اللحظي.