الأمم المتحدة والهيمنة الأميركية

دعوات الإصلاحات تصطدم بحائط التجاذبات

جانب من أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الـ78 هذا الأسبوع (أ.ب)
جانب من أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الـ78 هذا الأسبوع (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة والهيمنة الأميركية

جانب من أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الـ78 هذا الأسبوع (أ.ب)
جانب من أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الـ78 هذا الأسبوع (أ.ب)

الولايات المتحدة أكبر مموّل للأمم المتحدة في العالم، واقعٌ عزز الهيمنة الأميركية على المنظمة العالمية، وأفسح المجال أمام الإدارات المتعاقبة للتلويح بتدابير عقابية في كل مرة تسعى فيها الوكالات التابعة لها لاتخاذ قرارات لا تتوافق مع السياسة الأميركية، لكن هذا النفوذ يتراجع في مجلس الأمن، حيث لا تزال الدول الدائمة العضوية تتمتع بحقوق موازية للنفوذ الأميركي عبر حق النقض (الفيتو).

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، احتمال تطبيق إصلاحات على الأمم المتحدة كما يطالب البعض، ومدى هيمنة الولايات المتحدة على قرارات المنظمة الدولية.

النفوذ الأميركي

تعد مندوبة لبنان السابقة لدى الأمم المتحدة أمل مدللي، أنه من غير الممكن الحديث عن هيمنة أميركية على الأمم المتحدة بسبب وجود مجلس الأمن، حيث تتمتع الدول الخمس الدائمة العضوية بحق النقض ويمكنها «الهيمنة على أي قرار يمكن أن يخص مصالحها الاستراتيجية».

بايدن يتحدث أمام الجمعية العامة في نيويورك في 19 سبتمبر 2023 (أ.ب)

وتضيف مدللي: «الجمعية العامة لا تتمتع بسلطات فعلية، هي تجتمع وتصدر القرارات، ولكن قراراتها غير ملزمة، أما القوة وموضوع الأمن والسلام في العالم فهي من صلاحيات مجلس الأمن»، لكنها تستطرد قائلة: «هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ليس لديها نفوذ، فهي لا تزال الطرف الأقوى عالمياً، وهي الراعي الأكبر لهذا النظام الدولي الموجود حالياً».

ويشير كريم لوبور، مؤلف كتاب «موسم في الأمم المتحدة» ومدير اتصالات «كرايسيس غروب» الدولية، إلى تراجع نفوذ مجلس الأمن بسبب عرقلة بعض الدول لقراراته، خاصة بعد الحرب في سوريا.

وتحدّث لوبور عن وجود نظام جديد للتعامل مع الأزمات عبر تحالفات مختلفة، مثل «مجموعة الدول الصناعية السبع، أو قمة مجموعة العشرين، أو دول بريكس، وغيرها». وأضاف: «هذا أيضاً أمر ركّز عليه الرئيس السابق دونالد ترمب؛ إذ أراد الخروج من الأنظمة متعددة الأطراف الخاصة بالأمم المتحدة لتأسيس علاقات ثنائية تصب في مصالح الولايات المتحدة... ما نراه اليوم هو عالم جديد متعدد الأقطاب، تكون فيه الولايات المتحدة أقل بروزاً، لكن مع المحافظة على دورها الكبير».

أما ديفيد تافوري، المسؤول السابق في وزارة الخارجية، فقد ألقى باللوم على روسيا في «إخفاقات» مجلس الأمن، قائلاً إن «المشكلة هي روسيا؛ فهي تمارس حق النقض ضد أي مجهود من مجلس الأمن لحل الأزمات حول العالم. في بعض الأحيان، قد تقف الصين إلى جانبها أو تدفعها إلى عدم التصويت، لكن بسبب روسيا أصبح مجلس الأمن غير فعال على الإطلاق وغير قادر على التصرّف. ونرى ذلك الآن مع حرب أوكرانيا».

مصير الإصلاحات

تعليقاً على تزايد الدعوات لإصلاح مجلس الأمن وتوسيع عضويته، تقول مدللي إن هذه المطالب «قديمة جداً، فهناك عملية في الأمم المتحدة لإصلاح المجلس عمرها خمس وعشرون سنة. وكل سنة، يعين رئيس الجمعية العامة سفيرين؛ واحد يمثل العالم الثالث وواحد يمثل الدول الغربية، ويجتمعان لمدة أشهر، ويخرجان بتوصيات لا تفضي إلى نتيجة». وتابعت: «اليوم، بعد حرب أوكرانيا، غيّرت الولايات المتحدة موقفها».

اجتماع لمجلس الأمن حول الحرب في أوكرانيا في 20 سبتمبر 2023 (أ.ب)

وأشارت مدللي إلى دعم الرئيس الأسبق باراك أوباما توسيع مجلس الأمن، إلى أن «أصبحت الأصوات الجديدة التي دخلت مجلس الأمن، كأعضاء غير دائمين، تقف ضد السياسة الأميركية، حينها غيّر الأميركيون رأيهم وأقفلوا الموضوع ولم نرَ أي إصلاحات». وتعد مدللي أن الأمر اختلف بعد حرب أوكرانيا، «عندما عطّلت روسيا مجلس الأمن لمدة سنة ونصف». وقالت: «توسيع مجلس الأمن موضوع صعب جداً. صعوبة الموضوع أن الدول الخمس الموجودة في مجلس الأمن هي نفسها غير مقتنعة بمن يجب أن يدخل مجلس الأمن».

ويتفق لوبور مع تقييم مدللي، بل يطرح نظرة أكثر تشاؤماً، عادّاً أن احتمال الإصلاحات هو «صفر». ويشرح: «الحقيقة هي أن الرفض لا يصدر حتى من الأعضاء الدائمين، بل إن الدول الأعضاء لا تتوافق على الدولة التي ينبغي أن تنال عضوية دائمة في مجلس الأمن؛ فالصين لا تريد اليابان أو الهند في مجلس الأمن... إيطاليا وألمانيا غير مرغوب بهما. ومن سيمثل القارة الأفريقية؟ جنوب أفريقيا؟ نيجيريا؟ من سيمثل العالم العربي؟ هل يمكن للعالم العربي أن يوافق على ممثل له؟ المشكلة نفسها موجودة في أميركا اللاتينية؛ لدينا البرازيل، لكن الأرجنتين أيضاً تعد سلطة كبيرة، ماذا عن المكسيك؟ أي دولة ينبغي أن تكون عضواً في مجلس الأمن؟».

التنافس الأميركي - الصيني

تشير مدللي إلى أن «الصين تلعب دوراً كبيراً في الأمم المتحدة»، عادّةً أن نفوذها زاد كثيراً، «إن كان من جهة التمويل، أو من جهة الوظائف التي يحصل عليها الآن مسؤولون صينيون في الأمم المتحدة». وأضافت أن «التنافس الأميركي - الصيني ينعكس في كل المنظمات الدولية».

لقاء بين وزير الخارجية الأميركي ونائب الرئيس الصيني بنيويورك في 18 سبتمبر 2023 (أ.ب)

ورغم التنافس والعرقلة التي تجمد أعمال مجلس الأمن، يشير لوبور إلى الأهمية البالغة للأمم المتحدة؛ إذ «لا تزال المنتدى الدولي الوحيد الذي يتم فيه تمثيل كل دولة. فمجرّد وجود هذا المنتدى الذي يمنح الدول الصغرى فرصة إيصال رسالتها على الرغم من أنها ليست عضواً في مجموعة الـ20 أو الـG7، هو أمر في غاية الأهمية. الأمم المتحدة بعيدة جداً عن المثالية أو عن النظام المثالي، لكنها ما زالت ضرورية جداً».

ويُذكّر تافوري، الذي عمل في مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، بأهمية الوكالات العديدة التي تعمل تحت مظلّة الأمم المتحدة، مشيراً إلى أنها «تقوم بعمل استثنائي حول العالم مثل رعاية اللاجئين والنازحين، وتوفر الطعام مثل برنامج الأغذية العالمي، وتمنع المجاعة في الدول الفقيرة. إذاً، هذه جميعها أوجه مهمة جداً من عمل الأمم المتحدة، وهي أوجه لا نفكر فيها دائماً، لكنها تحصل حول العالم».

مشاركة إيران «المثيرة للجدل»

في كل عام، يسعى عدد من أعضاء الكونغرس لدفع الإدارة الأميركية نحو رفض تأشيرات الدخول لمسؤولين إيرانيين للمشاركة في أعمال الجمعية العامة، ويخصّون بالذكر الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي الخاضع لعقوبات أميركية.

رئيسي يستعدّ لإلقاء كلمته أمام الجمعية العامة الثلاثاء (أ.ف.ب)

لكن مدللي تذكر أن الأمم المتحدة، رغم وجودها في نيويورك، فإنها تتمتع بوضع خاص. وتفسر قائلة: «لديها حصانة تستطيع من خلالها أن تستقبل أي شخص حول العالم. وحسب الاتفاق، يمكن لأي ممثل عن أعضاء الأمم المتحدة الـ193 أن يأتي إلى نيويورك».

ويتحدث لوبور عن نقطة مهمة في الجدل القائم، فيشير إلى أنه إذا كانت الدولة المشاركة لا تتمتع بعلاقات مع الولايات المتحدة، فلا يحق لممثليها تخطي نطاق 20 ميلاً من مانهاتن حيث مقر الأمم المتحدة. وأضاف: «أعلم أن هذه هي الحال لدبلوماسيي روسيا وإيران؛ إذ ينبغي أن يبقوا في مانهاتن وفي نيويورك، ولا يمكنهم الخروج عن هذه الدائرة».

وعن مساعي منع مسؤولين من حضور أعمال الأمم المتحدة، يقول تافوري: «هذه مسألة دقيقة وصعبة. فإن العقوبات المفروضة على روسيا وإيران وعلى هؤلاء الأفراد، هي عقوبات مناسبة وهم يستحقونها بسبب مشاركتهم في جرائم تؤدي إلى مقتل الناس. في حال إيران، فهي تدعم الإرهاب في إطار جهودها لتطوير سلاح نووي. وفي حال روسيا، بسبب جرائمها ضد النساء والأطفال وغيرهم من المدنيين في أوكرانيا»، لكنه يشير إلى أن الولايات المتحدة وافقت لدى تأسيس الأمم المتحدة على «أن تكون المقر الرئيسي لها»، مضيفاً: «لدينا مسؤولية بتسهيل دخول جميع مندوبي الدول الأعضاء، ولهذا السبب تمكّن هذه التسوية أي شخص قادم خصيصاً إلى الأمم المتحدة والاجتماعات الخاصة، من الدخول إلى الولايات المتحدة على الرغم من العقوبات. يمكنه الحضور بسلطة محدودة، وضمن أطر جغرافية واضحة للمشاركة في هذه الاجتماعات».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تساعد مهاجرين على مغادرة إيران بسبب الحرب

شؤون إقليمية نساء إيرانيات يمشين أمام لوحة تحمل صور المرشد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين خلال مسيرة في طهران (إ.ب.أ) p-circle

الأمم المتحدة تساعد مهاجرين على مغادرة إيران بسبب الحرب

قالت المنظمة الدولية للهجرة، الجمعة، إنها تساعد بعض المهاجرين الذين هم في أوضاع صعبة على مغادرة إيران في ظلّ الحرب بعد تلقيها طلبات مساعدة من مئات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شؤون إقليمية جزء من حطام صاروخ باليستي إيراني سقط بهطاي جنوب تركيا في 4 مارس الحالي بعد تصدي دفاعات حلف شمال الأطلسي (الناتو) له (رويترز)

دفاعات «الناتو» تُدمّر صاروخاً ثالثاً دخل مجال تركيا الجوي من إيران

أكّد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن بلاده تقود حراكاً دبلوماسياً مكثفاً لاحتواء دوامة العنف التي تتمحور حول إيران، والتي تنطوي على خطر جر المنطقة إلى «كارثة».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يتحدث إلى الصحافة بعد اجتماعه مع الرئيس اللبناني في القصر الرئاسي في بعبدا، شرق بيروت 13 مارس 2026 (أ.ف.ب)

من بيروت... غوتيريش يناشد «حزب الله» وإسرائيل «وقف الحرب»

حضّ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش «حزب الله» وإسرائيل على وقف إطلاق النار، معتبراً أن زمن المجموعات المسلحة «ولّى»، وذلك بُعيد وصوله إلى بيروت.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية تصاعد دخان جراء غارات إسرائيلية على طهران (أ.ف.ب)

الأمم المتحدة: نزوح نحو 3.2 مليون شخص في إيران بسبب الحرب

قالت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين»، الخميس، إن نحو 3.2 مليون شخص في إيران نزحوا من منازلهم بسبب الحرب.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شؤون إقليمية قوات الأمن الإيرانية تظهر خلال مراسم جنازة جماعية لقادة «الحرس الثوري» الإيراني وقادة الجيش الذين سقطوا خلال الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية في طهران (إ.ب.أ) p-circle

بعثة أممية: الحرب ستفاقم على الأرجح القمع في إيران

كشفت بعثة أممية لتقصي الحقائق حول إيران أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط ستفاقم على الأرجح القمع المؤسسي للإيرانيين.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

ترمب: البحرية الأميركية ستبدأ مرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز «قريباً جداً»

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

ترمب: البحرية الأميركية ستبدأ مرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز «قريباً جداً»

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، إن البحرية الأميركية ستبدأ «قريباً جداً» مرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الممر الحيوي الذي يمر عبره 20% من النفط والغاز العالميين والذي تغلقه إيران حاليا.

وردا على سؤال عن موعد بدء البحرية الأميركية مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق لحمايتها من الاستهداف، قال ترامب «قريباً، قريباً جداً».

وتستهدف طهران مضيق هرمز رداً على الضربات الإسرائيلية الأميركية بهدف جعله غير قابل للعبور، وهي استراتيجية هدفها شل الاقتصاد العالمي والضغط على واشنطن.

من جهة أخرى قال دونالد ترمب الجمعة إن الجيش الأميركي قصف بشكل كثيف أهدافاً عسكرية في جزيرة خرج الإيرانية التي تتعامل مع كل صادرات النفط الخام الإيرانية بشكل شبه كامل، وهدد بضرب البنية التحتية النفطية للجزيرة.

وكتب ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي «نفذت القيادة المركزية الأميركية واحدة من أقوى الضربات الجوية في تاريخ الشرق الأوسط، ودمرت بشكل كامل كل هدف عسكري في جوهرة التاج الإيراني، جزيرة خرج».

وأضاف «لقد اخترت عدم تدمير البنية التحتية النفطية في الجزيرة. لكن، إذا قامت إيران، أو أي جهة أخرى، بأي شيء يعرقل حرية وسلامة مرور السفن عبر مضيق هرمز، فسأعيد النظر في الأمر فورا».


هجوما ميشيغان وفيرجينيا يُعززان المخاوف الأمنية

قوات من الحرس الوطني في محطّة قطارات بنيويورك يوم 13 مارس (أ.ف.ب)
قوات من الحرس الوطني في محطّة قطارات بنيويورك يوم 13 مارس (أ.ف.ب)
TT

هجوما ميشيغان وفيرجينيا يُعززان المخاوف الأمنية

قوات من الحرس الوطني في محطّة قطارات بنيويورك يوم 13 مارس (أ.ف.ب)
قوات من الحرس الوطني في محطّة قطارات بنيويورك يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

عزّز هجومان، استهدفا كنيساً يهودياً في ولاية ميشيغان وجامعة في فيرجينيا، المخاوف الأمنية في الولايات المتحدة، مع تصاعد حدة الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران.

ووقع هجوم ميشيغان في ويست بلومفيلد، حين اقتحم أيمن محمد غزالي، البالغ 41 عاماً والمولود في لبنان، كنيس «تمبل إسرائيل» بسيارته، قبل أن يُقتل برصاص عناصر الأمن.

وفيما لا يزال التحقيق جارياً لتحديد الدافع النهائي بدقة، أكد مسؤول محلي أن غزالي كان يعيش صدمة شخصية بعد مقتل 4 من أفراد عائلته، بينهم شقيقان وطفلان، في غارة إسرائيلية على لبنان قبل أيام.

ويأتي الهجوم على خلفية تأهب أمني مستمر منذ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط). فقد نقلت «رويترز» عن تقييم استخباراتي أميركي أن إيران ووكلاءها قد يستهدفون الولايات المتحدة أو مصالحها ردّاً على التصعيد، مع ترجيح خاص لزيادة الهجمات السيبرانية والعمليات المحدودة أكثر من هجوم واسع النطاق داخل الأراضي الأميركية.


مساعدو ترمب يتنافسون للتأثير على نتيجة حرب إيران

كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز تتحدث إلى الرئيس دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو يستمع (رويترز)
كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز تتحدث إلى الرئيس دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو يستمع (رويترز)
TT

مساعدو ترمب يتنافسون للتأثير على نتيجة حرب إيران

كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز تتحدث إلى الرئيس دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو يستمع (رويترز)
كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز تتحدث إلى الرئيس دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو يستمع (رويترز)

تدفع صراعات معقدة داخل البيت الأبيض الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تغيير تصريحاته العلنية بشأن مسار الحرب مع إيران، ‌في حين يناقش مساعدوه متى وكيف يعلنون النصر حتى مع اتساع نطاق الصراع في الشرق الأوسط.

وحسب مقابلات مع مستشار لترمب وآخرين مقربين من المناقشات، يحذر بعض المسؤولين ومستشاري الرئيس من أن ارتفاع أسعار البنزين الناجم عن الحرب قد يلحق به خسائر سياسية، في حين يضغط بعض المتشددين على الرئيس لمواصلة الهجوم ضد إيران.

واستنتجت وكالة «رويترز» من كلامهم لمحات عن عملية صنع القرار في البيت الأبيض، في وقت يعدّل فيه نهجه ​تجاه أكبر عملية عسكرية أميركية منذ حرب العراق عام 2003.

وتسلّط المناورات التي تُجرى في الكواليس الضوء على التهديدات الكبيرة التي يواجهها ترمب بعد أقل من أسبوعين من إقحام البلاد في حرب هزّت الأسواق المالية العالمية وعطّلت تجارة النفط الدولية. وكان ترمب قد تعهّد مع عودته إلى البيت الأبيض خلال العام الماضي بتجنّب التدخلات العسكرية «الغبية».

ولا شك أن التنافس على كسب ود ترمب إحدى سمات رئاسته، لكن هذه المرة فإن العواقب تتعلق بالحرب والسلام في واحدة من أكثر المناطق تقلباً وأهمية من الناحية الاقتصادية في العالم.

صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة نطنز النووية الإيرانية (رويترز)

وبعد أن تحول عن الأهداف الشاملة التي حدّدها عند شن الحرب في 28 فبراير (شباط)، أكد ترمب في الأيام الماضية أنه ينظر إلى الصراع على أنه حملة محدودة تم تحقيق معظم أهدافها. لكن الرسالة تظل ضبابية بالنسبة إلى الكثيرين، بما في ذلك أسواق الطاقة التي تتعرّض لتقلبات حادة في رد فعلها على تصريحات ترمب.

وقال في تجمع انتخابي بولاية كنتاكي، يوم الأربعاء: «إننا انتصرنا» في الحرب، ثم غيّر موقفه فجأة قائلاً: «لا نريد أن نغادر مبكراً، أليس كذلك؟ علينا أن ننهي المهمة».

مؤثرون

يحذّر المستشارون الاقتصاديون والمسؤولون، ومنهم من يعمل في وزارة الخزانة والمجلس الاقتصادي الوطني، ترمب من أن صدمة النفط وارتفاع أسعار البنزين يمكن أن يقوضا سريعاً الدعم المحلي للحرب، حسبما قال المستشار ومصدران مطلعان على المناقشات طلبوا عدم كشف أسمائهم للتحدث عن المحادثات ‌الداخلية.

ووفقاً للمصادر، يتحدث المستشارون ‌السياسيون، بمن فيهم كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز ونائبها جيمس بلير، عن مخاوف مماثلة تركز على التداعيات السياسية لارتفاع أسعار ​البنزين، ‌ويحضون ترمب على ⁠تضييق نطاق ​علامات ⁠النصر والإشارة إلى أن العملية محدودة وشارفت على الانتهاء.

وتقول المصادر إنه في الاتجاه الآخر ثمة أصوات متشددة تحث ترمب على مواصلة الضغط العسكري على إيران، ومنهم مشرعون جمهوريون مثل عضوي مجلس الشيوخ ليندسي غراهام وتوم كوتون، ومعلقون إعلاميون مثل مارك ليفين.

ويقول هؤلاء إن على الولايات المتحدة منع إيران من امتلاك سلاح نووي والرد بقوة على الهجمات على القوات الأميركية والسفن.

أما القوة الثالثة فتأتي من قاعدة ترمب الشعبوية، وشخصيات مثل المحلل الاستراتيجي ستيف بانون، والإعلامي اليميني تاكر كارلسون، الذين يضغطون عليه وعلى كبار مساعديه، علناً وفي مناسبات خاصة، لتجنب الانجرار إلى صراع جديد طويل الأمد في الشرق الأوسط.

الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون (أ.ب)

وقال مستشار ترمب: «إنه يسمح للمتشددين بالاعتقاد أن الحملة مستمرة، ويريد أن تعتقد الأسواق أن الحرب قد تنتهي قريباً، وأن تعتقد قاعدته الشعبية أن التصعيد سيكون محدوداً».

ورداً على طلب للتعليق، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، في بيان: «هذه القصة تستند إلى شائعات وتكهنات من مصادر مجهولة لم تكن حاضرة في أي مناقشات مع الرئيس ترمب... الرئيس معروف بأنه مستمع جيد، ويسعى إلى الحصول على آراء الكثير من الناس، لكن في النهاية الجميع يعرف أنه صاحب القرار النهائي وأفضل من ينقل رسالته».

وتابعت: «فريق الرئيس بأكمله يركز ⁠على التأكد من تحقيق كل أهداف عملية (ملحمة الغضب)».

روايات متضاربة

بينما أدلى ترمب ‌بتصريحات متضاربة أحياناً بشأن الحرب على إيران، أكد هذا الأسبوع تصريحاته العلنية بأن الحرب «حملة قصيرة الأجل».

وقال أحد المقربين من المداولات ‌إن هذه العبارة طُرحت خلال إحاطة صحافية في البيت الأبيض مع مساعديه، قبل أن يستخدمها ترمب لأول مرة في اجتماع مع ​مشرعين جمهوريين في ميامي يوم الاثنين.

وأضاف المصدر أن ترمب تلقى مذكرة تتضمن إحاطات استعداداً ‌لخطابه أمام المشرعين، شددت على أن الحرب ستكون قصيرة وأن الولايات المتحدة لا تسعى إلى صراع مفتوح.

وعندما زجّ ترمب بأميركا في الحرب، لم يقدم تفسيراً يُذكر، وتراوحت أهداف إدارته المعلنة ‌للحرب بين إفشال هجوم وشيك من إيران وعرقلة برنامجها النووي وإسقاط نظامها الحاكم.

وفي سعيه للخروج من صراع لا يحظى بشعبية، يحاول ترمب التوفيق بين روايات متضاربة تتضاءل أهميتها بشكل متزايد مع استمرار إيران في شن هجمات على السفن في مضيق هرمز والدول المجاورة.

ويبدو أن كبار المساعدين السياسيين والمستشارين الاقتصاديين، الذين تم تجاهل تحذيراتهم قبل الحرب بشأن الصدمة الاقتصادية المحتملة، يؤدون دوراً رئيسياً في دفع جهود ترمب لطمأنة الأسواق المتوترة وكبح جماح ارتفاع أسعار النفط والغاز.

ووفقاً لشخصين مطلعين، يناقش بعض مساعدي البيت الأبيض سيناريو نهائياً يُعلن فيه ترمب تحقيق الأهداف العسكرية يليه التحول إلى العقوبات والردع والمفاوضات. إلا أنهما أشارا إلى أن هذا النهج لا يحظى بتأييد جميع المساعدين.

وأسفرت موجات ‌متتالية من الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية عن مقتل قادة إيرانيين بارزين، من بين نحو ألفي شخص، بعضهم في أماكن بعيدة مثل لبنان، ألحقت الدمار بترسانة إيران من الصواريخ الباليستية، وأغرقت جزءاً كبيراً من أسطولها البحري وأضعفت قدرتها على دعم الحلفاء المسلحين في أنحاء الشرق الأوسط.

وصرح ⁠الرئيس الأميركي بأنه سيقرر موعد إنهاء الحملة. ويقول ⁠هو ومساعدوه إنهم متقدمون بكثير عن الإطار الزمني الذي أعلنه ترمب في البداية، والذي يتراوح من أربعة إلى ستة أسابيع.

وقال محللون إن إيران ستعلن النصر من جانبها لمجرد صمودها أمام الهجوم الأميركي-الإسرائيلي، لا سيما بعد أن أظهروا قدرتهم على الرد وإلحاق الضرر بإسرائيل والولايات المتحدة وحلفائها.

المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت (إ.ب.أ)

نموذج فنزويلا

وسيكون مضيق هرمز عاملاً حاسماً في تحديد المسار النهائي للحرب، فقد توقفت تقريباً حركة نقل النفط العالمية التي تعبر هذا الممر المائي الضيق. وشنت إيران في الأيام القليلة الماضية هجمات على ناقلات نفط في المياه العراقية وسفن أخرى بالقرب من المضيق.

وإذا أدى تضييق إيران الخانق على الممر المائي إلى ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة بشكل كبير، فقد يزيد ذلك الضغط السياسي على ترمب لإنهاء حملته. ويخوض حزبه الجمهوري انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) للدفاع عن أغلبيته الضئيلة في الكونغرس.

وحتى الآن، لا يزال معظم أعضاء حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» (ماغا) مؤيدين له في موقفه من إيران، على الرغم من انتقادات من بعض مؤيديه المعارضين للتدخلات العسكرية.

وأحجم ترمب مؤخراً عن الترويج لفكرة أن الحرب تهدف إلى إسقاط النظام في طهران. وذكرت «رويترز»، الأربعاء، أن الاستخبارات الأميركية تشير إلى أن القيادة الإيرانية ليست مُعرضة لخطر الانهيار في أي وقت قريب.

ويبدو أن بعض الارتباك بشأن مسار الحرب يعود إلى النجاح العسكري الأميركي السريع في فنزويلا.

وقال مصدر آخر مطلع على تفكير الإدارة إن بعض مساعدي ترمب وجدوا صعوبة، منذ بداية الحرب، في إقناعه بأن الحملة على إيران من غير المرجح أن تسير على منوال عملية الثالث من يناير (كانون الثاني) التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

ومهدت تلك العملية الطريق أمام ترمب لإجبار الموالين السابقين لمادورو على منحه نفوذاً كبيراً على احتياطات النفط الهائلة في البلاد، دون ​الحاجة إلى تدخل عسكري أميركي مطول.

في المقابل، أثبتت إيران أنها خصم أشد ضراوة وأفضل ​تسليحاً، ولديها مؤسسة دينية وأمنية راسخة.

ورفض مصدر مطلع على تقارير الاستخبارات الأميركية مزاعم مساعدي ترمب بأن إيران كانت على بُعد أسابيع من امتلاك سلاح نووي. وكان ترمب قد صرّح في يونيو (حزيران) الماضي بأن القصف الأميركي-الإسرائيلي «دمّر» برنامج إيران النووي.

ويُعتقد أن معظم مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب دُفن في ضربات يونيو (حزيران)، ما يعني إمكانية استخراج هذه المواد وتنقيتها لتصبح صالحة لصنع القنابل. ولطالما نفت إيران سعيها لامتلاك أسلحة نووية.