أثار قرار القاضية تانيا تشوتكان تحديد الرابع من مارس (آذار) 2023 موعداً لمحاكمة الرئيس السابق دونالد ترمب في قضية قلب نتائج انتخابات 2020، الكثير من الجدل والتساؤلات حول التوقيت وأهدافه والمدى الزمني الذي يمكن أن تستغرقه المحاكمة، وتشابك مسار المحاكمة التي تقام في العاصمة واشنطن مع مسارات محاكمات أخرى مرتقبة في فلوريدا وجورجيا ومدينة نيويورك، ثم مدى تأثير ذلك على ترمب المرشح الجمهوري الذي لا يزال يتصدر استطلاعات الرأي بفارق كبير عن منافسيه، وتداخل مواعيد المحاكمات والجلسات مع السباق الانتخابي الذي يستدعي جدول سفر مزدحماً للكثير من الولايات لحشد المناصرين.
وأثيرت تساؤلات حول قدرة مرشحي الحزب الجمهوري الآخرين على الاستفادة من الملاحقات القضائية ضد ترمب لكسب مزيد من أصوات المندوبين في «الثلاثاء الكبير» في الخامس من مارس (اليوم التالي لبدء محاكمة ترمب) وفي منتصف أبريل (نيسان) المقبل، وتساؤلات أخرى أكثر سخونة، فهل ينهار ترمب تحت وطأة هذه القضايا المتلاحقة وتكلفتها المالية الباهظة وجيش المحامين الذي يحتاجه؟ أم يزداد قوة ويكتسب المزيد من التعاطف بين المناصرين والمزيد من التبرعات لحملته؟ وفي ظل صورة الرئيس السابق والمرشح الجمهوري وهو يحاكم أمام المحاكم الفيدرالية ومحاكم الولايات، هل يظل الناخب الجمهوري متمسكاً بترمب ومقتنعاً به، أم يستجيب للدعاية بترك الماضي والنظر إلى المستقبل واختيار بديل لترمب؟ وصفت صحيفة «وول ستريت جورنال» تشابك الملاحقات القانونية بأنها «فوضي مذهلة»، وحثت الناخبين على ترشيح مرشح بديل للحزب الجمهوري لديه فرصة لهزيمة الرئيس بايدن.
ويأتي موعد الرابع من مارس لبدء المحاكمة في العاصمة واشنطن ليسبق موعد محاكمة أخرى في ولاية فلوريدا في العشرين من مايو (أيار) العام المقبل تتعلق بقضية الوثائق السرية. وفي الخامس والعشرين من مارس 2024 أو الثامن من يونيو (حزيران)، من المتوقع أن تبدأ المحاكمة المتعلقة بدفع أموال لنجمة الأفلام الإباحية ستورمي دانيالز في مدينة نيويورك. كما حدد قاضي ولاية جورجيا يوم السادس من سبتمبر (أيلول) لبدء المحاكمة الرسمية لترمب في مقاطعة فولتون بتهم القيام بمخطط إجرامي مع 18 متهماً آخر، لإلغاء نتيجة الانتخابات في الولاية.

وتبلغ التهم الموجهة للرئيس السابق دونالد ترمب إجمالي 91 تهمة ما بين جنائية وفيدرالية.
التوقيت توقيت موعد المحاكمة في الرابع من مارس، يثير بالطبع الكثير من التساؤلات؛ فقد حاول محامو ترمب تأجيل موعد بدء المحاكمة إلى أبريل 2026 من منطلق الحجم الضخم من الأدلة والأوراق والوثائق التي تتعين مراجعتها والتحضير للمرافعات. وأشار محامو ترمب إلى نحو 11 مليون صفحة من الأوراق في القضية التي تحتاج إلى جيش من المحامين وإلى وقت طويل لمراجعتها. ورفضت القاضية طلبات محامي ترمب، كما رفضت طلب فريق الادعاء للمحقق جاك سميت بتحديد الموعد في يناير (كانون الثاني) 2024، واختارت الرابع من مارس 2024، وهو ما يضع محاكمة ترمب في قلب موسم الانتخابات التمهيدية؛ فهذا التاريخ يسبق «الثلاثاء الكبير» وهو الموعد الذي يصوت فيه الجمهوريون في 13 ولاية (تمثل 35 في المائة من إجمالي عدد المندوبين الجمهوريين بما في ذلك ولايتا كاليفورنيا وتكساس)، وبالتالي سيكون الكثير من الناخبين قد أدلوا بأصواتهم بالفعل سواء شخصياً أو عبر البريد بحلول الوقت الذي تبدأ فيه المحاكمة.
وإذا سارت المحاكمة كما هو مقرر ألا تزيد على 4 إلى 6 أسابيع، سيكون هناك انتخابات تمهيدية في 12 مارس في ولايتي جورجيا وميسيسبي، وفي 19 مارس في أريزونا وفلوريدا وإلينوي وأوهايو، وستدلي 21 ولاية أميركية أخرى بأصواتها في منتصف أبريل بما يمثل 35 في المائة أخرى من أصوات المندوبين بالتزامن مع المحاكمة. وهذا يعني أنه إذا فاز ترمب بتصويت ولاية أيوا (حيث يتقدم حالياً) ونيو هامبشاير ونيفادا وكارولينا الجنوبية على الرغم من المحاكمة، فإنه سيحصل على تقدم كبير يصعب على أي منافس التغلب عليه. وعلى الرغم من ذلك، لا توجد توقعات أو إمكانية للتنبؤ بكيفية رد فعل الحزب الجمهوري والناخبين المستقلين على الجدل القانوني الذي سيستمر أياماً متوالية، وكيف سيكون تأثير المحاكمة، بحلول المؤتمر الحزبي الثاني للجمهوريين.

هل ينهار ترمب؟ هل يمكن أن ينهار ترمب تحت وطأة التحديات القانونية التي يوجهها وتحمل مخاطر أن يخسر بها ترشيح الحزب الجمهوري؟ فعلى الرغم من تفوق ترمب بفارق يتجاوز الضعف عن أي مرشح جمهوري آخر، فإن صورته في جلسات المحاكمات المتكررة قد تكون الطريقة الأكثر ترجيحاً لخسارته.
ويقول المحللون إنه ليس هناك ما يشير إلى أن احتمالات عقوبة الإدانة بالسجن ستكون كافية لهزيمة ترمب في الانتخابات التمهيدية، وربما فقط ستكون كافية لإضعاف موقفه، لكن في النهاية ستكون صورة ترمب داخل المحاكم، وفي موعد يسبق «الثلاثاء الكبير» كافية ليستفيد منها منافسو ترمب. وإذا نجا ترمب سياسياً من تأثير المحاكمة (قبل الإدانة واحتمالات عقوبة السجن) فيمكنه الدعاية والترويح أنه شخص لا يمكن التغلب عليه، وهو ما يمكن أن يعطي زخماً كبيراً لحملة ترمب، ويستنفر منافسيه لاستبداله. لكن الخبراء يشككون في إمكانية الإطاحة بترمب في مؤتمر الحزب الجمهوري ويقولون إنها ستكون عملية صعبة للغاية، فقد تمنح المحاكمة حافزاً لدى المرشحين الآخرين لإضعاف ترمب، لكنهم لن يتمكنوا من الإطاحة به خصوصاً إذا احتشد الجمهوريون للدفاع عنه.
وأثار استطلاع أجرته كلية «إيمرسون» غضب ترمب الشديد؛ فقد أظهر انخفاض نسبة تأييد الحزب الجمهوري له بنسبة 6 في المائة، وأن نصف الناخبين الجمهوريين (50 في المائة) يخططون للتصويت لصالح ترمب، بما يعني تراجع 6 نقاط منذ الاستطلاع الذي أُجري الأسبوع الماضي قبل المناظرة، بينما حصل رون ديسانتوس على 12 في المائة بزيادة نقطتين مئويتين على الأسبوع الماضي، يليه رجل الأعمال فيفيك راماسوامي بنسبة 9 في المائة، بانخفاض نقطة واحدة عن استطلاع ما قبل المناظرة. وحصل نائب الرئيس السابق مايك بنس على 7 في المائة من تأييد الأصوات، بزيادة 4 نقاط على استطلاع ما قبل المناظرة. وشهدت حاكمة ولاية كارولينا الجنوبية السابقة نيكي هالي أكبر زيادة في الدعم بين المرشحين الجمهوريين، حيث قفزت 5 نقاط من 2 في المائة إلى 7 في المائة. وقال سبنسر كيمبال المدير التنفيذي لمؤسسة «إيمرسون» إن التراجع الطفيف في دعم ترمب «يطرح سؤالاً حول ما إذا كان المرشحون الجمهوريون الآخرون سيكونون قادرين على حشد ما يكفي من الدعم ليكونوا قادرين على المنافسة في المؤتمرات الحزبية وموسم الانتخابات التمهيدية. وهل ستكون خطوة نحو تراجع الكثير من مناصري ترمب ومناصري (MAGA) مع وجود 91 تهمة ضده؟».

