يوليوس روبرت أوبنهايمر VS جون ماكارثي!

روبرت أوبنهايمر في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بنيوجيرسي الأميركية (أ.ب)
روبرت أوبنهايمر في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بنيوجيرسي الأميركية (أ.ب)
TT

يوليوس روبرت أوبنهايمر VS جون ماكارثي!

روبرت أوبنهايمر في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بنيوجيرسي الأميركية (أ.ب)
روبرت أوبنهايمر في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بنيوجيرسي الأميركية (أ.ب)

يقول العلماء إن الشمس تشبه غوّاصة نووية كبيرة، لكن في الفضاء. فيها تفاعلات نوويّة تدمج ذرّات الهيدروجين مع بعضها قسراً، فتحوّلها إلى هيليوم. تُنتج عمليّة الاندماج هذه كميّة من الطاقة كبيرة جدّاً. تُقاس هذه الطاقة بمعادلة آينشتاين الشهيرة «e=mc2». في هذه المعادلة يعد آينشتاين أن المادة والطاقة هما الشيء نفسه.

حوّل أوبنهايمر معادلة الشمس التفاعليّة إلى التطبيق العمليّ على مستوى الكرة الأرضيّة عبر مشروع مانهاتن. كما سرّعت أميركا هذا المشروع؛ لأنها كانت على سباق محموم مع ألمانيا النازيّة، فيمَن سيصل أوّلاً إلى صنع القنبلة. فكانت القنبلة النوويّة التي حسمت الحرب مع اليابان، وردعت الاتحاد السوفياتي بقيادة جوزف ستالين من تحويل كلّ أوروبا إلى اللون الأحمر بعد سقوط هتلر. ويقول بعض المحللين، إن استعمال القنبلة في اليابان، هدف أيضاً إلى ردع ستالين من التوسّع شرقاً على حساب اليابان، وذلك بعد إعلانه الحرب عليها.

منظر جوي بعد أول انفجار ذري بموقع اختبار ترينيتي في نيومكسيكو بالولايات المتحدة في 16 يوليو 1945 (أ.ب)

يقول البعض إن القنبلة النوويّة أزعجت تركيبة العالم القديم وأسسه. وغيّرت قواعد السلم والحرب. فهي أدخلت عامل قوّة جديداً، ضرب كل موازين القوّة القديمة. استُعملت مرّة واحدة فكانت كافية لإظهار مدى قوّة التدمير التي تحتويها. وبذلك، تكون القنبلة قد أرست قواعد جديدة لمنظومات الردع.

ظل السلاح النوويّ على هامش الحروب التقليديّة، لكنه منع بطريقة ما، الحرب المباشرة بين القوى العظمى. وبغضّ النظر عن الأزمة الكوبيّة في عام 1961، حلّت الحروب ذات الحدّة المنخفضة، بدل الحروب الشاملة. أصبحت القنبلة محطّ اهتمام دول العالم. فهي تعكس المستوى العلميّ والتكنولوجي المتقدّم للدولة التي تملكها. وهي أيضاً، تشكّل حصانة وقوّة ردعيّة، كما عامل توازن بين الأقوى والأضعف. هي عامل ردع ضدّ العدوان الخارجيّ.

بعد 78 سنة على التجربة الأولى للقنبلة، يُعرض حالياً في دور السينما فيلم «أوبنهايمر»، بحيث تزامن مع عرض فيلم «باربي». وبدأ الحديث عن سباق على شبابيك التذاكر؛ من سيحتلّ المركز الأوّل. يقول بعض المحلّلين، إن لكلّ من الفيلمين تداعيات سيّئة على العالم وعلى أميركا، لكن كيف؟ للقنبلة تأثيرات على الصراع العالميّ، على البيئة وعلى الحروب.

أما فيما خصّ «باربي»، فالتأثير السلبي كان على الصورة النمطيّة للمرأة التي عمّمتها باربي، خاصة في الشكل. بعد مرور 68 عاماً على ابتكار تسمية «الذكاء الاصطناعيّ» من قبل جون ماكارثي، يدور حالياً جدل عمّن هو فعلاً أبو هذا الذكاء؛ أهو جون ماكارثي العالم الأميركيّ أم هو العالم الإنجليزيّ الان تورينغ؟ عرّف ماكارثي الذكاء الاصطناعيّ على أنه علم هندسة صناعة الآلات الذكيّة. أما تورينغ، فهو من فكّك تشفير الآلة الألمانيّة العسكريّة «إينيغما»، الأمر الذي ساهم في تقصير مدّة الحرب العالميّة الثانية. بعد التفجير الأوّل للقنبلة، قال أوبنهايمر: «الآن أصبحت الموت، مُدمّر العوالم». فماذا لو تزاوج السلاح المدمّر للعوالم مع الذكاء الاصطناعيّ؟ لكن ما هو الفارق بين الذكاء الاصطناعي والسلاح النوويّ؟

الدمار الذي خلفته القنبلة الذرية في مدينة هيروشيما اليابانية عام 1945 (موقع الأمم المتحدة)

* اخترعت أميركا كلّاً من السلاح النوويّ، كما الذكاء الاصطناعيّ.

* بدأ السلاح النوويّ في أميركا أوّلاً. تمّ خرق الاحتكار من الاتحاد السوفياتيّ. وبعده توالت عمليّة انتشار السلاح على الشكل التالي: من القوى العظمى، إلى القوى الكبرى، إلى القوى الكبرى الإقليميّة. ومن يدري، فقد يصل السلاح إلى لاعبين من خارج إطار الدولة (NSA).

* عُدت مرحلة الانتشار الأولى، وكأنها العصر الأوّل للسلاح النوويّ. تجري القوى العظمى والكبرى حالياً عمليات تحديث لكل ترسانتها النوويّة القديمة، وذلك عبر إدخال التكنولوجيا الجديدة، إن كان في الدقّة، أو حجم التفجير (Yield)، أو وسيلة الإيصال للقنبلة، مثل الصواريخ الفرط صوتيّة. كما تعدّل هذه الدول استراتيجياتها النوويّة.

* بدأ عصر الذكاء الاصطناعي في أميركا، لكنه، بعكس النوويّ، لم يتّبع نفس طريقة الانتشار، حتى يمكن القول إن أميركا لم تحتكر الذكاء الاصطناعي قَطّ، كما احتكرت السلاح النوويّ.

* وأخيراً وليس آخراً، كان مشروع مانهاتن النوويّ سريّاً للغاية، وتحت إشراف الجيش الأميركيّ، وفي مكان صحراوي بعيد عن الحضارة. أما الذكاء الاصطناعي، فهو اليوم مع الشركات الخاصة، وتحت إشرافها وسيطرتها. وجُلّ ما يمكن للدولة أن تفعله الآن، هو السعيّ الجدّي لتشريع تكنولوجيا جديدة لا تفهمها، ولا تستطيع حتى اللحاق بسرعة التغيير فيها.


مقالات ذات صلة

الصين تعرض على تايوان «إعادة التوحيد» مقابل تزويدها بالطاقة

آسيا ناقلة نفط تُوجَّه إلى الرصيف في ميناء تشينغداو بمقاطعة شاندونغ شرق الصين (أ.ف.ب)

الصين تعرض على تايوان «إعادة التوحيد» مقابل تزويدها بالطاقة

الصين تعرض على تايوان «إعادة التوحيد» مقابل تزويدها بالطاقة وتايبيه ترفض مطالبات بكين بالسيادة وتقول إنها أمنت إمدادات بديلة لأشهر

«الشرق الأوسط» (بكين)
أعمال البناء في محطة «أكويو» النووية لتوليد الكهرباء في ولاية مرسين جنوبي تركيا (أ.ف.ب)

تركيا تجري محادثات حول الطاقة النووية مع روسيا والصين وكوريا الجنوبية

قال وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار الأربعاء، إن بلاده ترغب في بناء أربعة مفاعلات نووية في إقليم سينوب في الشمال وأربعة أخرى في منطقة تراقية.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
العالم المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (يسار) يصافح المدير العام لشركة «روساتوم» الروسية الحكومية للطاقة الذرية أليكسي ليخاتشيف خلال حديثهما مع وسائل الإعلام عقب المشاورات المشتركة بين روسيا والوكالة الدولية في موسكو في 13 مارس 2026 (رويترز)

مدير «الطاقة الذرية»: نسعى للتوصل إلى اتفاق نووي جديد بين أميركا وإيران

أعلن مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن الوكالة تسعى للتوصل إلى اتفاق نووي جديد بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا ناشط من منظمة «غرينبيس» يحمل لافتة على سطح شاحنة خلال احتجاج خارج قمة الطاقة النووية التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية في باريس (أ.ب)

ناشطان من منظمة «غرينبيس» يقتحمان منصة قمة نووية في فرنسا

اقتحم ناشطان من منظمة «غرينبيس» المنصة ​في بداية قمة نووية عالمية في فرنسا، اليوم الثلاثاء، وقاطعا الرئيس إيمانويل ماكرون.

«الشرق الأوسط» (باريس)
آسيا المفاعلات في اليابان واجهت عقبات كبيرة مرتبطة بمدى سلامتها بالإضافة إلى معارضة عامة لإعادة تشغيلها (رويترز)

اليابان: مطالب بإحياء محطات الطاقة النووية لمواجهة تأثير حرب إيران

أغلقت اليابان جميع مفاعلاتها النووية البالغ عددها 54 مفاعلا ، والتي كانت توفر حوالي 30 بالمئة من كهرباء البلاد ، في أعقاب كارثة مفاعل فوكوشيما داييتشي النووي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

عميلان سابقان في «إف بي آي»: فُصلنا بسبب التحقيقات في ملف ترمب

مدير «إف بي آي» كاش باتيل (أ.ب)
مدير «إف بي آي» كاش باتيل (أ.ب)
TT

عميلان سابقان في «إف بي آي»: فُصلنا بسبب التحقيقات في ملف ترمب

مدير «إف بي آي» كاش باتيل (أ.ب)
مدير «إف بي آي» كاش باتيل (أ.ب)

أقام عميلان سابقان في مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، تم الاستغناء عن خدماتهما العام الماضي، دعوى قضائية فيدرالية، الخميس، زعما فيها أنهما فُصلا «لسبب وحيد»، هو مشاركتهما في التحقيقات التي استهدفت مساعي الرئيس دونالد ترمب لقلب نتيجة انتخابات 2020.

والعميلان، اللذان لجآ إلى القضاء تحت اسمين حركيين هما «جون دو 1» و«جون دو 2»، ليسا الوحيدين في هذه القضية، بل يمثلان نموذجاً لحملة تسريحات أوسع طالت العشرات ممن عملوا في تحقيق الانتخابات، المعروف باسم «أركتيك فروست».

وتأتي هذه الدعوى كأحدث تصدع قانوني في جدار إجراءات التصفية الوظيفية التي يشرف عليها مدير هذا الجهاز الأمني كاش باتيل، والتي تستهدف بالدرجة الأولى الذين ساهموا في التحقيقات في ملفات الرئيس الجمهوري، أو الذين لم ينسجموا مع رؤية الإدارة الجديدة.


غابارد: أهداف أميركا في إيران تختلف عن أهداف إسرائيل

تولسي غابارد ‌مديرة المخابرات الوطنية الأميركية خلال جلسة استماع في الكونغرس (أ.ف.ب)
تولسي غابارد ‌مديرة المخابرات الوطنية الأميركية خلال جلسة استماع في الكونغرس (أ.ف.ب)
TT

غابارد: أهداف أميركا في إيران تختلف عن أهداف إسرائيل

تولسي غابارد ‌مديرة المخابرات الوطنية الأميركية خلال جلسة استماع في الكونغرس (أ.ف.ب)
تولسي غابارد ‌مديرة المخابرات الوطنية الأميركية خلال جلسة استماع في الكونغرس (أ.ف.ب)

قالت تولسي غابارد ‌مديرة المخابرات الوطنية الأميركية، اليوم الخميس، إن الأهداف الأميركية من الحملة العسكرية على إيران تختلف عن أهداف إسرائيل، إذ تركز إسرائيل على شل قيادة إيران، في حين يركز الرئيس دونالد ترمب على تدمير ​برنامج إيران للصواريخ الباليستية وقوتها البحرية.

وأضافت، خلال جلسة الاستماع السنوية بشأن التهديدات العالمية للولايات المتحدة في لجنة المخابرات بمجلس النواب: «الأهداف التي حددها الرئيس مختلفة عن الأهداف التي حددتها الحكومة الإسرائيلية»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وتابعت: «يمكننا أن نرى من خلال العمليات أن الحكومة الإسرائيلية تركز على القضاء على قدرات القيادة الإيرانية. الرئيس حدد أن أهدافه هي القضاء على قدرات إطلاق الصواريخ الباليستية من إيران، وقدرات إنتاج تلك الصواريخ وعلى القوة البحرية».

وسعت الولايات المتحدة وإسرائيل مراراً إلى إبراز تنسيقهما الوثيق في هجومهما الجوي المشترك على إيران، ‌لكنّ مسؤولين من الجانبين ‌أقروا بأن أهدافهما ليست واحدة.

تولسي غابارد ‌مديرة المخابرات الوطنية الأميركية تصل الكونغرس قبل المشاركة في جلسة استماع (إ.ب.أ)

ومع اقتراب الصراع من ​إتمام ‌ثلاثة أسابيع، ​قادت إسرائيل غارات أسفرت عن مقتل رجال دين وقادة عسكريين إيرانيين، في حين ركزت الولايات المتحدة على ضرب مواقع مرتبطة ببرنامج الصواريخ في البلاد.

وأصدرت إدارة الرئيس الجمهوري رسائل متضاربة حول حالة البرنامج النووي الإيراني، ففي الفترة التي سبقت الحرب، قال بعض كبار المسؤولين في الإدارة إن إيران على بُعد أسابيع من تطوير سلاح نووي، على الرغم من أن آخرين، ومنهم الرئيس، قالوا إن حملة أميركية إسرائيلية سابقة الصيف الماضي دمرت برنامج أسلحتها. وأكدت إيران أن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية.

وقالت غابارد، خلال جلسة ‌الاستماع التي استمرت ساعتين ونصف الساعة في مجلس النواب ‌اليوم، إن أجهزة المخابرات الأميركية لديها «ثقة عالية» في ​أنها تعرف أين تحتفظ إيران ‌بمخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، لكنها رفضت مناقشة ما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك ‌الوسائل لتدميره خلال جلسة علنية.

الهجوم على حقل غاز

برزت هذه الفجوة، مساء أمس الأربعاء، عندما قال ترمب، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إن واشنطن «لا تعرف شيئاً» عن الهجوم الإسرائيلي على حقل الغاز الإيراني بارس الجنوبي، الذي أعقبته إيران بهجوم على بُنى تحتية للطاقة في ‌قطر، وإن إسرائيل لن تهاجم الحقل مرة أخرى ما لم تهاجم إيران قطر مرة أخرى.

تولسي غابارد ‌مديرة المخابرات الوطنية الأميركية خلال جلسة استماع مشتركة في الكونغرس (رويترز)

وقالت غابارد إنه ليس لديها إجابة عندما سألها النائب الديمقراطي خواكين كاسترو عن ولاية تكساس عن سبب قرار إسرائيل ضرب البنية التحتية للطاقة الإيرانية على الرغم من دعوة ترمب إلى عدم المساس بتلك المنشآت.

وظهرت غابارد في مجلس النواب لليوم الثاني على التوالي من الإدلاء بالشهادة، وذلك بعد أن أدلت هي ومدير وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) جون راتكليف ومديرو وكالات مخابرات أخرى بشهادتهم أمام لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ أمس.

وفي كلتا الجلستين، سُئلت غابارد عما إذا كانت تشعر بأن إيران تُشكّل تهديداً «وشيكاً» للولايات المتحدة يبرر الهجوم الجوي الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل، والذي بدأ في 28 فبراير (شباط).

وأصبح جو كينت، الذي كان يرأس المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، يوم الثلاثاء، أول مسؤول كبير في إدارة ترمب يستقيل ​بسبب الحرب على إيران، قائلاً إن إيران ​لا تُشكل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة.

وقالت غابارد في جلستي الاستماع إن الأمر متروك لترمب وحده لتحديد ما إذا كانت الولايات المتحدة تواجه تهديداً وشيكاً.


رئيسة وزراء اليابان تلتقي ترمب في مهمة محفوفة بالمخاطر

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء اليابانية تاكايتشي في البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء اليابانية تاكايتشي في البيت الأبيض (رويترز)
TT

رئيسة وزراء اليابان تلتقي ترمب في مهمة محفوفة بالمخاطر

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء اليابانية تاكايتشي في البيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء اليابانية تاكايتشي في البيت الأبيض (رويترز)

تلقي الحرب في إيران بظلالها على لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، الخميس، وهو أول لقاء بعد فوزها الكبير في الانتخابات في فبراير (شباط) الماضي. ويأتي اللقاء وسط مخاوف أن تتعرض لضغوط وإحراج علني من الرئيس ترمب للاستجابة لطلبه الانضمام إلى تحالف لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وإرسال سفن لمرافقة ناقلات النفط التي تمر عبر المضيق. وقد عبرت تاكايتشي عن رفضها الانضمام لهذا التحالف، لكن اللقاء سيكون اختباراً لمدى الضغط الذي يمكن أن يمارسه ترمب، ومدى قدرة رئيس الوزراء اليابانية على الموازنة بين عدم إغضاب ترمب، وبين عدم الانجرار إلى المشاركة بالحرب في إيران.

الرئيس الأميركي ورئيسة الوزراء اليابانية خلال لقاء على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» (أ.ب)

وقبل اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي كان من المقرر أن يركز اجتماع تاكايتشي على استثمارات اليابان في الولايات المتحدة، وزيادة الإنفاق الدفاعي، ومناقشة القمة المؤجلة بين الرئيس ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ. لكن بعد إعلان اليابان بشكل قاطع رفضها المشاركة في التحالف الدولي الذي اقتراحه ترمب لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، سيكون من الصعب ألا يضغط الرئيس ترمب على رئيسة الوزراء اليابانية لتغيير موقفها، وبالتأكيد سيركز الرئيس ترمب على مناقشة مساهمة اليابان بشكل أو بآخر في تأمين الملاحة؛ نظرا لاعتماد طوكيو على مضيق هرمز في الحصول على أكثر من 90 في المائة من وارداتها النفطية.

وقد صرحت تاكايتشي، يوم الاثنين الماضي، بأنه لا توجد خطط لإرسال سفن حربية لمرافقة ناقلات النفط في الشرق الأوسط. وبموجب الدستور الياباني لا يُسمح لقوات الدفاع الذاتي اليابانية باستخدام القوة إلا للدفاع عن اليابان، لكن منذ عام 2015 أعادت اليابان تفسير دستورها للسماح بـ«الدفاع الجماعي المحدود عن النفس»، مما يُمكّن قوات الدفاع الذاتي من مساعدة الحلفاء إذا شكّل هجومهم تهديداً خطيراً لبقاء اليابان وأمنها.

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي تلقي خطاباً في البرلمان الياباني بطوكيو 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

قد سبق لطوكيو أن قدمت دعماً لوجيستياً وخدمات لجمع المعلومات الاستخباراتية لصالح الجهود العسكرية الأميركية السابقة في منطقة الشرق الأوسط. غير أن المحللين يرون أن إرسال سفن يابانية إلى منطقة صراع سيكون أمراً محفوفاً بالمخاطر القانونية، فضلاً عن كونه أمراً يفتقر بشدة إلى التأييد الشعبي.

مهمة محفوفة بالمخاطر

وتسري التكهنات حول ما إذا كانت إدارة ترمب ستحاول إحراج رئيسة الوزراء اليابانية والضغط عليها للمشاركة خلال القمة المنعقدة بالمكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، ويقول المحللون إن الوضع سيكون صعباً للغاية؛ نظراً لأن اليابان مُلزمة بإعلان «حالة تهديد للبقاء» حتى تتمكن قوات الدفاع الذاتي من استخدام القوة، وحتى الآن تتبنى طوكيو موقفاً مفاده أن الصراع مع إيران لا يُمثل «وضعاً يُهدد بقاءها».

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في خطابها أمام البرلمان يوم الجمعة بالعاصمة طوكيو (أ.ب)

ويمتلك ترمب ورقة ضغط قوية للغاية، فاليابان تعتمد على وجود نحو 50 ألف جندي أميركي داخل أراضيها، ومجموعة قتالية حاملة للطائرات، وأسراب من الطائرات المقاتلة المتمركزة هناك في مهام ردع التهديدات التي قد تأتي من الصين وكوريا الشمالية.

وتنتاب حالة من القلق لدى حلفاء الولايات المتحدة في آسيا (ومن بينهم اليابان) من أن يدفع الرئيس ترمب إلى إعادة نشر الأصول الأمنية الأميركية خارج المنطقة، مما سيعني إضعاف قدراتهم الدفاعية في مواجهة الصين. علاوة على ذلك، استخدم ترمب سلاح الرسوم الجمركية لانتزاع استثمارات بمليارات الدولارات، وذلك في إطار مساعيه لتصحيح الخلل التجاري الهائل القائم مع طوكيو.

ويتوقع المحللون أن تتعامل تاكايتشي بحذرٍ شديد مع مسألة إرسال سفن إلى مضيق هرمز، وستحاول ترضية ترمب بالموافقة على مهام التزود بالوقود أو الالتزام بالدبلوماسية في ظل قيادة الولايات المتحدة، والرهان على إقناعه بالمخاطر التي تشكلها الصين باعتبارها أولوية لليابان.

وفي حال نجحت ضغوط ترمب ووافقت تاكايتشي على نشر أصول يابانية في الشرق الأوسط، فسيتعين عليها دفع ثمن باهظ من رأسمالها السياسي، فهناك دعم داخلي لتعزيز العلاقات اليابانية الأميركية، لكن هذا الدعم لا يشمل قيام اليابان ببسط نفوذها العسكري في منطقة الشرق الأوسط، وأن تكون مهاجماً محتملاً في الخطوط الأمامية، خصوصاً أن الرأي العام في اليابان لا يؤيد الحرب.

استثمارات

رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي تلوح للمودعين أثناء مغادرتها إلى الولايات المتحدة من مطار هانيدا في طوكيو (أ.ف.ب)

وبخلاف ملف الحرب ضد إيران، تشمل أجندة القمة مناقشة إعلان وثيقة مشتركة تحدد استثمارات بقيمة 11 تريليون ين (69.2 مليار دولار) في الولايات المتحدة تشمل بناء مفاعلات نووية من الجيل التالي، ومحطات لتوليد الطاقة تعمل بالغاز الطبيعي. وقد أبرمت الولايات المتحدة واليابان اتفاقية تجارية في يوليو (تموز) الماضي التزمت فيها اليابان باستثمار 550 مليار دولار في الولايات المتحدة مقابل قيام ترمب بخفض الرسوم الجمركية المفروضة على الصادرات اليابانية من 25 في المائة إلى 15 في المائة. غير أن تلك الرسوم قد أُلغيت لاحقاً بموجب حكم صادر عن المحكمة العليا، ليفرض ترمب بدلاً منها رسوماً جمركية عالمية بنسبة 10 في المائة.

وتسعى تاكايتشي إلى إبرام اتفاق مع إدارة ترمب يتيح لها تنويع مصادر إمداداتها من المعادن الحيوية بعيداً عن الصين، والانضمام إلى نظام «القبة الذهبية» للدفاع الصاروخي الذي طرحه ترمب، وذلك للتصدي للأسلحة الفرط - صوتية الجديدة التي يجري تطويرها حالياً في الصين وروسيا.

وإذا تمكنت تاكايتشي من العودة إلى طوكيو دون أن تلتزم بمساعدة إدارة ترمب والانجرار إلى الدخول في تحالف لحماية مضيق هرمز، فستكون قد حققت انتصاراً سياسياً، لكنها إذا أصرت على موقفها في رفض المشاركة فيمكن أن تواجه تداعيات انتقامية سيئة من إدارة ترمب بما يجعلها عبرة للدول الأخرى.