واشنطن تعزز حضورها في أفريقيا عبر «مبادرات الطاقة المتجددة»

طرحت تعاوناً مع نيجيريا ومصر وتسعى لملاحقة الصين في القارة

واشنطن تعزز حضورها في أفريقيا عبر «مبادرات الطاقة المتجددة»
TT

واشنطن تعزز حضورها في أفريقيا عبر «مبادرات الطاقة المتجددة»

واشنطن تعزز حضورها في أفريقيا عبر «مبادرات الطاقة المتجددة»

تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز استثماراتها في القارة الأفريقية عبر زيادة وتعميق حضورها في مجال «الطاقة المتجددة» بالقارة، التي تعاني نقصاً حاداً في توفير متطلبات الطاقة، رغم ما تمتلكه من موارد واعدة.

وشهدت الآونة الأخيرة زيادة ملحوظة في الاستثمارات الأميركية في مجال الطاقة الجديدة والمتجددة بالقارة السمراء، تنفيذاً لما تعهد به الرئيس جو بايدن خلال القمة الأميركية الأفريقية التي عُقدت نهاية العام الماضي، وشهدت التزاماً أميركياً بتقديم 55 مليار دولار من الاستثمارات على مدى السنوات الثلاث المقبلة، ووضع أكثر من 15 مليار دولار في شراكات استثمارية بمشروعات التنمية بالقارة، ومن بينها مجال الطاقة.

تعهدات أميركية

سبق لبايدن أن أعلن خلال مشاركته في القمة العالمية للمناخ (Cop 27) التي استضافتها مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي عن تقديم 150 مليون دولار لدعم مبادرات التكيف مع المناخ في أفريقيا، كما أشار إلى حصول مصر على 500 مليون دولار إضافية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للمساعدة في تمويل الانتقال للطاقة النظيفة.

وشدد مساعد وزير الخارجية الأميركي لموارد الطاقة، جيفري روس بيات، على رغبة بلاده في أن تصبح «الشريك المفضل للدولة الأفريقية في تحول الطاقة وتعزيز أمنها والوصول إلى الكهرباء».

وأضاف في مقابلة نشرها موقع «نايرامتريكس» (Nairametrics) النيجيري المعني بالأخبار والتحليلات المالية والاقتصادية النيجيرية والأفريقية، الأسبوع الماضي، أن الإدارة الأميركية تسعى إلى إنشاء آليات للتبادل المستمر والتعاون بين الخبراء وأصحاب المصلحة في قطاع الطاقة، مؤكداً أهمية تبادل الخبرات المكتسبة من رحلة تحول الطاقة في الولايات المتحدة، مع السعي لبناء شراكات دولية، خصوصاً مع الدول الأفريقية.

وأشار المسؤول الأميركي إلى أنه في سبتمبر (أيلول) 2022، وقّع المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص المعني بتغير المناخ، جون كيري، مبادرة الطلب على الطاقة النظيفة مع وزير البيئة النيجيري محمد عبد الله، في عهد حكومة الرئيس النيجيري السابق محمد بخاري، مؤكداً أنه بموجب المبادرة، التي تبلغ قيمتها 12 مليار دولار، ستعمل نيجيريا والولايات المتحدة معاً للحد من انبعاثات الكربون في البلاد خلال استكشاف الغاز الطبيعي للتصنيع وإمدادات الكهرباء، وزيادة استعمال مصادر الطاقة المتجددة، خصوصاً الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

استهداف لقطاع الطاقة

يتوازى التحرك الأميركي لتعزيز التعاون مع دول القارة في مجال الطاقة النظيفة مع تركيز السياسات الأميركية على تعزيز حضورها في قطاع الطاقة إجمالاً في القارة السمراء، إذ توقع مجلس المعلومات القومي الأميركي أن تعتمد الولايات المتحدة على نحو 20 في المائة من احتياجاتها النفطية من أفريقيا خلال العقد المقبل، وستوفر دول غرب أفريقيا 15 في المائة من تلك الاحتياجات.

وتعول الولايات المتحدة على إمكانية الإسهام في مساعدة الدول الأفريقية على زيادة إنتاجها من النفط والغاز، خصوصاً في ظل التقارير التي تشير إلى ارتفاع الاحتياطيات المؤكدة، إذ تبلغ احتياطيات النفط الخام، وفقاً لتقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، أكثر من 80 مليار برميل، أي ما نسبته 8 في المائة من الاحتياطي العالمي الخام، وتتركز هذه الاحتياطيات في نيجيريا (نحو 70 في المائة)، وليبيا، وغينيا الاستوائية.

وينمو قطاع الطاقة المتجددة في أفريقيا بشكل لافت، رغم أن دول القارة تمثل أقل من 3 في المائة من إجمالي الطاقة المتجددة المثبتة في العالم، ويتركز الجزء الأكبر منها في مصر والمغرب وجنوب أفريقيا، فيما تهدف أربع دول أفريقية على الأقل (الرأس الأخضر وكينيا ومالاوي وتنزانيا) إلى إنتاج طاقة متجددة بنسبة 100 في المائة بحلول عام 2050 أو قبله.

نقص التمويل والتكنولوجيا

وتمتلك الكثير من دول القارة إمكانات واعدة لتوليد الكهرباء من طاقة الشمس والرياح، إلا أنها تفتقر إلى أدوات التمويل المناسبة، وهو ما يؤكده أشا ليكي الباحث الكاميروني المتخصص في الشؤون الاقتصادية بمعهد ماكينزي، والذي يشير إلى أن أفريقيا تتمتع بإمكانات متنوعة سواء بشرياً أو مادياً، خصوصاً في مجالات الزراعة والطاقة النظيفة، إلا أن النواقص الأساسية التي تعانيها دول القارة تكمن في توافر التكنولوجيا والتمويل.

ويوضح ليكي لـ«الشرق الأوسط» أن ما شهدته دول القارة من نمو على مدار العقدين الماضيين يجعلها بحاجة إلى الاهتمام بمكون الطاقة في اقتصاداتها الناشئة، خصوصاً الطاقة المتجددة التي يرى إمكانية أن تمنح القارة «مزايا تنافسية» نظراً لتوجه العالم إلى الاستثمار في هذا القطاع، وفي ضوء تمتع معظم دول القارة بإمكانات لإنتاج هذا النوع من الطاقة.

ويرى الباحث الكاميروني المتخصص في الشؤون الاقتصادية أن قطاع الطاقة يمكن أن يكون أحد المجالات التي تؤدي فيها القروض أو الضمانات المباشرة المدعومة من الحكومة الأميركية إلى تقليل مخاطر الاستثمار الخاص في أفريقيا، مشيراً إلى أنه على الصعيد العالمي، يجري تمويل 14 في المائة فقط من الاستثمار المباشر في الطاقة المتجددة من القطاع العام، لكن في أفريقيا حيث يلعب التمويل الحكومي دوراً مهيمناً، لا يتمكن سوى عدد قليل من المشروعات من توفير رأس مال خاص كافٍ بسبب المخاطر القانونية والاقتصادية والسياسية.

ويضيف ليكي أنه مع اهتمام الولايات المتحدة بالاستثمار في هذا القطاع يمكن لأدوات تخفيف المخاطر المالية في قطاع الطاقة أن تجلب القطاع الخاص إلى خفض العبء المالي على البلدان الأفريقية المثقلة بالديون، إضافة إلى تجاوز عقبات ارتفاع تكلفة إنشاء البنية التحتية بدول القارة نتيجة الظروف الطبيعية والأمنية والسياسية على حد سواء.

عجز هائل

ووفق دراسة حديثة نشرتها مطلع العام الحالي كاتي أوث الباحثة في برنامج أفريقيا التابع لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، فإن معظم البلدان الأفريقية تصدر حالياً القليل جداً من انبعاثات الكربون، ولديها عجز هائل في الطاقة يعرض الأرواح للخطر، ويعوق التنمية الاقتصادية، ويواجه صعوبة في الحصول على تمويل للبنية التحتية للطاقة الجديدة.

ولفتت الدراسة إلى أن استراتيجية الولايات المتحدة تجاه أفريقيا جنوب الصحراء تلتزم بمساعدة البلدان الأفريقية على متابعة أهدافها المتعلقة بالحصول على الطاقة، بما يتوافق مع أولويات القارة، وأنه منذ تولى الرئيس جو بايدن منصبه في عام 2021، جعلت إدارته دعم العمل المناخي في الخارج مكوناً مركزياً في أجندة سياستها الخارجية، مع التركيز بشكل كبير على المساعدة في تسريع التحول العالمي للطاقة.

وتمتلك واشنطن في هذا الصدد مبادرات عدة منها مبادرة Power Africa، التي أطلقت عام 2013، بهدف تعزيز النمو الاقتصادي والصحة والتعليم من خلال توسيع نطاق توليد الكهرباء والوصول إليها في جميع أنحاء أفريقيا، ووفق موقع المؤسسة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) على شبكة الإنترنت، فإن أكثر من 170 شركة تعمل ضمن تلك المبادرة، حيث تعهدت باستثمارات تزيد على 40 مليار دولار في أسواق الطاقة الأفريقية.

ويشير الموقع إلى أن المبادرة تستهدف إنتاج 30 ألف ميغاواط من الطاقة النظيفة و60 مليون عملية توصيل جديدة للطاقة بحلول عام 2030.

منافسة مع الصين

ولا يخلو التحرك الأميركي من بعد سياسي، إذ لا تخفي الولايات المتحدة هدفاً استراتيجياً تسعى إلى تحقيقه، وهو الحد من النفوذ الاقتصادي الصيني في القارة الأفريقية، خصوصاً وقد باتت الصين الشريك الاقتصادي الأول لدول القارة، وبلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين نحو 282 مليار دولار عام 2022 بزيادة قدرها نحو 11 في المائة.

وتشير تقديرات صينية رسمية إلى أن حجم الاستثمار الأجنبي الصيني المباشر في أفريقيا يصل إلى نحو 44 مليار دولار، كما تملك الصين نحو 12 في المائة من ديون الدول الأفريقية التي تضاعفت أكثر من 5 مرات بين عامي 2000 و2020 لتصل إلى نحو 696 مليار دولار.

وترى الدكتورة سالي فريد أستاذ الاقتصاد ورئيس قسم السياسة والاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية العليا في جامعة القاهرة أن البعد السياسي «حاضر دائماً» في التحركات الاقتصادية في دول القارة، مشيرة إلى تنامي القلق الأميركي من التمدد الصيني اللافت في دول القارة.

وتضيف فريد لـ«الشرق الأوسط» أن التحرك الأميركي في مجال الطاقة يمثل إدراكاً من جانب واشنطن لحجم الأزمة التي تعانيها القارة في هذا المجال، خصوصاً بعد الحرب الروسية الأوكرانية، فضلاً عن رغبة الإدارة الأمريكية في تحقيق هدف مزدوج، بالعمل على تعزيز حضورها في القارة، والوفاء بالتعهدات المتعلقة بالحد من انبعاثات الكربون وتعزيز إنتاج الطاقة النظيفة.


مقالات ذات صلة

تركيا: على «الناتو» إعادة ضبط علاقاته مع ترمب في قمة أنقرة

العالم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك في أنقرة... تركيا 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ) p-circle

تركيا: على «الناتو» إعادة ضبط علاقاته مع ترمب في قمة أنقرة

قالت تركيا، الاثنين، إنه يتعيّن على دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) العمل خلال القمة المقبلة في يوليو (تموز) بأنقرة على إعادة ضبط العلاقات مع الرئيس الأميركي ترمب.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مع رئيسة وزراء إيطاليا في روما خلال مايو 2023 (الرئاسة الجزائرية)

«قمة غاز» جزائرية - إيطالية الأربعاء المقبل... وتحذيرات فرنسية من استمرار القطيعة

من بين أهداف زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية، جيورجيا ميلوني، وفق مصادر صحافية جزائرية، تعزيز التعاون الصناعي، والطاقوي عبر مختلف مراحل سلسلة الإنتاج.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحضران مؤتمراً صحافياً في برلين ألمانيا 23 يوليو 2025 (رويترز)

ماكرون يلتقي ميرتس في بروكسل الأربعاء عشية قمة للاتحاد الأوروبي

أعلنت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس سيلتقيان الأربعاء في بروكسل لتنسيق جهودهما عشية قمة للاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا وزير خارجية قبرص قسطنطينوس كومبوس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم انعقاد اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل 16 مارس 2026 (رويترز)

قبرص تستضيف اجتماعات الاتحاد الأوروبي رغم هجوم مسيّرة إيرانية على أراضيها

تستعد قبرص لاستقبال اجتماعات وزراء الاتحاد الأوروبي حسبما كان مخططاً لها في غضون الأشهر المقبلة رغم استهداف مسيّرة إيرانية على أراضيها في وقت سابق من هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» (نيقوسيا)

ترمب سيلتقي موفدي لبنان وإسرائيل خلال محادثات في البيت الأبيض

سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض خلال اجتماع في مقر وزارة الخارجية الأميركية في 14 أبريل (أ.ب)
سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض خلال اجتماع في مقر وزارة الخارجية الأميركية في 14 أبريل (أ.ب)
TT

ترمب سيلتقي موفدي لبنان وإسرائيل خلال محادثات في البيت الأبيض

سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض خلال اجتماع في مقر وزارة الخارجية الأميركية في 14 أبريل (أ.ب)
سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض خلال اجتماع في مقر وزارة الخارجية الأميركية في 14 أبريل (أ.ب)

سيلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب موفدي إسرائيل ولبنان خلال جولة ثانية من المحادثات بينهما، الخميس، في البيت الأبيض، بحسب ما قال مسؤول أميركي.

وأضاف المسؤول، طالباً عدم كشف اسمه، أن «المحادثات على مستوى السفراء بين إسرائيل ولبنان ستُعقد الآن في البيت الأبيض»، مشيراً إلى أن «الرئيس ترمب سيستقبل ممثلي البلدين لدى وصولهما»، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».


حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران... هدنة معلّقة ومضيق مخنوق

صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)
صورة نشرها «الحرس الثوري» لزورق حربي يبحر في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

في لحظة بين اللاحرب واللاسلم، تبدو منطقة الشرق الأوسط أمام معادلة مزدوجة: مسار تفاوضي لم يمت لكنه لم يُولد من جديد؛ ووقف إطلاق نار لم ينهِ القتال فعلياً بل نقل الاشتباك من الجو إلى البحر.

فبينما تواصل باكستان مساعيها لعقد جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران من دون موعد محدد حتى الآن، يزداد وضوحاً أن أزمة مضيق هرمز لم تعد مجرد تفصيل عسكري أو اقتصادي، بل أصبحت أداة التفاوض الأهم في يد إيران، وأداة الضغط الأوضح في يد الولايات المتحدة.

وفي قلب هذه المعادلة، يبرز تحول داخلي إيراني بالغ الدلالة: صعود «الحرس الثوري» من شريك في القرار إلى مركز ثقله الفعلي، وفق ما يرى مراقبون.

المعطيات المتوافرة حتى الخميس 23 أبريل (نيسان) تشير إلى أن إسلام آباد لم تنجح بعد في تثبيت موعد للجولة الثانية، رغم استمرار الاتصالات الباكستانية مع الطرفين. ونقلت وكالة «رويترز» في وقت سابق عن الخارجية الباكستانية أنه لم تتحدد مواعيد بعد لجولة ثانية، ثم عادت قبل يومين لتنقل الموقف الإيراني نفسه تقريباً: لا تاريخ جديداً قبل الاتفاق على «إطار تفاهم».

كما رحّب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بتمديد وقف النار بطلب من بلاده، فيما قال وزير الداخلية محسن نقوي، بعد لقائه القائمة بالأعمال الأميركية ناتالي بيكر، إنه يأمل «تقدماً إيجابياً» من إيران.

العقدة الأساسية

طريق خالٍ يقود إلى «المنطقة الحمراء» التي تعقد فيها جولات التفاوض بين الإيرانيين والأميركيين في إسلام آباد (أ.ف.ب)

لكن استمرار المسعى الباكستاني لا يعني أن المسار السياسي يتقدم فعلاً. فالعقدة الأساسية، وفق محللين، لم تعد فقط في تفاصيل الملف النووي أو الضمانات الأمنية، بل في ترتيب الأولويات بين الطرفين. واشنطن تريد إبقاء الحصار البحري قائماً حتى تتلقى عرضاً إيرانياً «موحداً»، بينما تعدّ طهران أن التفاوض تحت الحصار ليس تفاوضاً، بل إملاء.

هذا ما يجعل الوساطة الباكستانية حتى الآن أقرب إلى منع الانهيار الكامل منها إلى إنتاج اختراق نوعي. فإسلام آباد تحافظ على قناة التواصل، لكنها لا تملك وحدها كسر التناقض الرئيسي، وهو أن أميركا تريد استخدام الهدنة لتعظيم الضغط، وإيران تريد استخدام هرمز لتعظيم كلفة هذا الضغط.

التحول الأكثر أهمية داخل إيران، كما أظهر تقرير مفصل لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، هو أن القيادة الفعلية في ملفات الحرب والتفاوض والأمن انتقلت إلى جماعة متماسكة من قادة «الحرس الثوري» والدوائر المحيطة بهم، فيما يدير المرشد الجديد مجتبى خامنئي المشهد بصورة أقرب إلى «رئيس مجلس إدارة» لا إلى مرشد يتمتع بالهيمنة التي كان يملكها والده.

ويخلص تقرير الصحيفة، المستند إلى مقابلات واسعة مع مسؤولين وشخصيات إيرانية، إلى أن القادة العسكريين في إيران باتوا أصحاب الكلمة الأثقل في تقرير الاستراتيجية، وأنهم هم الذين دفعوا نحو تشديد المقاربة في البحر، كما أنهم هم الذين قبلوا تكتيكياً، بهدنة مؤقتة وبقنوات تفاوض خلفية حين رأوا أنها تخدم ميزان القوة.

ويقول محللون إن هذا التحول يفسر جزءاً كبيراً من التخبط الظاهر في الرسائل الإيرانية، إذ ليست المشكلة أن القرار مفقود، بل إن مركزه تبدّل. فبدلاً من هرمية دينية - سياسية صارمة، ثمة الآن قيادة أمنية - عسكرية جماعية ترى الحرب والتفاوض وإدارة الاقتصاد، حلقات في معركة بقاء واحدة.

لذلك لم يعد ممكناً فهم موقف طهران من المفاوضات بعيداً عن منطق «الحرس الثوري»، المتمثل في أن أي تسوية يجب أن تُبقي لإيران ورقة ردع فعلية، وأهم هذه الأوراق اليوم ليست الخطاب الآيديولوجي ولا حتى البرنامج النووي وحده، بل القدرة على شلّ الملاحة في مضيق هرمز، أو تنظيمها بشروط إيرانية.

هرمز منصة مساومة

لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

المضيق اليوم ليس مغلقاً بالكامل بالمعنى التقني، لكنه معطّل تجارياً. ووصفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية الوضع بأنه انتقال من الحرب الجوية إلى «مأزق خانق» في هرمز، مع بقاء وقف النار هشاً واستمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية.

ووفق صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد انخفضت حركة السفن عبر المضيق من نحو 130 سفينة يومياً قبل الحرب إلى مستويات متدنية جداً، بينما تواصل إيران مهاجمة أو اعتراض السفن، بما يبقي حرية الملاحة اسماً بلا مضمون.

كما نقل عن بيانات ملاحية أن 187 سفينة فقط عبرت منذ بدء الإغلاق، أي بمعدل 4 سفن يومياً، مقارنة بأكثر من 130 عادةً. وهذا ما يجعل طهران تشعر بالنجاح وربما الانتصار في هذه الحرب. كما أنها لا تحتاج إلى إغلاق محكم كي تنتج الأثر نفسه، ويكفي أن تجعل المرور ممكناً على نحو استثنائي، أو أن يخضع للخوف والانتظار والمخاطرة، ما يعني أن المضيق يتحول إلى أداة ضغط عالمية.

ولهذا أيضاً يحمل حديث مسؤول إيراني عن تلقي «أول إيرادات» من رسوم عبور المضيق دلالة سياسية أكثر منها مالية.

وتريد إيران تثبيت فكرة أن هرمز بعد الحرب لن يعود كما كان قبلها، وأن ثمن إعادة تدفق التجارة يمر عبر صفقة سياسية لا عبر مجرد ترتيبات أمنية.

إطلاق النار على الزوارق

قوارب وسفن تبحر في مضيق هرمز بالقرب من سلطنة عُمان (رويترز)

في المقابل، يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب منع ترسخ الانطباع بأن إيران، رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية، ما زالت تمسك بالمضيق. لذلك صعّد خطابه حين قال إنه أمر البحرية الأميركية بـ«إطلاق النار» على أي زورق يزرع ألغاماً في هرمز.

وأضاف أنه أمر بزيادة جهود كسح الألغام إلى ثلاثة أضعاف، بحسب تغريدة له على منصته «تروث سوشيال».

هذا الخطاب لا يستهدف طهران فقط، بل أيضاً الرأي العام الأميركي وخصومه الإعلاميين، في ظل تقارير شككت في سرعة استعادة القوات الأميركية السيطرة البحرية الكاملة، وكذلك قدرات إيران العسكرية التي ما تزال تمتلكها.

ومن هنا جاءت حساسية تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» الذي قال إن البنتاغون أبلغ الكونغرس في جلسة مغلقة بأن تطهير المضيق من الألغام قد يستغرق نحو ستة أشهر. وأحدثت هذه الرواية صدمة سياسية لأنها تناقض سردية الحسم السريع. لكن متحدثاً باسم البنتاغون نفى لاحقاً، وفق ما نقلته تقارير إعلامية عدة، أن يكون تقييم الأشهر الستة حكماً نهائياً أو «ممكناً» بالصيغة التي عُرض بها، وهاجم ما سماه «انتقائية» التسريبات من الإحاطة السرية، ما تسبب لاحقاً في سحب الصحيفة لتقريرها.

عملياً، لا يحسم هذا السجال السؤال العسكري بقدر ما يكشف السؤال السياسي: إذا كانت واشنطن واثقة تماماً من قدرتها على تأمين المضيق سريعاً، فلماذا لا تزال الشركات والسفن تتصرف كما لو أن الخطر قائم؟

معادلة الحصار

المأزق الحالي يمكن اختصاره بمعادلة واحدة، وهي أن أميركا تحاصر الموانئ الإيرانية لتخنق الاقتصاد وتدفع طهران إلى تقديم تنازلات؛ وإيران تخنق هرمز لتُظهر أن حصارها ليس مجانياً على العالم.

وحذرت «وول ستريت جورنال» من أن استمرار هذا الوضع يرفع أخطار تباطؤ اقتصادي عالمي حاد، مع تجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل، بينما أشارت «نيويورك تايمز» إلى أن إيران، رغم الخسائر العسكرية الكبيرة، ما زالت تحتفظ بقدرة كافية لردع الملاحة التجارية وإبقاء المضيق رهينة مساومة.

وفي الوقت نفسه، أشار قائد القيادة الأميركية المركزية «سنتكوم»، براد كوبر، إلى وجود مروحيات «أباتشي» في محيط المضيق غرضها «إظهار الوجود والردع» وحماية تدفق التجارة، وهو اعتراف ضمني بأن الردع لم يتحول بعد إلى سيطرة مريحة ومكتملة.

لهذا، لا يبدو أن الجولة الثانية من المفاوضات، إن عُقدت في إسلام آباد، ستكون مجرد استئناف روتيني، بل ستكون اختباراً لما إذا كان الطرفان مستعدين فعلاً لتعديل هذه المعادلة.

فطهران، في ظل صعود «الحرس الثوري» ستدخل أي تفاوض وهي أكثر ميلاً إلى ربط كل تنازل برفع ملموس للحصار. وواشنطن في ظل حاجة ترمب إلى إظهار القوة وعدم التراجع، ستسعى إلى تثبيت أن الهدنة ليست مكافأة لإيران، بل فرصة أخيرة لها.


الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
TT

الجمهوريون لترسيم خرائط فلوريدا لتعويض خسارتهم في فيرجينيا

من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)
من إجراءات تسجيل الناخبين خلال عملية الاقتراع في أرلينغتون بولاية فرجينيا (أ.ف.ب)

في ظل الجدل المتصاعد بشأن إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في كثير من الولايات الأميركية، أمر قاضٍ في فيرجينيا بمنع المصادقة على نتائج استفتاء لترسيم جديد يصب في مصلحة الديمقراطيين بالولاية، ونقل الجمهوريون المعركة إلى فلوريدا، في محاولة لإعادة التوازن مع خصومهم قبل أشهر من الانتخابات النصفية للكونغرس.

وأدى فوز الديمقراطيين في استفتاء فيرجينيا إلى منحهم أفضلية في خريطة يمكن أن تمنح حزبهم 4 مقاعد إضافية في الانتخابات النصفية التي تجرى في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وكان الجمهوريون حصلوا على مكاسب بعد سلسلة إجراءات بدأوها العام الماضي في تكساس، بطلب من الرئيس دونالد ترمب. ومنذ ذلك الحين، تحول «التلاعب» بالدوائر الانتخابية، وهي ممارسة راسخة في البلاد كل 10 سنين، حرباً بين الحزبين الرئيسيين.

حاكم فلوريدا رون دي سانتيس خلال اجتماع في البيت الأبيض بواشنطن العاصمة (رويترز)

وبعدما أعاد الجمهوريون رسم خريطة الدوائر الانتخابية في تكساس لإضافة 5 مقاعد جمهورية محتملة، ردّ الديمقراطيون في كاليفورنيا بإعادة رسم خريطة ولايتهم لإضافة 5 مقاعد ديمقراطية محتملة. كما أعادت 3 ولايات أخرى؛ هي ميسوري ونورث كارولاينا وأوهايو، رسم خرائطها لإضافة مقاعد جمهورية محتملة.

والآن، احتفل الديمقراطيون بنتيجة فيرجينيا، التي منحتهم خريطة جديدة لمجلس النواب بمقعد واحد مضمون للجمهوريين. ويتألف وفد الولاية في الكونغرس من 11 عضواً، هم حالياً 6 ديمقراطيين و5 جمهوريين. وعلى الصعيد الوطني، تعادل الديمقراطيون بشكل شبه تقريبي مع الجمهوريين في معركة إعادة رسم الدوائر الانتخابية.

اللجوء إلى القضاء

في المقابل، أمل الجمهوريون أن تُبطل المحكمة العليا في فيرجينيا نتيجة الاستفتاء. وقبل الوصول إلى تلك النقطة، أعلن الرئيس ترمب عبر منصته «تروث سوشيال» أن الاستفتاء «مزور». وكتب: «فلنرَ ما إذا كانت المحاكم ستُصلح هذه المهزلة التي تُسمى: العدالة».

وأصدر القاضي في محكمة مقاطعة تازويل جاك هيرلي قراراً بمنع مسؤولي الولاية من المصادقة على نتيجة الاستفتاء واستخدام الخرائط الجديدة. وكتب أن المحكمة «تُعلن أن كل الأصوات المؤيدة أو المعارضة للتعديل الدستوري المقترح في الانتخابات الخاصة المقررة في 21 أبريل (نيسان) 2026، باطلة».

وعلى الأثر، قال وزير عدل الولاية؛ الديمقراطي جاي جونز، إن مكتبه «سيقدم استئنافاً فورياً» ضد الحكم. وكتب في بيان: «أدلى ناخبو فيرجينيا بأصواتهم، وينبغي ألا يمتلك قاضٍ ناشطٌ حقَّ النقض على تصويت الشعب».

وإذا ما تأكدت نتيجة الاستفتاء، فإنه يبدو أن أمام الجمهوريين فرصاً متضائلة لتوجيه ضربة قوية أخرى في معارك التلاعب بالدوائر الانتخابية. إحدى هذه الفرص، في فلوريدا، تنطوي على مخاطر جسيمة.

فرغم أن حاكم فلوريدا، الجمهوري رون دي سانتيس، أشار إلى نقص مُتصوَّر في تعداد السكان بوصف ذلك مبرراً لرسم خرائط جديدة، فإن أي إعادة تقسيم للدوائر في الولاية ستواجه على الأرجح طعوناً قضائية. كما أن الدوائر الجديدة ذات الميول الجمهورية قد تشتت الناخبين الجمهوريين بشكل كبير؛ مما يُعرض بعض شاغلي المناصب لخطر أكبر بفقدان مقاعدهم.

وأصابت نتائج الاستفتاء الجمهوريين بالإحباط، فتحركوا سريعاً لإعادة رسم الخريطة الانتخابية في فلوريدا، حيث يسيطرون على منصب الحاكم ويتمتعون بأكثرية ساحقة في المجلس التشريعي. لكنّ ثمة شكوكاً متصاعدة داخل الحزب بشأن استراتيجيته الأوسع. وقال المستشار الجمهوري ستيوارت فيرديري: «أنفق الطرفان مئات الملايين من الدولارات للعودة إلى نقطة البداية، وعموماً، انتهى الأمر بخسارة الجمهوريين».

تحذير من المخاطر

رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال حملة انتخابية في فيرجينيا (رويترز)

وأفاد خبير الاستطلاعات جون كوفيلون؛ الذي عمل مع مرشحين جمهوريين، بأن «ما يُريد الجمهوريون في فلوريدا فعله محفوفٌ بالمخاطر». وأضاف أن المناخ السياسي الحالي يُشكّل مخاطر خاصة أمام أي تلاعب عدواني بالدوائر الانتخابية يهدف إلى تحقيق مكاسب قصيرة الأجل.

ودعا دي سانتيس المشرعين في الولاية إلى جلسة استثنائية لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية. ولكن قبل أقل من أسبوع من بدء الجلسة، التي أُجّلت، لم يكشف بعدُ عن خريطة جديدة ليعرضها المشرعون. وأبدى مشرعو فلوريدا اهتماماً ضئيلاً بإعادة تقسيم الدوائر، ولا يُتوقع منهم اقتراح خرائط خاصة بهم.

وقال عضو الكونغرس الجمهوري السابق عن جنوب فلوريدا، كارلوس كوربيلو، إن «كل مبادرات إعادة تقسيم الدوائر هذه ضارة»، محذراً بأن حزبه يُخاطر بإضعاف فرص الجمهوريين في بعض الدوائر، وتقويض الثقة بالديمقراطية الأميركية.

ومع أن فلوريدا قد تستحوذ على معظم الاهتمام على المدى القصير، فإن قضية أمام المحكمة العليا الأميركية قد يكون لها تأثير أكبر بكثير على إعادة تقسيم الدوائر.

فإذا ألغت المحكمة هذا البند تماماً، كما بدا أنها على وشك فعله خلال المرافعات الشفوية، فيمكن أن تحاول ولايات كثيرة إعادة رسم خرائطها بسرعة. وقد يعطي قرار المحكمة العليا دي سانتيس مبرراً آخر لرسم خرائط جديدة في فلوريدا.

ومع ذلك، فإنه لا يزال من غير الواضح متى ستُصدر المحكمة حكمها في هذه الدورة، التي تنتهي في أواخر يونيو (حزيران) أو أوائل يوليو (تموز) المقبلين، علماً بأن صدور حكم متأخر، بعد انتهاء الانتخابات التمهيدية في عشرات الولايات، سيصعب على كثير من الولايات رسم خرائط جديدة قبل الانتخابات النصفية.

وعلق الناطق الأسبق باسم البيت الأبيض (في عهد الرئيس جورج دبليو بوش)، آري فليشر: «إذا كنت ستخوض معركة، فعلى الأقل انتصر فيها». وأضاف أن «الطرف الآخر سيرد دائماً. كل هذا كان متوقعاً ويمكن تجنبه. ما كان ينبغي لنا أن نبدأ هذه المعركة».