في ختام زيارته إلى فرنسا... البابا ليو يرفض العنف باسم الدين

وماكرون يحذّر من عودة القوميات

البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماع «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» في ميتز بفرنسا يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماع «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» في ميتز بفرنسا يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

في ختام زيارته إلى فرنسا... البابا ليو يرفض العنف باسم الدين

البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماع «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» في ميتز بفرنسا يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماع «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» في ميتز بفرنسا يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

رفض البابا ليو الرابع عشر، اليوم (الاثنين)، أي عنف يُرتكب باسم الدين، في أول خطاب له في ميتز، المحطة الثالثة والأخيرة من زيارته إلى فرنسا، خلال يوم يُتوقع أن يطغى عليه البعد الأوروبي بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وقال الحبر الأعظم: «إن استحضار اسم الله لإضفاء الشرعية على العنف أو القمع هو تدنيس لهذا الاسم»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ودعا البابا ليو، من أجل «المصلحة العليا للسلام» في أوروبا، إلى «التحلي بالشجاعة في التفاوض»، و«الاستعداد للتنازل عن بعض المواقف».

وقال: «للأسف، عادت الحرب اليوم إلى الظهور، حتى في أوروبا... من الضروري الانخراط في حوار صبور، والتحلي بالشجاعة في التفاوض، والاستعداد للتنازل عن بعض المواقف من أجل المصلحة العليا للسلام»، من دون أن يسمّي أي بلد، فيما تتواصل الحرب في أوكرانيا رغم محاولات الوساطة المتعددة.

وندّد بعلاقات «تزداد همجية بين البشر، وبين الدول»، منتقداً أيضاً «التباهي بالكذب، والخداع»، وحضّ أوروبا على «وضع حدّ لهذه الدوامة بفضل احترام الآخر الذي عرفت كيف تنمّيه، وتصونه».

من جهته، دعا ماكرون الاثنين أوروبا إلى استعادة «شجاعة آبائها المؤسسين»، وعدم الاستسلام لـ«الانكفاء»، و«عودة النزعات القومية»، خلال لقاء بحضور البابا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والبابا ليو الرابع عشر خلال اجتماع «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» في ميتز بفرنسا يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

وقال في اليوم الأخير من زيارة البابا لفرنسا: «أوروبا يجب أن تستعيد شجاعة مؤسسيها... الشجاعة لعدم الاستسلام للانكفاء، وكراهية الآخر، وعودة النزعات القومية التي تفرّق».

وحضر اللقاء أمير موناكو ألبير الثاني، ودوق لوكسمبورغ الأكبر غيوم، وآخرون.

وقبيل اللقاء، اعتبر سيدي عمر بن عائشة، نائب رئيس المسجد الكبير في ميتز أن استقبال البابا «شرف». وقال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «هنا أناس من جميع الديانات، وكل الطوائف مجتمعة، وهذا يسير عكس الأجواء السائدة في فرنسا مع الأطراف السياسية المتطرفة».

وميتز هي آخر محطات الزيارة التي استمرت أربعة أيام. وهي مدينة تقع في شمال شرقي فرنسا، وتناوبت السيطرة عليها مراراً فرنسا وألمانيا في الحروب الماضية.

وترتبط المدينة ارتباطاً وثيقاً بروبرت شومان، الذي يُعد أحد الآباء المؤسسين للاتحاد الأوروبي، ويقع قبره على مشارفها.

وأوضح الإليزيه أن «رئيس الجمهورية سيشارك في مراسم مغادرة البابا ليو الرابع عشر الأراضي الفرنسية»، مضيفاً أنه «أعاد تنظيم جدول أعماله ليتمكن أيضاً من حضور القداس الذي يسبق المراسم في كاتدرائية سانت إتيان في ميتز».

وتأتي رسالة البابا قبل سبعة أشهر من انتخابات رئاسية في فرنسا، تسعى خلالها قوى اليمين المتطرف، المشككة في جدوى مؤسسات الاتحاد الأوروبي والمعارضة للهجرة، للوصول إلى السلطة.

وفي مدينة ميتز البالغ عدد سكانها نحو 120 ألف نسمة، أثارت زيارة البابا أجواء حماسية، إذ امتلأت الفنادق بالكامل، وارتفعت الحجوزات في المطاعم بشكل كبير.

وأكد أسقف ميتز فيليب بالو أن الزيارة تحمل دلالة رمزية قوية، موضحاً أن المدينة تشكلت على خلفية «ثلاث حروب، من بينها حربان عالميتان».

البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماع «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» في ميتز بفرنسا يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

«استعدادات هائلة»

ويُتوقع أن يدعو البابا الأميركي، في ختام زيارته الأولى لفرنسا، أوروبا إلى استعادة الأسس التي قامت عليها لإحلال السلام في القارة.

ويتنقل البابا بسيارته المكشوفة (بابا موبيلي) في شوارع ميتز، حيث سيترأس القداس في كاتدرائية سانت إتيان التي تُعد تحفة في فن العمارة القوطية.

وشملت تلك الإجراءات عملية تفتيش أمني واسعة شارك فيها خبراء متفجرات.

وأثارت هذه الزيارة البابوية الرسمية الأولى إلى فرنسا منذ ما يقرب من عقدين حماسة وحرارة بين المؤمنين في هذه الدولة العلمانية ذات الجذور الكاثوليكية العميقة.

واحتشد أكثر من 1.3 مليون شخص لتحية البابا في باريس، ومدينة لورد بين يومي الجمعة والأحد، بحسب الفاتيكان.

وفي أبرز محطات الزيارة، عبر البابا السبت في سيارته شارع الشانزليزيه وترأس قداساً حضره نحو 800 ألف شخص، وتحوّل وسط باريس، الذي خضع لإجراءات أمنية مشددة، إلى مكان مفتوح للعبادة.

وطوال الرحلة، بدا الحبر الأعظم مبتسماً، وودوداً، وكان يتفاعل بعفوية مع الحشود، ويبارك الأطفال، وذوي الاحتياجات الخاصة.

البابا ليو إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت خلال اجتماع «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» في ميتز بفرنسا يوم 28 سبتمبر 2026 (رويترز)

وقالت كاثرين إرنست وهي متطوعة من مدينة ستراسبورغ إن لاوون «يبدو شخصاً يسهل التواصل معه».

وإلى جانب لقاء المؤمنين، استغل البابا زيارته لتأكيد الأولويات الرئيسة لحبريته، فدعا إلى السلام، والتعايش، وحذّر من فقدان الجوهر الإنساني في ظل «جنة الآلات» مع تقدّم الذكاء الاصطناعي.

وفي قصر الإليزيه الجمعة حثّ فرنسا على البقاء رائدة في مجال السلام، كما قال خلال لقاء مع المهاجرين السبت إنه من الممكن «العيش معاً بكرامة وسلام».

وفي مدينة لورد الواقعة جنوب غربي فرنسا، وهي مزار للحجاج، التقى البابا الأحد بعدد من ضحايا الانتهاكات الجنسية التي ارتكبها رجال دين، وحثّ الأساقفة الفرنسيين على محاربة هذه «الآفة».

كما شدد على أن الموت بمساعدة طبية ليس أمراً «طبيعياً»، وذلك عقب إقرار البرلمان الفرنسي هذا الإجراء هذا العام لمرضى معينين.


مقالات ذات صلة

إصابة البابا بسرطان الرئة تثير تساؤلات حول مخاطر المرض لدى غير المدخنين

صحتك البابا ليو الرابع عشر (د.ب.أ)

إصابة البابا بسرطان الرئة تثير تساؤلات حول مخاطر المرض لدى غير المدخنين

أعلن الفاتيكان، الثلاثاء، تشخيص إصابة البابا ليو الرابع عشر بسرطان الرئة، بعد خضوعه لعملية جراحية مقررة مسبقاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)

البابا يخاطب حشوداً في الفاتيكان بعد خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني

خاطب البابا ليو الرابع عشر آلاف الذين احتشدوا في ساحة القديس بطرس، الأحد، وذلك في أول صلاة أسبوعية له منذ خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني في الرئة.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
أوروبا أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)

البابا ليو يقيم قداساً في المستشفى بعد خضوعه لجراحة لاستئصال ورم سرطاني

أقام البابا ليو الرابع عشر قداساً في المستشفى الذي يتلقى فيه العلاج، بعد خضوعه لعملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني في الرئة، وفق ما أظهرت صور له.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
أوروبا البابا ليو يتحدث مع طبيبه الخاص لويجي كاربوني لدى وصوله إلى مستشفى «جيميلي» قبيل خضوعه لجراحة لاستئصال عقيدة بالرئة في العاصمة الإيطالية روما يوم 13 أكتوبر 2026 (رويترز)

البابا ليو يستأنف العمل من المستشفى بعد جراحة لاستئصال سرطان

التقى البابا ليو الرابع عشر، الخميس، أحدَ كبار مساعديه، واستأنف العمل من المستشفى، فيما أفاد الأطباء بأن رئته تعافت جيداً بعد خضوعه لجراحة لاستئصال سرطان...

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
صحتك سرطان الرئة لا يصيب المدخنين وحدهم (رويترز)

بعد تشخيص بابا الفاتيكان بالمرض... لماذا يُصاب غير المدخنين بسرطان الرئة؟

أعاد تشخيص البابا ليو الرابع عشر، البالغ من العمر 71 عاماً، بالسرطان الغدي الرئوي، تسليط الضوء على حقيقة طبية مهمة، وهي أن سرطان الرئة لا يصيب المدخنين وحدهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ماكرون بعد أعمال الشغب في فرنسا: نشعر جميعاً بالغضب والعار

لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)
لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)
TT

ماكرون بعد أعمال الشغب في فرنسا: نشعر جميعاً بالغضب والعار

لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)
لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مساء الأحد، معلقاً على تظاهرات الأمس وما رافقها من أعمال تخريب ونهب: «نشعر جميعاً هذا المساء بالغضب والعار»، داعياً إلى التمييز بين المتظاهرين الذين يعبّرون عن «مطالب مشروعة» ومرتكبي «أعمال النهب والتحطيم».

وقال ماكرون في كلمة تلفزيونية خاطب فيها الفرنسيين إن «رؤية تخريب شوارع مدننا أمر لا يحتمل»، مؤكداً «دعمه» لأصحاب المتاجر والمحلات التي تعرضت للنهب.

وأوردت حصيلة صادرة عن وزارة الداخلية الفرنسية أنه تم اعتقال نحو 2400 شخص، أمس، في فرنسا، خلال يوم من الاحتجاجات ضد غلاء المعيشة تخللته أعمال عنف، فضلاً عن إصابة نحو 1000 من عناصر الشرطة والدرك جروح سبعة منهم خطيرة.


«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

تبادلت روسيا وأوكرانيا هجمات واسعة استهدفت منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية، في تصعيد جديد يهدد بتوسيع تداعيات الحرب على المدنيين، مع انقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف واندلاع حرائق في منشآت نفطية روسية، رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى هدنة في قطاع الطاقة بين البلدين.

وتكشف الضربات المتزامنة عن هشاشة المساعي الرامية إلى الحد من استهداف المنشآت الحيوية، في وقت تتبادل موسكو وكييف الاتهامات بخرق التفاهمات، بينما تتزايد المخاوف من تأثير الهجمات على إمدادات الكهرباء والوقود مع اقتراب فصل الشتاء.

حرائق وهجمات بمئات المسيّرات

واستهدفت طائرات مسيّرة أوكرانية، ليل السبت - الأحد، منشآت نفطية وصناعية في سان بطرسبورغ ومقاطعة لينينغراد المحيطة بها، ما أدى إلى اندلاع حرائق في محطة سان بطرسبورغ النفطية ومنشأة روتشي لتخزين النفط ومستودعات صناعية في جنوب المدينة.

وقال حاكم سان بطرسبورغ ألكسندر بيغلوف إن الهجوم أسفر عن مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين نُقلوا إلى المستشفى، فيما لحقت أضرار بنحو 12 مبنى سكنياً ومنزلين. كما أعلنت شركة «أوزون» الروسية للتجارة الإلكترونية تعرض أحد مراكزها اللوجستية لضربة بطائرة مسيّرة.

وفي مقاطعة لينينغراد، قال الحاكم ألكسندر دروجدنكو إن الدفاعات الجوية أسقطت 145 طائرة مسيّرة خلال الليل، وهو أكبر عدد من المسيّرات تشهده المنطقة منذ بدء الحرب عام 2022؛ بحسب وكالة «تاس» الروسية. وأضاف أن الهجمات تسببت في انقطاع الكهرباء عن نحو 20 ألف شخص.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط 1015 طائرة مسيّرة أوكرانية فوق نحو 15 منطقة روسية خلال الليل، بينها مناطق في جنوب البلاد وغربها ومنطقة موسكو.

وامتدت الهجمات إلى البنية التحتية الرقمية؛ إذ أعلنت شبكة «في كيه» الروسية تعرض مركز بيانات تابع لها في المنطقة لهجوم، مؤكدة استمرار خدماتها بصورة طبيعية. وقالت شركة «فاير بوينت» الأوكرانية المصنعة للطائرات المسيّرة إن الجيش الأوكراني استهدف المركز.

ووصف المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الهجوم على سان بطرسبورغ بأنه دليل على مقاومة كييف، لكنه قال إن ذلك لن يغير مسار الأحداث، مؤكداً أن روسيا تواصل الرد على الهجمات الأوكرانية بضربات واسعة.

كييف تتهم موسكو بخرق الهدنة

صورة من مقطع فيديو تظهر تصاعد النيران بالقرب من محطة نفط في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات أمس (رويترز)

في المقابل، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القوات الروسية استهدفت منشآت كهرباء في مقاطعات فينيتسا وجيتومير وخميلنيتسكي وأوديسا، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف من الأسر.

وقال زيلينسكي إن الهجمات الروسية خلال الأسبوع الماضي شملت نحو 2700 طائرة مسيّرة و1700 قنبلة جوية و66 صاروخاً، معظمها باليستية. وأضاف أن روسيا نفذت 76 هجوماً على قطاعات الطاقة والنفط والغاز الأوكرانية منذ إعلان ترمب الهدنة قبل أسبوع.

وأسفرت الضربات الروسية، وفق زيلينسكي، عن مقتل شخصين وإصابة 12 آخرين، بينهم طفلان، فيما تعمل فرق الإصلاح على مدار الساعة لإعادة التيار الكهربائي.

وتأتي هذه التطورات بعد انقطاعات واسعة للكهرباء شهدتها أوكرانيا خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، في وقت تزيد فيه الحاجة إلى الطاقة مع اقتراب الشتاء.

خلاف أميركي أوكراني

كان ترمب قد دعا مراراً زيلينسكي إلى وقف استهداف مصافي النفط ومستودعاته الروسية، معتبراً أن هذه الهجمات تسهم في رفع أسعار الوقود. وتقول كييف إن ضرباتها تأتي رداً على القصف الروسي لمنشآت الطاقة الأوكرانية، وتهدف أيضاً إلى تقليص عائدات موسكو النفطية التي تمول الحرب.

لكن الهدنة المعلنة لم تمنع استئناف الهجمات؛ إذ أعلنت أوكرانيا الخميس عزمها استئناف ضرب مصافي النفط، متهمة روسيا بعدم الالتزام بالتفاهمات.

وزادت التوترات تعقيداً بعد توقيع ترمب، الجمعة، أمراً تنفيذياً علّق بموجبه عقوبات ورسوم جمركية تستهدف عائدات النفط الروسية، عقب اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استئناف صادرات الديزل الروسية إلى الأسواق الأميركية والعالمية مقابل تخفيف العقوبات. وقوبلت الخطوة بتنديد أوكراني.

وبينما تسعى واشنطن إلى احتواء التصعيد، تشير الضربات المتبادلة إلى أن منشآت الطاقة لا تزال في صلب المواجهة العسكرية والاقتصادية، وأن أي هدنة لا تحظى بالتزام متبادل ستظل عرضة للانهيار، مع استمرار تعرض المدنيين لخطر انقطاع الكهرباء وتضرر إمدادات الوقود والخدمات الأساسية.


فرنسا تواجه تداعيات أسوأ اضطرابات تشهدها منذ سنوات

حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)
حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تواجه تداعيات أسوأ اضطرابات تشهدها منذ سنوات

حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)
حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)

تواجه فرنسا تداعيات موجة من الاضطرابات الاجتماعية تعد من الأعنف منذ سنوات، بعدما تحولت احتجاجات واسعة على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة إلى أعمال عنف ونهب واشتباكات مع الشرطة، في تطور يعكس اتساع فجوة الثقة بين قطاعات من الشارع الأوروبي وحكوماتها. ولم تقتصر موجة الغضب على فرنسا، بل توسعت في دول أوروبية أخرى؛ إذ شهدت مدن إيطالية، بينها ميلانو وتورينو، مواجهات مماثلة خلال مظاهرات ضد غلاء المعيشة، فيما تصاعدت الاحتجاجات في ألبانيا على خلفية اتهامات بالفساد ونقص فرص العمل وتدهور التعليم.

وفي فرنسا، أسفرت أحداث السبت عن وفاة أحد المتظاهرين وإصابة مئات من أفراد الشرطة والمتظاهرين، فيما أوقفت السلطات نحو 1800 شخص، في حصيلة تعكس حجم التوتر الذي اجتاح مدناً عدة، من باريس إلى مرسيليا وليون وبوردو. ويزيد التصعيد الضغوط على الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، وسط مخاوف من أن تتحول المطالب الاجتماعية إلى أزمة سياسية أوسع.

احتجاجات تتحول إلى عنف

شارك أكثر من نصف مليون شخص في مسيرات شهدتها عشرات المدن الفرنسية، في حراك جمع بين احتجاجات طلابية مستمرة منذ نحو شهر واستياء اجتماعي أوسع من ارتفاع الأسعار وخفض الإنفاق العام وتراجع مستوى الخدمات الأساسية.

وبدأت التحركات على خلفية أوضاع المدارس ونقص المعلمين في ضواحي الطبقة العاملة، قبل أن تتسع لتشمل مطالب تتعلق بعدم المساواة وتكاليف المعيشة. ورغم أن غالبية المشاركين احتجوا سلمياً، استغلت مجموعات عنيفة المظاهرات لاستهداف مبانٍ عامة ومتاجر، ونهب محال فاخرة وكبرى، وإضرام النار في سيارات وممتلكات، والاشتباك مع قوات الأمن.

وفي باريس، سجلت الشرطة 855 حالة اعتقال، وهو رقم غير مسبوق في العاصمة، فيما تجاوز إجمالي الموقوفين في أنحاء البلاد 1800 شخص، وفق وزير الداخلية لوران نونيز، الذي أعلن إصابة أكثر من 500 من أفراد الشرطة. كما أُصيب متظاهرون، فيما توفي أحد المشاركين في الاحتجاجات إثر سكتة قلبية.

وقال رجل الأعمال الهولندي تايه دي بوير، الذي كان يزور باريس برفقة أطفاله، إن الأضرار التي لحقت بالفندق الذي يقيم فيه في ساحة الجمهورية اضطرته إلى إخلائه، واصفاً المشهد بأنه «أشبه بمنطقة حرب».

مدن تستيقظ على مشاهد الدمار

عامل في البلدية ينظف الشارع في اليوم التالي لاندلاع اشتباكات يوم السبت العنيفة في مدينة مرسيليا بفرنسا (رويترز)

مع بزوغ صباح الأحد، بدأت فرق النظافة والبلديات عمليات واسعة لإزالة آثار ليلة من العنف، فيما واجه السكان وأصحاب الأعمال حجم الخسائر التي خلفتها المواجهات.

وفي وسط باريس، بدت الشوارع مغطاة بالنفايات والبضائع المنهوبة، فيما تناثرت الدراجات الهوائية المحطمة وظهرت آثار الحرائق على واجهات المباني والمتاجر. وتكررت المشاهد في مرسيليا وليون، فيما امتدت الأضرار إلى مدن أخرى في شمال البلاد وشرقها وجنوبها الغربي.

وفي مدينة ليموج، أضرم مثيرو شغب النار في مبنى البلدية التاريخي المدرج ضمن مواقع التراث المحمية. وقال موريس بارات، محافظ إقليم أوت فيين، إن تدخلات الطوارئ أسهمت في إنقاذ الجزء الخلفي من المبنى.

كما شهدت بوردو اقتحام مجموعة من الملثمين مقر إقامة مسؤول محلي، فيما أكد وزير الداخلية أن مئات المتاجر تعرضت لأضرار خلال أحداث يوم السبت.

وتعهد وزير الاقتصاد رولان ليسكور بتقديم الدعم لأصحاب الأعمال المتضررين، محذراً من أن المسؤولين عن التخريب والنهب سيواجهون المحاسبة، وأن عليهم تحمل تبعات الأضرار التي تسببوا فيها.

ماكرون أمام اختبار سياسي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

وتضع الاضطرابات الحكومة الفرنسية أمام تحدٍّ مزدوج: احتواء العنف وإعادة النظام إلى الشوارع من جهة، والتعامل مع أسباب الاحتقان الاجتماعي التي غذت الاحتجاجات من جهة أخرى.

وألقى رئيس الوزراء، سيباستيان لوكورنو، بالمسؤولية عن أعمال العنف على اليسار المتطرف والمجرمين، في وقت تتزايد فيه الضغوط على السلطة التنفيذية لتقديم استجابة تتجاوز الإجراءات الأمنية.

وتكمن المعضلة الحكومية في أن الاحتجاجات لم تعد محصورة في مطالب طلابية أو اعتراضات قطاعية، بل اتسعت لتلامس قضايا تمس الحياة اليومية لشرائح واسعة، من القدرة على تحمُّل نفقات المعيشة إلى جودة الخدمات العامة والإنفاق على التعليم.

ومع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، قد تؤثر طريقة تعامل الحكومة مع الأزمة في صورتها السياسية، خصوصاً إذا استمرت المواجهات أو لم تقترن التدابير الأمنية بخطوات ملموسة لمعالجة المطالب الاجتماعية.

إيطاليا: مواجهات مشابهة

وفي إيطاليا، شهدت بعض المدن مواجهات مشابهة لما حدث في فرنسا؛ إذ وقعت اشتباكات خلال مظاهرات خرجت احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة، في مشهد يعكس امتداد الغضب الاجتماعي إلى خارج فرنسا.

وأفادت وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا» بأن ميلانو كانت بؤرة المواجهات الأبرز، حيث رشق شبان ملثمون يرتدون ملابس سوداء الشرطة بالألعاب النارية والزجاجات في ساحة بيازا دومو، وسط المدينة، وأقاموا متاريس دفعت قوات الأمن إلى التراجع مؤقتاً وانتظار وصول تعزيزات.

وامتدت الاشتباكات إلى تورينو وبولونيا وبيرغامو، حيث ألقى متظاهرون الحجارة والألعاب النارية باتجاه الشرطة. وفي ميلانو وحدها، أُصيب أربعة من أفراد الشرطة على الأقل ونحو 20 متظاهراً، فيما أُلقي القبض على أكثر من 50 شاباً، نصفهم قاصرون، وفقاً للتقارير.

وتسلط هذه الأحداث الضوء على صعوبة احتواء الاحتجاجات عندما تتداخل المطالب المعيشية مع الغضب من الأوضاع الاقتصادية، ولا سيما في ظل تصاعد الضغوط على الأسر بسبب تكاليف الحياة.

ألبانيا: الاحتجاجات ضد الحكومة

عناصر من الشرطة يسيرون وسط غاز مسيل للدموع خلال احتجاج مناهض للحكومة نظمه طلاب في تيرانا بألبانيا (رويترز)

وفي ألبانيا أيضاً، اتخذت الاحتجاجات منحى سياسياً أكثر وضوحاً، مع تصاعد الدعوات إلى استقالة رئيس الوزراء إيدي راما، على خلفية اتهامات بالفساد ونقص الوظائف وتراجع معايير التعليم.

واجتاحت مظاهرات يقودها طلاب وسط العاصمة تيرانا، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى خلال الأسبوع الماضي. وأضرم محتجون النار في مبانٍ حكومية ومصارف، واقتلعوا حجارة الأرصفة لإلقائها على الشرطة، التي ردت باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي.

ورفض راما دعوات التنحي، معتبراً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بمستقبل حكومته وحدها، بل بمسار ألبانيا نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقال في خطاب بث عبر «فيسبوك» إن على الألبان التفكير ملياً في الاتجاه الذي يريدون أن تسلكه بلادهم، محذراً من أن الاضطرابات قد تهدد هذا المسار.

وتشكل الاحتجاجات أكبر تحدٍّ يواجه راما منذ توليه السلطة عام 2013، وفوزه بولاية رابعة العام الماضي. وقد جاءت بعد أشهر من احتجاجات اتسمت بالسلمية إلى حد كبير ضد مشروع تطوير ساحلي فاخر يدعمه جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وتواجه ألبانيا منذ سنوات انتقادات تتعلق بالفساد والجريمة المنظمة وغسل الأموال، في حين تؤكد الحكومة أنها تكثف جهود مكافحة الفساد. وتسعى البلاد، إلى جانب الجبل الأسود، إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030.

وقالت الشرطة الألبانية إن 388 شخصاً وُجهت إليهم اتهامات بارتكاب جرائم خلال المظاهرات، فيما أصيب عشرات من أفراد الشرطة والمتظاهرين.

ترمب: الهجرة سبب اضطرابات فرنسا

شخص يركل عبوة غاز مسيل للدموع فيما يتجمع متظاهرون بساحة الجمهورية في باريس يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

ودخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب على خط الأزمة الفرنسية، مستخدماً منصته «تروث سوشيال» لربط الاضطرابات بالهجرة. وكتب أن هجرة أشخاص من «عالم مختلف كلياً» مزقت، على حد تعبيره، دولة كانت عظيمة في السابق، مضيفاً أن «فرنسا تحترق»، وداعياً إلى إغلاق الحدود والسيطرة على الأوضاع قبل فوات الأوان.

وكان نائبه، جي دي فانس، قد تبنى موقفاً مماثلاً؛ إذ اتهم السياسات الليبرالية الغربية باستقدام مهاجرين من دول العالم الثالث تحت شعارات التنوع والتعاطف، معتبراً أن الحكومات تجاهلت قضايا الاندماج والتوافق المجتمعي.

غير أن هذه التصريحات تمثل قراءة سياسية أميركية لأحداث فرنسا، ولا تثبت أن الهجرة هي سبب الاضطرابات. فالمعطيات الواردة عن الاحتجاجات تشير أيضاً إلى عوامل اقتصادية واجتماعية، من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة إلى عدم المساواة ونقص فرص العمل، فضلاً عن المطالب المرتبطة بالتعليم والفساد في البلدان الأخرى.

أزمة تتجاوز الحدود الوطنية

تكشف التطورات في فرنسا وإيطاليا وألبانيا عن أزمات متباينة في أسبابها المباشرة، لكنها تتقاطع في اتساع السخط الشعبي وتراجع الثقة بقدرة السلطات على الاستجابة لمطالب المواطنين.

ففي فرنسا وإيطاليا، برزت تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات بوصفهما من أبرز محركات الاحتجاج، فيما تركز الغضب في ألبانيا بدرجة أكبر على الفساد والوظائف والتعليم، وعلى أداء الحكومة ومسار الإصلاح السياسي.

ومع ذلك، فإن تحول بعض المظاهرات إلى أعمال عنف ونهب يضيف بعداً أمنياً إلى هذه الأزمات، ويضع الحكومات أمام اختبار قدرتها على حماية الممتلكات العامة والخاصة من دون تجاهل المطالب التي دفعت المواطنين إلى الشوارع.

وبالنسبة إلى فرنسا، لا يقتصر التحدي على إعادة تنظيف الشوارع وإصلاح الأضرار، بل يمتد إلى استعادة الثقة واحتواء الاستياء الاجتماعي قبل أن يتحول إلى عامل حاسم في المشهد السياسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية. أما في بقية الدول، فتشير الاحتجاجات إلى أن التعامل مع الضغوط المعيشية والفساد والخدمات العامة بات جزءاً أساسياً من معادلة الاستقرار الداخلي، في وقت تتسع فيه رقعة الغضب من باريس إلى مدن أوروبية أخرى.