مخاوف روسية من «استفزازات» في أوروبا للتأثير على انتخابات مجلس الدوما

موسكو وكييف تتبادلان ضربات قوية والأمن الروسي يكشف إحباط هجوم على العاصمة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال اجتماع مع أعضاء بمجلس الدوما في الكرملين (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال اجتماع مع أعضاء بمجلس الدوما في الكرملين (رويترز)
TT

مخاوف روسية من «استفزازات» في أوروبا للتأثير على انتخابات مجلس الدوما

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال اجتماع مع أعضاء بمجلس الدوما في الكرملين (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث خلال اجتماع مع أعضاء بمجلس الدوما في الكرملين (رويترز)

مع انطلاق المرحلة التحضيرية النهائية للانتخابات البرلمانية في روسيا المقررة الشهر المقبل، تزايدت المخاوف في موسكو من عمليات تشويش ومحاولات للتأثير على سير عمليات الاقتراع تنطلق بدعم من بلدان أوروبية «معادية». وبعد إعلان الخارجية الروسية أنها تواجه صعوبات في فتح مراكز للاقتراع في عدد من البلدان التي تفرض قيوداً على روسيا، عكست تحذيرات دبلوماسيين مستوى القلق المتزايد من بروز محاولات للتشويش أو عمليات «استفزاز» هدفها التشكيك بالاستحقاق الانتخابي.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

ونقلت وكالة أنباء «نوفوستي» عن سفير روسيا المتجول، مكسيم رايدر، إن الدول التي «استشرى فيها رهاب روسيا بين معظم النخب الحاكمة تُثير أكبر قدر من القلق لدينا قبيل انتخابات مجلس الدوما». ويشمل ذلك، وفقاً للدبلوماسي، دول حوض البلطيق (لاتفيا وإستونيا وليتوانيا) وبولندا وهولندا وجمهورية التشيك.

ولم يستبعد «وقوع استفزازات مباشرة» في يوم الانتخابات في مراكز الاقتراع بالخارج.

ورأى أن تلك البلدان «تُشكل أرضاً خصبة للموالين لأوكرانيا، ونتوقع أن يثير (الناشطون) الأوكرانيون و(الناشطون الاجتماعيون) المحليون الذين يدعمونهم استفزازات حول بعثاتنا الدبلوماسية».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال حضوره حفل توزيع جوائز بعد اجتماع مع برلمانيين روس في الكرملين (أ.ب)

وكانت الناطقة باسم الخارجية ماريا زاخاروفا قد حذرت في وقت سابق من احتمال وقوع استفزازات ضد بلادها في عدد من البلدان الغربية، كما تحدثت أجهزة أمنية عن مخاوف من محاولات لشن هجمات وعمليات تخريب داخل البلاد في أثناء الاستحقاق الانتخابي. وقالت زاخاروفا إن بلادها تعتزم إرسال أكثر من 200 موظف من المكتب المركزي لوزارة الخارجية الروسية لتشكيل لجان انتخابية في الخارج.

لكن اللافت إشارتها إلى إرسال أقل من عشرة موظفين إلى أوروبا، حيث توجد أكبر جاليات روسية. وقالت إنه «لا يوجد ما يضمن حصولهم على التأشيرات اللازمة».

وتواجه الاستعدادات للانتخابات في الخارج، وفقاً للدبلوماسية، عقبات كبيرة بسبب إغلاق السفارات الروسية في بعض الدول.

ووفقاً لزاخاروفا، فإن «وضع انتخابات مجلس الدوما في دول البلطيق ومولدوفا وهولندا وبولندا والجبل الأسود وجمهورية التشيك والسويد يواجه تحديات».

ستُجرى انتخابات أعضاء مجلس النواب (الدوما) على مدى ثلاثة أيام، من 18 إلى 20 سبتمبر (أيلول). وهذه أول انتخابات نيابية تشهدها روسيا بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.

وكانت البلاد شهدت استحقاقاً انتخابياً رئاسياً في عام 2024، أسفر عن تجديد الثقة للرئيس فلاديمير بوتين لولاية خامسة وحصد أصوات 88 في المائة من الروس وفقاً للنتائج المعلنة، ما عُدَّ استفتاءً على سياساته وخصوصاً ما يتعلق بالحرب الأوكرانية والمواجهة المتفاقمة مع الغرب.

ورغم المخاوف، أعلنت لجنة الانتخابات الروسية عن فتح 312 مركز اقتراع في 152 دولة للروس المقيمين في الخارج. ووفقاً لبيانات رئيسة اللجنة إيلا بامفيلوفا يتنافس 4436 مرشحاً على مقاعد المجلس البالغ عددها 450 مقعداً. وكان اللافت أن 200 مرشح لعضوية مجلس الدوما سبق لهم أن قاتلوا على جبهات الحرب الأوكرانية، ما عكس واحداً من مستويات تأثير الحرب على العملية الانتخابية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى زيارته الطراد الصاروخي الموجه التابع للبحرية الروسية «فارياغ» في أقصى شرق جزيرة سخالين (أ.ف.ب)

ويتنافس في هذه الانتخابات 10 أحزاب روسية تقليدية سبق أن شاركت في الدورات الانتخابية السابقة، أبرزها حزب «روسيا الموحدة» الحاكم الذي منحته استطلاعات الرأي حصة الأسد عبر توقع أن يحصد أكثر من ثلث مقاعد البرلمان المقبل، ما يمنحه، مع الأخذ بالاعتبار المقاعد الفردية، سيطرة مطلقة داخل البرلمان في تكرار لمشهد الانتخابات السابقة.

ويشارك إلى جانبه الحزب الشيوعي، وحزب «الناس الجدد»، والحزب الليبرالي الديمقراطي، وكتلة «روسيا العادلة»، بالإضافة إلى الأحزاب الصغيرة التي تسعى لتجاوز نسبة الحسم وهي حزب «شيوعيو روسيا»، و«حزب المتقاعدين»، وحزب «الوطن»، وحركة «الديمقراطية المباشرة»، وحزب «الخضر».

وبمناسبة انطلاق المرحلة النهائية للاستحقاق الانتخابي، نشطت مراكز الاستطلاع في روسيا تحركاتها لرصد المزاج العام في البلاد، وأظهر استطلاع أجراه «المركز الروسي للرأي العام» القريب من دوائر السلطة أن 73.3 في المائة من الروس ما زالوا يثقون بشكل عام بالرئيس فلاديمير بوتين مقابل 22.1، وأعرب 67 في المائة عن رضاهم عن أدائه رئيساً للبلاد مقابل 21.1 أبدوا اعتراضات عليه.

بوتين خلال تفقده سفينة القيادة في أسطول المحيط الهادئ (إ.ب.أ)

وعلى صعيد الأداء الحكومي، وافق 44.5 في المائة من المشاركين في الاستطلاع على عمل الحكومة، وعارضها 23.9 في المائة، في حين حظي رئيس الوزراء ميخائيل ميشوستين بثقة 55.7 في المائة من الروس.

وتوقعت الاستطلاعات أن تنجح الأحزاب الأربعة التقليدية في تجاوز نسبة الحسم على اللوائح الحزبية، بالإضافة إلى «الناس الجدد»، وهو حزب جديد نسبياً. وجاء ترتيبها كالتالي: تصدّر حزب «روسيا الموحدة» الحاكم بنسبة 34 في المائة، يليه «الشيوعي» بـ12.3 في المائة، ثم «الليبرالي الديمقراطي» بـ10.1في المائة و«الناس الجدد» بـ8.7 في المائة، و«روسيا العادلة» بـ4.8 في المائة.

الرئيس بوتين لدى لقائه حاكم منطقة موسكو الأربعاء (رويترز)

إحباط هجوم كبير

أعلنت هيئة (وزارة) الأمن الفيدرالي الروسية اعتقال 8 أشخاص بتهمة «التحضير لهجوم إرهابي كبير على منشأة استراتيجية في مقاطعة موسكو باستخدام 35 مسيرة». وأفاد بيان أمني بأن العملية جرت قبل شهرين وتم الإعلان عنها حالياً بعد اعتقال أفراد الخلية التي خططت لها. ووفقاً للمعطيات فقد أحبط الهجوم في مراحل تنفيذه الأخيرة، بعد أن تم تهريب هذه المسيرات إلى روسيا من سلوفاكيا عبر بولندا وبيلاروسيا بمساعدة أجهزة استخبارات دول أوروبية.

وفي التطورات الميدانية، أفادت وزارة الدفاع الروسية، صباح الجمعة، بإسقاط 325 طائرة مسيرة أوكرانية فوق عدة مناطق روسية.

وأوضح البيان أنه تم إسقاط المسيرات المعادية في أجواء 16 منطقة روسية وفوق بحر آزوف والبحر الأسود.

ووفقاً للبيان العسكري، فقد شكل ذلك جزءاً من عمليات التصدي لهجمات المسيرات الأوكرانية خلال الليل. وفي المجمل دمرت الدفاعات الجوية الروسية 726 مسيرة أوكرانية.

وفي تقرير منفصل عن سير عمليات الجيش خلال اليوم الأخير، أفادت الوزارة بأن قواتها قصفت ليلاً مستودعات تحتوي على أسلحة ومعدات عسكرية تابعة للجيش الأوكراني في ميناء ريني بمقاطعة أوديسا في جنوب أوكرانيا.

وقالت الدفاع الروسية، في بيان، إنه «خلال ليلة 21 أغسطس (آب) أصابت طائرات مسيرة (روسية) مستودعات تحتوي على أسلحة ومعدات وممتلكات عسكرية في ميناء ريني»، مؤكدة أن القوات الروسية تواصل شن الضربات على البنية التحتية للموانئ الأوكرانية التي يستخدمها الجيش الأوكراني. وأضافت أن قواتها كانت قد قصفت قبل ذلك، مستودعات عسكرية في ميناءَي تشيرنومورسك ويوجني في مقاطعة أوديسا.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تبحث عن ائتلاف يحكمها

شؤون إقليمية زعيم حزب «يشار» غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

إسرائيل تبحث عن ائتلاف يحكمها

عقب انتخابات لم يتمكّن فيها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ولا منافسه الرئيسي غادي آيزنكوت من الفوز بالأغلبية صار السؤال الأبرز: كيف الوصول لائتلاف حكومي؟

«الشرق الأوسط»
شؤون إقليمية بنيامين نتنياهو (يسار) وغادي آيزنكوت (رويترز)

ما خيارات نتنياهو وآيزنكوت للحكم في غياب أغلبية واضحة؟

عقب انتخابات إسرائيلية لم يتمكّن فيها رئيس الوزراء نتنياهو ولا منافسه الرئيسي آيزنكوت من الفوز بالأغلبية، يرى كل منهما أنه قادر على الحكم؛ فما الخيارات؟

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شمال افريقيا وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت (أ.ف.ب)

«الداخلية» المغربية تستكمل مشاوراتها الحزبية حول الانتخابات المرتقبة

حددت وزارة الداخلية المغربية تاريخ 15 نوفمبر المقبل آخِر أجَل أمام الأحزاب لتقديم مقترحاتها المتعلقة بالاستحقاقات الانتخابية المرتقبة لسنة 2027.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
أميركا اللاتينية السيناتور فلافيو بولسونارو يترجل من الطائرة الني نقلته من البرازيل إلى ميامي (أ.ب)

تكاليف طائرة هروب بولسونارو سُدّدت من حساب مصرفي أميركي

سدد وسيط عبر حساب مصرفي أميركي تكاليف الطائرة التي نقلت المرشح الرئاسي البرازيلي السناتور فلافيو بولسونارو إلى الولايات المتحدة عقب هزيمته الانتخابية المفاجئة.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
شمال افريقيا الملف الليبي كان حاضراً في مباحثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع المسؤولين الروس في موسكو خلال مشاركته في القمة الروسية - الأفريقية (إ.ب.أ)

القاهرة توازن تحركاتها بين واشنطن وموسكو لحلحلة الأزمة الليبية

توازن القاهرة تحركاتها الدبلوماسية بين واشنطن وموسكو للتعامل مع المبادرات المطروحة، سعياً لدفع التسوية السياسية وإنهاء الانقسام الليبي.

علاء حموده (القاهرة)

ماذا يعني انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي كعضو منتسب؟

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)
رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)
TT

ماذا يعني انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي كعضو منتسب؟

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)
رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)

أثار المقترح التاريخي الذي تقدمت به رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في خطابها السنوي في السادس عشر من سبتمبر (أيلول) الماضي، وأعادت تأكيده في قمة مونتريال المشتركة التي اختتمت الجمعة 30 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، لمنح كندا صفة «عضو منتسب» أو شريك استراتيجي فائق، زلزالاً في أروقة الدبلوماسية الدولية، كونه يعيد تعريف مفهوم الحدود الجغرافية للاتحاد الأوروبي عبر نموذج قانوني مستحدث يقع وسطاً بين العضوية الكاملة والاتفاقيات التجارية التقليدية.

وفي العمق السياسي، لا يعني هذا التقارب انضماماً جغرافياً أو سياسياً كاملاً يمنح أوتاوا حق التصويت أو الفيتو في بروكسل، بل يتأسس بموجبه «مجلس وزاري دائم بين كندا والاتحاد الأوروبي» يتمتع بصلاحيات تنسيقية عليا لتوحيد السياسات الخارجية تجاه الأزمات الدولية قبل صدورها.

وتأتي هذه الخطوة مدفوعة برغبة رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، في تحديد صيغة «شراكة هي الأقرب لصفة العضوية» لبناء مظلة أمان دولية تحمي بلاده من تقلبات السياسة الأميركية، مع الحفاظ الصارم على السيادة الكندية، حيث لن تشهد هذه الشراكة إلغاءً للحدود، أو منحاً لحرية التنقل والإقامة التلقائية للمواطنين، كما لن تلتزم كندا بقوانين المفوضية التشريعية إجبارياً، بل ستظل تدير شؤونها كدولة مستقلة تتناغم مصالحها الهيكلية مع القارة العجوز.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لدى وصولهم للمؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)

المعادلة المالية وموازين القوى وبند التمويل الموجه

في الشق المالي، لا يفرض هذا التحالف على أوتاوا دفع رسوم العضوية التقليدية المنهكة المترتبة على الدول الأعضاء لدعم الدول الأقل نمواً في القارة، كما أنه لا يمس بقرينتها النقدية، إذ ستحتفظ كندا بالدولار الكندي كعملة سيادية بعيداً عن منطقة اليورو ومخاطرها المرتبطة بالتضخم الأوروبي.

وتعتمد الصياغة المالية الدقيقة على آلية «التمويل المشروط بالبرامج»، حيث تدفع كندا مبالغ محددة للاشتراك في صناديق استراتيجية تابعة للاتحاد، مثل صندوق «أفق أوروبا» (Horizon Europe) للبحث العلمي وصناديق الابتكار الدفاعي، مما يمنح علماءها وشركاتها نفس حقوق الملكية الفكرية والدعم المالي المتاح للأوروبيين.

وتسعى هذه الميزانيات المشتركة المستحدثة إلى ضخ استثمارات أوروبية ضخمة في البنية التحتية الكندية وتأمين سلاسل التوريد، مما يخلق بيئة استثمارية محمية من الهزات السياسية تمنح المستثمرين على ضفتي الأطلسي ثقة استراتيجية طويلة الأجل.

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (أسوشييتد برس)

الاندماج في السوق الرقمية الموحدة وتدفق التكنولوجيا

تكمن دقة هذا الانضمام في قطاعات حيوية معينة تتجاوز حدود التجارة البسيطة، حيث يتيح الاتفاق لكندا الانضمام الكامل إلى «السوق الرقمية الموحدة للاتحاد الأوروبي» (EU's Digital Single Market).

وبموجب هذا البند القانوني، تُعامل شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الكندية كأنها شركات أوروبية داخل الحدود، وتخضع للمعايير التنظيمية الصارمة نفسها مثل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي وقواعد حماية البيانات (GDPR).

هذا التوافق التنظيمي يسمح بنقل البيانات وتدفق الاستثمارات التكنولوجية بحرية كاملة، وهو امتياز استثنائي لا تمتلكه أي دولة خارج القارة العجوز، مما يعزز ريادة الطرفين في قيادة قطاعات التكنولوجيا الفائقة والابتكار الرقمي على الساحة الدولية.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لدى وصولهم إلى قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (أ.ف.ب)

بروتوكول المعاملة الوطنية وتأمين المعادن الحيوية

يمثل ملف الطاقة والمعادن الحيوية حجر الزاوية في هذا التقارب الدبلوماسي؛ إذ ينظر الاتحاد الأوروبي إلى كندا باعتبارها طوق النجاة لتأمين احتياجاته من العناصر النادرة اللازمة للصناعات التكنولوجية الثقيلة، بعيداً عن الهيمنة الصينية والروسية.

ويتضمن الاتفاق بنداً قانونياً يُعرف بـ«المعاملة الوطنية المتبادلة»، يمنح الشركات الأوروبية الحق في التقدم للمناقصات الحكومية الكندية الكبرى بالشروط والأفضليات نفسها الممنوحة للشركات المحلية والمثل بالمثل للشركات الكندية في أوروبا. وتضمن هذه الشراكة تفاصيل دقيقة تتعلق بتسهيل تدفق الليثيوم والنيكل والكوبالت الكندي إلى المصانع الأوروبية بأسعار تفضيلية وإجراءات جمركية مبسطة، في مقابل استفادة أوتاوا من التكنولوجيا الأوروبية المتقدمة في مجالات الهيدروجين الأخضر وتقنيات خفض الانبعاثات الكربونية.

اجتماع موسع مع وفدي الاتحاد الأوروبي وكندا في قمة مونتريال الجمعة 30 أكتوبر 2026 (أسوشييتد برس)

اتفاقية «سيتا» المعدلة وآليات التحكيم المرنة

يتجاوز الاتفاق الجديد حدود اتفاقية التجارة الحرة الشاملة والاقتصادية «سيتا» التي عانت لسنوات من تباطؤ التصديق عليها في بعض البرلمانات الأوروبية والتحفظات القانونية في دول مثل ألمانيا.

فالصيغة الدبلوماسية المطروحة اليوم تسعى لتجاوز ثغرات المقاضاة التقليدية بين الشركات والدول، واستبدال آليات تحكيم مرنة وسريعة بها، تضمن تدفق السلع والخدمات بلا عوائق بيروقراطية.

وتهدف هذه المعالجة القانونية إلى توحيد البيئة القانونية للاستثمار وتكامل الأسواق وتوحيد معايير السلامة المهنية والبيئية، مما يسمح للشركات الكندية بالدخول إلى السوق الأوروبية كلاعبين شبه محليين، ويمنح الصادرات الأوروبية ميزة تنافسية كبرى داخل الأسواق الكندية في وقت تتزايد فيه الحمائية التجارية حول العالم.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لدى وصولهم لختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (أسوشييتد برس)

ظلال ترمب ومناورة التنويع الكندية الكبرى

لا يمكن قراءة هذا التحالف بمعزل عن الديناميكيات السياسية في واشنطن، حيث يشكل الصعود المتجدد للرئيس الأميركي وسياساته الحمائية القائمة على فرض رسوم جمركية مشددة، الدافع الأكبر وراء الهروب الكندي نحو أوروبا. وتدرك حكومة كارني أن الاعتماد شبه المطلق على السوق الأميركية بات يمثل تهديداً للاستقرار الاقتصادي، مما جعل من تنويع الشراكات ضرورة قصوى للأمن القومي الكندي.

ويمثل هذا التقارب رسالة دبلوماسية واضحة لواشنطن مفادها أن أوتاوا تمتلك بدائل استراتيجية واقتصادية قوية، وهو ما يمنح المفاوض الكندي أوراق ضغط إضافية في أي مراجعة مستقبلية لاتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA).

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لدى وصولهم لختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)

مفهوم الحدود الذكية وحركة العمالة المتخصصة

رغم أن الانضمام لا يلغي تأشيرات السفر أو يمنح حرية التنقل المطلقة لشعوب الطرفين كشأن دول شنغن، فإنه يستحدث نظاماً دقيقاً يُعرف بـ«الممرات المهنية السريعة» لإدارة الهجرة العمالية المتخصصة.

يسهل هذا النظام اعتراف الطرفين بالشهادات الجامعية والاعتمادات المهنية بشكل متبادل وفوري للأطباء والمهندسين وخبراء التكنولوجيا الفائقة.

ويهدف هذا الإجراء إلى خلق سيولة مدروسة في حركة العمالة الماهرة لمواجهة نقص الأيدي العاملة في القطاعات الحيوية، مما يجعله اندماجاً بشرياً منتقى بعيداً عن إحداث أي اختلالات ديموغرافية عشوائية.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (أسوشييتد برس)

مستقبل التنسيق الدفاعي وحماية القطب الشمالي

يمتد البعد الجيوسياسي لهذا الاتفاق إلى التنسيق الدفاعي والأمني المكثف في مناطق التماس الحيوية، وعلى رأسها منطقة القطب الشمالي والممرات البحرية الاستراتيجية التي تشهد تنافساً محموماً مع روسيا والصين.

ويتضمن المحور الأمني تعزيز التعاون في مجال الأمن السيبراني وحماية البنية التحتية الحساسة، مثل كابلات الإنترنت البحرية وشبكات الطاقة المشتركة.

ورغم أن كندا والعديد من دول الاتحاد والتكتل ينضوون تحت لواء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن هذا الإطار الدبلوماسي الجديد يمنحهم مرونة أكبر للتحرك وبناء منظومة دفاعية وتكنولوجية موازية تضمن استمرارية التنسيق العسكري حتى في حال تراجع الالتزام الأميركي بالدفاع عن الحلفاء التقليديين.


إسبانيا تكثّف جهود تحديد هويات ضحايا تصادم القطارين... ووزير النقل يرفض الاستقالة

من موقع حادث تصادم القطارين في إسبانيا (أ.ف.ب)
من موقع حادث تصادم القطارين في إسبانيا (أ.ف.ب)
TT

إسبانيا تكثّف جهود تحديد هويات ضحايا تصادم القطارين... ووزير النقل يرفض الاستقالة

من موقع حادث تصادم القطارين في إسبانيا (أ.ف.ب)
من موقع حادث تصادم القطارين في إسبانيا (أ.ف.ب)

كثّفت إسبانيا جهودها، الجمعة، لتحديد هويات ضحايا حادث تصادم قطارين أودى بـ69 شخصاً على الأقل، الأربعاء، في وسط البلاد، في محاولة لتخفيف معاناة العائلات التي لا تزال تنتظر أي خبر عن أحبائها، وسط رفض وزير النقل الدعوات المطالبة باستقالته.

وقال رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، عقب اجتماع مع فرق الإنقاذ قرب مدينة أوردا حيث وقع الحادث، إن «كل أجهزة الدولة تعمل بلا كلل (...) لمحاولة تزويد عائلات الضحايا بأكبر قدر من المعلومات، في أسرع وقت وبأعلى قدر من الموثوقية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذا ثاني حادث تصادم قطارين تشهده البلاد في أقل من عام، بعد حادث مماثل في يناير (كانون الثاني) أودى بـ46 شخصاً.

وأكد سانشيز مجدداً «التزام» الدولة بإبقاء العائلات على «اطلاع دائم بمصير ذويهم مع استمرار عملية تحديد هويات ضحايا هذا الحادث المروع» الذي وقع عندما اصطدم قطار تابع لشركة «رينفي» الرسمية بقطار آخر لشركة «إيريو» الخاصة، كان متوقفاً على السكة الحديد على بُعد 150 كيلومتراً جنوب مدريد.

«48 عملية تشريح»

وقال خافيير باريو الذي يبحث عن زوجته التي كانت على متن أحد القطارين: «نحاول التماسك قدر الإمكان، لكننا نبكي. طفلاي إلى جانبي ويقدّمان لي دعماً كبيراً، ومع ذلك نمرّ بأوقات عصيبة جداً».

وأضاف الرجل الموجود في توليدو: «لم أتلقَّ تأكيداً بوفاتها»، لكنه أقرّ بأن «احتمالات العثور عليها على قيد الحياة ضئيلة جداً».

وقال إميليانو غارسيا-باجي، رئيس حكومة إقليم قشتالة لا مانتشا حيث وقع الحادث، إن السلطات تلقت 70 بلاغاً عن أشخاص مفقودين، قد يكونون من بين القتلى.

ولتسهيل عملية تحديد الهويات، قدّمت عائلات المفقودين عينات من الحمض النووي.

وقال غارسيا-باجي: «لا يُستبعد أن يكون عدد القتلى أكبر»، موضحاً أن فرق الإنقاذ انتشلت «جثامين كاملة»، وجمعت «ما يصل إلى 31 كيساً تحوي أشلاء بشرية، وذلك، كما يمكنكم أن تتصوروا، يجعل عملية تحديد الهويات معقدة جداً».

وأعلنت الهيئة القضائية المكلّفة هذه المهمة، مساء الخميس، إجراء «48 عملية تشريح»، وإبلاغ عائلات الضحايا بنتائج تحديد هويات خمسة منهم.

وأضاف غارسيا-باجي أن 39 جريحاً لا يزالون في المستشفيات، لكن حالتهم الصحية «تشهد تحسناً».

وتواصلت، الجمعة، عمليات البحث عن الضحايا بين حطام عربات القطار التي تحوّلت إلى كتل من الحديد، بمساعدة ثلاث رافعات ضخمة بيضاء وكلاب، رغم أنه «لم يعد هناك الكثير مما يمكن العثور عليه»، وفق ما قالت إستر باديّا، الناطقة باسم حكومة إقليم قشتالة لا مانتشا، لتلفزيون «تي في إي» الرسمي.

وزير النقل يرفض دعوات الاستقالة

بالتوازي مع عمليات تحديد هويات الضحايا، يتواصل التحقيق في أسباب الحادث وسط حالة من الذهول تعمّ إسبانيا، حيث يُعدّ القطار من وسائل النقل الأكثر استخداماً.

وأوضح وزير النقل أوسكار بوينتي أن الحادث بدأ بعطل في نظام معلوماتي أجبر عدداً من القطارات على التوقف، مشيراً إلى احتمال وقوع «خطأ بشري» في ظل «ملابسات يكتنفها الغموض».

لكن وفق المعطيات الأولية، صدرت بعد وقت قصير من العطل «تعليمات خاطئة» من مركز المراقبة تقضي باستئناف قطار «رينفي» رحلته.

واصطدم هذا القطار بعد ذلك بالقطار الآخر المتوقف «بسرعة تُقدّر بين 160 و200 كيلومتر في الساعة»، وفق مذكرة أولية صادرة عن الهيئة الإدارية المستقلة المكلّفة التحقيق في حوادث القطارات.

وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي (أ.ف.ب)

ورفض وزير النقل الدعوات المطالبة باستقالته على خلفية ثاني حادث قطارات كبير خلال فترة ​توليه منصبه. وندد نواب من مختلف الأطياف السياسية بالوزير لإرجاعه سبب الحادث إلى ‌إخلال مشغلي ‌مركز التحكم بالبروتوكول بدلاً من ​تحمل ‌المسؤولية، ⁠فيما ​طالبت نقابات ⁠عمال السكك الحديدية بإقالته فوراً.

وقال بوينتي في مؤتمر صحافي، الجمعة: «واجبي الآن ليس التركيز على مناقشة ما إذا كنت ‌سأبقى في منصبي، وإنما على حل المشكلة، وتحديد ما حدث بالضبط، وتقديم تفسيرات ⁠واضحة».

وقال سانشيز، الجمعة، إن «الثقة في نظام القطارات العالية السرعة في بلادنا قد اهتزّت»، في ظل تصاعد انتقادات المعارضة اليمينية قبل أقل من شهر على الانتخابات التشريعية المقررة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني)، والتي يسعى فيها الزعيم الاشتراكي إلى الفوز بولاية جديدة، رغم تقدّم منافسيه عليه في استطلاعات الرأي.

وختم سانشيز قائلاً إن «دور الحكومة لا يقتصر على تشخيص الوضع، بل يشمل أيضاً معرفة الأسباب وتقديم حلول تحول دون تكرار مأساة بهذا الحجم».

اقرأ أيضاً


«الكرملين» يعوّل على جولة «حاسمة» للمفاوضات الثلاثية ولا يستبعد إشراك الأوروبيين لاحقاً

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
TT

«الكرملين» يعوّل على جولة «حاسمة» للمفاوضات الثلاثية ولا يستبعد إشراك الأوروبيين لاحقاً

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

وصف «الكرملين» الجمعة، جولة المفاوضات الثلاثية المرتقبة في غضون أسبوعين، بمشاركة روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا، بأنها ستكون حاسمة لتحديد مصير تطورات الوضع.

وتم التمهيد لهذه الجولة التي ينتظر أن تعقد في أبوظبي، بعد جولات محادثات منفصلة أميركية - أوروبية - أوكرانية، وأميركية - روسية، بتحسن محدود في الأجواء المحيطة بالصراع، من خلال الاتفاق على هدنة إنسانية برعاية أميركية في إحدى المناطق الأكثر تضرراً بأوكرانيا، وفتح قناة اتصال نادرة بين روسيا والنرويج وفنلندا، رغم أن هذا تزامن مع تواصل التهديدات المتبادلة للبنى التحتية في روسيا وأوكرانيا.

وقال مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف، إن بلاده تعول على «الأهمية البالغة للمحادثات الثلاثية المرتقبة للتوصل إلى تسوية».

وأوضح في مقابلة صحافية: «نعتزم إجراء محادثات ثلاثية مع الأوكرانيين، بوساطة أميركية، وهي في الواقع حاسمة لمصير كل ما يحدث هذه الأيام وهذه السنوات».

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما في البيت الأبيض - 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

موسكو تحذر من تعرضها لهجوم

حذر أوشاكوف من أن موقف روسيا من المفاوضات سيعتمد جزئياً على ما إذا كانت كييف ستشن هجوماً واسع النطاق في يوم الوحدة الوطنية بروسيا في 4 نوفمبر (تشرين الثاني). وقال أوشاكوف لقناة «فيستي» التلفزيونية الحكومية، رداً على سؤال حول آفاق المحادثات: «إذا وقعت أي عمليات قصف استثنائية واسعة النطاق خلال فعاليات جماهيرية عامة، فمن المحتمل أن يؤثر ذلك في موقفنا بطريقة ما أيضاً. وهذا أمر منطقي تماماً».

وفي وقت سابق، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال لقائه مع المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، استعداد موسكو لاستئناف المحادثات الثلاثية بشأن أوكرانيا.

وفي تعقيب لافت حمل تطوراً محدوداً في الموقف الروسي حيال مسألة إشراك الأوروبيين في مفاوضات السلام، قال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف في تصريح لوكالة أنباء «فيستي»: «ستُعقد المحادثات بصيغة ثلاثية. نعم، ستكون المشاركة الأوروبية ضرورية في مرحلة ما، لكن لم يناقش أحد هذا الأمر بشكل محدد حتى الآن». وأضاف أن «عدد السياسيين (الأوروبيين) الذين يتواصلون مع روسيا سيزداد إذا ساد المنطق في أوروبا».

وجدد التأكيد على «انفتاح بوتين للتواصل مع الجميع بهدف التوصل إلى حل سلمي للمسألة الأوكرانية». لكنه زاد أن التواصل الأوروبي مع موسكو «لن يؤثر في هذه المرحلة بأي شكل من الأشكال على المفاوضات الثلاثية».

وكانت انفراجة محدودة قد ظهرت بعد اتصال هاتفي مشترك أجراه رئيس فنلندا ورئيس الوزراء النرويجي مع بوتين قبل يومين. ولم تحمل المكالمة جديداً على صعيد المواقف، وكرر الطرفان مواقف سابقة حول شروط التسوية، لكن الجديد برز في التوافق على مواصلة الاتصالات المباشرة لاحقاً. ومع أن المبادرة قوبلت باستياء في بعض البلدان الأوروبية، فإنها أظهرت حاجة بعض الأطراف الأوروبية إلى تنشيط قنوات الاتصال المباشرة المقطوعة مع الكرملين منذ سنوات.

وقال بيسكوف إن الرئيس بوتين منفتح أيضاً على المحادثة هاتفياً مع كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس. ورداً على سؤال حول ما سيحدث إذا اتصل ماكرون أو ميرتس بالكرملين، قال بيسكوف: «سيرد على الهاتف أيضاً. إنه (الرئيس) منفتح على الحوار مع الجميع»، وفقاً لوكالة «سبوتنيك» الروسية للأنباء.

الرئيس الأوكراني ورئيس الوزراء النرويجي والرئيس الفنلندي خلال مؤتمر صحافي مشترك في أوسلو - 20 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

موسكو تلوح مجدداً بخسائر أوروبا

على صعيد متصل، لوحت موسكو مجدداً بخسائر أوروبا، بسبب فرض عقوبات وقطع الاتصالات مع موسكو. وقال كيريل ديمتريف، الممثل الخاص لرئيس روسيا الاتحادية للاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الدول الأجنبية، ورئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي، إن قطع الاتحاد الأوروبي إمدادات الطاقة الروسية عن التكتل، جعله عاجزاً أمام شتاء قاسٍ وأسعار طاقة مرتفعة.

وجاء تعليقه على مقال نُشر في موقع «بوليتيكو» بعنوان «حكومات الاتحاد الأوروبي عاجزة أمام ارتفاع أسعار الطاقة إلى أعلى مستوى لها في 4 سنوات». ومع توقعات متزايدة بأن الشتاء المقبل سيكون صعباً، ترى موسكو أن تردد القادة الأوروبيين في إطلاق مسار لتطبيع العلاقات مع موسكو يقلص فرص مواجهة التحديات المتعلقة بنقص موارد الطاقة.

وكان دان يورغنسن، المفوض الأوروبي لشؤون الطاقة، قال الخميس، إن أكثر من 50 مليون أوروبي غير قادرين على تدفئة منازلهم بشكل كافٍ بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، وإن هذا العدد قد يرتفع هذا العام. وأضاف أن الأزمة الحالية تختلف عن الوضع في عام 2022؛ إذ إنها لا تؤثر على الغاز فحسب، بل على النفط ومشتقاته أيضاً. وقد أعلنت السلطات الروسية مراراً، أن رفض الدول الأوروبية الاعتماد على موارد الطاقة الروسية أدى إلى ارتفاع الأسعار والتكاليف على اقتصاد الاتحاد الأوروبي نفسه.

من اليمين إلى اليسار: رئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره والرئيس الأوكراني والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب (إ.ب.أ)

واللافت أن موسكو كثفت اتهاماتها للأوروبيين بسبب قطع العلاقات الاقتصادية، وللأوكرانيين بسبب مواصلة استهداف البنى التحتية للطاقة في روسيا، ورأت في العاملَين سبباً رئيسياً في تفاقم أزمة إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار الوقود والديزل في العالم. وعاد أوشاكوف الجمعة، إلى اتهام أوكرانيا بتصعيد الوضع، بسبب رفضها الانصياع لمطالب الرئيس دونالد ترمب بوقف الهجمات على مصافي النفط الروسية.

وقف الهجمات على مصافي النفط

وزاد أن الرئيس الأميركي «دعا بإصرار إلى وقف الهجمات على مصافي النفط الروسية، لكن كييف تجاهلت ذلك مجدداً»، مشيراً بذلك إلى اتهام موسكو لكييف باستئناف قصف منشآت الطاقة في اليومين الأخيرين.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في أوسلو - 20 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وأفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس (الخميس)، نقلاً عن مصادر مطلعة، بأن الجيش الأوكراني أوقف هجماته على مصافي النفط الروسية بعد ضغوط من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وذكرت الصحيفة أن الوحدات الأوكرانية التي تنفذ غارات بعيدة المدى تلقت تعليمات في منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، بأن الحملة ضد المصافي ستعلق فعلياً بمجرد الانتهاء من المهام الجارية بالفعل. وأضاف تقرير الصحيفة أن هذا التعليق غير الرسمي من المتوقع أن يستمر لما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وربما يمتد إلى أواخر نوفمبر. وفي الوقت نفسه، صعدت روسيا من هجماتها على منشآت للطاقة والبنية التحتية المدنية في أوكرانيا.

«البنتاغون» يطالب بتخفيف حدة الخطاب ضد روسيا

قالت 4 مصادر لوكالة «رويترز»، إن مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) طلبوا في الأسابيع القليلة الماضية، من عدة دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي، تخفيف حدة خطابهم بشأن التهديد الذي تشكله روسيا، بحجة أن بعض التصريحات الصادرة عن القادة والمسؤولين الأوروبيين تقوض أمن القارة.

وذكرت المصادر، التي طلبت عدم الكشف عن هوياتها، أن ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا من بين الدول التي تلقت رسائل تحثها على ضبط تصريحاتها العلنية. ولم يتضح ما إذا كانت هذه الرسائل، التي سُلمت خلال اجتماعات ثنائية، تلقتها حكومات أوروبية أخرى.

ورداً على طلب للتعليق، قال مسؤول في «البنتاغون»: «الأحاديث الخاصة بين الحلفاء هي محادثات خاصة، لذلك لن نعلق على هذه الادعاءات».

وقال أحد المصادر إن من بين التعليقات التي لفتت انتباه المسؤولين الأميركيين، ما قاله قادة أوروبيون حول كون روسيا محاصرة وتلجأ إلى إجراءات يائسة ومتهورة بشكل متزايد مع تباطؤ غزوها لأوكرانيا إلى حد كبير.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يسيران في ساحة الاستقلال بكييف الأحد (إ.ب.أ)

وقال مصدران إن إلبريدج كولبي رئيس شؤون السياسات في «البنتاغون»، وهو شخصية محورية في مراجعة تتم حالياً لتقييم مستويات نشر القوات الأميركية في أوروبا، كان من بين المسؤولين الأميركيين الذين نقلوا الرسالة. ولم يتسنَّ لـ«رويترز» تحديد هويات المسؤولين الآخرين المشاركين في الأمر.

ولم يُشِر أي من المصادر، وهم 3 مسؤولين أوروبيين ومسؤول أميركي، إلى أن الرسالة أوصلت بطريقة تصادمية.

لافروف في أتلانتا

على صعيد آخر، وصل الجمعة، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إلى أتلانتا، للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة «العشرين». واستبقت الناطقة باسم «الخارجية»، ماريا زاخاروفا، الزيارة بإشارة إلى أن الموضوع الرئيسي للنقاش سيكون الوضع الاقتصادي العالمي، مع الأخذ في الحسبان التوجهات الجيوسياسية.

ويعقد وزراء خارجية المجموعة اجتماعاتهم يومي الجمعة والسبت، للتحضير لقمة مجموعة العشرين، المقرر عقدها يومي 14 و15 ديسمبر (كانون الأول) في ميامي.

وأعلنت «الخارجية» الروسية في بيان: «سيؤكد رئيس الوفد الروسي الأهمية الجوهرية للأمن غير القابل للتجزئة باعتباره أساس التعددية القطبية، وسيؤكد ضرورة دمقرطة نظام الحكم، لا سيما مؤسسات (بريتون وودز)، من خلال تعزيز مكانة دول الجنوب العالمي والشرق».

كما أشارت الوزارة إلى أن الاجتماع سيسلط الضوء على «الإمكانات الإبداعية لصيغ التعاون العالمي؛ مثل مجموعة (بريكس)، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ومنظمة (شنغهاي للتعاون)، ومبادرة الرئيس الروسي لتشكيل شراكة أوراسية كبرى».

مارّة أمام معرض سيارات تضرّر من جراء هجوم صاروخي روسي ليلي على كييف - 27 أكتوبر 2026 (أ.ب)

وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أعلن قبل أسابيع، عن توجيه دعوة إلى بوتين لحضور الاجتماع بعد سنوات من مقاطعة المجموعة للرئيس الروسي.

لكن الناطق الرئاسي الروسي قال إنه لم يُتخذ قرار بعد بشأن مشاركة بوتين شخصياً. وعاد مساعد الرئيس أوشاكوف في وقت لاحق، ليؤكد أن تلبية بوتين الدعوة للمشاركة في قمة ميامي، مرتبطة بمدى التقدم الذي يمكن أن يتم إحرازه الشهر المقبل، خلال لقاء منتظر مع الرئيسين الصيني والأميركي على هامش قمة مجموعة «أبيك». وقال أوشاكوف إن زيارة الرئيس بوتين لقمة مجموعة العشرين في ميامي ستعتمد على نتائج قمة «أبيك» المقررة في الصين. وبدا أن موسكو تعول على أن هذه القمة الثلاثية قد تسهم في كسر العزلة الغربية المفروضة على بوتين نهائياً، ما يمكنه من التوجه إلى ميامي لاحقاً للمشاركة في قمة «العشرين».

وأشار مساعد الرئيس إلى أن كل شيء «سيتوقف على نتائج القمة في الصين. بالتأكيد أقول: أولاً نوفمبر، ثم ديسمبر».

أوكرانيون يتفقدون أضراراً لحقت بجسر رئيسي يمتد فوق نهر دنيبرو في كييف (أ.ف.ب)

الهدنة الإنسانية

ميدانياً، ومع استمرار الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا، على مواقع خلف خطوط التماس، دخلت، الجمعة، الهدنة الإنسانية في بلدة أوليشكي حيز التنفيذ، بعد مرور يومين على وقف إطلاق النار بشكل متبادل في هذه المنطقة. ووصل صباح الجمعة، عشرات المراسلين الأجانب إلى البلدة، بينهم صحافيون أميركيون ومراسلون من دول أخرى، لتغطية انطلاق عملية إجلاء المدنيين من المنطقة.

وأفادت مفوضة حقوق الإنسان في روسيا، يانا لانتراتوفا، بأن «كل شيء يجري بشفافية، وهو أمر بالغ الأهمية». وذكرت لانتراتوفا في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أنها ومفوض البرلمان الأوكراني لحقوق الإنسان دميتري لوبينيتس، توجها إلى أوليشكي، «لننسّق معاً تنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها بمساعدة السيدة الأولى الأميركية ميلانيا ترمب».

سكان يمرّون أمام مبنى تضرّر جراء ضربة صاروخية روسية ليلية على كييف - 27 أكتوبر 2026 (رويترز)

وأوضحت لانتراتوفا أن الجانبين الروسي والأوكراني يلتزمان التزاماً كاملاً بالتعهدات المترتبة عليهما في إطار المهمة الإنسانية، وأن نظام الهدوء على خط التماس لا يزال سارياً، ولم تسجل أي حوادث. ومع ذلك، أفادت المسؤولة الروسية بمقتل شخصين؛ أحدهما خبير في إزالة الألغام، أثناء تطهير طريق في أوليشكي.

وكانت فرق روسية أنهت الخميس، عملية إزالة الألغام من المسارات اللازمة لتنفيذ عملية إدخال مساعدات غذائية وطبية وإجلاء المدنيين.

ودخل رتل كبير من المساعدات الإنسانية يضم 25 حافلة إلى المدينة، التي تعرضت لحصار لأشهر وقصف متواصل، أسفر عن تدهور حاد في الوضع الإنساني فيها.

ووفقاً لمسؤولين في موسكو وكييف، بدأ السكان ظهر الجمعة، بتسلم مواد غذائية ومستلزمات نظافة ووقود للمولدات وأدوية ضرورية.

وتقع أوليشكي على الضفة اليسرى لنهر دنيبر مقابل مدينة خيرسون الخاضعة لسيطرة القوات الأوكرانية. ورعت ميلانيا ترمب التوصل إلى هدنة إنسانية نادرة اتفق الطرفان في إطارها على وقف الهجمات على المنطقة والسماح بدخول المساعدات وتسهيل خروج الراغبين من المدنيين، ورغم تبادل الاتهامات بين موسكو وكييف، فإن الهدنة صمدت بسبب الدعم الأميركي. وفي وقت سابق، اتهمت موسكو الأوكرانيين بزرع ألغام أرضية لمنع خروج المدنيين، بينما اتهمت كييف الجانب الروسي بالسعي إلى إجبار السكان على الخروج باتجاه ممر واحد يقود نحو المناطق التي تسيطر عليها القوات الروسية.