توجَّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى بريطانيا، الاثنين، للقاء رئيس الوزراء البريطاني الجديد أندي بيرنهام، وبحث إبرام «اتفاق دفاعي قوي»، وذلك في طريقه إلى واشنطن للقاء الرئيس دونالد ترمب؛ حيث يُتوقع أن يجري البحث عن «آليات جديدة لإطلاق جهود التسوية السياسية» للأزمة الروسية- الأوكرانية.
جاء هذا غداة تحذير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تداعيات النشاط الغربي المتزايد لمحاصرة تحركات الأسطول التجاري الروسي، وتصريحه بأن بلاده لم تبدأ الصراع في أوكرانيا، واتهامه للغرب بأنه قوَّض ميثاق الأمم المتحدة و«أخرج الجنِّي من القمقم».

دعم بريطاني «ثابت» لأوكرانيا
ويجتمع بيرنهام وزيلينسكي يوم الاثنين في قاعدة بحرية، ويتحدثان مع عسكريين أوكرانيين وبريطانيين يشاركون في تدريب على مكافحة الألغام البحرية، استعداداً لمهام مستقبلية في البحر الأسود، حسب بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء البريطاني.
ونقل البيان عن بيرنهام قوله: «المملكة المتحدة متضامنة مع أوكرانيا، ودعمها لها ثابت». وأضاف: «لا ينبغي أن يساور روسيا أي شك في عزمنا، ولن نتراجع حتى نحقق سلاماً عادلاً ودائماً لأوكرانيا».
يُذكر أن بيرنهام تولى منصبه الجديد قبل أسبوع ركَّز فيه خصوصاً على قضايا داخلية (القوة الشرائية، واللامركزية)، ويُعد هذا اللقاء الدبلوماسي الأول له بعدما أجرى محادثات هاتفية مع عدد من الزعماء الأجانب بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وتُعدُّ بريطانيا من أبرز الداعمين لأوكرانيا، ووفَّرت لها نحو 25 مليار جنيه إسترليني (29.2 مليار يورو) منذ بدء الغزو الروسي عام 2022، بينها 16 مليار جنيه إسترليني مساعدات عسكرية.
وتعلن الحكومة البريطانية خلال زيارة زيلينسكي عن مشاركة أوكرانيا في المِلكية الفكرية لنظام تشويش إلكتروني بريطاني جديد يُدعى «ستون كلوك»، ويُوصف بأنه قادر على تعقيد مهمة الدفاعات الجوية الروسية في رصد وتحديد أهداف الطائرات المُسيَّرة. وستُمكِّن هذه الخطوة كييف من «إنتاج نظام التشويش هذا على نطاق واسع»، بهدف «تعزيز خطوط دفاعها والدفاع عن أوروبا»، في وقت تسعى أوكرانيا فيه للحفاظ على تفوقها التكنولوجي في حرب الطائرات المُسيَّرة ضد روسيا، حسب «داونينغ ستريت».
ومن المقرر أن يُستخدم نظام التشويش هذا أيضاً في الجيل المقبل من القدرات البريطانية، ولا سيما صاروخ «كروز» منخفض التكلفة الذي سيتم تطويره في إطار مشروع «بريك ستوب».
بدورها، نقلت وسائل إعلام روسية أن الرئيس الأوكراني يُعوِّل على إبرام اتفاقات كبرى مع الجانب البريطاني خلال زيارته. وكان زيلينسكي قد تحدث خلال مقابلة مع «سكاي نيوز» عن رغبته في بناء مصنع لإنتاج الطائرات المُسيَّرة في بريطانيا، في إطار اتفاقية تعاون ثنائي. وأوضح: «أريد بناء مصنع كبير جداً في بريطانيا، وتقديم تقنيات جديدة وتقاسمها مع شركائنا، وبالطبع، نحن مستعدون لمشاركة خبراتنا مع بريطانيا، وآمل أن تشاركنا بريطانيا خبراتها أيضاً». وأضاف أنه يسعى إلى إبرام «اتفاق قوي جداً» بشأن الطائرات المُسيَّرة، مع رئيس الوزراء البريطاني الجديد أندي بيرنهام.
كذلك، أفادت صحيفة «الغارديان» بأن المتوقع أن يبحث الجانبان البريطاني والأوكراني مشاريع مشتركة، ولا سيما نظام الحرب الإلكترونية، المصمم للاستخدام في الطائرات المُسيَّرة وغيرها من منظومات التسليح.
لقاء بوتين مع قادة الأساطيل الحربية
وأجرى بوتين مساء الأحد اجتماعاً في عاصمة الشمال، سان بطرسبورغ، مع قادة الأساطيل الحربية الروسية، تزامن مع احتفال روسيا بـ«يوم البحرية». واستمع خلال اللقاء إلى تقارير جنرالاته عن سير العمليات العسكرية البحرية؛ خصوصاً أن الفترة الماضية شهدت تصعيداً كبيراً في استهداف الموانئ والبنى التحتية البحرية.

وأكد بوتين أن بلاده «لم تبدأ النزاع في أوكرانيا؛ بل ردت فقط على الحرب التي شنها نظام كييف». وأضاف أن روسيا «تعرضت لهجوم شامل شنه نظام كييف، بدعم غربي، ضد ما كان يُعرف آنذاك بجنوب شرقي أوكرانيا، والذي كان دائماً موجهاً نحو روسيا». وأكد ضرورة التصدي الحازم لكل محاولات التأثير على القدرات البحرية الروسية، بما في ذلك الأسطول التجاري.
وقال بوتين خلال الاجتماع الذي حضره قادة أساطيل المحيط الهادئ والشمال والبلطيق والبحر الأسود وأسطول بحر قزوين: «أود لفت انتباهكم إلى أنه في مثل هذه الحالات (عند محاولة التأثير على الأسطول الروسي)، يجب علينا، بالطبع، التصرف بحذر ضمن إطار القانون البحري الدولي، ولكن بحزم، تماماً كما نحارب القرصنة والقراصنة».
وشدد بوتين على أن «أمن كالينينغراد سيتم ضمانه بكل الوسائل المتاحة، في حالة وجود أي تهديدات لها»، موضحاً أن «البحرية كانت وستظل عنصراً حاسماً في أمن روسيا لفترة طويلة قادمة».

وكرر بوتين موقفه بشأن أن بلاده تواجه حرباً وجودية لم تكن البادئة فيها. وقال إن الغرب «أخرج الجني من القمقم» من خلال قراراته التي تعارضت مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. وأوضح: «هذا الميثاق هو أساس القانون الدولي المعاصر، وقد تم وضع قواعد محددة (...) وفي وقت لاحق، عندما تم تدمير الاتحاد السوفياتي، اختفت إحدى الدول المؤسسة للأمم المتحدة والقانون الدولي ومنظومة العلاقات الدولية من الوجود. وقرر مَن يسمونهم بالمنتصرين في الحرب الباردة -وهم ليسوا الولايات المتحدة فقط؛ بل الغرب بأسره- أنه يجب تصحيح بعض الأمور، وتساءلوا: لماذا تستفيد روسيا التي ليست الاتحاد السوفياتي وفقدت جزءاً من قدراتها، من الفوائد نفسها مثل الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية». وأعاد بوتين إلى الأذهان الأحداث في يوغوسلافيا السابقة كمثال على سياسات الغرب التي تجاهلت مواقف بلاده.
«ازدواجية مواقف»
وتزامن حديث بوتين مع تأكيد الكرملين دعمه الجهود الأميركية لتحريك عملية السلام، رغم انتقاد ما وصفه بـ«ازدواجية مواقف واشنطن».
بدوره، أكد الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف التزام بلاده بنهج التسوية السياسية، ولكنه تمسك بشروط السلام التي أعلنتها موسكو. وقال بيسكوف إن «روسيا تواصل دعم جهود إدارة الرئيس دونالد ترمب للتوصل إلى تسوية سياسية». ولكنه انتقد في الوقت ذاته ما وصفه بـ«ازدواجية مواقف واشنطن»؛ مشيراً إلى التراجع عن تفاهمات سابقة مع موسكو، ودعم الإدارة الأميركية خططاً لتسليح أوكرانيا.

تصعيد ميداني
ميدانياً، تواصلت الهجمات العنيفة المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، صباح الاثنين، أن مجموعة قوات «الوسط» نجحت في «تحرير بلدة تورسكويه في دونيتسك، بينما سيطرت وحدات مجموعة قوات (الشرق) على بلدة كوموناروفكا في دنيبروبيتروفسك». ونشرت الوزارة مقاطع فيديو تظهر مشاهد من عملية اقتحام كوموناروفكا.
ووفقاً للبيان الروسي، فقد أسقطت منظومات الدفاع الجوي 5 قنابل جوية موجهة، و498 طائرة مُسيَّرة أوكرانية هاجمت روسيا خلال آخر 24 ساعة. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، الاثنين، أن القوات الروسية قصفت سفينتين تحملان عتاداً عسكرياً في ميناء ميكولايف بجنوب أوكرانيا. ولم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من صحة التقرير.
وصعَّدت روسيا وأوكرانيا نشاطهما العسكري في البحر الأسود وبحر آزوف والمناطق المحيطة بهما، في الأسابيع القليلة الماضية؛ حيث هاجم كل طرف عشرات السفن، بما في ذلك ناقلات نفط وسفن شحن.
كذلك، أعلن الرئيس زيلينسكي، الاثنين، أن قوات بلاده قصفت خلال الليل محطة تصدير روسية في مدينة روستوف، بالإضافة إلى منشآت نفطية في منطقتي ياروسلافل وأودمورتيا. وأضاف زيلينسكي في منشور على منصة «إكس»: «ننفذ خطتنا لعقوبات بعيدة المدى، ونعمل على الحد من قدرة روسيا على تمويل الحرب»؛ مشيراً إلى الضربات الأوكرانية على أهداف داخل الأراضي الروسية.
