​لافروف: مستعدون لتسوية طويلة الأمد وأوروبا تسعى إلى استمرار الصراع

قال إن موسكو وواشنطن تجاوزتا «سوء التفاهم» وتتمسكان بمخرجات «قمة ألاسكا»

وزير الخارجية سيرغي لافروف (أ.ب)
وزير الخارجية سيرغي لافروف (أ.ب)
TT

​لافروف: مستعدون لتسوية طويلة الأمد وأوروبا تسعى إلى استمرار الصراع

وزير الخارجية سيرغي لافروف (أ.ب)
وزير الخارجية سيرغي لافروف (أ.ب)

جدّد وزير الخارجية الروسية التأكيد على رؤية بلاده لمسار إنجاح جهود التسوية السياسية في أوكرانيا على أساس الخطة المقترحة من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وقال إن موسكو تنتظر نتائج المحادثات الأميركية مع أوروبا وأوكرانيا، لكنه اتهم الطرفين الأخيرين بالسعي إلى إدامة الصراع، وإبقاء عناصر لتفجير الوضع مستقبلاً. وقال لافروف خلال لقاء مع سفراء أجانب بحث سُبل دفع التسوية الأوكرانية، إن موسكو وواشنطن تجاوزتا التباينات التي ظهرت حول الخطة الأميركية خلال زيارة المبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف إلى العاصمة الروسية قبل أيام. وأوضح أنه «تم حل سوء الفهم في المفاوضات مع الولايات المتحدة».

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال اجتماع مع نظيره الكازاخستاني إرميك كوشيرباييف في موسكو 22 أكتوبر 2025 (رويترز)

وزاد: «عندما زارنا مؤخراً ستيف ويتكوف، أكد الجانبان الروسي والأميركي عقب اجتماعه مع (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين التفاهمات التي تم التوصل إليها في ألاسكا»، التي تشمل تثبيت وضع كييف المحايد خارج التكتلات، وعدم امتلاكها أسلحة نووية.

ورأى لافروف أن «هذه نتيجة بالغة الأهمية، إذ شهدنا فترة من الركود بعد اجتماع أنكوراج. أما الآن، فأعتقد شخصياً أن مظاهر سوء التفاهم، وسوء التواصل في مفاوضاتنا مع الأميركيين بشأن القضية الأوكرانية، قد تم تجاوزها».

وحسب لافروف، فإن «التفاهمات التي تم التوصل إليها في أنكوراج تستند إلى المقترحات بشأن مبادئ حل النزاع الأوكراني، التي لخصها الرئيس بوتين مرة أخرى في يونيو (حزيران) 2024».

وحمّل الوزير أوروبا المسؤولية عن تأجيج الموقف وقال: «أرادوا إلحاق هزيمة استراتيجية بنا، ثم فرض شروطهم في القضايا التي تهم العواصم الأوروبية... لكن مخططات شن حرب خاطفة على روسيا باستخدام أوكرانيا قد فشلت».

وشدّد لافروف على أن «أحداً في أوروبا لا يذكر الأسباب الجذرية (للنزاع الأوكراني)، ويطالب بشيء واحد فقط هو وقف فوري للأعمال العدائية، ومنح أوكرانيا والأوروبيين فرصة لالتقاط الأنفاس وكسب الوقت لتقديم، ولو بقدر قليل، الدعم بالأسلحة والمال لنظام كييف». وأكد أن موسكو تصر على حزمة من الاتفاقيات لتحقيق سلام دائم ومستدام في أوكرانيا مع ضمانات أمنية لجميع الأطراف.

مؤكداً أن المفاوضات مع الرئيس الأميركي وفريقه «تُركز على هذا الهدف تحديداً، أي إيجاد حل طويل الأمد يعالج الأسباب الجذرية لهذه الأزمة».

وأضاف لافروف أنه «يجب الاعتراف بفضل الزعيم الأميركي الحالي الذي بدأ بعد عودته إلى البيت الأبيض، بمعالجة هذه القضية بشكل جدي»، وقال: «حسب تقييمنا، فهو يسعى بصدق إلى المساعدة في حل النزاع عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية».

وأشار الوزير الروسي إلى أن هناك حالياً كثيراً من «التكهنات والأكاذيب والافتراءات» حول التسوية الأوكرانية، هدفها الرئيسي هو «عرقلة البحث عن حل تفاوضي وإطالة أمد النزاع، بما في ذلك عرقلة مبادرات الولايات المتحدة من قِبل الرئيس ترمب التي تهدف بصدق إلى إيجاد حلول تساعد في معالجة الأسباب الجذرية للأزمة الأوكرانية». وتطرّق إلى خسائر أوكرانيا والعواصم الأوروبية بسبب الحرب، مشيراً إلى أن التقديرات الروسية حول خسائر القوات الأوكرانية في النزاع تجاوزت مليون شخص، مضيفاً أن روسيا سلّمت أوكرانيا أكثر من 11 ألف جثمان لجنودها القتلى مقابل 201 جثمان للجنود الروس.

وأضاف لافروف أن الغرب بات يعاني من نقص الموارد اللازمة لشن حرب بالوكالة ضد روسيا، وأن الغرب، بدافع اليأس، يحاول تصعيد الموقف بتضخيم تهديد عسكري مزعوم من روسيا.

وحذّر من أن الدول الأوروبية ترغب اليوم في «زرع بذور صراع جديد»، وتتحدث علناً عن استعدادها لمثل هذا السيناريو.

وأشار لافروف إلى أن الدول الأعضاء في حلف «الناتو» تعمل على تعزيز قواتها على حدود دولة الاتحاد الروسي البيلاروسي، مؤكداً أن روسيا لا تريد حرباً، لكن إذا قررت أوروبا خوض الحرب، فإن روسيا مستعدة لها في أي لحظة.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث مع نظيره الأميركي ماركو روبيو في كوالالمبور 11 يوليو 2025 (رويترز)

وأكد لافروف أنه يجب على أوكرانيا الالتزام بأحكام ميثاق الأمم المتحدة، والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وأن اختزال التزاماتها إلى مجرد الامتثال لقواعد الاتحاد الأوروبي في هذا المجال أمر غير مقبول.

وأشار لافروف إلى أن الدول الغربية تسعى إلى استغلال الصراع الأوكراني لصرف انتباه المجتمع الدولي عن قضايا أخرى، لا سيما القضية الفلسطينية.

وحول ملف الأراضي، أشار الوزير إلى أن شبه جزيرة القرم، ودونيتسك ولوغانسك، ومنطقتي زابوروجيا وخيرسون: «تُشكل جزءاً لا يتجزأ من روسيا، وهذا منصوص عليه في الدستور». وزاد: «لسنا بحاجة إلى أراضٍ. ما يهمنا هو مصير الشعب الذي بنى أجداده هذه الأراضي على مر القرون، وشيّدوا المدن والطرق والمواني... حقوق هؤلاء تُقوّضها الآن حكومة كييف».

وفي هذا السياق، أشار إلى أنه بعد أن عدّل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بالتعاون مع قادة أوروبيين، الخطة الأميركية الأصلية، اختفى البند المتعلق بحماية الأقليات القومية. وكانت الوثيقة التي عرضت سابقاً على روسيا، نصت على ضرورة حماية لغات الأقليات والحريات الدينية، وحظر جميع أشكال الفكر والنشاط النازي. ولفت إلى أنه «بعد التواصل مع الأوروبيين، تم تقليص عدد النقاط، واختفى البند الذي يدعو إلى حظر الفكر النازي برمته». وأضاف لافروف أن روسيا «تنتظر نتائج الاتصالات بين رئيس نظام كييف وقادة الاتحاد الأوروبي مع إدارة ترمب بشأن مشروع السلام الأميركي».

وقال إن موسكو قدّمت مقترحات إضافية إلى واشنطن بشأن ضمانات الأمن الجماعي. وأكّد على ضرورة التوصل إلى حزمة اتفاقيات بشأن سلام قوي ومستدام وطويل الأمد، مع ضمانات أمنية لجميع الدول المعنية.

وذكّر بأن روسيا اقترحت على حلف «الناتو» عام 2008 صياغة معاهدة ملزمة قانوناً تُعنى بضمانات الأمن الجماعي. وقد عادت موسكو إلى هذا الموضوع قبل أربع سنوات. وخلص إلى أنه «لا تزال المقترحات التي قدّمناها إلى الولايات المتحدة وحلف (الناتو) في ديسمبر (كانون الأول) 2021 سارية المفعول تماماً، ويمكن أن تُشكّل نقطة انطلاق لمثل هذه المناقشات».

وكانت وزارة الخارجية الروسية نشرت في 2001 مسودات معاهدة مع الولايات المتحدة، واتفاقية مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) بشأن الضمانات الأمنية. وتمت مشاركة هذه الوثائق مع واشنطن وحلفائها. وتضمن أحد بنودها ضمانات من الحلف بعدم التوسع داخل الأراضي الأوكرانية. وتبرر موسكو انطلاق العملية العسكرية في أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022 بأن الغرب تجاهل مقترحاتها في ذلك الوقت.

وأكد لافروف: «نحن على استعداد لإضفاء الطابع الرسمي على الضمانات ذات الصلة كتابة، في وثيقة قانونية. وبالطبع على أساس جماعي ومتبادل».

وكان بوتين، استقبل الأسبوع الماضي، المبعوث الرئاسي الأميركي وصهر الرئيس ترمب جاريد كوشنر في الكرملين. وأمضى الجانبان نحو خمس ساعات في مناقشة جوهر مبادرة السلام الأميركية، لكن لم يتم التوصل إلى حل وسط.

وكما صرّح الرئيس الروسي لاحقاً، قسّمت واشنطن النقاط الـ27 للخطة الأصلية إلى أربع حزم، واقترحت مناقشتها بشكل منفصل. وأوضح أنه راجع جميع النقاط تقريباً، وأن «هناك قضايا لم تتفق معها موسكو».

الرئيسان ترمب وبوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس (أ.ف.ب)

على صعيد آخر، أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن خطة الرئيس الأميركي لإحلال السلام في أوكرانيا تتضمن مقترحات لإعادة تدفقات الطاقة الروسية إلى أوروبا، واستثمارات أميركية كبيرة في المعادن النادرة والطاقة الروسية، والاستفادة من أصول سيادية روسية مجمدة. وأوضحت الصحيفة أن الخطط وردت بالتفصيل في ملاحق مقترحات السلام التي تم تقديمها إلى النظراء الأوروبيين خلال الأسابيع القليلة الماضية.

وأضافت الصحيفة أن هذه الخطط تتضمن قيام الشركات المالية الأميركية وغيرها من الشركات بالاستفادة من أصول روسية مجمدة تبلغ قيمتها نحو 200 مليار دولار لتمويل مشاريع في أوكرانيا، بما في ذلك مركز بيانات جديد رئيسي يعمل بكهرباء منتجة من محطة زابوريجيا للطاقة النووية التي تسيطر عليها القوات الروسية حالياً. وأضافت أن الشركات الأميركية سوف تستثمر في قطاعات استراتيجية روسية، مثل استخراج العناصر الأرضية النادرة والتنقيب عن النفط في القطب الشمالي، إضافة إلى إعادة تدفقات الطاقة الروسية إلى أوروبا الغربية والعالم.


مقالات ذات صلة

روسيا وأوكرانيا تستأنفان الهجمات بعد انقضاء هدنة عيد الفصح

أوروبا تصاعد الدخان جراء هجوم روسي على مدينة زابوريجيا الأوكرانية اليوم (أ.ب)

روسيا وأوكرانيا تستأنفان الهجمات بعد انقضاء هدنة عيد الفصح

أعلن كل من روسيا وأوكرانيا تجدد الهجمات بالمُسيّرات، الاثنين، بعد انقضاء هدنة مُدّتها 32 ساعة اتُّفق عليها لمناسبة عيد الفصح، وتبادل الطرفان الاتهامات بخرقها.

«الشرق الأوسط» (كييف )
تحليل إخباري مرشح المعارضة بيتر ماغيار يلوّح بالعَلم المجري خلال الاحتفال بالفوز الانتخابي في بودابست فجر الاثنين (د.ب.أ)

تحليل إخباري هزيمة أوربان «المؤلمة» ضربة موجعة لليمين الشعبوي

هزيمة انتخابية مؤلمة لرئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، الذي مضى عليه 16 عاماً متواصلة في الحكم، تحوّل خلالها كابوساً لمؤسسات الاتحاد الأوروبي

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال قداس عيد الفصح الأرثوذكسي في كاتدرائية المسيح المخلص في موسكو (أ.ف.ب) p-circle

كييف وموسكو تتبادلان اتهامات بخرق هدنة عيد الفصح

تبادلت أوكرانيا وروسيا اتهامات اليوم (الأحد) بخرق هدنة قائمة لمناسبة عيد الفصح.

«الشرق الأوسط» (خاركيف (أوكرانيا))
أوروبا جنود أوكرانيون في غرفة تحوَّلت لكنيسة قرب الجبهة في دونيتسك (اللواء 93 الميكانيكي - أ.ف.ب) p-circle

هدنة عيد الفصح بين روسيا وأوكرانيا تتعثر

اتهمت القيادة العسكرية الأوكرانية روسيا بانتهاك هدنة عيد الفصح الأرثوذكسي مراراً، مع تسجيلها 470 حادثة تتراوح بين الضربات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة والقصف

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا نيران تشتعل بمبنى أصابته مسيّرة أوكرانية في بيلغورود (رويترز)

روسيا: إصابة 5 في هجمات لأوكرانيا على منطقتين حدوديتين رغم الهدنة

قال حاكما منطقتَين حدوديَّتين روسيَّتين إنَّ طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت أهدافاً في منطقتَي كورسك وبيلغورود؛ مما أسفر عن إصابة 5 أشخاص.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

تضامن سياسيون ورجال دين إيطاليون مع بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، الاثنين، بعد انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب له، ما جعل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في حاجة إلى الموازنة بين علاقات إيطاليا الوثيقة بالفاتيكان وتحالفها مع ترمب، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وأثار ترمب ضجة كبيرة بعد أن وصف البابا ليو بأنه «فظيع»، ما تطلب رداً مباشراً ونادراً من البابا الذي أكد أنه «لا يخشى» الإدارة الأميركية، وسيواصل التنديد بالحرب التي تقودها الولايات المتحدة على إيران، والدفاع عن المهاجرين.

وأصدرت ميلوني، التي وطدت علاقاتها مع ترمب خلال السنوات القليلة الماضية، بياناً تدعم فيه البابا ليو الذي انطلق في جولة لزيارة أربع دول أفريقية، لكنها لم تشر بشكل مباشر إلى انتقادات الرئيس الأميركي.

وقالت: «نسأل الرب أن تساعد خدمة الأب الأقدس في تعزيز حل النزاعات وعودة السلام، داخل الدول وفيما بينها»، موضحة دعمها للبابا دون توجيه انتقادات صريحة لترمب.

واستغل معارضون سياسيون هذا التجاوز، ويعتقد هؤلاء أن قرب ميلوني من ترمب بات يشكل عائقاً انتخابياً في بلد ينظر 66 في المائة من سكانه بشكل سلبي للرئيس الأميركي بسبب سياسته الخارجية العدوانية.

وقال أنجيلو بونيلي، وهو شخصية بارزة في حزب «الخضر» المنتمي لليسار: «بصفتي كاثوليكياً، يتملكني شعور بالغضب من رئيسة وزراء تستحضر القيم المسيحية، لكنها لا تملك القوة والشجاعة للتنديد بإساءة ترمب غير المقبولة بحق البابا والعالم الكاثوليكي». وأشار بونيلي إلى منشور لترمب في وقت لاحق ظهرت فيه صورة له مولدة بالذكاء الاصطناعي تصوره في هيئة السيد المسيح.

غير أن نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني، الذي كان أيضاً مرتبطاً بعلاقات جيدة مع ترمب في السابق، كان أكثر صراحة في انتقاده للرئيس الأميركي، وسلّط الضوء على محاولات اليمين المتطرف في أوروبا النأي بنفسه عن دائرة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» الأميركية الموالية لترمب.

وقال رئيس الوزراء السابق ماتيو رينتسي المنتمي لتيار يسار الوسط: «لم نشهد منذ قرون مثل هذا التصرف العدائي الصارخ ضد بابا الفاتيكان»، مضيفاً أنه من الضروري أن يدافع الكاثوليك وغيرهم على حد سواء عن البابا ليو.


ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

TT

ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز)
بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز)

دعا الفائز في الانتخابات المجرية، بيتر ماغيار، الرئيس المجري إلى دعوة البرلمان للانعقاد من أجل تشكيل حكومة جديدة «في أسرع وقت ممكن»، آملاً في أن يتولى منصب رئيس الوزراء خلفاً لـ فيكتور أوربان ابتداءً من الخامس من مايو (أيار)، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وقال ماغيار خلال مؤتمر صحافي عقده الاثنين عقب الفوز الساحق الذي حققه حزبه في انتخابات الأحد، إن حزبه «تيسّا» حصل على «تفويض غير مسبوق». وأضاف: «لم يصوّت الشعب المجري من أجل مجرد تغيير حكومة، بل من أجل تغيير كامل في النظام». ويتيح هذا التفويض الكبير لحزب «تيسّا» إطلاق برنامج إصلاحي واسع وطموح.

زلزال انتخابي يطيح أوربان

بعد الزلزال الانتخابي الذي رفض فيه الناخبون بأغلبية ساحقة رئيس الوزراء القريب من روسيا فيكتور أوربان، بدأ المجريون يتساءلون عما ينتظرهم في عهد زعيمهم الجديد بيتر ماغيار، الإصلاحي المؤيد لأوروبا الذي تعهّد بإحداث تحوّل جذري في الثقافة السياسية للمجر.

وخلال حملته الانتخابية، وعد ماغيار بإنهاء انجراف المجر نحو روسيا وإعادة توثيق علاقاتها مع حلفائها الأوروبيين. كما تعهّد للناخبين بأنه بعد 16 عاماً من الحكم السلطوي وتراجع سيادة القانون في عهد أوربان، سيكافح الفساد ويؤسس لـ«مجر مسالمة وفعالة وإنسانية».

إلا أن طبيعة هذه التغييرات ما زالت غير واضحة بالكامل. فخلال سنوات حكمه الطويلة، حكم أوربان بأغلبية برلمانية تبلغ الثلثين؛ ما مكّنه من تمرير دستور جديد، وإعادة صياغة النظام الانتخابي، وإعادة تشكيل السلطة القضائية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في البيت الأبيض 7 نوفمبر 2025 (أ.ب)

أغلبية دستورية تتيح تفكيك إرث أوربان

حصل حزب «تيسّا» على تفويض مماثل، الأحد، بعدما فاز بـ138 مقعداً من أصل 199 في البرلمان؛ ما يمنحه سلطة واسعة لإلغاء كثير من التشريعات التي سمحت لأوربان بتكديس الموالين له في المحاكم، والتلاعب بالنظام الانتخابي، وتقييد حرية الصحافة، وفق «أسوشييتد برس».

ورغم ذلك، تبرز عقبات محتملة قد تحُول دون تحقيق التغييرات الجذرية التي يأمل بها كثير من المجريين.

احتفالات تاريخية في بودابست

استُقبل فوز ماغيار بموجة احتفالات عارمة في شوارع بودابست مساء الأحد، حيث احتشد عشرات الآلاف، كثير منهم من الشباب؛ احتفالاً بما عدّوه بارقة أمل ستجعل المجر أكثر حرية وسعادة وأكثر اندماجاً في منظومة الديمقراطيات الأوروبية.

وفي أنحاء العاصمة، أطلق السائقون أبواق سياراتهم وشغّلوا أغاني مناهضة للحكومة، في حين ردد المتظاهرون هتافات في الشوارع.

وقال أدريان ريكسير خلال الاحتفالات إنه عاد من منزله في لندن إلى المجر «لأنني أردت حقاً أن يكون لصوتي أثر، وأنا في غاية السعادة».

وأضاف: «أخيراً يمكنني أن أقول إنني مجري فخور، أخيراً بعد 16 عاماً».

مخاوف من أغلبية الثلثين

كان كثير من المجريين ومراقبين أوروبيين قد خشوا أن تكون الأغلبية البسيطة غير كافية لتفكيك نظام أوربان بالكامل.

لكن آخرين ما زالوا مترددين بشأن ما قد تعنيه أغلبية الثلثين في يد حكومة جديدة، مع وجود مخاوف من نقل هذه السلطة الواسعة ببساطة من أوربان إلى خصمه.

وقال المحتفل دانييل كوفاتش: «من الصعب تصور أن حكومة تملك ثلثي البرلمان ستكون عادلة بالكامل، لكننا سنرى. نأمل أن تكون أربع سنوات واعدة».

أنصار حزب «تيسّا» الفائز بالانتخابات البرلمانية المجرية لعام 2026 خلال مسيرة النصر في بودابست 13 أبريل 2026 (د.ب.أ)

المؤسسات لا تزال بيد موالين لأوربان

شكّل فوز ماغيار وحزب «تيسّا» سابقة في تاريخ المجر ما بعد الشيوعية؛ إذ حصلا على عدد أصوات ومقاعد لم يسبق أن حققه أي حزب.

وقال بولتشو هونيادي، المحلل في مركز الأبحاث «بوليتيكال كابيتال» في بودابست، إن الأغلبية الدستورية لحزب «تيسّا» تمنحه صلاحيات واسعة للتراجع عن كثير من سياسات أوربان، لكن «المؤسسات الأساسية في البلاد يقودها أشخاص مثبتون في مواقعهم لسنوات طويلة».

وفي إطار جهوده لترسيخ سيطرته على النظام الديمقراطي المجري، عيّن أوربان حلفاء موالين له على رأس مؤسسات رئيسية، من هيئة الإعلام إلى مكتب الادعاء العام والمحكمة الدستورية.

وفي حالات عدة، مُدّدت ولايات مسؤولين أو جرى تعيين آخرين قبل انتهاء ولايات من سبقوهم، بما أبقى القيادات الموالية له في مواقعها لسنوات تتجاوز أي تغيير حكومي محتمل.

وكان ماغيار قد دعا في خطاب النصر، الأحد، هؤلاء المسؤولين، بمن فيهم الرئيس المجري، إلى التنحي طوعاً. وقال هونيادي: «بخلاف ذلك، لا يملكون فعلياً أدوات أخرى لإزاحتهم».

وعود بمكافحة الفساد واستعادة الأموال

يتهم ماغيار أوربان وحكومته بسوء إدارة الاقتصاد والخدمات الاجتماعية، والإشراف على فساد غير مضبوط أدى، حسب قوله، إلى تراكم ثروات هائلة لدى دائرة ضيقة من المقربين من السلطة.

وتعهّد بمحاسبة المسؤولين عن هذه التجاوزات، وإنشاء «مكتب استعادة وحماية الأصول الوطنية» لاسترجاع ما وصفه بالمكاسب غير المشروعة لحلفاء أوربان.


القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
TT

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها بسوريا.

وخلصت المحكمة إلى أن «لافارج» التي استحوذت عليها مجموعة «هولسيم» السويسرية دفعت ملايين الدولارات بين عامي 2013 و2014 عبر فرعها «لافارج سيمنت سوريا»، لجماعات متطرفة ووسطاء لحماية مصنع الأسمنت في الجلبية بشمال سوريا.

وقالت رئيسة المحكمة القاضية إيزابيل بريفوست-ديسبريز: «كانت هذه الطريقة في تمويل المنظمات الإرهابية، وخصوصاً تنظيم (داعش)، أساسية في تمكين المنظمة الإرهابية من السيطرة على الموارد الطبيعية في سوريا؛ ما أتاح لها تمويل الأعمال الإرهابية داخل المنطقة وتلك المخطط لها في الخارج، وخصوصاً في أوروبا»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويأتي الحكم بعدما أقرّت «لافارج» عام 2022 في الولايات المتحدة بالذنب بتقديم دعم ماديّ لمنظّمات مصنّفة في واشنطن «إرهابية» ووافقت على دفع غرامة قدرها 778 مليون دولار، في تهمة غير مسبوقة لأي شركة.

وأتمّت «لافارج» بناء معمل الجلبية البالغة تكلفته 680 مليون دولار في عام 2010، قبل اندلاع الحرب الأهلية السورية في العام التالي بعد القمع الوحشي لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد للاحتجاجات المناهضة للحكومة حينذاك.

وسيطر عناصر تنظيم «داعش» على أجزاء واسعة من سوريا والعراق المجاور في عام 2014، حيث أعلنوا تأسيس «خلافة».

وبينما غادرت شركات أخرى متعددة الجنسيات سوريا في 2012، اكتفت «لافارج» بإجلاء موظفيها الأجانب وأبقت السوريين منهم حتى سبتمبر (أيلول) 2014 عندما سيطر عناصر تنظيم «داعش» على المصنع.

واتُهمت «لافارج سيمنت سوريا» بدفع أموال في عامي 2013 و2014 لوسطاء من أجل الحصول على المواد الأولية اللازمة لتشغيل المصنع من تنظيم «داعش» وغيره من الجماعات، ولتأمين حرية تنقّل شاحنات الشركة وموظفيها.

برونو لافون الرئيس التنفيذي السابق لشركة «لافارج» يصل إلى المحكمة في باريس 13 أبريل 2026 (أ.ب)

«هدف واحد هو الربح»

وإلى جانب «لافارج»، تشمل لائحة المتّهمين الرئيس التنفيذي السابق للشركة برونو لافون وخمسة مسؤولين سابقين في الأقسام التشغيلية أو الأمنية، ووسيطين سوريين، أحدهما لم يكن حاضراً في جلسات المحاكمة. وهم متّهمون بـ«تمويل الإرهاب» وانتهاك العقوبات الدولية.

وقال مكتب المدعي العام الوطني الفرنسي لمكافحة الإرهاب في مرافعته الختامية في ديسمبر (كانون الأول)، إنّ «لافارج» مذنبة بتمويل منظمات «إرهابية» بـ«هدف واحد هو الربح».

وطالب المدعون العامون بفرض أقصى غرامة على شركة «لافارج» بقيمة 1.12 مليون يورو (1.3 مليون دولار) ومصادرة أصول بقيمة 30 مليون يورو.

كذلك، طالبوا بسجن لافون (69 عاماً) لمدة ست سنوات، في حين ينفي أي علم له بالمدفوعات غير المشروعة.

وقال المدعون إنّ الرئيس السابق للشركة «أعطى تعليمات واضحة» للحفاظ على تشغيل المصنع في قرار وصفوه بأنّه «صادم».

وخلال المحاكمة، قال كريستيان هارو، وهو نائب المدير الإداري السابق، إنّ قرار إبقاء المصنع مفتوحاً تم اتخاذه بسبب القلق على الموظفين المحليين.

وأضاف: «كان بإمكاننا أن نتنصل من المسؤولية ونبتعد، ولكن ماذا كان سيحدث لموظفي المصنع؟».

ووفق مكتب المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، فقد بلغت المدفوعات للجماعات المصنّفة منظمات «إرهابية» ما لا يقل عن 4.7 مليون يورو (5.5 مليون دولار).

شعار شركة «لافارج» الفرنسية للأسمنت على أحد مصانعها في باريس 7 أبريل 2014 (أ.ف.ب)

السعي للحصول على مساعدة «داعش»

من جانبها، قالت شركة «هولسيم» التي استحوذت على «لافارج» في عام 2015، إنّها لم تكن على علم بالتعاملات في سوريا.

أما القضية الأخرى المتعلّقة باتهامات بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، فهي لا تزال جارية.

وفي عام 2019، تمكنت «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد وتدعمها واشنطن، من دحر تنظيم «داعش» من آخر مناطق سيطرته في سوريا.

وفي عام 2017، فُتح تحقيق في فرنسا بعد تقارير إعلامية عدة وشكويين قانونيتين في عام 2016، إحداهما من وزارة المالية بسبب انتهاك مفترض لعقوبة اقتصادية والأخرى من جماعات غير حكومية و11 موظفاً سابقاً في «لافارج» بسبب «تمويل الإرهاب».

وفي قضية مرفوعة في الولايات المتحدة، قالت وزارة العدل إنّ «لافارج» سعت للحصول على مساعدة من تنظيم «داعش» لإقصاء المنافسين، من خلال تطبيق «اتفاقية تقاسم الإيرادات» الفعّالة معهم.

وفي ذلك الوقت، ندد لافون الذي كان رئيساً تنفيذياً منذ عام 2007 إلى عام 2015 عندما تمّ دمج «لافارج» ضمن «هولسيم»، بتحقيق وصفه بـ«المنحاز».