​ «الترويكا» الأوروبية تُكثّف مشاوراتها وسط مخاوف من ضغوط أميركية على أوكرانيا ​

قمة تشاورية في لندن بحضور زيلينسكي... وتجاذبات حول استخدام الأصول الروسية

ستارمر وزيلينسكي وماكرون يحضرون اجتماعاً في تيرانا بألبانيا يوم 16 مايو 2025 (أ.ب)
ستارمر وزيلينسكي وماكرون يحضرون اجتماعاً في تيرانا بألبانيا يوم 16 مايو 2025 (أ.ب)
TT

​ «الترويكا» الأوروبية تُكثّف مشاوراتها وسط مخاوف من ضغوط أميركية على أوكرانيا ​

ستارمر وزيلينسكي وماكرون يحضرون اجتماعاً في تيرانا بألبانيا يوم 16 مايو 2025 (أ.ب)
ستارمر وزيلينسكي وماكرون يحضرون اجتماعاً في تيرانا بألبانيا يوم 16 مايو 2025 (أ.ب)

لا تُوفّر الاتصالات المتسارعة لوضع حد للحرب في أوكرانيا صورة واضحة لما آلت إليه حتى اليوم، نظراً للتصريحات الأخيرة المتضاربة الصادرة عن الأطراف المعنية بالحرب.

فمن جهة، أعلن كيث كيلوغ، المبعوث الأميركي الخاص لأوكرانيا، في كلمة له السبت في «منتدى ريغان للدفاع الوطني»، أن التوصل إلى اتفاق يُنهي الحرب أصبح «قريباً جداً» وما زالت دونه «الأمتار العشرة النهائية». وبحسب كيلوغ، فإن عقبتين رئيسيتين ما زالتا عالقتين، هما مصير منطقة الدونباس الأوكرانية التي تطالب موسكو بضمها بالكامل، بما في ذلك الأراضي لم تسيطر عليها عسكرياً، ومصير محطة زابوروجيا للطاقة النووية الأكبر في أوروبا. وبرأيه أنه «إذا حللنا هاتين القضيتين، فإن بقية الأمور ستسير بشكل جيد نسبياً»، مُضيفاً: «نحن على وشك الوصول... نحن قريبون جداً، جداً».

روبيو متحدّثاً خلال اللقاء بين الوفدين الأوكراني والأميركي في هالانديل بيتش بفلوريدا يوم 30 نوفمبر (أ.ف.ب)

في المقابل، نقلت وسائل إعلامية روسية عن يوري أوشاكوف، مستشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومفاوضه الرئيسي في الملف الأوكراني الأحد، أنه يتعين على الولايات المتحدة «أن تجري تغييرات جدية، بل جذرية» في مقترحاتها بشأن أوكرانيا. وقال أوشاكوف لقناة «آر تي» التلفزيونية الروسية إن الجهود المبذولة لصياغة النصوص الخاصة بأوكرانيا ما زالت في «مراحلها المبكرة». وتجدر الإشارة إلى أن أوشاكوف شارك في اجتماع الساعات الخمس في موسكو، الأسبوع الماضي، إلى جانب الرئيس بوتين، مع المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجارد كوشنر. وبحسب مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس، فإن كلام أوشاكوف، إذا كان يعكس حقيقة المفاوضات الروسية - الأميركية، يعني أن الطرفين «ما زالا بعيدين عن التوصل إلى اتفاق، علماً بأن المقترحات الأميركية تميل بشدة إلى جانب موسكو».

زيلينسكي وحيداً

رغم التضارب البيّن في تقدير التقدم الحاصل في المفاوضات، فإن الترويكا الأوروبية؛ بريطانيا وفرنسا وألمانيا، تستشعر الهلع من التقارب الأميركي - الروسي من جهة، ومن احتمال أن تعمد إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى فرض حل لا يضمن المصالح الأوكرانية.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال اجتماعهما في لاهاي على هامش قمة الحلف الأطلسي 25 يونيو الماضي (د.ب.أ)

وهذا التخوف يفسر تداعي واستعجال الترويكا لعقد قمة جديدة في لندن، هذه المرة، بدعوة من رئيس الوزراء كير ستارمر وحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني ميرتس، وبالطبع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. واللافت أن الأربعة تشاوروا مطولاً بداية الشهر الحالي بمناسبة الزيارة التي قام بها الأخير إلى باريس، وما تبعها من جولة اتصالات واسعة مع كبار القادة الأوروبيين ومع الفريق الأميركي المفاوض.

وما يقلق الأوروبيين، بحسب مصدر الإليزيه، استبعادهم من المفاوضات، «ما يعني ترك زيلينسكي وحيداً بمواجهة ضغوط فريق الرئيس دونالد ترمب». كما يعني أن أي اتفاق يتم إبرامه بعيداً عنهم «لن يأخذ بعين الاعتبار أمن الدول الأوروبية ومصالحها». ولخص وزير شؤون مجلس الوزراء البريطاني بات ماكفادن جانباً من المخاوف بوصف ذلك «اللحظة الراهنة» بأنها «محورية للغاية. الجميع يريد انتهاء الحرب، ولكنهم يريدون أن يتم ذلك بطريقة تمنح أوكرانيا حرية الاختيار في المستقبل».

خلفيات مخاوف «الترويكا»

على ضوء هذين العنصرين، يمكن فهم خلفيات ما كشفت عنه مؤخراً صحيفة «دير شبيغل» الألمانية مع فحوى مكالمة هاتفية جرت الأسبوع الماضي بين ماكرون وميرتس بشأن أوكرانيا، حيث قال الأول إن «هناك احتمالية أن تخون الولايات المتحدة أوكرانيا فيما يتعلق بالأراضي، دون وضوح بشأن الضمانات الأمنية».

الرئيسان الفرنسي ماكرون والأوكراني زيلينسكي ورئيس الوزراء البريطاني ستارمر ونظيره البولندي تاسك والمستشار الألماني ميرتس في كييف يوم 10 مايو (إ.ب.أ)

ولما سُئلت مصادر قصر الإليزيه عن صحة ما نشرته «دير شبيغل»، اكتفت بالقول إن ماكرون لم ينطق بهذه الكلمة؛ أي خيانة. لكن الأهم أن الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً «الترويكا»، غير مطمئنة «لمزاجية» ترمب في إدارة الملف الأوكراني. وكان الأوروبيون قد اطمأنوا نسبياً بعدما عدّوا أنهم نجحوا في تعديل الخطة الأميركية الأصلية المكونة من 28 بنداً، بعد اجتماعات جنيف التي حرصوا على الوجود فيها إلى جانب الوفد الأوكراني.

وعدّت «الترويكا» أن إرغام أوكرانيا على التخلي عن كامل مقاطعة دونباس، ومنع كييف من الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ورفض موسكو نشر قوات أوروبية - أطلسية على الأراضي الأوكرانية، وامتناع واشنطن عن الالتزام بتوفير ضمانات أمنية لأوكرانيا لجهة ردع روسيا عن مهاجمتها لاحقاً وبعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو اتفاق سلام، كل ذلك يشكل عوامل تثير القلق.

صورة جماعية في البيت الأبيض تضم الرئيسين دونالد ترمب وفولوديمير زيلينسكي وقادة أوروبيين 18 أغسطس 2025 بمناسبة محادثات حول أوكرانيا (رويترز)

بيد أن ما فاقم المخاوف الأوروبية هو ما ورد في وثيقة «الاستراتيجية الأمنية الأميركية» التي نشرت الجمعة، التي تعد أن لأوروبا «توقعات غير واقعية» بالنسبة لنتائج الحرب، وأن واشنطن سوف تعمل على تعزيز «المقاومة السياسية للمسار الحالي» لأوروبا. وما يزيد الطين بلة، أن رؤية الوثيقة لأوروبا ليست من النوع الذي يدعو الأوروبيين إلى الاستكانة لوقوف أميركا إلى جانبهم، أو لمدى قوة الرابط الأطلسي والبند الخامس من معاهدة الحلف التي تنص على الدفاع عن أي عضو فيه يتعرض لاعتداء خارجي.

مصير الأصول الروسية

من هذه الزاوية، يمكن تفهم الاستعجال الأوروبي لمشاورات إضافية.

وتعاني «الترويكا» من وضع غير مريح لها، إذ إنها لا تستطيع، من جهة، الوقوف بشكل واضح وصلب بوجه الرئيس ترمب لتخوفها من ردود فعله، ومن أن ينفض يديه من الملف الأوكراني. كما أنها، من جهة ثانية، لا يمكنها قبول طروحاته والسير بخطته بسبب المخاطر والنتائج المترتبة عليها حاضراً ومستقبلاً.

زيلينسكي وستارمر خلال لقاء «تحالف الراغبين» في لندن يوم 24 أكتوبر (إ.ب.أ)

لذا، فإنها في «منزلة بين المنزلتين»، حيث تؤيد من دون حماسة وتعارض بلطف. ولم يتضح بعدُ أبعاد قول مسؤول أميركي الجمعة إن واشنطن توصلت مع كييف إلى «إطار لترتيبات أمنية». ولا شك أن هذه المسألة ستكون رئيسية في قمة الاثنين في لندن.

ثمة مسألة أخرى ملحة يتعين على الأوروبيين بتّها سريعاً، وتتناول مصير الأصول الروسية المجمدة في مؤسسة «يوروكلير» المالية في لوكسمبورغ، التي يرغب الأوروبيون باستخدام 90 مليار يورو منها لتقديمها، خلال عامي 2026 و2027، بشكل قروض لأوكرانيا لتمويل ماليتها ومجهودها الحربي.

وبالنظر لرفض بارت دي ويفر رئيس وزراء بلجيكا، وفاليري أوبان، المديرة العامة للمؤسسة المالية، المسّ بالأصول الروسية لما يترتب على ذلك من تبعات مالية واقتصادية وقانونية، فإن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وميرتس اجتمعا مطولاً مساء الجمعة مع دي ويفر وأوبان لإقناعهما بقبول استخدام الأصول المذكورة. بيد أن الأخيرين ما زالا يعارضان، رغم الوعود التي أغدقها ميرتس وفون دير لاين. وسيكون ملف الأصول مطروحاً لدى انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي يومي 18 و19 من الشهر الحالي في بروكسل.


مقالات ذات صلة

مصدر: أوكرانيا ستتخذ إجراء ضد إسرائيل إذا رست في حيفا سفينة فيها بضائع «مسروقة»

شؤون إقليمية تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

مصدر: أوكرانيا ستتخذ إجراء ضد إسرائيل إذا رست في حيفا سفينة فيها بضائع «مسروقة»

قال مصدر أوكراني لـ«رويترز»، الاثنين، إن إسرائيل تخاطر برد ​كييف دبلوماسياً وقضائياً إذا سمحت برسوّ سفينة تحمل حبوباً من الأراضي الأوكرانية التي تحتلها روسيا...

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

اليوم هناك أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) باتت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد توربينات رياح بالقرب من مارسيليا بفرنسا (رويترز)

الطاقة المتجددة تلقى رواجاً في أوروبا مع غلاء الكهرباء بسبب حرب إيران

تُظهر مقارنات أسعار من دول في أنحاء أوروبا أن البلدان التي لديها إنتاج كبير للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتمتع بحماية أفضل من الارتفاعات الحادة في الأسعار.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مددت أميركا الإعفاء الممنوح للفلبين لشراء النفط الروسي من 17 أبريل إلى 16 مايو 2026 (رويترز)

الفلبين: أميركا مددت إعفاء يتيح لنا استيراد النفط الروسي

ذكرت وزارة الطاقة الفلبينية، الاثنين، أن الولايات المتحدة وافقت على طلبها تمديد الإعفاء الممنوح لها لشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية.

«الشرق الأوسط» (مانيلا)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.