مبادرة ترمب للسلام: تغيير قواعد اللعبة في أوكرانيا وصدام المصالح بين الغرب وروسيا

روسيا ترحب بحذر والاتحاد الأوروبي يشدّد على ضرورة إشراكه وكييف لإنجاح أي خطة سلام

وزراء خارجية أوروبيون خلال مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل 20 نوفمبر 2025 واحتمال فرض حزمة عقوبات جديدة ضد موسكو (إ.ب.أ)
وزراء خارجية أوروبيون خلال مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل 20 نوفمبر 2025 واحتمال فرض حزمة عقوبات جديدة ضد موسكو (إ.ب.أ)
TT

مبادرة ترمب للسلام: تغيير قواعد اللعبة في أوكرانيا وصدام المصالح بين الغرب وروسيا

وزراء خارجية أوروبيون خلال مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل 20 نوفمبر 2025 واحتمال فرض حزمة عقوبات جديدة ضد موسكو (إ.ب.أ)
وزراء خارجية أوروبيون خلال مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في بروكسل 20 نوفمبر 2025 واحتمال فرض حزمة عقوبات جديدة ضد موسكو (إ.ب.أ)

في لحظة سياسية شديدة التعقيد، تعود مفردة «السلام» إلى خطاب الحرب الأوكرانية، ولكن هذه المرة على وقع مبادرة أميركية تسربت تفاصيلها قبل إعلانها، وتحوّلت سريعاً إلى محور سجال بين واشنطن وكييف وموسكو والعواصم الأوروبية. فبين زيارة عسكرية أميركية رفيعة المستوى إلى العاصمة الأوكرانية، وفضيحة فساد تهزّ مؤسسات الدولة، وضغوط روسية ميدانية مستمرة، يبدو أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة، تتجاوز مجرد توازنات الجبهات نحو إعادة صياغة النظام الأمني في القارة الأوروبية.

بوتين لدى استقباله ويتكوف في موسكو 6 أغسطس (رويترز)

تحرك أميركي غير تقليدي

فقد أثارت زيارة وزير الجيش الأميركي دانيال دريسكول إلى كييف جملة تساؤلات، ليس فقط بسبب مستوى الوفد العسكري الذي رافقه، بل لأن المسؤول ذاته لا يندرج ضمن الحلقة الضيقة المكلفة عادة بإدارة الملفات التفاوضية أو الاستراتيجية. والأهم أنها جاءت في سياق مفاوضات موازية يقودها المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الرجل المقرّب من الرئيس، الذي تحوّل إلى قناة خلفية بين واشنطن وموسكو.

ورغم أن زيارة دريسكول جرت تحت عنوان «بحث الاحتياجات العسكرية»، فإنها تزامنت مع تقارير تحدثت عن طرح إدارة الرئيس دونالد ترمب خطة سلام جديدة، ما جعل دريسكول عملياً أحد «حاملي الرسائل» الأولى إلى القيادة الأوكرانية بشأن مستقبل الحرب.

الرئيسان ماكرون وزيلينسكي يستمعان خلال زيارتهما الاثنين لمقر قيادة القوة متعددة الجنسيات من أجل أوكرانيا لشروح من أحد كبار الضباط (رويترز)

وبينما حاول البنتاغون التقليل من البعد السياسي للزيارة، نقلت وسائل إعلام أميركية عدة عن مصادر مطلعة تأكيدها أن الوفد الأميركي أجرى في كييف نقاشات تتجاوز الجوانب التقنية، ولامست «الهامش المتاح أمام أوكرانيا» في أي مفاوضات محتملة. وقالت إن مهمة الوفد العسكري كانت في جزء منها «استطلاعية»، وتهدف إلى تحديد قدرة كييف على تحمل الضغوط، واستشراف رد فعلها في حال فُرضت عليها تسوية قاسية.

ملامح خطة سلام تثير الجدل

وبينما امتنعت واشنطن عن الكشف رسمياً عن أي تفاصيل، تكفلت تسريبات صحافية أميركية برسم ملامح أولية لخطة تضمّ نحو 28 بنداً، عُدت الأكثر إثارة للجدل منذ بدء الحرب. وتشير البنود المسربة إلى أن المبادرة الأميركية تتضمن اعترافاً ضمنياً بسيطرة روسيا على القرم وأجزاء واسعة من دونيتسك ولوغانسك، وتقليص الجيش الأوكراني إلى نحو النصف، مع فرض قيود صارمة على الأسلحة بعيدة المدى، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح على خطوط التماس جديدة، وتجميد مسار انضمام أوكرانيا إلى «الناتو» لسنوات طويلة، ووضع ضمانات أمنية أميركية لأوكرانيا وأوروبا، من دون تحديد آليات تنفيذها، وإشراك دول بينها تركيا في آليات الرقابة والضمان، على غرار ما جرى في ملفات تفاوض أخرى. ورغم أن البيت الأبيض وصف هذه البنود بأنها «أفكار» قابلة للنقاش، فإنها قوبلت بقلق واسع في كييف وأروقة الاتحاد الأوروبي، لأنها تتقاطع إلى حد كبير مع المطالب الروسية التقليدية منذ عام 2022، وتمنح موسكو مكاسب استراتيجية يصعب التراجع عنها لاحقاً.

جندي أوكراني يظهر في مدينة كوستيانتينيفكا بالخطوط الأمامية بمنطقة دونيتسك (إ.ب.أ)

كييف بين الرفض والضغوط

بالنسبة للرئيس فولوديمير زيلينسكي، تأتي الخطة الأميركية في توقيت بالغ الحساسية. فبينما تواجه قواته صعوبات كبيرة على جبهات الجنوب والشرق، انفجرت في الداخل فضيحة فساد جديدة شملت مسؤولين مقربين من الرئيس، بينهم شخصيات في مؤسسات ترتبط مباشرة بمنظومة الأمن والدفاع. هذا التطور وضع الحكومة الأوكرانية في موقف ضعيف أمام حلفائها الغربيين، وأعطى زخماً للتيار الداعي إلى ضبط الدعم الغربي، وربما إعادة تقييم جدوى استمرار الحرب بالزخم الحالي. ورغم ذلك، أكدت كييف علناً رفضها لأي تنازلات من شأنها تكريس الخسائر الإقليمية، عادةً أن «السلام الذي يمنح المعتدي مكافأة ليس سلاماً». لكن مصادر غربية تشير إلى أن هامش المناورة الأوكراني بات أضيق من أي وقت مضى، وأن واشنطن نقلت إلى زيلينسكي رسالة مفادها أن الدعم الأميركي «ليس مفتوحاً إلى ما لا نهاية»، وأن البحث عن مخرج سياسي «أصبح ضرورة استراتيجية».

الرئيسان الفرنسي والأوكراني يوقّعان في باريس الثلاثاء «رسالة النوايا» لتزويد كييف بطائرات «رافال» المقاتلة (رويترز)

وقال وزير الخارجية المجري بيتر سيارتو، الخميس، إن على الاتحاد الأوروبي أن يوقف إرسال الأموال إلى الحكومة الأوكرانية بعد الذي تردد عن وجود فساد. وأضاف لصحافيين في بروكسل قبل اجتماع مع نظرائه في الاتحاد الأوروبي: «هناك مافيا حرب... منظومة فاسدة تعمل في أوكرانيا... وفي ظل وجود ذلك، تريد رئيسة المفوضية الأوروبية إرسال 100 مليار أخرى إلى أوكرانيا بدلاً من وقف المدفوعات والمطالبة بتصفية جميع المسائل المالية فوراً... هذا جنون». وقال سيارتو إن المجر ستدعم مبادرات الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام.

وأقال البرلمان الأوكراني، الأربعاء، وزيرين أوكرانيين على خلفية تحقيق فساد كبير مع الدعوة إلى اتخاذ مزيد من الإجراءات الشاملة لاستعادة الثقة في قيادة البلاد.

سيارات تحترق بالقرب من مبنى سكني تعرَّض لغارة روسية في خاركيف (رويترز)

روسيا ترحب بحذر

في موسكو، بدا التعاطي مع المبادرة الأميركية حذراً من حيث الشكل، وإن كان مرتاحاً من حيث المضمون. فالمتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف نفى وجود مفاوضات رسمية مع واشنطن، لكنه شدد على أن أي خطة سلام يجب أن «تعالج جذور الأزمة»، وهي العبارة التي تستخدمها موسكو دائماً للإشارة إلى مطالبها الجوهرية: الاعتراف بضمّ الأراضي، وضمان حياد أوكرانيا، ومنع تمدد «الناتو».

ويرى خبراء روس أن الخطة الأميركية، حتى في نسختها المسربة، تُشكل «نقطة بداية جيدة» بالنسبة لموسكو، لأنها تقترب من السقف الذي حدده الرئيس فلاديمير بوتين منذ أشهر. لكن في الوقت ذاته، لا تبدو روسيا مستعجلة لمنح الولايات المتحدة «إنجازاً دبلوماسياً» قبل التأكد من أن التسوية تضمن مصالحها بالكامل، خصوصاً مع استمرار تقدم قواتها على محاور عدة في الجنوب.

أما أوروبا، الطرف الأكثر تأثراً بمآلات الحرب، فوجدت نفسها خارج إطار المشاورات المتعلقة بالخطة. ورأى مسؤول أوكراني كبير، طلب عدم نشر اسمه، في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن الخطة الأميركية الجديدة تلحظ الشروط التي سبق أن طرحتها روسيا، وهي مطالب عدتها السلطات الأوكرانية بمثابة استسلام.

أوروبا قلقة

وقد عبّرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس عن استياء واضح، مؤكدة أنه «لا خطة سلام قابلة للحياة من دون مشاركة الأوروبيين والأوكرانيين».

وشدد الاتحاد، الخميس، على أن إشراكه وكييف ضروري لإنجاح أي خطة للسلام مع روسيا. وفيما ارتفعت حصيلة الضربات الروسية على غرب أوكرانيا إلى 26 قتيلاً وأكثر من 90 جريحاً. سلّمت موسكو كييف، الخميس، جثامين ألف شخص، مشيرة إلى أنها عائدة لجنود أوكرانيين قُتلوا في المعارك.

وعد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو لدى وصوله لاجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل أن «السلام لا يمكن أن يعني الاستسلام». وشدد على أن «الأوكرانيين سيرفضون دائماً أي شكل من أشكال الاستسلام»، مؤكداً حرص الأوروبيين على مبدأ السلام «العادل» و«الدائم». وأضاف: «نريد سلاماً دائماً يقترن بالضمانات اللازمة لمنع أي عدوان إضافي من جانب روسيا بقيادة فلاديمير بوتين».

أما نظيره البولندي رادوسلاف سيكورسكي فعد أن الأولوية تتمثل في الحد من قدرة روسيا على إلحاق الضرر. وقال في بروكسل أيضا: «آمل في ألا تُفرض قيود على قدرة الضحية على الدفاع عن نفسها، بل على المعتدي الذي ينبغي الحد من قدراته العدوانية». وأكد وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول أن «كل المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار، وكذلك أي تطورات سلمية أخرى في أوكرانيا، لا يمكن مناقشتها والتفاوض عليها إلا مع أوكرانيا، ويجب إشراك أوروبا».

الرئيس ماكرون مرحباً بالرئيس زيلينسكي لدى وصوله إلى قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

وأشار مسؤول كبير في الاتحاد الأوروبي، طلب عدم الإفصاح عن هويته، إلى أن هذه الخطة تستعيد خصوصاً السردية الروسية. ورأى أن موسكو تحاول صرف الانتباه في وقت بدأت العقوبات، خصوصاً الأميركية، على صادراتها النفطية تُؤتي ثمارها.

وحرص وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي المجتمعون في بروكسل على عدم التعليق بكثير من التفاصيل على خطة السلام الأميركية التي لم يعلن عنها بالكامل، لكنهم قالوا إنهم سيتصدون للمطالب بتنازل كييف عن أراض كأنه عقاب لها، وقالوا إن أي اتفاق يجب ألا يحرم أوكرانيا من القدرة على الدفاع عن نفسها.

ولم يعلق البيت الأبيض على المقترحات المذكورة. وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في العاشر من نوفمبر (تشرين الثاني) إن واشنطن «ستواصل تطوير قائمة بالأفكار المحتملة لإنهاء هذه الحرب بناء على مدخلات من طرفي هذا الصراع».

تصعيد عسكري وسط التفاوض

وفي خضم النقاشات السياسية، جاء التطور الميداني الأبرز حين استخدمت أوكرانيا للمرة الأولى صواريخ «أتاكمز» الأميركية لضرب أهداف داخل الأراضي الروسية، بعد أن رفعت واشنطن الحظر السابق على استخدامها في العمق الروسي.

هذا التحول أعطى كييف ورقة قوة مؤقتة، لكنه في الوقت ذاته أثار مخاوف من توسيع رقعة المواجهة. وقد ردت موسكو سريعاً بسلسلة ضربات واسعة على منشآت الطاقة الأوكرانية، في رسالة مفادها أن أي تصعيد سيقابله تصعيد مماثل وربما أشد.

وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يتحدث مع وسائل الإعلام لدى وصوله إلى بروكسل 20 نوفمبر 2025 (إ.ب.أ)

ويرى مراقبون أن هذه الرسائل المتبادلة لن تخرج عن إطار «الضغط فوق طاولة المفاوضات»، لكنها تعكس هشاشة أي تسوية قد يتم التوصل إليها، ما لم تقم على ضمانات واضحة وملزمة للطرفين.

وفي ضوء ما تكشّف خلال الأيام الأخيرة، تبدو الحسابات الدولية على النحو التالي: واشنطن تسعى إلى تهدئة النزاع بأسرع وقت، من أجل التركيز على أولويات أخرى، وفي مقدمها التنافس مع الصين. موسكو تفضّل استمرار الضغط الميداني إلى حين انتزاع أكبر عدد من المكاسب قبل تثبيت خطوط وقف النار. أوروبا تحاول منع تسوية تهمّشها وتعرض أمنها للخطر. وكييف تخشى من أن يؤدي أي اتفاق يُفرض عليها إلى انهيار سياسي داخلي وخسارة ما تبقى من ثقة الشارع.

قد يكون من المبكر الحديث عن ولادة مبادرة سلام قابلة للحياة. فما عُرض حتى الآن لا يتجاوز إطار «الأفكار الأولية»، لكن مجرد طرح هذه البنود في هذا التوقيت يشير إلى أن الحرب تدخل طوراً جديداً، قد يصبح فيه الحل العسكري أكثر تكلفة، والحل السياسي أكثر تعقيداً. وفي ظل المواقف المختلفة لأطراف الصراع، تبقى الحقيقة الأهم أن الأزمة الأوكرانية لم تعد شأناً إقليمياً فحسب، بل تحولت إلى ساحة اختبار لإعادة رسم موازين القوة عالمياً. فهل ستؤدي مبادرة ترمب إلى إنهاء الحرب، أم إلى فتح باب مرحلة أشد خطورة قد تغيّر وجه أوروبا لسنوات مقبلة؟


مقالات ذات صلة

اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

أوروبا مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)

اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

قال مصدر مطلع في جهاز الأمن الأوكراني، إن طائرات مسيّرة أوكرانية هاجمت محطة نفط وموقع تخزين في مدينة سامارا بمنطقة الفولغا الروسية، مما أدى إلى اندلاع حريق.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا صورة من شريط فيديو لإطلاق راجمة الصواريخ الروسية «أوراغان» باتجاه هدف في أوكرانيا الثلاثاء (إ.ب.أ)

موسكو تعلن السيطرة على أراض واسعة في أوكرانيا هذا العام

قال رئيس هيئة الأركان العامة الروسية فاليري غيراسيموف: «منذ بداية هذا العام صار تحت سيطرتنا 80 منطقة سكنية إجمالاً وأكثر من 1700 كيلومتر ⁠مربع من الأراضي»

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم صورة نشرتها وزارة النقل الروسية لعمال في موقع بناء الجسر (أ.ف.ب)

روسيا وكوريا الشمالية تدشنان أول جسر برّي يربط البلدين

أقامت روسيا وكوريا الشمالية مراسم، اليوم (الثلاثاء)، احتفالاً بإنشاء أول جسر برّي يربط البلدين والمقرر فتحه أمام حركة السير هذا الصيف، حسبما أعلنت موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي يتهم مبعوثَي الولايات المتحدة بعدم احترام أوكرانيا

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مبعوثي الولايات المتحدة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بإظهار نقص في الاحترام تجاه أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

أوكرانيا تطلب من تركيا عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي

طلبت أوكرانيا من تركيا السعي لعقد اجتماع بين الرئيسين بوتين وزيلينسكي وسط ترحيب فاتر من روسيا باستئناف محادثات السلام.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
TT

الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)

لم يمض عام بعدُ على تشكيل حكومة المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، والخلافات بين الحزبين في الائتلاف الحاكم تزداد؛ مما بدأ يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة الحكومة على العمل في ظل أزمات متتالية تواجهها ألمانيا. ويواجه الحزبان تحديات في إقناع الألمان بقدرتهما على قيادة البلاد وإدخال إصلاحات ضرورية وانتزاع الاقتصاد مع السقوط.

وكان استطلاع للرأي، نشر قبل أيام، أظهر أن شعبية ميرتس في الحضيض، وأنه يحظى بتأييد لا يزيد على 19 في المائة مقابل 76 في المائة من غير الراضين عن أدائه؛ مما وضعه على رأس لائحة لأقل قادة العالم شعبية، وفق استطلاع أجراه معهد «مورنينغ كونسالت» الأميركي. وتتطابق نتائج الاستطلاع هذا مع استطلاعات أخرى أجرتها معاهد محلية، كان آخرها من معهد «فورسا» في نهاية مارس (آذار) الماضي أظهر أن نسبة غير الراضين عن أداء المستشار بلغت 78 في المائة. وحتى قبل وصوله إلى السلطة، لم يكن ميرتس، زعيمُ الحزب «المسيحي الديمقراطي» الذي قادته أنجيلا ميركل 20 عاماً، ذا شعبية كبيرة، على النقيض من ميركل التي تقاعدت وهي تحظى بشعبية مرتفعة.

وفي المقابل، يبدو شريكه في الائتلاف الحكومي في مأزق أيضاً؛ فقد مُني «الحزب الاشتراكي» بزعامة نائب المستشار وزير المالية، لارس كلينغبايل، بخسائر تاريخية في انتخابات محلية بولايتين الشهر الماضي... ففي ولاية بادن فرتمبيرغ، خسر مطلع مارس الماضي نصف الأصوات ولم يحصل على أكثر من 5.5 في المائة ليحقق أسوأ نتائج منذ عام 1945. وفي ولاية راينلاند بالاتينات التي كان يحكمها قبل الانتخابات، خسر نحو 10 نقاط وانخفض تمثيله إلى 26 في المائة.

وتأتي هذه النتائج في وقت تزداد فيه شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي وضعته أحدث استطلاعات الرأي في الطليعة بنسبة تأييد تصل إلى 26 في المائة، أي لو أُجريت انتخابات في ألمانيا اليوم فسيفوز بها الحزب المتطرف.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي في هوسوم بألمانيا يوم 3 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

وتواجه حكومة ميرتس أزمات متتالية منذ تشكيلها العام الماضي وسط تحديات انتشال الاقتصاد الألماني الذي يواجه كثيراً من العقبات، وغير القادر على تحقيق نمو كاف. ومؤخراً زادت آثار حرب إيران وارتفاع أسعار البنزين والتأثير المباشر على المواطنين من النقمة الشعبية على الحكومة.

وتحاول الحكومة إدخال تعديلات على قوانين «الضرائب» و«النظام الاجتماعي»، وهما موضوعان يشكلان مادة جدل رئيسية بين الحزبين في الائتلاف الحكومي. ويسعى الحزب «المسيحي»، المنتمي إلى يمين الوسط بزعامة ميرتس، إلى إدخال تعديلات على نظام الضرائب تهدف إلى تقليل الضرائب على الشركات؛ بهدف جعل مناخ العمل في ألمانيا أكبر جاذبية؛ وهو ما يعارضه الحزب «الاشتراكي» الذي يريد تخفيف الأعباء عن الطبقةِ المنخفضة؛ قاعدتِه الأساسية، بمنحها إعفاءات ضريبية مقابل رفع الضرائب على ذوي الدخل الأعلى. ولكن حزب ميرتس يعارض رفع الضرائب ويقترح تخفيض الخدمات الاجتماعية وهو أيضاً ما يعارضه «الاشتراكيون».

وقد أمضى الحزبان في عطلة نهاية الأسبوع ما قبل الماضية يومين كاملين يجريان مشاورات سرية بشأن كيفية تخفيف الأعباء عن المواطنين بسبب ارتفاع أسعار الوقود إثر إغلاق مضيق هرمز. وكادت الخلافات بينهما بشأن المقاربة تتسبب في انهيار الحكومة، ولكن في النهاية اتفقا على تخفيض بعض الضرائب على الطاقة من دون فرض ضرائب أرباح على شركات الطاقة، وهو ما أراده «الاشتراكيون».

شعار حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي بات الحزب الثاني في ألمانيا (د.ب.أ)

والآن تلوح في الأفق خلافات جديدة مع إعلان المستشار الحاجة إلى إدخال إصلاحات على نظام التقاعد، وتحويل مرتب التقاعد إلى «مرتب أساسي»، أي تخفيضه؛ بسبب ارتفاع عدد المتقاعدين بشكل لا يتساوى مع دخول أعداد مناسبة سوقَ العمل. وقال ميرتس أمام مجموعة من الشركات المالية إنه سيتعين على الأفراد الاستثمار في معاشات تقاعد، خصوصاً أن الحكومة ستعمل على تشجيع ذلك عبر إقرار قوانين جديدة. واعترف ميرتس بأن هذه الاصلاحات ستُدخل حكومته مواجهةً جديدة، لكنه قال: «سيتعين فتح حوار جدي مع الحزب (الاشتراكي)» بشأن إصلاحات قانون التقاعد. وبالنسبة إلى «الاشتراكيين»، فإن قانون التقاعد يمس بقاعدتهم الأساسية، والموافقة على تخفيض المعاش التقاعدي ستؤثر من دون شك على شعبيتهم.

وقبل أن تبدأ المشاورات الحكومية بشأن إصلاح القانون، بدأت الخلافات على الإصلاحات، ورد النائب ديرك فيزه، من الحزب «الاشتراكي» بالقول: «يجب على الأشخاص أن يكونوا قادرين على الاعتماد على المعاش التقاعدي. كثيرون دفعوا لسنوات في التأمين التقاعدي مما جنوه من عملهم المضني، ولا يمكن لهذا أن يتحول فقط إلى معاش أساسي»، أي يغطي فقط الأساسيات. لكن السياسي الاشتراكي أبدى انفتاحاً على إصلاح قانون التقاعد، داعياً إلى توسيع قاعدة من يدفعون في التأمين التقاعدي، مقترحاً أن تطول النواب المُعفَين من ذلك حالياً.


«الناتو» يعترض طائرات عسكرية روسية خلال تحليقها فوق بحر البلطيق

طائرة مقاتلة فرنسية من طراز «رافال إف - 4» مخصصة لمهمة مراقبة المجال الجوي لحلف «الناتو» في منطقة البلطيق تهبط في قاعدة لييلفارد الجوية في لاتفيا 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
طائرة مقاتلة فرنسية من طراز «رافال إف - 4» مخصصة لمهمة مراقبة المجال الجوي لحلف «الناتو» في منطقة البلطيق تهبط في قاعدة لييلفارد الجوية في لاتفيا 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«الناتو» يعترض طائرات عسكرية روسية خلال تحليقها فوق بحر البلطيق

طائرة مقاتلة فرنسية من طراز «رافال إف - 4» مخصصة لمهمة مراقبة المجال الجوي لحلف «الناتو» في منطقة البلطيق تهبط في قاعدة لييلفارد الجوية في لاتفيا 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
طائرة مقاتلة فرنسية من طراز «رافال إف - 4» مخصصة لمهمة مراقبة المجال الجوي لحلف «الناتو» في منطقة البلطيق تهبط في قاعدة لييلفارد الجوية في لاتفيا 14 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

اعترض حلف شمال الأطلسي (ناتو) قاذفات استراتيجية ومقاتلات روسية حلّقت فوق بحر البلطيق يوم الاثنين، في استعراض قوي للقدرات الجوية على الجناح الشرقي للحلف، بعيداً عن الأضواء المسلّطة على الشرق الأوسط، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

تم نشر مقاتلات «رافال» الفرنسية من قاعدة جوية في ليتوانيا، حيث تتمركز ضمن مهمة مراقبة جوية تابعة لـ«الناتو» تمتد لعقود. وانضمت هذه المقاتلات، المزوّدة بصواريخ جو - جو، إلى طائرات من السويد وفنلندا وبولندا والدنمارك ورومانيا. وقد أقلعت جميعها لمراقبة الرحلة الروسية وتفتيشها، وفق ما أفادت به الوحدة الفرنسية.

وشملت المهمة الروسية قاذفتين تفوقان سرعة الصوت من طراز «تو - 22 إم3»، إضافة إلى نحو 10 مقاتلات - من طرازي «سو - 30» و«سو - 35» - تناوبت على مرافقة القاذفات الاستراتيجية الأكبر حجماً، بحسب البيان.

وقالت وزارة الدفاع الروسية إن رحلة القاذفات بعيدة المدى كانت مقرّرة وجرَت في أجواء فوق المياه الدولية المحايدة لبحر البلطيق. وأضافت الوزارة، في بيان نُشر يوم الاثنين على «تلغرام»، أن الرحلة استغرقت أكثر من أربع ساعات.

وجاء في بيان الوزارة: «في مراحل معيّنة من المسار، رافقت القاذفات بعيدة المدى مقاتلات تابعة لدول أجنبية». وأضافت: «تُجري أطقم الطيران بعيد المدى رحلات منتظمة فوق المياه المحايدة في القطب الشمالي، وشمال الأطلسي، والمحيط الهادئ، وكذلك في بحري البلطيق والأسود. وتُنفّذ جميع رحلات طائرات القوات الجوية الفضائية الروسية وفقاً للقواعد الدولية الصارمة لاستخدام المجال الجوي».

وغالباً ما تعلن وزارة الدفاع الروسية عن رحلات لقاذفاتها الاستراتيجية فوق بحر البلطيق، بما في ذلك في يناير (كانون الثاني)، عندما أقلعت أيضاً طائرات لـ«الناتو» لاعتراضها، وكذلك ما لا يقل عن أربع مرات العام الماضي.

صورة قدّمها الجيش الفرنسي الاثنين 20 أبريل 2026 تظهر تحليق طائرة مقاتلة روسية من طراز «سو - 35» فوق بحر البلطيق (أ.ب)

اعتراضات جوية على مدار العام

ويقوم التحالف العسكري بشكل روتيني بإقلاع مقاتلات لاعتراض طائرات حربية روسية تقترب من المجال الجوي لـ«الناتو» أو تحلّق بالقرب منه. ويقول الحلف إن الطائرات الروسية التي يتم اعتراضها غالباً لا تستخدم أجهزة الإرسال والاستقبال (الترانسبوندر)، ولا تتواصل مع مراقبي الحركة الجوية، ولا تقدّم خطة طيران. لذلك تُرسل طائرات «الناتو» للتعرّف عليها.

والعديد من الرحلات الروسية التي يراقبها «الناتو» ضمن مهمة «الشرطة الجوية في البلطيق»، التي أُنشئت منذ انضمام ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا إلى الحلف عام 2004، تكون من جيب كالينينغراد الروسي وإليه. وحتى قبل الحرب في أوكرانيا، كان «الناتو» يعترض الطائرات الروسية نحو 300 مرة سنوياً، معظمها فوق المياه المحيطة بشمال أوروبا.

وشاهد صحافي من وكالة «أسوشييتد برس» استجابة الوحدة الفرنسية يوم الاثنين من قاعدة شياولياي الجوية الواسعة في ليتوانيا، التي يستخدمها «الناتو» لدوريات المقاتلات المكلفة بمراقبة الأجواء على الجناح الشرقي للحلف.

وقد شوهد طاقما طائرتين مقاتلتين من طراز «رافال» وهما يهرعان في سيارتين إلى حظائر الطائرات انطلاقاً من مبنى القيادة الذي تستخدمه الوحدة الفرنسية خلال فترة انتشارها التي تستمر أربعة أشهر في القاعدة الجوية.

وكان الطاقمان يرتديان بالفعل بزّاتهما الكاملة لأنهما كانا في حالة تأهّب، بحيث يكونان جاهزين للإقلاع خلال دقائق في حال صدور الأمر.

وسرعان ما اتخذ الطاقمان موقعيهما داخل قمرة القيادة، قبل أن يتم وضعهما في حالة انتظار مع تشغيل محركات الطائرات النفاثة، إلى أن صدرت الأوامر بالإقلاع. ثم تحرّكت الطائرات خارج الحظائر وانطلقت بقوة في سماء صافية.

وتُعدّ رحلة يوم الاثنين الأحدث ضمن مناورات روسيا فوق بحر البلطيق.

وقالت وزارة الدفاع الليتوانية إن طائرات «الناتو» أقلعت أربع مرات بين 13 و19 أبريل لاعتراض طائرات روسية انتهكت قواعد الطيران، بما في ذلك إطفاء أجهزة الإرسال والاستقبال والتحليق من دون خطة طيران.


اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)
مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)
TT

اندلاع حريق في محطة نفط روسية بعد هجوم مسيّرات أوكرانية

مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)
مضخات نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان بروسيا 4 يونيو 2023 (رويترز)

قال مصدر مطلع في جهاز الأمن الأوكراني، إن طائرات مسيّرة أوكرانية هاجمت محطة نفط وموقع تخزين في مدينة سامارا بمنطقة الفولغا الروسية، مما أدى إلى اندلاع حريق، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال مصدر، طلب عدم كشف هويته نظراً لعدم إعلان الأمر رسمياً، إنه حسب البيانات الأولية، فقد تضررت خمسة خزانات نفط خام، سعة كل منها 20 ألف متر مكعب، حسبما ذكرت وكالة «بلومبرغ» للأنباء.

ولم ترد شركة «ترانسنفت» الروسية، المشغلة لخطوط أنابيب النفط والمالكة للمنشأة، على الفور على طلب «بلومبرغ» للتعليق.

وتُظهر صور الأقمار الاصطناعية من منصة «كوبرنيكوس» التابعة للاتحاد الأوروبي، أن محطة سامارا تضم منشأة تخزين نفطية ضخمة تحتوي على أكثر من 60 خزاناً للنفط.