10 سنوات على التدخل الروسي في سوريا... ومتى منحت موسكو الموافقة للإطاحة بالنظام؟

في الزيارة الأخيرة اليائسة للأسد إلى موسكو نوفمبر 2024 رفض بوتين استقباله

عنصر في العمليات العسكرية السورية أمام مدخل قاعدة حميميم الروسية في محافظة اللاذقية - 29 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)
عنصر في العمليات العسكرية السورية أمام مدخل قاعدة حميميم الروسية في محافظة اللاذقية - 29 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)
TT

10 سنوات على التدخل الروسي في سوريا... ومتى منحت موسكو الموافقة للإطاحة بالنظام؟

عنصر في العمليات العسكرية السورية أمام مدخل قاعدة حميميم الروسية في محافظة اللاذقية - 29 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)
عنصر في العمليات العسكرية السورية أمام مدخل قاعدة حميميم الروسية في محافظة اللاذقية - 29 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

شكَّل الإعلان، في 30 سبتمبر (أيلول) عام 2015، عن بدء عملية جوية روسية لدعم القوات النظامية في سوريا، بداية مرحلة جديدة شديدة التعقيد مهَّدت لتكريس واقع جديد حوّل روسيا، في غضون سنوات قليلة، إلى لاعب رئيسي على مسرح الأحداث السوري.

لكن التمهيد لذلك التحوُّل بدأ منذ منتصف أغسطس (آب) في العام نفسه، عندما طلب الجانب الإيراني تدخلاً مباشراً من جانب موسكو، في العمليات العسكرية الجارية في سوريا. ودلَّت معلومات تسربت في وقت لاحق، على أن القيادة الروسية بدأت في ذلك الوقت دراسة كل التفاصيل المرتبطة بالوضع العسكري والميداني، والأسس القانونية والتداعيات المحتملة على اتخاذ القرار الحاسم.

وعقد مجلس الأمن القومي الروسي والدائرة المقربة من الرئيس فلاديمير بوتين عدة اجتماعات، خُصّصت، وفقاً لمصادر روسية، لمناقشة هذه القضية وآليات التعامل معها.

وبدا أن القرار الحاسم اتُّخِذ في وقت مبكر، وارتبط بشروط وضعتها موسكو، من بينها إنشاء أساس قانوني لوجود دائم للقوات الروسية في هذا البلد. لذلك جرى في 26 أغسطس (آب) توقيع اتفاقية الوجود الروسي في قاعدة «حميميم» الجوية، وفور توقيع الاتفاقية، بدأت موسكو التمهيد للمعركة المقبلة، عبر إرسال قدرات عسكرية كبيرة إلى سوريا، بينها مقاتلات وأنظمة دفاع جوي ودبابات وآليات مصفحة، فضلاً عن تزويد القاعدة باحتياجات الإقامة الدائمة للجنود الروس.

بوتين والأسد يحضران عرضاً عسكرياً في القاعدة الجوية الروسية «حميميم» قرب اللاذقية ديسمبر 2017 (أ.ف.ب)

وخلال شهر سبتمبر 2015، تم الانتهاء من وضع الترتيبات النهائية ميدانياً وعسكرياً، فيما تأجل الشق القانوني المتعلق بموافقة مجلس الاتحاد (الشيوخ) على منح الرئيس صلاحيات استخدام القوات المسلحة خارج البلاد إلى اللحظة الأخيرة. وهو أمر تم تنفيذه بسرعة ودقة، نهار 30 سبتمبر (أيلول)، عندما قطع المجلس جلسة عادية وحوَّلها إلى اجتماع مغلق جرت خلاله وبالإجماع الموافقة على الطلب الرئاسي.

بعد ذلك بساعات فقط، كانت القوات الروسية تعلن شن أول عمليات عسكرية على الأرض السورية، وقالت إنها استهدفت مواقع لتنظيم «داعش»، بينما أكد «الجيش السوري الحر»، في حينها، أن الضربات الروسية استهدفت مواقع تابعة له.

كانت تلك هي البداية. لتسجل روسيا أول انخراط عسكري مباشر في حرب تدور خارج الفضاء السوفياتي السابق. وقد وضعت موسكو أهدافاً علنية للتدخل «الجوي»، وأكدت أنها لن تنخرط في مواجهات برية، على رأسها مساعدة القوات النظامية في مواجهة «الإرهابيين»، ومنع انهيار الدولة السورية. لكن الأهداف الأبعد مدى سرعان ما اتضحت، وتمثلت في الخروج من العزلة الدولية التي أعقبت ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014. وفي استعادة نفوذ روسيا في الشرق الأوسط، الذي فُقد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وترسيخ مكانة روسيا كقوة عالمية قادرة على دعم حلفائها.

ومع استكمال الانتشار العسكري الروسي في وقت لاحق، عبر توقيع اتفاقية الإقامة الروسية الدائمة في قاعدة طرطوس، مطلع عام 2017، بدا أن موسكو التي نشطت قواتها الجوية في تغيير موازين القوى على الأرض خلال أكثر من عام، اقتربت من إنجاز أهدافها الرئيسية في تثبيت الإطلالة العسكرية الروسية على البحر المتوسط، وإيجاد نقطة ارتكاز أساسية لتحركات أساطيلها في البحار والمحيطات.

القاعدة الروسية في طرطوس (أرشيفية - د.ب.أ)

في الواقع، لم تقتصر مشاركة القوات الجوية الفضائية الروسية في القتال ضد تنظيم «داعش» فحسب، خصوصاً في المراحل الأولى من العملية؛ ففي عام 2015. لم يكن الهدف هزيمة «داعش»، بل إنقاذ نظام بشار الأسد الذي وجد نفسه في وضع حرج، وكان مهدَّداً بشكل رئيسي من قِبل قوات المعارضة المعتدلة نسبياً. ووجهت القوات الجوية الفضائية ضرباتها الرئيسية ضد هذه الجماعات حتى سيطرت القوات الحكومية بالكامل على حلب، في ديسمبر (كانون الأول) 2016، مما شكل نقطة تحول في الحرب. في ذلك الوقت. لم يكن تنظيم «داعش» هو الخصم الرئيسي لبشار الأسد - في الواقع، إذ كان المكان الوحيد الذي قاتلت القوات السورية فيه «داعش» بنشاط، هو منطقة تدمر.

الدفاع المدني السوري في موقع غارة جوية روسية على مشارف مدينة إدلب أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

وفي مارس (آذار) 2016، أشار الرئيس الروسي بشكل غير مباشر إلى أن أحد أهداف العملية اختبار المعدات العسكرية الروسية الحديثة في ظروف القتال. ووفقاً لوزارة الدفاع الروسية، فقد تم استخدام 215 طرازاً من الأسلحة الروسية في العمليات القتالية في سوريا في الفترة من 30 سبتمبر 2015 إلى ديسمبر (كانون الأول) 2017. وشملت صواريخ «كاليبر» عالية الدقة بعيدة المدى، وصواريخ «إسكندر - إم»، و«توشكا - يو»، وعشرات الطرازات الأخرى التي لم تكن قد استُخدِمت في ظروف القتال المباشر بمعارك حقيقية.

وبدءاً من الشهر التالي للانخراط العسكري المباشر، تكثّفت ضربات القوات الجوية الفضائية الروسية بشكل ملحوظ؛ حيث انضمّت قاذفات الطيران بعيد المدى إلى قصف مواقع المسلحين. وبحلول نهاية عام 2015، نفّذ الطيران الروسي 5240 طلعة جوية كجزء من العملية السورية، بما في ذلك 145 طلعة جوية لطائرات قاذفة بعيدة المدى وحاملة للصواريخ الاستراتيجية.

قوات الأمن السوري بجوار مركبة عسكرية متضررة لأنصار الرئيس المخلوع بشار الأسد في بلدة حميميم بمحافظة اللاذقية الساحلية في سوريا - 11 مارس الماضي (أ.ف.ب)

وبين بداية العملية وحتى منتصف فبراير (شباط) 2016، عندما بدأت مفاوضات وقف إطلاق النار، كانت الطائرات الروسية قد نفذت أكثر من 7200 طلعة جوية من قاعدة «حميميم» الجوية، ودمرت أكثر من 12700 هدف. ومكّن الدعم من القوات الجوية الفضائية الروسية قوات الحكومة السورية، من وقف التوسع الإقليمي لقوات المعارضة، وشن هجمات مضادة مؤثرة في محافظات حماة وإدلب وحلب. علاوة على ذلك، بفضل الضربات الروسية، فقد المعارضون، وفقاً للتقارير الروسية، أكثر من نصف دخلهم من النفط المستخرَج في مناطق سيطرتهم.

في هذه المرحلة، بدأت موسكو في تبني سياسة لإجهاض التحركات الدولية الداعمة للحل السياسي وفقاً لقرارات دولية، لذلك تم تأسيس مركز تنسيق للمصالحة بين الأطراف المتنازعة في قاعدة حميميم الجوية، ليكون بديلاً عن آليات التحرك الدولية. وفي 27 فبراير، دخل وقف إطلاق النار بين القوات الحكومية وجماعات المعارضة المسلحة في سوريا حيز التنفيذ رسمياً.

لكن على الأرض لم ينطبق وقف النار على تنظيم «داعش»، أو على الفصائل الأخرى مثل «جبهة النصرة» وعدد آخر من الفصائل المعارضة السورية. وسرعان ما أمر بوتين بسحب «الجزء الرئيسي» من المجموعة العسكرية الروسية من الأراضي السورية، لتنطلق بعدها العملية السياسية التي رسم ملامحها «الكرملين» باتفاق مع تركيا وإيران. وكجزء من عملية مفاوضات أستانا، التي بدأت في يناير (كانون الثاني) 2017، تم التوصل إلى اتفاقيات بشأن إنشاء ثلاث مناطق خفض تصعيد في محافظة إدلب، وفي منطقة دمشق (الغوطة الشرقية)، وعلى حدود محافظتي حمص وحماة.

بوتين والأسد في لقاء سابق بموسكو يوليو 2024 (سبوتنيك - رويترز)

في كل تلك المراحل كانت العلاقة مع الرئيس المخلوع بشار الأسد تمر بمراحل هبوط وصعود. وبدأ في أكثر من مفصل أن موسكو لم تثق بقدرته على إدارة عملية سياسية، وفي مراحل عدة وجهت رسائل مباشرة بأن صبرها قد بدأ ينفد. ووصل الوضع إلى ذروته، صيف 2024، أثناء اللقاء الأخير الذي جمع بوتين مع الأسد، أكدت موسكو خلاله على ضرورة التجاوب مع خطتها لتطبيع العلاقات بين دمشق وأنقرة لدفع عملية سياسية قابلة للحياة.

ومع تعدد اللقاءات على المستوى الرئاسي، بدءاً من اللقاءات الأولى التي جرت في موسكو وسوتشي بغياب البروتوكول وغياب أي مظاهر للسيادة الروسية، بما في ذلك عدم وجود مرافقين مع الأسد وعدم وضع العلم السوري في قاعة الاجتماعات، مروراً باللقاء الشهير في قاعدة «حميميم» في ديسمبر (كانون الأول) 2017 عندما استقبل بوتين الرئيس السوري المخلوع «على أرضه»، وبدا أنه (بوتين) سيد الموقف وصاحب القرار في البلاد، وصولاً إلى الزيارة الأخيرة اليائسة للأسد إلى موسكو في نوفمبر 2024، التي رفض خلالها بوتين استقباله، وعهد إلى وزير الخارجية سيرغي لافروف بتوجيه رسالة واضحة بضرورة «العودة وتسوية المشكلات بنفسه»، بدا أن موسكو كانت قد اتخذت قرارها النهائي بفتح صفحة جديدة في علاقاتها مع دمشق، تراعي تفاهمات مع الأطراف الإقليمية، وتأخذ في الاعتبار فشل الأسد في دفع أي تسوية سياسية.

استقبال الرئيس أحمد الشرع وفداً روسياً رفيع المستوى برئاسة ألكساندر نوفاك نائب رئيس الوزراء في روسيا الاتحادية (الرئاسة السورية)

وقد اتضح جانب من هذا القرار مع تأكيد الرئيس أحمد الشرع، في مقابلة أخيرة، أنه أجرى اتصالات مع الجانب الروسي لتجنُّب الاشتباك مع القوات الروسية، بعد تقدُّم عملية ردع العدوان وتحرير مدينة حلب. ورغم تكتم موسكو على مجريات الاتصالات في تلك المرحلة، بدا أن روسيا جهزت سريعاً لمرحلة انتهاء عهد الأسد، بما في ذلك توجيه رسائل إلى قادة عسكريين بعدم المقاومة، ووضع ترتيبات لنقل البعض من رموز النظام السابق إلى قاعدة «حميميم»، تمهيداً لمغادرة سوريا.

ومع منح الأسد اللجوء الإنساني بعد أطاحت به، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بدا أن موسكو التي لمَّحت مراراً إلى أنه لن يسمح للرئيس المخلوع بممارسة أي نشاط سياسي، تسعى إلى طي صفحة كاملة في علاقاتها مع النظام السابق، واستشراف آفاق إقامة علاقة جديدة مع دمشق، تلبي مصالح الطرفين.

وحمل تأكيد نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك خلال زيارته أخيراً إلى دمشق، على إيلاء الكرملين أهمية خاصة للزيارة المرتقبة للرئيس السوري، في إطار أول قمة روسية عربية، أواسط الشهر الحالي، إشارة إلى رغبة روسية بتجاوز مرحلة رمت بظلال ثقيلة على علاقاتها مع الإدارة الجديدة.

ومع ترتيب هذه الزيارة، ينتظر أن تطوي موسكو ودمشق بشكل نهائي حقبة النظام المخلوع، وأن يدشن الطرفان آليات جديدة للعلاقة، في اللقاء الأول الذي ينتظر أن يجمع الرئيسين بوتين والشرع.


مقالات ذات صلة

شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

المشرق العربي شرطيان ألمانيان يفتشان سيارة خلال عملية دهم بغاربسن في نوفمبر 2023 (أ.ب)

شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

تتهم السلطات الألمانية شاباً سورياً بالتخطيط لتنفيذ هجوم في العاصمة برلين بدوافع «إسلاموية متطرفة».

«الشرق الأوسط» ( برلين)
المشرق العربي عنصر من مكافحة المخدرات في أثناء العملية بدير الزور (الداخلية السورية)

سوريا: تفكيك شبكة «إرهابية» في حمص... وأخرى «دولية» لتهريب المخدرات

تمكّنت قوى الأمن الداخلي السورية من تفكيك «خلية إرهابية» في محافظة حمص وسط سوريا، وإحباط «مخطط تخريبي» كانت تنوي تنفيذه، وفق ما أعلنته وزارة الداخلية، الاثنين.

المشرق العربي المتهم البالغ من العمر 48 عاماً يدخل «محكمة كوبلنز الإقليمية العليا» لمواجهة اتهامات بالقتل وارتكاب «جرائم ضد الإنسانية» (د.ب.أ)

محاكمة سوري في ألمانيا قتل 70 سجيناً تحت التعذيب بدمشق

يَمثل مواطن سوري (48 عاماً)، الاثنين، أمام محكمة في ألمانيا بتهم المسؤولية عن التعذيب، والاستجوابات الوحشية، وقتل عدد كبير من السجناء، في سوريا.

«الشرق الأوسط» ( كوبلنز (ألمانيا) - لندن)
المشرق العربي إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد…

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)

لقاء الشرع - جنبلاط: تجاوز أحداث السويداء وإسقاط «حلف الأقليات»

شكّل لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط محطة بارزة

يوسف دياب (بيروت)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.