إستونيا تُندّد بـ«انتهاك» روسيا مجالها الجوي... وموسكو تنفي

بولندا نشرت مقاتلات لحماية أجوائها خلال هجوم روسي على أوكرانيا

جانب من عملية صيانة لطائرة استطلاع تابعة لحلف شمال الأطلسي في بولندا يوم 19 سبتمبر (أ.ف.ب)
جانب من عملية صيانة لطائرة استطلاع تابعة لحلف شمال الأطلسي في بولندا يوم 19 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

إستونيا تُندّد بـ«انتهاك» روسيا مجالها الجوي... وموسكو تنفي

جانب من عملية صيانة لطائرة استطلاع تابعة لحلف شمال الأطلسي في بولندا يوم 19 سبتمبر (أ.ف.ب)
جانب من عملية صيانة لطائرة استطلاع تابعة لحلف شمال الأطلسي في بولندا يوم 19 سبتمبر (أ.ف.ب)

نفت وزارة الدفاع الروسية، مساء الجمعة، دخول 3 مقاتلات من طراز «ميغ-31» المجال الجوي الإستوني بشكل غير قانوني، بعد اعتراضها من قبل طائرات تابعة لحلف شمال الأطلسي وتحذيرها بضرورة الابتعاد. وقالت الوزارة، في بيان، إن مقاتلاتها كانت في «عملية تحليق مجدولة (...) وملتزمة بشكل صارم بقواعد المجال الجوي الدولي، ولم تنتهك حدود الدول الأخرى، كما أكّدت عمليات الرصد الموضوعية». وأضافت أن الطائرات لم تنحرف عن مسارها المتفق عليه، و«لم تنتهك المجال الجوي الإستوني». وأوضحت أن الطائرات حلّقت فوق «المياه المحايدة لبحر البلطيق على مسافة تزيد على 3 كيلومترات من جزيرة فايندلو» في خليج فنلندا.

انتهاك «جريء»

جاء ذلك بعد ساعات من إعلان إستونيا، العضو في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، بخرق 3 طائرات مقاتلة روسية أجواءها، معتبرة أنه انتهاك «جريء على نحو غير مسبوق».

جانب من عملية صيانة لطائرة استطلاع تابعة لحلف شمال الأطلسي في بولندا يوم 19 سبتمبر (أ.ف.ب)

وأعلن رئيس الوزراء الإستوني كريستن ميشال، الجمعة، أن بلاده ستطلب من حلف شمال الأطلسي تفعيل المادة الرابعة التي تنص على إجراء مشاورات بين الحلفاء في حال وجود تهديد لأحد أعضائه. ويأتي الحادث في وقت تشهد فيه العلاقات بين روسيا وحلف شمال الأطلسي توترات شديدة. والأسبوع الماضي، خرقت 19 مسيرة روسية أجواء بولندا، العضو في حلف شمال الأطلسي، والتي ردّت مع حلفائها بنشر طائرات ودفاعات جوية لمواجهة التهديد. وبعد أيام، أدانت رومانيا بدورها انتهاك مسيرة روسية مجالها الجوي.

نظام مراقبة تركي

أدى تزايد انتهاكات روسيا المزعومة للمجال الجوي للجناح الشرقي والجنوبي الشرقي لحلف «الناتو» باتجاهه نحو الاعتماد على النشر قصير المدى لنظام استطلاع تركي، وفق وكالة الأنباء الألمانية. ووفقاً للوكالة، سيتم تنظيم التدريب على النظام بمساعدة أوكرانيا. والهدف هو بدء التدريب الأولي في وقت مبكر من الأسبوع المقبل.

ومن المقرر تجهيز بولندا ورومانيا بنظام المراقبة الجوية التركي متعدد الأطياف واسع المدى، المعروف بـ«ميروبس»، وتدريبهما عليه. ويمكن تركيب هذا النظام على طائرات الهليكوبتر والطائرات دون طيار، وهو قادر على اكتشاف الأنظمة المعادية من خلال السحب والغبار. وقد تم الكشف عنه علناً لأول مرة في عام 2022.

بولندا تنشر مقاتلاتها

في سياق متصل، أكّدت القوات المسلحة البولندية أن طائرات بولندية وأخرى حليفة، جرى نشرها في وقت مبكر من صباح السبت، لحماية المجال الجوي البولندي بعد أن شنّت روسيا ضربات جوية على غرب أوكرانيا قرب الحدود مع بولندا، وفق وكالة «رويترز». وذكرت قيادة العمليات في منشور على «إكس» أن «الطائرات البولندية والحليفة تعمل في مجالنا الجوي، بينما وُضعت أنظمة الدفاع الجوي الأرضية وأنظمة الاستطلاع بالرادار في أعلى حالات التأهب».

جنود أوكرانيون على الجبهة في منطقة زابوريجيا (إ.ب.أ)

وفجر السبت، كانت أوكرانيا بأكملها تقريباً في حالة إنذار بغارات جوية بعد تحذيرات القوات الجوية الأوكرانية من هجمات روسية بالصواريخ والطائرات المسيرة. وقالت قيادة الجيش البولندي إنه بعد الساعة الخامسة صباحاً بتوقيت غرينتش بقليل، أنهت القوات الجوية البولندية والقوات الحليفة العملية، مع توقف الضربات الجوية الروسية ضد أوكرانيا، مضيفة أن الإجراءات كانت «وقائية وتهدف إلى تأمين المجال الجوي في المناطق المجاورة للمنطقة المهددة».

وكثّفت روسيا ضرباتها على أوكرانيا، حيث أطلقت مئات المسيّرات والصواريخ ليل الجمعة إلى السبت. وأطلقت 40 صاروخاً ونحو 580 مسيّرة على أوكرانيا، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة العشرات، وفقاً للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وقبل ذلك بوقت قليل، أفادت السلطات في منطقة دنيبروبيتروفسك في وسط شرق أوكرانيا، عن هجوم روسي كبير بصواريخ ومسيّرات، أسفر عن مقتل شخص وإصابة 26 آخرين. وندّد زيلينسكي بـ«استراتيجية متعمّدة من قبل روسيا تهدف إلى إرهاب المدنيين وتدمير البنى التحتية» في أوكرانيا.

عمال إنقاذ يطفئون حريقاً سببه هجوم روسي على دنيبرو يوم 20 سبتمبر (أ.ب)

من جهتها، أعلنت وزارة الدفاع الروسية تنفيذ «ضربة ضخمة» على «المجمع الصناعي العسكري الأوكراني». وتؤكّد موسكو دائماً أنّها لا تستهدف إلا مواقع مرتبطة بالجيش الأوكراني، رغم أنّ مدناً وقرى تعرّضت لدمار كامل. وفي الخطوط الأمامية، أعلنت روسيا، السبت، السيطرة على قرية جديدة في منطقة دنيبروبيتروفسك. وأكّد الرئيس الأوكراني أنّ معارك دارت في وسط كوبيانسك التي تحمل أهمية في الشرق الأوكراني، وحيث يشهد الوضع تدهوراً، مشيراً إلى اتّخاذ إجراءات لـ«مكافحة التخريب» وإلى «عمليات تطهير».

نيران تتصاعد من سيارات هجوم روسي على ضواحي كييف يوم 20 سبتمبر (رويترز)

وفي روسيا، أكدت السلطات «اعتراض وإسقاط» 149 مسيّرة أوكرانية. وقال حاكم منطقة سامارا الروسية إنّه تمّ استهداف «بنى تحتية تابعة لمجمع الطاقة والنفط»، مشيراً إلى مقتل أربعة أشخاص.

لقاء مرتقب بين زيلينسكي وترمب

أعلن زيلينسكي أنّه سيلتقي نظيره الأميركي دونالد ترمب، الأسبوع المقبل، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في وقت وصلت الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا إلى طريق مسدود.

الرئيسان ترمب وزيلينسكي خلال اجتماع في المكتب البيضاوي يوم 18 أغسطس (أ.ف.ب)

وكان ترمب قد أصدر إنذارات لنظيره الروسي فلاديمير بوتين، مهدّداً بفرض المزيد من العقوبات على موسكو، بهدف دفعه إلى إبرام تسوية. ورغم أنّ بوتين لم يقدم أي تنازلات، لم ينفّذ ترمب تهديداته. وكشف زيلينسكي لمجموعة من الصحافيين عن أنه سيعقد «اجتماعاً مع رئيس الولايات المتحدة» خلال زيارته إلى نيويورك للمشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع المقبل، وفق وكالة الصحافة الفرنسية. وأشار الرئيس الأوكراني إلى أنّه سيناقش العقوبات التي تطالب كييف واشنطن بفرضها على موسكو. وقال: «أعتقد أنّنا نضيّع الكثير من الوقت إذا انتظرنا ولم نفرض عقوبات، أو لم نتخذ إجراءات». وأعلن ترمب استعداده لفرض عقوبات جديدة على موسكو، لكنّ شرط أن يتوقف الأوروبيون عن شراء الوقود الروسي الذي تشكّل مبيعاته أحد مصادر التمويل الرئيسية لآلة الحرب الروسية على أوكرانيا. ويرى زيلينسكي أنّ بوتين «لا يريد السلام»، ولن يقبل به «إلا إذا أُجبر على ذلك».

الرئيس الأميركي ونظيره الروسي خلال مؤتمر صحافي بقاعدة إلمندورف ريتشاردسون المشتركة في أنكوريج بألاسكا يوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)

وكان ترمب أبدى تفاؤلاً أكبر حيال بوتين، إلى حد أنّه استقبله بقدر كبير من الحفاوة في ألاسكا هذا الصيف. لكن مذاك، أظهر الرئيس الأميركي شعورا بخيبة أمل إزاء نظيره الروسي، وقال الخميس خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إنّه «خذله».

إلى ذلك، أكّد زيلينسكي أنّه سيناقش مع ترمب «الضمانات الأمنية» التي تطالب بها بلاده الدول الغربية في حال التوصل إلى اتفاق سلام. وبموجب هذه الضمانات، من المفترض أن تتم حماية أوكرانيا من أي هجوم روسي آخر في المستقبل. كذلك، دعا الرئيس الأوكراني إلى إنشاء نظام دفاع جوي مشترك مع بعض الدول المجاورة لبلاده لإسقاط المسيّرات الروسية.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة قلقة من استخدام مسيّرات فتاكة ذاتية التشغيل في أوكرانيا

أوروبا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك ونائبته آوا دابو في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف بسويسرا لحضور الدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان - 7 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

الأمم المتحدة قلقة من استخدام مسيّرات فتاكة ذاتية التشغيل في أوكرانيا

أعرب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، الاثنين، عن قلقه البالغ إزاء تقارير تفيد بأن طائرات مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل قتلت أشخاصاً في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا ناقلة الغاز الروسية المتضررة قبالة سواحل ليبيا منذ مارس الماضي (المؤسسة الوطنية للنفط)

ما حقيقة استهداف سفينة شحن روسية بمسيَّرات من داخل ليبيا؟

التزمت حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة الصمت حيال تقارير تدّعي استهداف سفينة شحن روسية في البحر المتوسط بطائرات «درونز» من الأراضي الليبية.

جمال جوهر
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في موسكو (الكرملين)

الكرملين: لا نستبعد استئناف المفاوضات مع أوكرانيا برعاية أميركية

أشار الكرملين إلى أنه لا يستبعد استئناف المحادثات مع كييف برعاية واشنطن؛ لإيجاد مخرج للحرب في أوكرانيا، وذلك إثر زيارة مبعوثَين أميركيين موسكو...

«الشرق الأوسط» (موسكو - كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في كييف أمس (إ.ب.أ)

الرئاسة الأوكرانية: كوشنر وويتكوف قدّما مقترحات «أكثر جدوى» لإنهاء الحرب

قدّم الموفدان الأميركيان، اللذان أرسلهما الرئيس دونالد ترمب إلى موسكو ثم كييف، اقتراحات جديدة «أكثر جدوى» لإنهاء الحرب مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف )
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مع المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في ختام مؤتمر صحافي مشترك في كييف اليوم (أ.ب)

ويتكوف: على روسيا وأوكرانيا تقديم «تنازلات» لإنهاء الحرب

دعا المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، اليوم (الأحد)، موسكو وكييف إلى تقديم «تنازلات» لإيجاد مخرج من الصراع الذي يدور بينهما منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.

«الشرق الأوسط» (كييف )

رياح اليمين المتطرف تعصف بالشراع الأوروبي

المرشح الأبرز لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية ساكسونيا - أنهالت أولريش سيغموند خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين (إ.ب.أ)
المرشح الأبرز لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية ساكسونيا - أنهالت أولريش سيغموند خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين (إ.ب.أ)
TT

رياح اليمين المتطرف تعصف بالشراع الأوروبي

المرشح الأبرز لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية ساكسونيا - أنهالت أولريش سيغموند خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين (إ.ب.أ)
المرشح الأبرز لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية ساكسونيا - أنهالت أولريش سيغموند خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين (إ.ب.أ)

لن تسمع أحداً هنا، في مسقط رأسه النمسا، يلفظ اسمه ولو همساً. لكن طيف أدولف هتلر ماثل بقوة في الأذهان كلما ارتفع رصيد الأحزاب اليمينية المتطرفة في عدّاد الانتخابات الأوروبية، وباتت رياحها تعصف بالشراع، كما حصل نهاية الأسبوع الماضي عندما حصد حزب «البديل من أجل ألمانيا » على أكثر من 44 في المائة من الأصوات في أحد الانتخابات الإقليمية التي سجّلت فيها المشاركة رقماً قياسياً تجاوز 80 في المائة من الناخبين.

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تلتقط صورة مع مؤيديها خلال تجمع لحزب «إخوان إيطاليا» في مدينة باري الإيطالية 4 سبتمبر (د.ب.أ)

وبينما كان الناخبون يتوافدون إلى صناديق الاقتراع في مقاطعة ساكسونيا - أنهالت الشرقية لترسيخ صعود النازيين الجدد في ألمانيا، حيث باتت شعبيتهم تزيد على 30 في المائة على الصعيد الفيدرالي حسب الاستطلاعات الأخيرة، كانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، وزعيمة حزب «إخوان إيطاليا» الذي تأسس على ركام الحزب الفاشي، تحتفل بكون حكومتها أصبحت الأطول عمراً في تاريخ بلادها الحديث بعد أن مرّ على تشكيلها 1412 يوماً، وتراقب بطرف عينها كيف أن تنظيماً سياسياً جديداً يزداد عليها في التطرف، باتت شعبيته تتجاوز شعبية حلفائها في الحكومة.

سياسات فاشلة

هذا الزلزال الألماني المعلن الذي ما زالت تداعياته تتردد في أرجاء الاتحاد الأوروبي، معطوفاً على الصعود المطرد للقوى والأحزاب اليمينية المتطرفة، أثبت أن كل التدابير التي كانت والوسائل التي لجأت إليها الأحزاب التقليدية في أوروبا لكبح إعصار التطرف واحتوائه، قد باءت بالفشل أو أنها أثمرت عكس النتيجة المنشودة منها، وأنه لم يعد من مناص سوى إعادة النظر بشكل جذري في الاستراتيجيات التي اتبعتها طيلة العقود الماضية. لم ينفع مثلاً ما قامت به الأحزاب اليمينية المعتدلة عندما استنسخت برامج اليمين المتطرف، لأن الناخبين كانوا يميلون في غالبيتهم إلى تفضيل النسخة الأصلية عند الدلاء بأصواتهم في صناديق الاقتراع. ولم ينفع تجاهل المخاوف الحقيقية أو المتخيلة التي تساور بعض السكان من ظاهرة الهجرة. كما فشل أيضاً الحجر الصحي الذي مارسته الأحزاب التقليدية ضد اليمين المتطرف وقطعت عليه طريق الوصول إلى الحكم، كما يتبيّن من صعود شعبية «البديل من أجل ألمانيا» ومارين لوبان في فرنسا.

لا شك في أن سياسة الخطوط الحمر التي نهجتها الأحزاب التقليدية في الاتحاد، وعزل القوى المتطرفة، ومنع إقامة التحالفات معها، قد ساعد على إقصائها عن السلطة. وهي سياسة يبررها أخلاقياً حظر التحالف أو التعاون مع أحزاب ترفض المبادئ الأساسية التي قامت عليها الديمقراطيات الأوروبية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. لكن من الواضح أن كل ذلك أثبت عدم جدواه في كل مرة كانت الأحزاب اليمينية ترسخ صعودها تحت شعارات مثل «الجميع ضدنا» أو «النخب ضد الشعب»، وتحوّل الأسلحة التي رفعت لإضعافها، إلى رافعات لشعبيتها. يضاف إلى ذلك أن الحجر الصحي الذي يفرض على حزب معيّن بهدف عزله أو إضعافه، يفقد مفعوله عندما يصبح هذا الحزب قادراً على القفز فوقه وتجاوزه كما حصل بالأمس في إيطاليا، واليوم في ألمانيا، وربما غداً في فرنسا. والمفارقة المذهلة التي يتوقف عندها الأوروبيون اليوم ويستشعرون بمرارة العبرة المستخلصة من هذه الانتخابات الألمانية، هي أنه لا يوجد بلد في العالم انكبّ على التبحّر في دراسة ماضيه الإجرامي كما فعلت ألمانيا التي بذلت جهوداً غير مسبوقة في المدارس والمجتمع المدني لفهم جذور الفكر النازي وتداعياته. وهي فعلت ذلك بوصفه واجباً أساسياً بعد نهوضها من ركام الحرب التي دمرت أوروبا، وانطلاقاً من قناعتها بأن فهم الأخطاء ودراستها وتحليلها والتكفير عنها هي الحائل دون تكرارها.

عدد من قادة حزب «البديل من أجل ألمانيا» خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين غداة فوز حزبهم بالانتخابات المحلية في ساكسونيا - أنهالت (إ.ب.أ)

مشهد جديد يتشكل

لكن المشهد السياسي الذي يتشكّل منذ سنوات في أوروبا، ويندفع نحو أقصى اليمين مدعوماً من المعسكر اليميني المتطرف في الولايات المتحدة الذي يعيش عصره الذهبي مع دونالد ترمب، وناهلاً من الأزمات المتعاقبة على الاتحاد الأوروبي، التي ليست الهجرة أعظمها شأناً، يستدعي نقلة نوعية وخطوات جريئة قبل فوات الأوان. اليمين المتطرف يُمسك بزمام الحكم في إيطاليا منذ أكثر من ثلاث سنوات، وليس ما يوحي بأن انتخابات العام المقبل ستقصيه عن السلطة، لا بل إنه قد يذهب نحو مزيد من التشدد بعد ظهور حزب جديد يقوده جنرال متقاعد ليس خطابه السياسي بعيداً عن خطاب موسوليني، وقد يكون المفاجأة الكبرى في الاستحقاق الانتخابي المقبل. في الجمهورية التشيكية يقود اليمين المتطرف الحكومة الائتلافية، مدعوماً من القوى القومية والمناهضة للمشروع الأوروبي وللهجرة والسياسات البيئية. وفي سلوفاكيا يقود الحكومة القومي روبرت فيكو، متحالفاً مع اليمين المتطرف الذي يطالب بإغلاق الحدود في وجه المهاجرين من خارج الاتحاد. رئيس الوزراء السلوفيني جانيز جانسا، لا يخفي إعجابه برئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان، وبالرئيس الأميركي دونالد ترمب. وفي كرواتيا يرتفع رصيد التيار القومي الذي يشارك في الحكومة الائتلافية، ويرجح أن يكون النصر حليفه في الانتخابات المقبلة. في فنلندا، يحتل حزب «الفنلنديون الحقيقيون» المركز الثاني في الائتلاف الحاكم، حيث تمكن من فرض سياسة متشددة في موضوع الهجرة. وفي السويد يقود رئيس الوزراء أولف كريترسون تحالفاً يمينياً بدعم من اليمين المتطرف الذي يطمح إلى الفوز في انتخابات الأحد المقبل. اليمين الفرنسي المتطرف الذي تقوده مارين لوبان، أحكم قبضته على عشرات المدن في الانتخابات البلدية التي أجريت في مارس (آذار) الماضي، وقد أصبحت زعيمته أوفر المرشحين حظاً للفوز في الانتخابات الرئاسية ربيع العام المقبل.

وقد أحدثت لوبان تغييراً عميقاً في عقيدة الحزب الذي أسسه والدها، فأبعدته عن الطروحات النازية، وجنحت به نحو بعض الاعتدال، لكنها أبقت على مناهضة الهجرة ومكافحتها بأشد التدابير. وفي البرتغال يسيطر اليمين المتطرف على ثاني أكبر كتلة في البرلمان، ويقود زعيمه أندريه فنتورا المعارضة الحالية بعد أن أوشك أن يفوز مؤخراً في انتخابات الرئاسة. وفي النمسا يشكّل اليمين المتطرف القوة السياسية الأولى بما يزيد على 40 في المائة من التأييد بعد أن فاز في الانتخابات الأخيرة، وعجز عن تشكيل حكومة لامتناع الأحزاب الأخرى عن التحالف معه. والسيناريو ذاته يتكرر في هولندا وبلجيكا وإسبانيا واليونان وبولندا والنرويج ورومانيا وقبرص وبلغاريا، حيث تشارك الأحزاب اليمينية في الحكومة أو تدعمها بشروط تملي بموجبها تدابيرها المتشددة.


الأمم المتحدة قلقة من استخدام مسيّرات فتاكة ذاتية التشغيل في أوكرانيا

المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك ونائبته آوا دابو في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف بسويسرا لحضور الدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان - 7 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك ونائبته آوا دابو في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف بسويسرا لحضور الدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان - 7 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة قلقة من استخدام مسيّرات فتاكة ذاتية التشغيل في أوكرانيا

المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك ونائبته آوا دابو في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف بسويسرا لحضور الدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان - 7 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك ونائبته آوا دابو في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف بسويسرا لحضور الدورة 63 لمجلس حقوق الإنسان - 7 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

أعرب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك، اليوم (الاثنين)، عن قلقه البالغ إزاء تقارير تفيد بأن طائرات مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل قتلت أشخاصاً في أوكرانيا.

ودعا إلى الحظر العاجل لاستخدام الأسلحة الفتاكة بدون أي تدخل بشري، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال تورك خلال افتتاح الدورة الـ63 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، إنه يشعر ﺑ«قلق بالغ من التقارير التي تفيد بأن طائرات مسيّرة ذاتية التشغيل بالكامل أطلقتها روسيا الاتحادية، قتلت ثلاثة أوكرانيين الشهر الماضي» خلال الحرب الدائرة بين البلدين.

وسلّط تورك الضوء أيضاً على تقارير مفادها بأن أوكرانيا قامت «باختبار هذه الأسلحة ميدانياً».

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية قد أوردت الشهر الماضي أن طائرة مسيّرة روسية موجّهة كلياً بواسطة نظام ذكاء اصطناعي قتلت ثلاثة مدنيين في منطقة زابوريجيا جنوب شرق أوكرانيا في 6 يوليو (تموز).

وأوضحت الصحيفة أن مشغّلين بشريين قاموا ببرمجة الطائرة المسيّرة للتوجه إلى محطة وقود محددة، لكنها اختارت هدفها الدقيق، الذي يُرجّح أنه كان خزانات بروبان، من دون تدخل بشري.

وتتصاعد ضغوط المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية من أجل تنظيم ما يسمى الأسلحة الذاتية التشغيل الفتاكة، التي يُشار إليها كثيراً باسم «الروبوتات القاتلة».

والشهر الماضي، وجّه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريتش، نداءً مشتركاً للحد من استخدام هذه الأسلحة، محذرَين من أن العالم أصبح «في شكل خطير على وشك تجاوز خط أحمر أخلاقي، يتمثل في قيام الآلات بتحديد البشر واستهدافهم بشكل مستقل».

وقال تورك الاثنين: «أضم صوتي إلى الدعوات المُطالبة بالحظر العاجل للأسلحة القادرة على إزهاق الأرواح من دون تدخل بشري».

وبعد سنوات من المناقشات، اتفقت 128 دولة في الأمم المتحدة، السبت، على تعريف للأسلحة الذاتية التشغيل، رغم اتهام منظمات غير حكومية للولايات المتحدة وروسيا، خصوصاً بالسعي إلى إضعاف النص المتفق عليه.

ومن المقرر أن تحسم الدول في نوفمبر (تشرين الثاني) مسألة إطلاق مفاوضات كاملة للتوصل إلى معاهدة تنظّم الأسلحة الذاتية التشغيل.


موسكو وكييف تسابقان ميدانياً جهود إطلاق المسار التفاوضي

الرئيس الأوكراني في مؤتمر صحافي مشترك مع مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب محادثاتهم في كييف الأحد (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني في مؤتمر صحافي مشترك مع مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب محادثاتهم في كييف الأحد (إ.ب.أ)
TT

موسكو وكييف تسابقان ميدانياً جهود إطلاق المسار التفاوضي

الرئيس الأوكراني في مؤتمر صحافي مشترك مع مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب محادثاتهم في كييف الأحد (إ.ب.أ)
الرئيس الأوكراني في مؤتمر صحافي مشترك مع مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقب محادثاتهم في كييف الأحد (إ.ب.أ)

على الرغم من التفاؤل الذي رافق جولة مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى موسكو وكييف نهاية الأسبوع الماضي، والحديث المتكرر في العاصمتين عن «أفكار جوهرية وجديدة» حملها ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى طرفي الصراع، فإن الأجواء التي أعقبت جولات الحوار المطولة لم تعكس تحقيق اختراقات ملموسة على الأرض، أو استعداداً لتأكيد أن محاولة كسر الجمود التي قام بها المفاوضان الأميركيان أثمرت عن إطلاق مرحلة جديدة لدفع تسوية سياسية مقبولة من الجانبين.

وفي مقابل حديث الرئاسة الأوكرانية، الاثنين، عن تلقيها أفكاراً «أكثر جدوى» لتحقيق السلام، جاء تأكيد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على موقفه الرافض فكرة التنازل عن دونباس، وتجديد موسكو شروطها المعلنة مسبقاً، بما في ذلك ضرورة معالجة جميع الأسباب الجذرية للصراع الأوكراني، والتعامل مع «الوقائع على الأرض» ليوضح جانباً مهماً من الصعوبات التي يواجهها الوسيط الأميركي في محاولة التوصل إلى حل وسط.

المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي عقب محادثاتهم في كييف الأحد (أ.ف.ب)

ونجحت الزيارة على الأقل في كسر الجمود وإعادة محاولات استئناف العملية التفاوضية إلى الواجهة. وهو أمر تحدث عنه ويتكوف بعد توجهه من كييف إلى بولندا عندما أشار إلى استمرار جهود عقد مفاوضات ثلاثية. بدوره لم يستبعد الكرملين، الاثنين، أن يعقد الرئيسان فلاديمير بوتين ودونالد ترمب جولة محادثات هاتفية جديدة لتقييم الزيارة والجهد الأميركي المبذول حالياً.

ومع تسارع وتيرة الحراك على خطوط الأزمة الأوكرانية حيث تبرز مقاربات جديدة تحاول إيجاد أرضية مشتركة لإنهاء النزاع المستمر وصياغة تفاهمات استراتيجية تضمن استقرار القارة الأوروبية. وكشفت كواليس المحادثات أن الحسابات الراهنة لم تعد تقتصر على فرض وقف مؤقت لإطلاق النار، بل تتركز حول وضع أسس صلبة ومستدامة لمنع تجدد التوترات المستقبلية. وفي هذا الصدد، أعلن جاريد كوشنر، أن الجهود الحالية تركز على مناقشة ضمانات أمنية قوية وواضحة لصالح أوكرانيا، بالتوازي مع وضع خطة اقتصادية شاملة للازدهار وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد النزاع.

وقد وصف ويتكوف المباحثات بأنها كانت موضوعية وجوهرية للغاية، معرباً عن تفاؤل بإمكانية فتح مسارات جديدة تضمن تحقيق تقدم حقيقي في الملفات المعقدة، لا سيما أن جولات النقاش لم تقتصر على الوضع العسكري والسياسي بل شملت تأمين خطوط الطاقة وتوفير حزم الدعم الشتوي وأنظمة الدفاع الجوي لأوكرانيا. كذلك، وفر وجود مستشاري الأمن القومي لكل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا في كييف خلال المحادثات إطارا أوسع لمحاولات صياغة مقترح تسوية محدث ومقبول من جميع الأطراف المعنية.

المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر لدى وصولهما إلى كييف لإجراء محادثات مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الأحد (أ.ف.ب)

لكن هذه الأجواء الإيجابية تقابلها كما قال خبراء صعوبات جدية، تنطلق من الخطوط الحمراء التي وضعها الطرفان لتحقيق السلام، فضلاً عن انعكاسات الوضع الميداني على الجهود المبذولة لإحلال السلام، وعلى موازين القوى على أي طاولة مفاوضات مستقبلية.

وجاء حديث زيلينسكي عن الخط الأحمر الأساسي المرتبط بعدم القبول بتنازلات ميدانية، انطلاقاً من مبدأ «عدم منح بوتين سياسياً ما عجز عن انتزاعه عسكرياً على مدى أربع سنوات». وقال زيلينسكي إن المؤشرات الميدانية والسياسية تؤكد استمرار الحرب خلال فصل الشتاء المقبل، مشدداً على أن موقف أوكرانيا حيال إقليم دونباس ثابت لا يتغير. وأوضح أن «قضية دونباس تختزل جوهر الحرب بأكملها» مؤكداً أنه دون بناء مواقف قوية وصمود صلب للقوات المسلحة الأوكرانية على خطوط المواجهة، فإن روسيا ستستمر في لغة «الإملاءات والإنذارات الأخيرة».

ويضاف إلى الشرط الأوكراني ملف الضمانات الأمنية وضرورة إشراك أوروبا في رسم ملامح التسوية المقبلة، والملف المتعلق بتسليح أوكرانيا وضمانات خياراتها السياسية المستقبلية، بما في ذلك الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو حلف الأطلسي. ولا يغيب هنا المسعى الأوروبي لنشر قوات فصل في وقت لاحق في أوكرانيا. وهذه عقبة رئيسية أمام جهود الوسيط الأميركي لأنها تقابل برفض حازم من جانب موسكو.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى حضوره اجتماعاً مع القائم بأعمال رئيس جمهورية داغستان فيودور شتشوكين (غير باد في الصورة) في موسكو الاثنين (رويترز)

شروط بوتين

في المقابل، لا تبدو موسكو أكثر استعداداً لتقديم تنازلات عن شروطها المعلنة لتحقيق السلام. وفي هذا الإطار جاء حديث الوزير سيرغي لافروف، الاثنين، عن أن روسيا لن تُبرم أي اتفاقيات دون تحقيق توازن كامل في المصالح. ويعيد حديث لافروف إلى الواجهة المدخل الروسي القائم على ضرورة بلورة ما يعرف بـ«الصفقة الشاملة» التي تعيد هندسة الأمن الأوروبي كله بتوافق مع موسكو وتضمن مصالح كل الأطراف. وهنا يقول خبراء روس إن مطلب «الضمانات الأمنية» الذي تطرحه أوكرانيا على طاولة أي محادثات بدعم أوروبي واسع، لا ينبغي أن ينفصل عن الضمانات التي تطالب بها روسيا بدورها بما في ذلك نشر الأسلحة الغربية في محيطها ومحاولة تطويقها عسكرياً وأمنياً واقتصادياً.

عموماً، لا تبدو موسكو مستعدة للتراجع عن شروطها الأساسية المعلنة لوقف الحرب. وعلى رأسها المطالب الإقليمية المتعلقة بانسحاب أوكرانيا بالكامل من منطقة دونباس (دونيتسك ولوغانسك) ومقاطعتي زابوريجيا وخيرسون، وهي المناطق التي ضمتها في بداية الحرب بشكل أحادي. المطلب الروسي لا يقتصر على الأراضي التي تسيطر عليها موسكو بالفعل حالياً بل في انسحاب أوكرانيا من المناطق التي ما زالت خاضعة لسيطرتها، وفي الإقرار الأوكراني والدولي بشكل مكتوب وموثق بالسيادة الروسية عليها إلى جانب الإقرار بالسيادة الروسية على شبه جزيرة القرم.

وتبدو هذه واحدة من أعقد المحطات التفاوضية المحتملة، خصوصاً مع عدم بلورة آلية يمكن أن تشكل حلاً وسطاً بين موسكو وكييف في هذا الشأن. علماً بأن موسكو كانت قد رفضت سابقاً المدخل الذي طرحته الإدارة الأميركية القائم على إقرار بـ«أمر واقع» أي إقرار بالسيطرة الروسية على المناطق مع عدم القبول بـ«شرعية الوجود الروسي» ونقل المحادثات بشأنها إلى مرحلة لاحقة.

أما الملف الثاني الذي يشكل شرطاً صعباً فيتعلق بحياد أوكرانيا ونزع سلاحها. وعلى الرغم من أن غالبية الآراء داخل حلف الأطلسي تتفق على استحالة ضم أوكرانيا إلى الحلف، لكن فكرة الحياد الكامل ونزع السلاح تبدو بعيدة المنال حالياً في ظل إجماع أوروبي تقريباً على ضرورة أن تبقى أوكرانيا رأس حربة في مواجهة أي أطماع روسية مستقبلية، وأيضاً بسبب الطفرة الكبيرة التي حققتها الصناعات الدفاعية والعسكرية الأوكرانية في زمن الحرب، وخصوصاً في مجال المسيّرات بكل طرازاتها وأنظمة الرادار وتقنيات عديدة أخرى حولت أوكرانيا إلى شريك أساسي له اعتبار في حسابات الردع والدفاع المستقبلية للقارة الأوروبية.

ويبرز الشرط الثالث المتعلق بوقف نشر الأسلحة والمعدات حول روسيا وترتيب ضمانات شاملة ومتوازنة لكل الأطراف في القارة الأوروبية. وكان لافتاً أنه بعد جولة ويتكوف وكوشنر مباشرة، قالت الخارجية الروسية: «لم يتم بعد تهيئة الظروف المواتية لحوار جوهري ومثمر مع الولايات المتحدة بشأن الاستقرار الاستراتيجي». أوضحت، الناطقة باسم الوزارة ماريا زاخاروفا، الاثنين: «من جانبنا، أوضحنا مراراً وتكراراً وبشكل مفصل أنه لم يتم بعد تهيئة الظروف المواتية لحوار استراتيجي جوهري ومثمر مع الولايات المتحدة». وأضافت: «ستكون مواقع نشر منظومات الصواريخ الأميركية القصيرة والمتوسطة في النرويج موضع اهتمام خاص من قبل قوات الردع الاستراتيجي الروسية».

وتدرك موسكو قدرة هذه المنظومات على تغطية قطاع كبير من روسيا الأوروبية، بما في ذلك العاصمة الروسية. وأشارت وزارة الخارجية الروسية إلى أن تنفيذ خطط وإجراءات عملية محددة لنشر صواريخ مختلفة الطرازات في المناطق المحيطة بروسيا «تظهر أن الحلف لا يخفي نية حلف شمال الأطلسي في امتلاك قدرات هجومية صاروخية واسعة النطاق في عمق أراضي روسيا، بل يتباهى بها بشكلٍ واضح».

وأكدت الوزارة الروسية: «في الوقت نفسه، تُبذل محاولة لاستهداف المياه الشاسعة في المنطقة، لضمان سيطرة مهيمنة على الطرق البحرية الحيوية من الناحية العسكرية والتجارية والنقلية». أما الشروط الأخرى المتعلقة برفع العقوبات الغربية، وضمان الحريات داخل أوكرانيا خصوصاً للمكون الناطق بالروسية، فهي شروط قابلة للتفاوض وفقاً للخبراء ويمكن إحراز نتائج سريعة بشأنها.

رجال الإنقاذ يعملون على إخماد نيران في موقع غارة جوية روسية استهدفت موقف شاحنات في زابوريجيا الاثنين (إ.ب.أ)

الوضع الميداني

ويسابق الوضع الميداني المحاولات السياسية لمحاصرة الصراع والوصول إلى تسوية مقبولة. وفي مقابل توسيع حجم عمليات الطرفين في الأشهر الأخيرة بشكل ملحوظ، فإن رواية كل طرف للواقع الميداني العملياتي تعكس محاولات لتحسين الأوراق التفاوضية على الأرض. ومن وجهة نظر موسكو فإن التقدم البطيء لكن المتواصل الذي تحقق خلال العام الأخير ونجحت موسكو بفضله في توسيع رقعة سيطرتها في منطقتي دونيتسك وزابوريجيا يقلل فرص كييف للمطالبة بانسحابات من هذه المنطقة، ويعزز النظرية الروسية القائمة على حتمية إحكام سيطرة مطلقة في المنطقة إذا تواصلت العمليات القتالية. لكن من وجهة نظر أوكرانيا فإن توسيع استهداف العمق الروسي والنجاح خلال العام الأخير في إيصال الحرب إلى كل مدينة وقرية روسية حقق نوعاً من التوازن العسكري برغم فارق القوة الروسي الواضح.

طائرة مسيّرة لدى اصطدامها بمبنى سكني في مدينة بيرم الروسية الاثنين وسط تواصل الصراع الروسي الأوكراني (رويترز)

ويقول خبراء في كييف إن «الخريطة على الأرض تبدو أقل انتصاراً بكثير لرواية الكرملين». ووفقاً لمعهد دراسة الحرب، فقد حققت القوات الأوكرانية مكاسب في مناطق خاركيف ودونيتسك ودنيبروبتروفسك قبل وقت قصير من وصول المبعوثين الأميركيين، فيما لم تُسجَّل أي مكاسب مؤكدة في عدة عمليات هجومية روسية حول كوبيانسك وبوروفا وكونستانتينيفكا وبوكروفسك، وكذلك في زابوريجيا. لكن تضارب الروايتين لا يمنع أن ثمة جهداً عسكرياً واسعاً لإحداث اختراقات ميدانية بارزة تسابق محاولات إطلاق قطار السلام.