إستونيا تُندّد بـ«انتهاك» روسيا مجالها الجوي... وموسكو تنفي

بولندا نشرت مقاتلات لحماية أجوائها خلال هجوم روسي على أوكرانيا

جانب من عملية صيانة لطائرة استطلاع تابعة لحلف شمال الأطلسي في بولندا يوم 19 سبتمبر (أ.ف.ب)
جانب من عملية صيانة لطائرة استطلاع تابعة لحلف شمال الأطلسي في بولندا يوم 19 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

إستونيا تُندّد بـ«انتهاك» روسيا مجالها الجوي... وموسكو تنفي

جانب من عملية صيانة لطائرة استطلاع تابعة لحلف شمال الأطلسي في بولندا يوم 19 سبتمبر (أ.ف.ب)
جانب من عملية صيانة لطائرة استطلاع تابعة لحلف شمال الأطلسي في بولندا يوم 19 سبتمبر (أ.ف.ب)

نفت وزارة الدفاع الروسية، مساء الجمعة، دخول 3 مقاتلات من طراز «ميغ-31» المجال الجوي الإستوني بشكل غير قانوني، بعد اعتراضها من قبل طائرات تابعة لحلف شمال الأطلسي وتحذيرها بضرورة الابتعاد. وقالت الوزارة، في بيان، إن مقاتلاتها كانت في «عملية تحليق مجدولة (...) وملتزمة بشكل صارم بقواعد المجال الجوي الدولي، ولم تنتهك حدود الدول الأخرى، كما أكّدت عمليات الرصد الموضوعية». وأضافت أن الطائرات لم تنحرف عن مسارها المتفق عليه، و«لم تنتهك المجال الجوي الإستوني». وأوضحت أن الطائرات حلّقت فوق «المياه المحايدة لبحر البلطيق على مسافة تزيد على 3 كيلومترات من جزيرة فايندلو» في خليج فنلندا.

انتهاك «جريء»

جاء ذلك بعد ساعات من إعلان إستونيا، العضو في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، بخرق 3 طائرات مقاتلة روسية أجواءها، معتبرة أنه انتهاك «جريء على نحو غير مسبوق».

جانب من عملية صيانة لطائرة استطلاع تابعة لحلف شمال الأطلسي في بولندا يوم 19 سبتمبر (أ.ف.ب)

وأعلن رئيس الوزراء الإستوني كريستن ميشال، الجمعة، أن بلاده ستطلب من حلف شمال الأطلسي تفعيل المادة الرابعة التي تنص على إجراء مشاورات بين الحلفاء في حال وجود تهديد لأحد أعضائه. ويأتي الحادث في وقت تشهد فيه العلاقات بين روسيا وحلف شمال الأطلسي توترات شديدة. والأسبوع الماضي، خرقت 19 مسيرة روسية أجواء بولندا، العضو في حلف شمال الأطلسي، والتي ردّت مع حلفائها بنشر طائرات ودفاعات جوية لمواجهة التهديد. وبعد أيام، أدانت رومانيا بدورها انتهاك مسيرة روسية مجالها الجوي.

نظام مراقبة تركي

أدى تزايد انتهاكات روسيا المزعومة للمجال الجوي للجناح الشرقي والجنوبي الشرقي لحلف «الناتو» باتجاهه نحو الاعتماد على النشر قصير المدى لنظام استطلاع تركي، وفق وكالة الأنباء الألمانية. ووفقاً للوكالة، سيتم تنظيم التدريب على النظام بمساعدة أوكرانيا. والهدف هو بدء التدريب الأولي في وقت مبكر من الأسبوع المقبل.

ومن المقرر تجهيز بولندا ورومانيا بنظام المراقبة الجوية التركي متعدد الأطياف واسع المدى، المعروف بـ«ميروبس»، وتدريبهما عليه. ويمكن تركيب هذا النظام على طائرات الهليكوبتر والطائرات دون طيار، وهو قادر على اكتشاف الأنظمة المعادية من خلال السحب والغبار. وقد تم الكشف عنه علناً لأول مرة في عام 2022.

بولندا تنشر مقاتلاتها

في سياق متصل، أكّدت القوات المسلحة البولندية أن طائرات بولندية وأخرى حليفة، جرى نشرها في وقت مبكر من صباح السبت، لحماية المجال الجوي البولندي بعد أن شنّت روسيا ضربات جوية على غرب أوكرانيا قرب الحدود مع بولندا، وفق وكالة «رويترز». وذكرت قيادة العمليات في منشور على «إكس» أن «الطائرات البولندية والحليفة تعمل في مجالنا الجوي، بينما وُضعت أنظمة الدفاع الجوي الأرضية وأنظمة الاستطلاع بالرادار في أعلى حالات التأهب».

جنود أوكرانيون على الجبهة في منطقة زابوريجيا (إ.ب.أ)

وفجر السبت، كانت أوكرانيا بأكملها تقريباً في حالة إنذار بغارات جوية بعد تحذيرات القوات الجوية الأوكرانية من هجمات روسية بالصواريخ والطائرات المسيرة. وقالت قيادة الجيش البولندي إنه بعد الساعة الخامسة صباحاً بتوقيت غرينتش بقليل، أنهت القوات الجوية البولندية والقوات الحليفة العملية، مع توقف الضربات الجوية الروسية ضد أوكرانيا، مضيفة أن الإجراءات كانت «وقائية وتهدف إلى تأمين المجال الجوي في المناطق المجاورة للمنطقة المهددة».

وكثّفت روسيا ضرباتها على أوكرانيا، حيث أطلقت مئات المسيّرات والصواريخ ليل الجمعة إلى السبت. وأطلقت 40 صاروخاً ونحو 580 مسيّرة على أوكرانيا، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة العشرات، وفقاً للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وقبل ذلك بوقت قليل، أفادت السلطات في منطقة دنيبروبيتروفسك في وسط شرق أوكرانيا، عن هجوم روسي كبير بصواريخ ومسيّرات، أسفر عن مقتل شخص وإصابة 26 آخرين. وندّد زيلينسكي بـ«استراتيجية متعمّدة من قبل روسيا تهدف إلى إرهاب المدنيين وتدمير البنى التحتية» في أوكرانيا.

عمال إنقاذ يطفئون حريقاً سببه هجوم روسي على دنيبرو يوم 20 سبتمبر (أ.ب)

من جهتها، أعلنت وزارة الدفاع الروسية تنفيذ «ضربة ضخمة» على «المجمع الصناعي العسكري الأوكراني». وتؤكّد موسكو دائماً أنّها لا تستهدف إلا مواقع مرتبطة بالجيش الأوكراني، رغم أنّ مدناً وقرى تعرّضت لدمار كامل. وفي الخطوط الأمامية، أعلنت روسيا، السبت، السيطرة على قرية جديدة في منطقة دنيبروبيتروفسك. وأكّد الرئيس الأوكراني أنّ معارك دارت في وسط كوبيانسك التي تحمل أهمية في الشرق الأوكراني، وحيث يشهد الوضع تدهوراً، مشيراً إلى اتّخاذ إجراءات لـ«مكافحة التخريب» وإلى «عمليات تطهير».

نيران تتصاعد من سيارات هجوم روسي على ضواحي كييف يوم 20 سبتمبر (رويترز)

وفي روسيا، أكدت السلطات «اعتراض وإسقاط» 149 مسيّرة أوكرانية. وقال حاكم منطقة سامارا الروسية إنّه تمّ استهداف «بنى تحتية تابعة لمجمع الطاقة والنفط»، مشيراً إلى مقتل أربعة أشخاص.

لقاء مرتقب بين زيلينسكي وترمب

أعلن زيلينسكي أنّه سيلتقي نظيره الأميركي دونالد ترمب، الأسبوع المقبل، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في وقت وصلت الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا إلى طريق مسدود.

الرئيسان ترمب وزيلينسكي خلال اجتماع في المكتب البيضاوي يوم 18 أغسطس (أ.ف.ب)

وكان ترمب قد أصدر إنذارات لنظيره الروسي فلاديمير بوتين، مهدّداً بفرض المزيد من العقوبات على موسكو، بهدف دفعه إلى إبرام تسوية. ورغم أنّ بوتين لم يقدم أي تنازلات، لم ينفّذ ترمب تهديداته. وكشف زيلينسكي لمجموعة من الصحافيين عن أنه سيعقد «اجتماعاً مع رئيس الولايات المتحدة» خلال زيارته إلى نيويورك للمشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع المقبل، وفق وكالة الصحافة الفرنسية. وأشار الرئيس الأوكراني إلى أنّه سيناقش العقوبات التي تطالب كييف واشنطن بفرضها على موسكو. وقال: «أعتقد أنّنا نضيّع الكثير من الوقت إذا انتظرنا ولم نفرض عقوبات، أو لم نتخذ إجراءات». وأعلن ترمب استعداده لفرض عقوبات جديدة على موسكو، لكنّ شرط أن يتوقف الأوروبيون عن شراء الوقود الروسي الذي تشكّل مبيعاته أحد مصادر التمويل الرئيسية لآلة الحرب الروسية على أوكرانيا. ويرى زيلينسكي أنّ بوتين «لا يريد السلام»، ولن يقبل به «إلا إذا أُجبر على ذلك».

الرئيس الأميركي ونظيره الروسي خلال مؤتمر صحافي بقاعدة إلمندورف ريتشاردسون المشتركة في أنكوريج بألاسكا يوم 15 أغسطس (أ.ف.ب)

وكان ترمب أبدى تفاؤلاً أكبر حيال بوتين، إلى حد أنّه استقبله بقدر كبير من الحفاوة في ألاسكا هذا الصيف. لكن مذاك، أظهر الرئيس الأميركي شعورا بخيبة أمل إزاء نظيره الروسي، وقال الخميس خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إنّه «خذله».

إلى ذلك، أكّد زيلينسكي أنّه سيناقش مع ترمب «الضمانات الأمنية» التي تطالب بها بلاده الدول الغربية في حال التوصل إلى اتفاق سلام. وبموجب هذه الضمانات، من المفترض أن تتم حماية أوكرانيا من أي هجوم روسي آخر في المستقبل. كذلك، دعا الرئيس الأوكراني إلى إنشاء نظام دفاع جوي مشترك مع بعض الدول المجاورة لبلاده لإسقاط المسيّرات الروسية.


مقالات ذات صلة

واشنطن: الضربات ضد أوكرانيا «تصعيد خطير وغير مبرر» للحرب

أوروبا  رجال إنقاذ في مبنى سكني استُهدف بغارة جوية روسية بطائرة مسيرة (رويترز) play-circle

واشنطن: الضربات ضد أوكرانيا «تصعيد خطير وغير مبرر» للحرب

واشنطن تدين الهجمات الروسية المتواصلة والمتصاعدة على منشآت الطاقة وغيرها من البنى التحتية، وكييف تقول إن موسكو تحضر لشن هجوم كبير آخر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تحليل إخباري تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

تحليل إخباري الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة

المحلل العسكري (لندن)
أوروبا رجال الإنقاذ الأوكرانيون في موقع غارة روسية استهدفت منطقة سكنية في خاركيف شمال شرقي أوكرانيا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

4 قتلى بهجوم روسي قرب خاركيف الأوكرانية

أسفرت غارات جوية روسية ليل الاثنين - الثلاثاء عن مقتل 4 أشخاص على الأقل وإصابة 6 آخرين قرب خاركيف في شمال شرقي أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الولايات المتحدة​ وزارة الدفاع الروسية تنشر صورة تظهر نظام صواريخ «أوريشنيك» الروسي خلال تدريب بموقع لم يُكشف عنه في بيلاروسيا (أ.ب)

واشنطن تندد بـ«تصعيد خطر» بعد إطلاق روسيا صاروخاً فرط صوتي على أوكرانيا

ندّدت الولايات المتحدة باستخدام روسيا صاروخ أوريشنيك فرط الصوتي في هجوم على أوكرانيا الأسبوع الماضي، معتبرة أنه «تصعيد خطر ولا يمكن تفسيره».

«الشرق الأوسط»
شؤون إقليمية الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ)

زيلينسكي يطالب بمساعدة «الانتفاضة» في إيران

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن على العالم أن يساعد الإيرانيين في البناء على الاحتجاجات من أجل إحداث تغيير لتحريرهم من «الحكم الذي جلب الشرور».

«الشرق الأوسط» (كييف)

فرنسا: حملة القمع الحالية قد تكون «الأعنف» في تاريخ إيران

شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)
شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)
TT

فرنسا: حملة القمع الحالية قد تكون «الأعنف» في تاريخ إيران

شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)
شهدت عواصم عدة في العالم مظاهرات تضامنية مع الاحتجاجات الشعبية بإيران (رويترز)

عَدّ وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم الأربعاء، أن حملة القمع ضد المتظاهرين في إيران قد تكون «الأعنف» في تاريخ البلاد الحديث، داعياً السلطات إلى إنهائها «فوراً».

وأسفرت الحملة عن مقتل 734 شخصاً، على الأقل، وفق منظمة «إيران لحقوق الإنسان» (IHR) غير الحكومية، ومقرها النرويج، والتي تُقدِّر أن عدد القتلى الفعلي قد يكون بالآلاف.

عشرات الجثث ملقاة على الأرض بمركز للطب الشرعي في طهران (أ.ف.ب)

وقال بارو، لإذاعة «إر تي إل» الفرنسية: «نشتبه في أن هذه الحملة قد تكون الأعنف في تاريخ إيران الحديث، ويجب أن تتوقف فوراً»، دون أن يؤكد حصيلة القتلى، وفق ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح الوزير أن باريس تقدّمت بهذا الطلب إلى السفير الإيراني لدى فرنسا عند استدعائه، الثلاثاء.

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في طهران (أ.ب)

ووصف بارو الوضع قائلاً: «من الصور القليلة التي وصلتنا، نرى متظاهرين يتعرضون لإطلاق النار من مسافة قريبة بأسلحة هجومية، وجثثاً مكدسة في أكياس داخل مستشفيات مكتظة، ونرى عائلات إيرانية مفجوعة، ونسمع صرخات استغاثة لا يمكن أن نبقى غير مُبالين بها».

صورة من مقاطع فيديو جرى تصويرها بين 9 و11 يناير 2026 من مشرحة تضم عشرات الجثث في كهريزك بمحافظة طهران (أ.ب)

عند سؤاله عن ضرورة تغيير السلطة في إيران، أكد جان نويل بارو أنه يعود للشعب الإيراني أن يقرر مصيره، و«هذا ما يجب أن تفهمه سلطات البلاد».

وأوضح بارو أن مسؤولية فرنسا الأولى تتمثل في «ضمان سلامة مواطنينا الذين يبلغ عددهم نحو 900 في إيران، وسلامة موظفينا وسفارتنا، وبالطبع، سلامة مواطنَينا سيسيل كولر وجاك باريس»، الخاضعين للإقامة الجبرية في السفارة.


عدد الوفيات يفوق المواليد في فرنسا للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية

أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)
أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)
TT

عدد الوفيات يفوق المواليد في فرنسا للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية

أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)
أشخاص يسيرون في ساحة تروكاديرو المغطاة بالثلوج بالقرب من برج إيفل بباريس مع اجتياح موجة برد قارس وتساقط الثلوج يوم 5 يناير 2026 (رويترز)

أظهرت أرقام رسمية أمس (الثلاثاء) أن فرنسا سجَّلت وفيات أكثر من المواليد في عام 2025، للمرة الأولى منذ ​نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو تطور يقوض الميزة الديموغرافية التي لطالما كانت تتمتع بها فرنسا، مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي الأخرى.

وأفاد «المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية» بتسجيل 651 ألف حالة وفاة العام الماضي، بينما تراجعت حالات المواليد إلى 645 ألفاً. وانخفض عدد المواليد في فرنسا ‌بشدة منذ ‌جائحة «كوفيد-19».

وتتمتع فرنسا ‌تقليدياً ⁠بتركيبة ​سكانية ‌أقوى من معظم أوروبا، ولكن النسبة الكبيرة لكبار السن وانخفاض معدلات المواليد يظهران أنها ليست محصنة من الأزمة الديموغرافية التي ترهق المالية العامة في جميع أنحاء القارة.

وقال المعهد إن معدل الخصوبة انخفض إلى 1.56 طفل لكل امرأة ⁠العام الماضي، وهو أدنى مستوى له منذ الحرب العالمية، وأقل ‌بكثير من 1.8 المفترض في توقعات تمويل المعاشات التقاعدية، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وفي عام 2023 -وهو أحدث عام ‍مع مقارنات الاتحاد الأوروبي- احتلت فرنسا المرتبة الثانية بمعدل خصوبة 1.65، خلف بلغاريا التي بلغ معدل خصوبتها 1.81.

وحذَّر المكتب الوطني للتدقيق العام ​الشهر الماضي من أن التحول الديموغرافي سيدفع الإنفاق العام إلى أعلى مستوياته في ⁠السنوات المقبلة، وذلك مع تآكل القاعدة الضريبية.

وقال الخبير الاقتصادي فيليب كريفيل، من «مركز بحوث سيركل ديبارن»: «نظراً لتقاعد الأجيال الكبيرة التي ولدت في الستينات، من المرجح أن تزداد التوترات في سوق العمل ومشكلات القوى العاملة بسرعة في السنوات المقبلة».

وعلى الرغم من أن عدد الوفيات يفوق عدد المواليد، فقد ارتفع عدد سكان فرنسا بشكل طفيف العام الماضي إلى 69.1 مليون ‌نسمة جرَّاء صافي الهجرة التي قدرها المعهد بما يصل إلى 176 ألف نسمة.


خيارات الأوروبيين لمواجهة أطماع ترمب في غرينلاند

رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
TT

خيارات الأوروبيين لمواجهة أطماع ترمب في غرينلاند

رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)
رئيسة وزراء الدنمارك ميتيه فريدريكسن والمسؤول الغرينلاندي ينس فريدريك نيلسن خلال مؤتمر صحافي مشترك بالقصر الحكومي في كوبنهاغن الثلاثاء (أ.ب)

تنص «المادة 42 - الفقرة السابعة»، من «معاهدة الاتحاد الأوروبي»، على ما يلي: «في حال تعرّضت دولةٌ عضو لعدوانٍ مسلّح على أراضيها، تلتزم الدول الأعضاء الأخرى تقديم العون والمساعدة بكل الوسائل المتاحة لها، وذلك وفق (المادة 51) من ميثاق الأمم المتحدة».

ومملكة الدنمارك عضو في «الاتحاد الأوروبي»، وبالتالي فإنها تحظى بـ«غطاء (المادة 42 - الفقرة السابعة)»، التي لم تفعّل سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت حينذاك لموجة من الهجمات الإرهابية. بيد أن لجزيرة غرينلاند القطبية، التي يسعى الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، للاستحواذ عليها؛ إنْ سلماً أو باللجوء إلى القوة العسكرية، وفق ما أكده أكثر من مرة، وضعاً خاصاً؛ ذلك أنها لم تعد جزءاً من «الاتحاد الأوروبي»؛ بسبب نتيجة الاستفتاء الذي جرى في عام 1985 بحيث خسرت الانتماء إلى «الاتحاد الأوروبي» وتحولت إلى منطقة تتمتع بالحكم الذاتي داخل مملكة الدنمارك مع استمرار الروابط الدستورية والدفاعية بين الطرفين.

ورغم ذلك، فإن دول «الاتحاد الأوروبي» تعدّ نفسها معنية مباشرة بمصير غرينلاند؛ لسببين رئيسيين: الأول أن السيادة عليها تعود إلى الدنمارك؛ العضو في «الاتحاد الأوروبي». والثاني بسبب انتماء الدنمارك إلى «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» الذي تنتمي إليه غالبية النادي الأوروبي، وبالتالي؛ فإنها تتمتع، كما الجزيرة القطبية، بضمانة «المادة الخامسة» بعكس «المادة 42 - الفقرة السابعة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً للصحافة الثلاثاء قبل توجهه إلى مدينة ديترويت بولاية ميتشغان (رويترز)

حتى اليوم، اكتفى «الاتحاد الأوروبي» بالتصريحات؛ أبرزها جاء في بيان مشترك من 7 دول؛ هي: فرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، وإيطاليا، وبولندا، والدنمارك، وأيضاً بريطانيا (من خارج الاتحاد)، يشدد على المبادئ الأساسية للقانون الدولي (احترم سيادة الدول وسلامة أراضيها، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم جواز تغيير الحدود بالقوة...). والأهم أن البيان شدد على أن غرينلاند «تنتمي إلى شعبها»، وأنه «يعود إلى الدنمارك وغرينلاند وحدهما البتّ في المسائل التي تخصهما» مع التركيز على أهمية المحافظة على أمن القطب الشمالي وعلى دور «الحلف الأطلسي» في ذلك. وصدر عن «المفوضية الأوروبية» بيان شبيه ببيان «مجموعة السبع» هذه، التي تضم الدول الأوروبية الرئيسية السبع.

ترمب: الاستحواذ على غرينلاند «حاجة نفسية»

بكلام آخر، لم يتضح مطلقاً أن للأوروبيين خطة ما في مواجهة أطماع ترمب، الذي يبرر رغبته هذه بمنع الصين وروسيا من السيطرة على غرينلاند مما سيشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي، مع إشارته إلى حاجة بلاده إلى ما يختزنه باطن الجزيرة من «معادن نادرة». ولم يتردد ترمب في تأكيد أنه يأمل إنهاء هذا الملف «خلال شهرين»، وأنه قد يجد نفسه مضطراً إلى الاختيار «بين الاستحواذ على الجزيرة، ومصير (حلف الأطلسي)»، في إشارة إلى التحذيرات الأوروبية التي نبهته إلى «انهيار الحلف» في حال أقدم على تنفيذ خطة الاستيلاء.

كل ما سبق استوعبه الأوروبيون. لكن ما فاجأهم ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يوم 7 يناير (كانون الثاني) الحالي من تصريحات لترمب، في مقابلة طويلة استمرت ساعتين... فقد سُئل عن سبب عدم اكتفائه بإرسال مزيد من القوات الأميركية إلى غرينلاند، الأمر المتاح قانوناً بموجب اتفاق سابق مع الدنمارك، إذا كان هدفه التصدّي للتهديدات الأجنبية، فكان رده أنه لن يشعر بالارتياح ما لم يكن مالكاً للجزيرة. وقال ما حرفيته: «هذا ما أشعر أنه مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح. أعتقد أن الملكية تمنحك أشياء لا يمكنك الحصول عليها؛ سواء عبر عقد إيجار ومعاهدة. الملكية تمنحك أموراً وعناصر لا يمكنك الحصول عليها بمجرد توقيع وثيقة، حتى لو كانت لديك قاعدة عسكرية». كذلك، فإن محللين أوروبيين يرون أن ترمب يريد أن يحفر اسمه إلى جانب الرؤساء الأميركيين الذين نجحوا في توسيع رقعة الأراضي الأميركية.

الخيارات الأوروبية: الدبلوماسية أولاً

يقول مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن الأوروبيين «يجدون أنفسهم في وضع صعب، وعاجزين عن إيجاد وسيلة للوقوف في وجه رغبات ترمب؛ بسبب حاجتهم إليه في ملفَي أوكرانيا و(حلف الأطلسي). من هنا، فإنهم يسعون إلى اتباع استراتيجية مزدوجة تقوم، من جهة، على محاولة إقناعه بأنه يستطيع تحقيق كل رغباته من غير الحاجة إلى ضم أو احتلال غرينلاند. ومن جهة ثانية، يركزون على الأضرار المترتبة على (مغامرته)؛ إن على صعيد احترام المبادئ الدولية، أو مصير (حلف الأطلسي)، أو العلاقة بالدول الأوروبية، فضلاً عن توفير الحجج لدول أخرى مثل روسيا والصين للاحتذاء بما قد يقدم عليه ترمب».

الواضح أن الطرف الأوروبي لا يرغب مطلقاً في مواجهة واشنطن، وأنه يراهن على السبل الدبلوماسية لمعالجة المخاوف الأمنية الأميركية، من خلال التذكير بأن «معاهدة الدفاع الأميركية - الدنماركية»، القائمة منذ عام 1951، التي جرى تحديثها في 2004، تسمح أصلاً بتوسيع كبير للوجود العسكري الأميركي على الجزيرة، بما في ذلك إنشاء قواعد جديدة.

من جانب آخر، يدفع الأوروبيون باتجاه عدّ أن مسؤولية الدفاع عن غرينلاند وعن أمن القطب الشمالي تقع على عاتق «حلف الأطلسي» الذي تتزعمه واشنطن. وبمعنى ما، يريد الأوروبيون، ومعهم مارك روته، الأمين العام لـ«حلف الأطلسي»، سحب البساط الأمني من تحت رجلَي ترمب، فيما سلطات كوبنهاغن وغرينلاند تؤكد انفتاحها على أي استثمارات أميركية في الجزيرة القطبية. كذلك يسعى الأوروبيون إلى إقناع سكان غرينلاند بأنهم قادرون على ضخ استثمارات توازي أو تتقدم على وعود الاستثمارات التي يغدقها ترمب وفريقه عليهم. وتخوف الأوروبيين عنوانه احتمال أن يختار السكان الانفصال عن الدنمارك في استفتاء مقبل؛ مما يسهل «مهمة الإغراء التِّرَمْبِيَّة». ووفق مشروع أولي لـ«المفوضية الأوروبية»، فإن «بروكسل» تقترح مضاعفة المنحة السنوية المعطاة لغرينلاند.

ركاب طائرة حطت في مطار نوك عاصمة غرينلاند الاثنين (أ.ب)

عقوبات وانتشار عسكري

إذا تبين للأوروبيين أن الإقناع والتحذير لا يكفيان، فإن كثيرين يدعون إلى رفع سلاح العقوبات الاقتصادية في وجه واشنطن، مذكرين بأن «الاتحاد» يمثل الشريك الاقتصادي والتجاري الأول للولايات المتحدة، ويشكل سوقاً من 450 مليون مستهلك. وبفضل ما سبق، يستطيع الأوروبيون التأثير على الاقتصاد الأميركي؛ لا بل الذهاب إلى فرض عقوبات عليه، وصولاً إلى التهديد بإجراءات «انتقامية» تتراوح بين إغلاق القواعد العسكرية الأميركية في أوروبا، ومنع الأوروبيين من شراء السندات الحكومية الأميركية، وحتى استخدام ما تسمى «أداة مكافحة الإكراه» في «الاتحاد الأوروبي» التي تمنح «المفوضية الأوروبية» صلاحية حظر السلع والخدمات الأميركية في سوق «الاتحاد»، وفرض رسوم جمركية، وسحب حقوق الملكية الفكرية، ومنع الاستثمارات... بيد أن هذه الإجراءات ثنائية النصل؛ إذ إنها تصيب الاقتصاد الأوروبي في الصميم؛ بسبب التداخل بين الطرفين، وبالنظر إلى أن أي إجراءات سيكون الرد الأميركي عليها سريعاً. وللتذكير؛ فإن ترمب نجح في فرض اتفاقية تجارية على «الاتحاد الأوروبي» تتضمن فرض رسوم بنسبة 15 في المائة على الصادرات الأوروبية. وليس مؤكداً أن كل الدول الأوروبية ستوافق على عقوبات من هذا النوع.

إذا كان «آخر الدواء الكَيّ»، فإن المتاح لأوروبا استباق أي محاولة أميركية، بنشر قوة عسكرية أوروبية في غرينلاند، بحيث تعدّ ورقة ضمانات للجزيرة القطبية، ولتضع واشنطن في وضع حرج؛ حيث على قواتها أن تقاتل قوة «أوروبية - أطلسية». وهذا الخيار طرحه وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، العام الماضي، وتبنته الحكومة الألمانية، وذكره مفوض الدفاع في «الاتحاد الأوروبي»، آندريوس كوبيليوس، الاثنين، حيث أشار إلى أن «الاتحاد» قادر على توفير مزيد من الأمن لغرينلاند إذا طلبت الدنمارك ذلك، بما في ذلك إرسال قوات وبنية تحتية عسكرية، مثل السفن الحربية، وقدرات لمكافحة الطائرات المسيّرة.

تجد أوروبا نفسها أمام «حائط» أميركي صعب الاجتياز، وأن «امتحان غرينلاند» ستكون له، دون شك، تبعات كبيرة على جانبي «الأطلسي»، وعلى مستقبل «الاتحاد الأوروبي»، وعلى كيفية تعزيز قدراته ليدافع على الأقل عن مصالحه وأعضائه.