«الضبابية» تُغلّف النتائج المرتقبة من قمة ألاسكا

شكوك أوروبية رغم وعود واشنطن... وتحذير من «مناورات» بوتين

زيلينسكي يعرض على ترمب صوراً لـ«فظائع الحرب» الروسية في أوكرانيا خلال أول لقاء بينهما في البيت الأبيض يوم 28 فبراير (أ.ب)
زيلينسكي يعرض على ترمب صوراً لـ«فظائع الحرب» الروسية في أوكرانيا خلال أول لقاء بينهما في البيت الأبيض يوم 28 فبراير (أ.ب)
TT

«الضبابية» تُغلّف النتائج المرتقبة من قمة ألاسكا

زيلينسكي يعرض على ترمب صوراً لـ«فظائع الحرب» الروسية في أوكرانيا خلال أول لقاء بينهما في البيت الأبيض يوم 28 فبراير (أ.ب)
زيلينسكي يعرض على ترمب صوراً لـ«فظائع الحرب» الروسية في أوكرانيا خلال أول لقاء بينهما في البيت الأبيض يوم 28 فبراير (أ.ب)

نجح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من خلال المؤتمر الذي انعقد الأربعاء «عن بعد» خلال ساعة كاملة، في تهدئة روع القادة الأوروبيين، بمن فيهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، عبر تقديم بعض الوعود التي كانوا ينتظرونها.

وبحسب مصادر أوروبية في باريس، فإن القادة حصلوا على «3 تعهدات رئيسية». أوّلها، التزام ترمب بأن يطلب من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، في قمة يوم الجمعة في ولاية ألاسكا، وقفاً لإطلاق النار. وسبق للرئيس الأميركي أن قدّم اقتراحاً بهذا المعنى قبل عدة أشهر، لكنّه بقي حبراً على ورق بسبب الشروط التي وضعها بوتين. وتعتبر كييف، ومعها حلفاؤها الأوروبيون، أن وقف النار من شأنه «تجميد» خطوط القتال، ووقف تقدّم القوات الروسية التي حقّقت في الأيام الأخيرة اختراقات مهمة في عدة مواضع من خطوط القتال.

جانب من لقاء رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لندن يوم 14 أغسطس (رويترز)

ووعد ترمب الثاني عنوانه الاستعداد للدعوة إلى قمة ثلاثية يحضرها فولوديمير زيلينسكي، بحيث يتحقق مطلب كييف والعواصم الأوروبية بأنه يعود للأوكرانيين فقط أن يقرروا مصيرهم ومصير الأراضي التي قد يقبلون التخلي عنها لصالح روسيا.

وثالث الوعود أن ترمب أعرب للمرة الأولى، وفق ما نقلت عنه مصادر أوروبية، عن «استعداده للانضمام إلى الجهود الأوروبية لضمان أمن الأوكرانيين، وفقاً لشروط لا تزال قيد المناقشة». ومُنذ أن طرحت الدول الأوروبية، وتحديداً فرنسا وبريطانيا، ملف «الضمانات الأمنية»، استجابة لطلب كييف و«طمأنتها» لعدم تعرضها لهجوم روسي جديد بعد التوصل إلى اتفاق سلام مع موسكو، فإن إدارة ترمب رفضت دوماً الالتزام بأي شيء. وتغيُّر موقفها ينبع، بحسب مُحلّلين، من اعتبارها أن التزاماً من هذا النوع لم تعرف طبيعته بعد، من شأنه «تمرير» صفقة «تبادل الأراضي» التي يقترحها ترمب. ومن الجانب الأوروبي، ربطت عدة دول مثل بولندا وإيطاليا وألمانيا، وبريطانيا -إلى حدّ ما- مساهمتها في قوة أوروبية تنتشر على الأراضي الأوكرانية، بأن يتوفر لها «الغطاء الأميركي» لردع روسيا.

إيجابيات وشكوك

بيد أن هذه الإيجابية، كما يراها الطرف الأوروبي، تبقى نظرية إلى حدّ بعيد. وإشكاليتها تكمن، بحسب المصادر نفسها، في أن ترمب «لا يجد صعوبة في تغيير مواقفه من النقيض إلى النقيض»، إن كان بخصوص أوكرانيا أو بخصوص العلاقة مع بوتين، كما برز في الأسابيع الأخيرة. فالرئيس الأميركي عدّ، مساء الأربعاء، في المؤتمر الصحافي الذي عقده، أن هناك «فرصة جيدة للغاية» لأن يدعو لقمة ثلاثية إذا كانت نتائج قمته الثنائية مع بوتين «واعدة».

قوات أوكرانية على الجبهة في منطقة تشيرنيهيف يوم 12 أغسطس (أ.ب)

وكشف ترمب، في تصريحات خصّ بها «فوكس نيوز»، الخميس، أن هناك 3 مواقع محتملة لاستضافة القمّة الثلاثية. لكنه حذّر في المقابل بوتين من «عواقب وخيمة» إذا لم يوقف الحرب.

كذلك، سبق له أن أعلن الأسبوع الماضي أنه قد ينفض يديه من الوساطة، وسيترك للروس والأوكرانيين أن يتدبّروا شؤونهم بأنفسهم. وهذا يُبيّن أن ترمب «لا يملك خطة، أو أن المشاورات التمهيدية مع بوتين لم تتمكّن من جلاء الوضع، وما يمكن أن تنتجه القمة». وبالتالي، فإن الأوروبيين بقوا في حيرة من أمرهم لأنهم «عاجزون» عن توقّع، أو استباق، ما ستكون عليه مواقف ترمب، وما يمكن أن ينتج عن اللقاء.

تحذير من «مناورات» بوتين

برز، الخميس، تخوّف إضافي لدى الأوروبيين، بعد أن قال يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي، للصحافيين، إن قمة ترمب - بوتين ستبدأ بلقاء ثنائي للرئيسين «وجهاً لوجه»، برفقة المترجمين فقط. بعدها، سيلتقي وفدا الطرفين، ليشارك الجميع في غداء عمل.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في المنتجع الصيفي للرئاسة يوم 13 أغسطس (رويترز)

والقمّة التي ستُعقد في قاعدة أميركية في مدينة أنكورانج، أكبر مدن ولاية ألاسكا، ستنتهي بمؤتمر صحافي مشترك للرئيسين. ومصدر القلق أن الأوروبيين يتخوّفون من «مناورات» بوتين، ومن إمكانية «التلاعب» بترمب، وتمكّنه من إقناعه بوجهة نظره وبمطالبه، أو بالإيحاء بقبوله وقفاً لإطلاق النار مربوطاً بشروط قد يرفضها الطرف الأوكراني، ما سيجعله مسؤولاً عن الفشل في أعين واشنطن.

ويرافق بوتين وفد رفيع مؤلف من وزراء الخارجية والدفاع والمالية، ومبعوثه الخاص لشؤون الاستثمار والتعاون الاقتصادي. كذلك، يتخوف الأوروبيون من حاجة ترمب لتحقيق «إنجاز» سريع في ملف زعم سابقاً أنه قادر على إيجاد حلّ له في 24 ساعة. وهذا التعطش للنجاح قد يجعله «فريسة سهلة» لبوتين. ولم يتردّد ترمب في أن يعترف علانيةً أن الرئيس الروسي قد يكون بصدد التلاعب به، بعد أن أجرى معه عدة اتصالات هاتفية اعتبرها إيجابية، لكن شيئاً ميدانياً لم يتبعها.

من هذه الزاوية، يُمكن فهم الثناء الذي كاله بوتين لترمب، الخميس، خلال اجتماع روسي للتحضير للقمة. وجاء فيه، وفق ما نقله الكرملين، قوله: «تبذل الإدارة الأميركية (...) جهوداً حثيثة وصادقة لإنهاء الأعمال العدائية، والخروج من الأزمة والتوصل إلى اتفاقات ترضي جميع الأطراف المعنية».

غموض مبدأ «تبادل الأراضي»

من هذا المنطلق، ترى مصادر دبلوماسية غربية أن بوتين هو المستفيد الرئيسي من هذه القمة، التي تُخرجه من عزلته الدبلوماسية الغربية، وتجعله مُجدّداً صنواً لرئيس أكبر قوة غربية.

وأكثر من ذلك، فإن القمّة تحصل فيما القوات الروسية تتقدم في منطقة الدونباس. وثمة، من بين الخبراء الغربيين، من يربط بين التقدم المُتسارع الذي تُحقّقه هذه القوات ميدانياً، وبين توقيت القمة، بحيث ينتزع الروس الأراضي التي لا يستطيعون الحصول عليها بالدبلوماسية بواسطة السلاح.

المستشار الألماني فريدريتش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في برلين يوم 13 أغسطس (رويترز)

وأفادت مصادر عسكرية أن لبوتين «فهماً خاصاً» لطرح ترمب مبدأ «تبادل الأراضي»، إذ إن بوتين اقترح في الواقع تجميد الأعمال العدائية على طول خط الجبهة الحالي، مُقابل انسحاب أوكرانيا من أراضٍ في منطقتي دونيتسك ولوغانسك، حيث ما زالت قواتها توجد فيها. وفي المقابل، من المرجح أن يقترح بوتين سحب قواته من أراضٍ تقع في مقاطعات سومي ودنيبروبتروفسك وخاركيف الأوكرانية التي لم تضمها موسكو إلى أراضيها، ثم تجميد خطوط القتال حيث هي في مقاطعتي زابوريجيا وخيرسون.

والحال أن قبول توافق ترمب وبوتين على وقف لإطلاق النار وفق شروط موسكو سيكون على حساب أوكرانيا.

سيارات محترقة جراء هجوم روسي بالمسيرات على دنيبرو يوم 26 يوليو (رويترز)

اليوم، يجد الأوروبيون أنفسهم في موقف حرج. فمن جهة، يدأبون على تأكيد استعدادهم لمواصلة الوقوف إلى جانب كييف وتوفير الدعم العسكري والمالي والسياسي لها مهما طال الزمن. كذلك، يتمسّكون بضرورة المحافظة على سيادتها وسلامة أراضيها وحقّها في أن تقرّر بنفسها ما تقبله أو لا تقبله من مقترحات أو تفاهمات يتم التوصل إليها.

ويُشدد الأوروبيون على اعتبار أن أمن أوروبا مرتبط بأمن أوكرانيا، وأنها «خط الدفاع الأول» عنهم بوجه المطامع الروسية. غير أنهم، في الوقت عينه، يعون أن ميزان القوى لا يميل لصالح أوكرانيا، وأن خروج الولايات المتحدة من المعادلة سيفاقم اختلال الموازين. وبالتالي ثمة ضرورة ملحة بأن تبقى واشنطن داخل المعادلة، وأن التنازلات المطلوبة من كييف يتعين التعويض عنها بضمانات أمنية صلبة، وهي الشرط الأهم، إلى جانب وقف إطلاق النار لإحراز تقدم.


مقالات ذات صلة

الكرملين: لا نستبعد استئناف المفاوضات مع أوكرانيا برعاية أميركية

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في موسكو (الكرملين)

الكرملين: لا نستبعد استئناف المفاوضات مع أوكرانيا برعاية أميركية

أشار الكرملين إلى أنه لا يستبعد استئناف المحادثات مع كييف برعاية واشنطن؛ لإيجاد مخرج للحرب في أوكرانيا، وذلك إثر زيارة مبعوثَين أميركيين موسكو...

«الشرق الأوسط» (موسكو - كييف)
الاقتصاد أسعار الديزل الأميركية تُعرَض بمحطة وقود الجمعة 4 سبتمبر 2026 في مينيابوليس (أ.ب)

الديزل يسجل سعراً قياسياً جديداً في أميركا عند 5.90 دولار للغالون

واصل سعر غالون الديزل في الولايات المتحدة تسجيل مستويات قياسية، يوم الاثنين، قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، مدفوعاً بحرب إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن -يمين- ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين -وسط- ورئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن -يسار- يزورون سفينة التفتيش ثيتيس في نوك عاصمة غرينلاند (إ.ب.أ) p-circle

الاتحاد الأوروبي لزيادة الاستثمارات وتعزيز العلاقات مع غرينلاند

تكشف رئيسة المفوضية الأوروبية اليوم الاثنين عن زيادة في الاستثمارات الأوروبية في غرينلاند وتعزيز العلاقات السياسية بمواجهة مساعي ترمب لضم الجزيرة.

«الشرق الأوسط» (نوك)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

ترمب يقترح تغيير اسم ولاية نيو مكسيكو إلى «نيو أميركا»

اقترح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، تغيير اسم ولاية نيو مكسيكو إلى «نيو أميركا»، وهو ما رفضته حاكمة الولاية بشكل فوري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

إدارة ترمب تجدد مساعيها أمام المحكمة العليا للحد من التصويت عبر البريد

جددت ‌إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الأحد)، مطالبة المحكمة العليا بالسماح بخطة من شأنها تقييد التصويت عبر البريد قبل انتخابات الكونغرس المقبلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

روسيا تغلق جميع مراكز معهد غوته وتأمر بإغلاق القنصلية الألمانية في سانت بطرسبرغ

مبنى وزارة الخارجية الروسية في موسكو (أرشيفية - رويترز)
مبنى وزارة الخارجية الروسية في موسكو (أرشيفية - رويترز)
TT

روسيا تغلق جميع مراكز معهد غوته وتأمر بإغلاق القنصلية الألمانية في سانت بطرسبرغ

مبنى وزارة الخارجية الروسية في موسكو (أرشيفية - رويترز)
مبنى وزارة الخارجية الروسية في موسكو (أرشيفية - رويترز)

أغلقت روسيا جميع مراكز معهد غوته الموجودة لديها، وأمرت بإغلاق القنصلية الألمانية في سانت بطرسبرغ.

وطالبت السلطات الروسية الموظفين في مقار المعهد بمغادرة البلاد في موعد أقصاه 13 سبتمبر (أيلول) وفي الوقت نفسه، أمرت وزارة الخارجية في موسكو بإغلاق القنصلية العامة الألمانية في سانت بطرسبرغ بحلول يوم 18 من الشهر الحالي.

وبذلك ردت موسكو على إعلان ألمانيا عن إغلاق المركز الثقافي الروسي المعروف باسم «البيت الروسي» في برلين والقنصلية العامة الروسية في بون، وذلك بعدما حملت برلين موسكو مسؤولية محاولة تنفيذ هجوم بطائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات في مطار لايبزيغ هاله شرقي ألمانيا.

وكانت الطائرة المسيّرة المحملة بالمتفجرات قد عُثر عليها مساء الرابع من أغسطس (آب) الماضي في المنطقة الأمنية في مطار لايبزيغ هاله، بين طائرات شحن أوكرانية. ووصف الادعاء العام الاتحادي (أعلى سلطة ادعاء في ألمانيا) الحادث بأنه «هجوم خطير على البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية في ألمانيا».

وفي مطلع الشهر الحالي، أعلنت الحكومة الألمانية رسمياً عن وقوف روسيا وراء محاولة الهجوم.

وفي المقابل، تنفي روسيا بشكل قاطع أي علاقة لها بمحاولة الهجوم في المطار الألماني.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد وصف العقوبات الألمانية بأنها «خطأ فادح»، ووصف الأدلة التي ساقتها برلين بأنها مزورة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

بدوره، أدلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بتصريحات، أمس (الأحد)، وصف فيها الاتهامات الألمانية الموجهة إلى موسكو بأنها «بداية حرب حقيقية». وقال لافروف إن العقوبات الألمانية، مثل إغلاق القنصلية العامة الروسية في بون والمعهد الثقافي الروسي في برلين، تذكره ببداية الحرب العالمية الثانية. ونُقل عنه على الموقع الإلكتروني للنشرة الإخبارية «فيستي» قوله: «يبدو أن الألمان يريدون الحرب مجدداً».

وأعلنت وزارة الخارجية الروسية أن «السلطات الألمانية تحديداً هي التي تسببت مجدداً في حدوث تصعيد جديد في العلاقات الثنائية». وأضافت أن المسؤولية الكاملة عن تبعات هذا التصعيد «تقع بالكامل» على عاتق الحكومة الاتحادية الألمانية.

وتفترض برلين أن ألمانيا أصبحت هدفاً لعمليات سرية تنفذها أجهزة استخبارات روسية بسبب دعمها لأوكرانيا في حربها مع روسيا.

ويأتي إغلاق القنصلية العامة في سانت بطرسبرغ في إطار سلسلة من القيود المتبادلة على الوجود الدبلوماسي. وكانت الحكومة الألمانية قد منعت روسيا، في عام 2023، من تشغيل 4 من قنصلياتها العامة الخمس التي كانت قائمة في ألمانيا آنذاك، وذلك عقب قرار موسكو تقييد عدد الموظفين الحكوميين الألمان على أراضيها بـ350 موظفاً. وعلى أثر ذلك، أغلقت ألمانيا قنصلياتها العامة في كالينينغراد، ويكاتيرينبرغ، ونوفوسيبيرسك؛ مع الإبقاء حينها على السفارة في موسكو والقنصلية العامة في سانت بطرسبرغ.


موسكو: إرسال صواريخ أميركية إلى النرويج يعرقل الحوار حول الاستقرار النووي

المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف خلال مؤتمر صحافي مشترك للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو يوم 18 فبراير 2022 (رويترز)
المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف خلال مؤتمر صحافي مشترك للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو يوم 18 فبراير 2022 (رويترز)
TT

موسكو: إرسال صواريخ أميركية إلى النرويج يعرقل الحوار حول الاستقرار النووي

المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف خلال مؤتمر صحافي مشترك للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو يوم 18 فبراير 2022 (رويترز)
المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف خلال مؤتمر صحافي مشترك للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو يوم 18 فبراير 2022 (رويترز)

انتقدت روسيا إرسال أميركا نظاماً صاروخياً متطوراً إلى النرويج، عضو حلف شمال الأطلسي (ناتو)، قائلة، الاثنين، إن ذلك يوجّه ضربة أخرى لمحادثات أميركية روسية بشأن الاستقرار النووي الاستراتيجي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكرت تقارير إعلامية في الولايات المتحدة أن واشنطن سلّمت إلى النرويج في أغسطس (آب) نظاماً صاروخياً يستخدم منصات إطلاق من طراز «إم كيه-41» القادرة على إطلاق صواريخ «كروز» من طراز «توماهوك».

وقالت وزارة الخارجية الروسية إن ذلك يشكل تهديداً؛ لأن تلك المنصات يمكن استخدامها لإطلاق صواريخ قادرة على الوصول إلى جزء كبير من روسيا الواقع في القارة الأوروبية، بما في ذلك موسكو.

وأضافت الوزارة في بيان: «خطوات مثل نشر صواريخ أرضية متوسطة المدى أميركية في أوروبا تشكّل تهديداً للاتحاد الروسي تعيد الأجواء المناسبة للحوار البنَّاء مع الولايات المتحدة بشأن القضايا الاستراتيجية لنقطة الصفر على أقل تقدير».

وأشارت إلى أن روسيا ستولي «اهتماماً خاصاً» لمواقع نشر ومراكز القيادة والسيطرة لأنظمة الصواريخ الأميركية، وأنها ستصبح أهدافاً في حالة نشوب نزاع عسكري.

وتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً عن محاولة إبرام اتفاقية جديدة للحد من التسلح مع روسيا والصين، لكن وزارة الخارجية الروسية وصفت، الاثنين، خطط السعي وراء مفاوضات متعددة الأطراف تشمل الصين بأنها «غير واقعية».

وانتقد الكرملين أيضاً التحركات التي قامت بها النرويج في الآونة الأخيرة لتعزيز دفاعاتها من خلال توسيع لواء فينمارك في القطب الشمالي ليشمل كتيبة مدفعية وخططاً لنشر أنظمة صواريخ بعيدة المدى جديدة بحلول عام 2030.

وتقول النرويج، التي تشترك في حدود مع روسيا في القطب الشمالي، إن الحرب في أوكرانيا أظهرت أن الأنظمة بعيدة المدى ضرورية في ساحة المعركة في العصر الحديث.

ورداً على سؤال حول هذه التحركات، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف للصحافيين: «لا شك أن مثل هذا الحشد العسكري الموجه ضد بلدنا... لا يمكن إلا أن يُنظر إليه على أنه تهديد لأمن روسيا».

وقال إن ذلك يشكل مبررات وحيثيات لروسيا لاتخاذ إجراءات إضافية خاصة بها لضمان أمنها، كاشفاً أن وزارة الدفاع والوكالات الحكومية الأخرى تقوم بذلك بالفعل.


اليمين المتطرف يتلمّس طريقه للحكم محلياً في ألمانيا

أولريش سيغموند المرشح الرئيسي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي قد يصبح رئيس ولاية ساكسونيا - أنهالت (أ.ف.ب)
أولريش سيغموند المرشح الرئيسي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي قد يصبح رئيس ولاية ساكسونيا - أنهالت (أ.ف.ب)
TT

اليمين المتطرف يتلمّس طريقه للحكم محلياً في ألمانيا

أولريش سيغموند المرشح الرئيسي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي قد يصبح رئيس ولاية ساكسونيا - أنهالت (أ.ف.ب)
أولريش سيغموند المرشح الرئيسي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي قد يصبح رئيس ولاية ساكسونيا - أنهالت (أ.ف.ب)

بدت مدينة ماغدبورغ، عاصمة ولاية ساكسونيا-أنهالت، غداة فوز حزب «البديل من أجل ألمانيا»، الاثنين، هادئة ساكنة، لا يربطها الكثير بالفوضى والصدمة التي تسببت بها نتائج الانتخابات المحلية التي شهدتها قبل يوم. فالولاية الصغيرة لا يتعدى عدد سكانها مليوني نسمة؛ ولكنها أصبحت أول ولاية ألمانية يفوز فيها حزب يميني متطرف منذ النازيين ويملك حظوظاً حقيقية بالحكم.

المرشح الأبرز لحزب «البديل من أجل ألمانيا» أولريش سيغموند (يسار) يتحدث في برلين الاثنين غداة فوز حزبه في الانتخابات المحلية في ساكسونيا - أنهالت (إ.ب.أ)

ورغم الفوز الكبير للحزب الذي ناهزت نسبة الأصوات التي حظي بها الـ44 في المائة، فإن طريقه إلى الحكم لن يكون سهلاً، ذلك أن كل الأحزاب الأخرى تعهدت بعدم التحالف معه. ولكن تلميح حزب صغير جديد من أقصى اليسار هو «حزب فاغنكناشت»، بأنه لن يعرقل وصول «البديل من أجل ألمانيا» إلى السلطة، قد يكون مفتاح الحزب المتطرف الذي يتلمّس طريقه ويتطلع لقيادة الولاية. ويتعين الآن على البرلمان أن ينعقد خلال 30 يوماً من الانتخابات والتصويت لرئيس حكومة الولاية. وقال نجم حزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي قاد الحزب لهذا النصر، أولريش زيغموند، إنه سيتواصل مع كل الأحزاب ويدعوها للتحالف لتشكيل حكومة، رغم معرفته المسبقة بأن الجواب سيكون سلبياً.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متحدثاً في برلين الاثنين غداة خسارة حزبه في ولاية ساكسونيا-أنهالت (د.ب.أ)

انقسامات وتحالفات

ويمكن في المقابل للأحزاب الأخرى مجتمعة أن تشكل حكومة، ولكن ذلك قد يكون صعباً بسبب رفض الحزب المسيحي الديمقراطي الذي يرأسه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، التحالف مع حزب «دي لينكا» من أقصى اليسار. كما أن تحالفاً شبيهاً قد يؤدي إلى تمرد داخل الحزب وانقسامات كبيرة. ويرفض كثيرون من حزب ميرتس أن يرأس حزب حكومة وهو لم يحظَ بأكثر من 17 في المائة من الأصوات.

أما زيغموند الشاب (35 عاماً) الذي حقق لـ«البديل من أجل ألمانيا» أكبر فوز له حتى الآن، فهو يصر على عدم ترؤس حكومة أقلية. ويقول إنه يريد قيادة حكومة مستقرة تحظى بالأغلبية حتى ولو تطلب ذلك إعادة الانتخابات. وبحسب القانون، يتعين على البرلمان التصويت لاختيار رئيس حكومة يجب أن ينجح بالأغلبية في التصويتين الأول والثاني ولكن في التصويت الثالث يفوز من يحصل على أكبر عدد من الأصوات. وفي حال امتنع «حزب فاغنكناشت» عن التصويت كما قالت زعيمته، فيمكن حينها أن يفوز زيغموند برئاسة الحكومة ويشكل حكومة أقلية. ولكن عملها سيكون صعباً، إذ سيتعين عليها جمع الأكثرية قبل تمرير أي قانون.

برلمان ساكسونيا - أنهالت المحلي في مدينة ماغدبورغ (أ.ف.ب)

وتتطابق خطط الحزب اليميني المتطرف مع خطط «حزب فاغنكناشت» الشعبوي في الكثير من المجالات، مثل الهجرة وتأييد إعادة العلاقات مع روسيا. ولكن من غير الواضح إلى أي مدى قد يحظى حزب البديل بتأييد في سياساته الأكثر تطرفاً، مثل فصل طلاب المدارس الأجانب ومن أصول مهاجرة عن الطلاب الألمان وإقامة صفوف خاصة.

قلق وسط المهاجرين

وتثير خطط حزب «البديل من أجل ألمانيا» للولاية قلقاً كبيراً بين المهاجرين الذين بات يفكر عدد كبير منهم في ترك الولاية. ويقول طارق رجب، رئيس قسم إعادة تأهيل أمراض عصبية في عيادة خاصة في ماغدبورغ، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إنه يفكر جدياً في الانتقال إلى ولاية أخرى بسبب المخاوف من المستقبل الغامض. ويقر بأنه يبحث عن «مكان آمن» يمكنه أن يقدم فيه الخدمات والكفاءات المطلوبة «من دون مخاوف». وأكثر ما يخيف طارق الذي وصل لاجئاً من سوريا قبل 10 سنوات، وحصل على الجنسية الألمانية، هو مستقبل ولديه اللذين يبلغان من العمر عامين و3 أعوام وما زالا في الروضة. ويقول إنه شعر بالصدمة عندما اطلع على برنامج حزب «البديل من أجل ألمانيا» حول المهاجرين وخططه لفصل الأطفال من أصول مهاجرة «لأنهم سيضعونهم في صفوف منفصلة يشرف عليها مدرسون أجانب تمهيداً للترحيل».

ويشكو لاجئ سوري آخر من مخاوف بشأن تعرض زوجته المحجبة لمضايقات بعد فوز «البديل» بسبب تزايد مشاعر الكراهية ضد المسلمين والأجانب. ويقول هو أيضاً إنه يفكر في مغادرة الولاية مع زوجته وأولاده. ومقابل مخاوف المهاجرين، تبدو الصدمة واضحة كذلك على مناصري الأحزاب الأخرى الذين لم يتوقعوا أن يحقق الحزب المتطرف النجاح الذي حققه. وقد عبّر عن ذلك المستشار الألماني فريدريش ميرتس الذي مُني حزبه بخسارة تاريخية وانخفضت أصواته إلى النصف في الولاية بنسبة لم تتعدَّ الـ17 في المائة. وقد اعترف ميرتس في كلمة ألقاها غداة الانتخابات بـ«خسارة هي الأقسى» التي يمنى بها حزبه منذ سنوات، قائلاً: «لم نتوقع» أن تأتي النتائج على هذا الشكل.

وكان ميرتس قد تعهد خلال حملته الانتخابية قبل عامين بأن يقلص تأييد حزب «البديل من أجل ألمانيا» إلى النصف، ولكن العكس هو الذي حصل، على الأقل في ولاية ساكسونيا أنهالت. وأضاف أنه ستكون هناك ارتدادات لخسارة حزبه الذي حكم الولاية الشرقية لـ28 عاماً، وأنه «لا يمكن المضي قدماً وكأن شيئاً لم يحصل».

وبنى حزب «البديل من أجل ألمانيا» الكثير من شعبيته في ولاية ساكسونيا-أنهالت بانتقاد حكومة برلين ودعمها لأوكرانيا و«إهدارها أموال دافعي الضرائب» على دعم أوكرانيا بدلاً من استثمارها في الولاية. وتعاني الولايات الشرقية من حرمان مقارنة بالولايات الغربية وتبدو بشكل واضح أفقر منها. كما أن معدل مستوى المرتبات فيها أقل من المرتبات في الولايات الغربية.

ويبدي الكثير من سكان الولاية استياءهم من ذلك، وقال هانو، أحد السكان وهو في السبعينات من العمر، ورفض التصويت، إنه لم يجد أن أياً من الأحزاب تطرق إلى أساس مشكلة الولاية، وهي غياب التنمية وانخفاض المرتبات مقارنة بالولايات الغربية. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن حزب «البديل من أجل ألمانيا» لا يقدم أي حلول في هذه المجالات وأنه لا يعطيه أي أمل. ولكن الكثير ممن هم في عمر الشباب يرون العكس؛ وقد أظهرت استطلاعات أن شعبية الحزب مرتفعة بين الشبان الذين هم بين 18 و24 عاماً. وينشط الحزب بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، ولدى زيغموند مثلاً نحو مليوني متابع على «إنستغرام» و«تيك توك» و«فيسبوك».