فون دير لاين تواجه عاصفة انتقادات على خلفية الاتفاق مع ترمب

عواصم أوروبية عدّت التسوية «إذعاناً» للمشيئة الأميركية

مصافحة بين ترمب وفون دير لاين بعد الاتفاق التجاري في تينبيري جنوب غربي اسكوتلندا يوم 27 يوليو (أ.ف.ب)
مصافحة بين ترمب وفون دير لاين بعد الاتفاق التجاري في تينبيري جنوب غربي اسكوتلندا يوم 27 يوليو (أ.ف.ب)
TT

فون دير لاين تواجه عاصفة انتقادات على خلفية الاتفاق مع ترمب

مصافحة بين ترمب وفون دير لاين بعد الاتفاق التجاري في تينبيري جنوب غربي اسكوتلندا يوم 27 يوليو (أ.ف.ب)
مصافحة بين ترمب وفون دير لاين بعد الاتفاق التجاري في تينبيري جنوب غربي اسكوتلندا يوم 27 يوليو (أ.ف.ب)

عندما وقّعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الأحد الماضي، في اسكوتلندا على الاتفاق التجاري الذي يُفترض أن يُنهي الحرب التجارية بين واشنطن وبروكسل، كانت تعرف جيداً أنه دون الحد الأدنى الذي كانت تطمح إليه غالبية الدول الأعضاء في الاتحاد، وأنها ستجد صعوبة كبيرة في تسويقه خلال القمة المقبلة بعد العطلة الصيفية. لكنها، كما قال أحد مساعديها، لم تكن تتوقع هذه «الانتفاضة» التي أثارها الاتفاق في كثير من العواصم الأوروبية التي رأت فيه إذعاناً للمشيئة الأميركية، ومدخلاً إلى مزيد من التنازلات التي لن تتوقف الإدارة الأميركية عن المطالبة بها.

ولم يكن مستغرباً أن هذه الانتفاضة الأوروبية، التي تردّدت أصداؤها من باريس إلى روما، ومن برلين إلى مدريد، بلغت ذروتها في تصريحات رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الخصم اللدود لرئيسة المفوضية.

وهذا شعور سائد في الاتحاد بين القوى اليمينية المتطرفة، التي وجدت في الاتفاق فرصة جديدة للهجوم على المشروع الأوروبي، وعلى رئيسة المفوضية التي راح بعض خصومها يُلمّحون إلى احتمال المطالبة بإقالتها. لكن ما يثير القلق بشكل خاص في محيط فون دير لاين هو أن الانتقادات التي تتعرض لها هذه المرة ليست قصراً على القوى اليمينية المتطرفة، إذ إن معظم عواصم الاتحاد، ومعها قطاعات سياسة واقتصادية واسعة، لا تُخفي استياءها من أسلوبها في التفرّد بالقرار، بغض النظر عن الاتفاق الذي وقّعته مع الولايات المتحدة في اسكوتلندا.

«استسلام أوروبا»

تنامى الاستياء الأوروبي من فون دير لاين في الأسابيع الأخيرة مع اقتراب الموعد الذي حدّده الرئيس الأميركي للتوصل إلى اتفاق، حيث كانت معظم الدول الأعضاء تضغط باتجاه موقف متشدد إزاء المفاوضين الأميركيين وتهديدات ترمب، إلى أن «طفح الكيل»، كما قال المفوض الأوروبي السابق تييري بروتون، عندما ظهرت فون دير لاين بعد توقيع الاتفاق مع معاونيها رافعة إشارة النصر إلى جانب الرئيس الأميركي الذي قاطعها عدة مرات وهي تتبنّى مواقفه وتصريحاته.

تواجه فون دير لاين عاصفة انتقادات على خلفية الاتفاق التجاري الذي وقّعته مع الرئيس الأميركي (د.ب.أ)

تلك المشاهد التي رافقت توقيع الاتفاق الذي لم ترحّب به أي من العواصم الأوروبية، تهافت اليمين المتطرف على استغلالها بوصفها دليلاً آخر على «الوهن» الأوروبي، سيّما وأنها جاءت بعد ثلاثة أسابيع من الهجوم اللاذع الذي تعرّضت له فون دير لاين خلال طرح الثقة في حكومتها أمام البرلمان الأوروبي.

زعيمة حزب «البديل من أجل ألمانيا» وصفت الاتفاق بأنه خدعة قاسية، فيما قال رئيس التجمع الوطني الفرنسي جوردان بارديلّا إن فون دير لاين وقّعت على وثيقة استسلام أوروبا التجاري. وصرّح زعيم حزب «فوكس» الإسباني، سانتياغو آباسكال، من جهته بأنه «بعد أشهر من الشتائم، والعبارات الرنّانة حول القدرة التنافسية والصناعة وفرص العمل، انتهت فون دير لاين إلى الاستسلام كي تحافظ على موقعها».

تداعيات «فادحة»

لكن اليمين الأوروبي المتطرف ليس وحده الذي فتح النيران على رئيسة المفوضية، واصفاً قرارها بالاستسلام للاتفاقية الموقعة بين واشنطن وبروكسل، أو بالخضوع، أو «الإذعان » كما قال رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو.

وقالت رئيسة الكتلة الليبرالية في البرلمان الأوروبي، فاليري هاير، إن «العبرة التي يمكن استخلاصها بوضوح من هذا الاتفاق، هي أننا عملاق اقتصادي، لكن لا قيمة لنا على الصعيد السياسي». أما زعيم كتلة «الخضر»، فقد عدّ أن الاتحاد الأوروبي خضع لابتزازات ترمب، وأن المفوضية لم تلعب الورقة القوية التي تملكها في السوق العالمية، ولم تواجه الرئيس الأميركي بالحزم اللازم، فيما طالبت زعيمة الكتلة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي إيراتشي غارسيا بمعرفة جميع تفاصيل الاتفاق، «لأن رسوماً جمركية بنسبة 15 في المائة لا يمكن أن تكون نقطة الختام في اتفاق تجاري بين أوروبا والولايات المتحدة». حتى المستشار الألماني فريدريك ميرتس، وهو الزعيم الأوروبي الوحيد الذي عدّ أن الاتفاق كان «أضعف ضرر ممكن في الظروف الراهنة»، قال إنه سيتسبّب بأضرار فادحة على الاقتصاد الألماني، وعلى اقتصاد الاتحاد الأوروبي وغيره.

المفوضية الأوروبية من جانبها تكتفي منذ نهاية الأسبوع الماضي بالدفاع عن نفسها، وترفض الاتهامات الموجّهة إلى فون دير لاين، علماً أن ثمة انتقادات متكررة، داخل فريقها وخارجه، منذ فترة، حول تفرّدها بالقرارات وحرصها على أن تكون لها الكلمة الفصل في جميع الملفات. وقد سبق خلال ولايتها الأولى أن حصلت مواجهة بينها وعدد من المفوضين بسبب من ذلك.

«جهد جماعي»

أحد المفوضين السابقين البارزين، مثل الفرنسي ميشال بارنييه الذي كان مسؤولاً عن مفاوضات اتفاق «بريكست» مع المملكة المتحدة، قال إن «اتفاقاً يفرض رسوماً جمركية بنسبة 15 في المائة على طرف واحد فحسب، هو اعتراف صريح بالضعف في المفاوضات، وهو ثمرة قرارات خاطئة لا تضمن السيادة، ولا رفاهية الاتحاد ودوله الأعضاء. كان مفترضاً أن تتخذ المفوضية موقفاً أكثر حزماً وتشدداً من البداية».

​مصافحة بين ترمب وفون دير لاين بعد الاتفاق التجاري في تينبيري جنوب غربي اسكوتلندا يوم 27 يوليو (رويترز)

وردّ الناطق بلسان المفوضية بأن المفاوضات تمّت باسم الدول الأعضاء، وأن وتيرة المشاورات مع العواصم تزامنت بشكل غير مسبوق مع جميع مراحل المفاوضات، مؤكداً أن الجهد الأوروبي كان جماعياً، وأن فون دير لاين اعتمدت على عدد كبير من الخبراء في شتى الميادين من أجل التوصل إلى اتفاق مثمر «مهما قال المعترضون».

شركاء الاتحاد الأوروبي في الخارج أعربوا، هم أيضاً، عن «خيبتهم» من شروط الاتفاق الذي رأوا فيها نصراً مبيناً لترمب وهزيمة للاتحاد الأوروبي من شأنها أن تؤثّر سلباً على نفوذه الجيوستراتيجي. وعدّ معلقون أن هذا الاتفاق يضفي شرعية على أسلوب يستند إلى التهديد والإكراه، والمناورات التي تقوّض الثقة والتعاون بين الدول.

بعض الأصوات بدأت تنادي بإقامة تحالف بين الدول التي تشكّل 87 في المائة من حركة التجارة الدولية، مقابل 13 في المائة للولايات المتحدة، يعيد التوازن إلى السوق الدولية في الأمد الطويل، ويحول دون مزيد من المفاجآت التي يمكن أن تخرج في أية لحظة من قُبّعة الرئيس الأميركي.


مقالات ذات صلة

صقور الجمهوريين يحذرون ترمب من «خطأ كارثي» أمام طهران

الولايات المتحدة​ قوات من مشاة البحرية الأميركية تنفذ تدريبات إنزال بالحبال من مروحية على متن السفينة الهجومية «يو إس إس تريبولي» في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (مشاة البحرية الأميركية)

صقور الجمهوريين يحذرون ترمب من «خطأ كارثي» أمام طهران

تباينت ردود فعل المشرعين الأميركيين على إعلان الرئيس دونالد ترمب، مساء السبت، قرب التوصل إلى مذكرة تفاهم أو اتفاق لإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو يستعدان للصعود إلى الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز بماريلاند مارس الماضي (أ.ف.ب) p-circle

ترمب يتمسك بإنجاز«اتفاق صحيح» في مفاوضات إيران

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الأحد)، إن «الحصار سيبقى قائماً بالكامل على إيران إلى حين التوصل إلى اتفاق مُعتمد وموقّع».

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية ترمب يستقبل نتنياهو في البيت الأبيض يوليو 2025 (أرشيفية - د.ب.أ)

إسرائيل قلقة من اتفاق إيران… وتتحاشى انتقاد ترمب

 قالت مصادر سياسية في تل أبيب إن القيادة الإسرائيلية دخلت حالة من «القلق والغضب واليأس» مع «شعور بخسارة فادحة» بعد الأنباء عن التوصل إلى اتفاق أميركي - إيراني

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ ضباط شرطة في موقع إطلاق نار قرب مجمع البيت الأبيض (د.ب.أ)

ماذا نعرف عن مطلق النار قرب البيت الأبيض؟

فتح رجلٌ النارَ، مساء السبت، عند نقطة تفتيش أمنية قرب البيت الأبيض في واشنطن، ولقي حتفه متأثراً بإصابته برصاص عناصر الخدمة السرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين خلال مؤتمر صحافي مشترك في نيودلهي (إ.ب.أ)

روبيو: العالم قد يتلقى خبراً جيداً اليوم

أفاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأحد، باحتمال صدور إعلان في شأن اتفاق مع إيران في وقت لاحق اليوم. وصرح روبيو لصحافيين في نيودلهي «اعتقد أنّ ثمة…


ماكرون يحذِّر بيلاروسيا من التورُّط في الحرب على أوكرانيا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
TT

ماكرون يحذِّر بيلاروسيا من التورُّط في الحرب على أوكرانيا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

حذَّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشنكو (حليف روسيا) اليوم (الأحد)، من التورُّط في حرب موسكو ضد أوكرانيا، حسبما أفاد مصدر مقرَّب من ماكرون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وجاء هذا التحذير خلال أول مكالمة هاتفية بين الرئيسين، منذ الأيام الأولى لبدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، والذي انطلق جزئياً من الأراضي البيلاروسية.

وقال المصدر الذي اشترط عدم الكشف عن هويته، إنَّ ماكرون «حذَّر من مخاطر السماح لبيلاروسيا بالانجرار إلى العدوان الروسي على أوكرانيا».

وأضاف أن الرئيس الفرنسي «حث أيضاً ألكسندر لوكاشنكو على اتخاذ الخطوات اللازمة لتحسين العلاقات بين بيلاروسيا وأوروبا».

من جانبها، أكدت الرئاسة البيلاروسية في بيان موجز على موقعها، أنَّ الرئيسين «ناقشا المشكلات الإقليمية، إضافة إلى علاقات بيلاروسيا بالاتحاد الأوروبي وبفرنسا خصوصاً». وأضاف البيان أنَّ المحادثة جرت «بمبادرة من الجانب الفرنسي».

وفي وقت سابق من مايو (أيار)، أمر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بتعزيز قوات بلاده على الحدود مع بيلاروسيا في الشمال؛ مشيراً إلى أنَّ موسكو كانت تحضِّر لهجوم جديد من هذه المنطقة، الأمر الذي نفاه الكرملين.

وأجرت روسيا وحليفتها بيلاروسيا تدريبات مشتركة شملت أسلحة نووية في 18 مايو، وذلك في وقت صعَّدت فيه كييف هجماتها بطائرات من دون طيار على روسيا.

ونشر الجيش الروسي صاروخ «أوريشنيك»، وهو أحدث صواريخه الفرط صوتية، والقادر على حمل رأس نووي، العام الماضي، في بيلاروسيا المحاذية لثلاث دول أعضاء في الحلف الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي، هي بولندا وليتوانيا ولاتفيا، فضلاً عن أوكرانيا.

واستخدمت روسيا، اليوم، هذا الصاروخ للمرة الثالثة منذ اندلاع الحرب، وذلك في إطار هجوم واسع النطاق بالصواريخ والمُسيَّرات على كييف ومناطق أخرى، أسفر حسب السلطات الأوكرانية عن مقتل 4 أشخاص.


ماكرون وكالاس ينددان باستخدام روسيا صاروخ «أوريشنيك» في أوكرانيا

الهجوم الروسي الذي استهدف كييف بصواريخ من طراز «أوريشنيك» الباليستي الفرط صوتي (رويترز)
الهجوم الروسي الذي استهدف كييف بصواريخ من طراز «أوريشنيك» الباليستي الفرط صوتي (رويترز)
TT

ماكرون وكالاس ينددان باستخدام روسيا صاروخ «أوريشنيك» في أوكرانيا

الهجوم الروسي الذي استهدف كييف بصواريخ من طراز «أوريشنيك» الباليستي الفرط صوتي (رويترز)
الهجوم الروسي الذي استهدف كييف بصواريخ من طراز «أوريشنيك» الباليستي الفرط صوتي (رويترز)

ندد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، اليوم (الأحد)، بالهجوم الروسي الذي استهدف العاصمة ‌الأوكرانية كييف ‌خلال ​الليل، ‌وشمل ⁠إطلاق ​صاروخ باليستي ⁠من طراز «أوريشنيك».

وبحسب وكالة «رويترز» للأنباء، فقد قال ماكرون في منشور على «⁠إكس»: «تندد فرنسا ‌بهذا الهجوم واستخدام ‌الصاروخ ​الباليستي ‌(أوريشنيك)، ‌وهو ما يشير في المقام الأول إلى ‌شكل من أشكال التصعيد ومأزق ⁠في الحرب ⁠الروسية العدائية».

من جهتها، اعتبرت كالاس أن روسيا تسعى إلى «ترهيب أوكرانيا» عبر هذا الهجوم الأخير الواسع النطاق.

وكتبت كالاس على منصة «إكس»: «وصلت روسيا إلى طريق مسدود في ساحة المعركة، لذا ترهب أوكرانيا بشن ضربات متعمدة على مراكز المدن».

وأضافت أن «استخدام موسكو لصواريخ (أوريشنيك) الباليستية المتوسطة المدى - وهي أنظمة مصممة لحمل رؤوس نووية - ليس سوى أسلوب للترهيب السياسي وشكل متهور للابتزاز النووي».

وكان ​الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد صرح بأن روسيا قصفت مدينة ‌بيلا ‌تسيركفا ​في ‌منطقة كييف ⁠الأوكرانية ​بصاروخ «أوريشنيك» ⁠في إطار هجومها الليلي.

وقال سلاح الجو الأوكراني في بيان، على مواقع التواصل الاجتماعي إن روسيا أطلقت 600 طائرة مسيرة و90 صاروخاً في هجومها، مضيفاً أن أحد الصواريخ كان باليستياً متوسط ‌المدى، دون ‌تحديد نوعه.

وأكدت وزارة الدفاع الروسية في وقت لاحق استخدام صواريخ «أوريشنيك» المتوسطة المدى وذات القدرة النووية، لاستهداف أوكرانيا ليل السبت / الأحد، مشددة على أن هذا الهجوم اقتصر على أهداف عسكرية.

وسبق أن استخدمت موسكو هذا الصاروخ مرتين - منذ بدأت غزو أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022 - في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 ضد مصنع عسكري، وفي يناير (كانون الثاني) 2026 ضد مركز للصناعات الجوية في غرب أوكرانيا.

وفي الحالتين، لم تكن الصواريخ تحمل رؤوساً نووية.


صاروخ «أوريشنيك» فرط صوتي يهزّ كييف ويختبر دفاعاتها

امرأة تسير في شارع مُغطى بالحطام عقب غارة صاروخية روسية شُنّت ليلاً وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز)
امرأة تسير في شارع مُغطى بالحطام عقب غارة صاروخية روسية شُنّت ليلاً وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز)
TT

صاروخ «أوريشنيك» فرط صوتي يهزّ كييف ويختبر دفاعاتها

امرأة تسير في شارع مُغطى بالحطام عقب غارة صاروخية روسية شُنّت ليلاً وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز)
امرأة تسير في شارع مُغطى بالحطام عقب غارة صاروخية روسية شُنّت ليلاً وسط الهجوم الروسي على كييف (رويترز)

استخدمت روسيا صاروخ «أوريشنيك» الباليستي الفرط صوتي خلال هجوم واسع بالطائرات المسيّرة والصواريخ على كييف الأحد، ما أسفر عن مقتل شخصين على الأقل، وفق ما أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في ثالث استخدام لهذا السلاح خلال الحرب المستمرة منذ أربع سنوات.

وألحق الهجوم الجوي المُكثّف أضراراً بمبانٍ في أنحاء متفرقة من العاصمة الأوكرانية، بينها مناطق قرب مكاتب حكومية ومبانٍ سكنية ومدارس وسوق تجارية، بحسب السلطات الأوكرانية. كما أُصيب ما لا يقل عن 83 شخصاً بجروح.

600 مسيرة

دوت صفارات الإنذار طوال الليل، فيما تصاعد الدخان فوق كييف جراء الضربات. وأفادت وكالة «أسوشييتد برس» بسماع انفجارات قوية قرب وسط المدينة وبالقرب من مبانٍ حكومية.

رجل ينظر إلى مبنى محترق جراء غارة صاروخية روسية على كييف ليلة 24 مايو (رويترز)

وشمل الهجوم، بحسب سلاح الجو الأوكراني، 600 طائرة مسيّرة هجومية و90 صاروخاً أُطلقت من الجو والبحر والبر. وقالت الدفاعات الجوية الأوكرانية إنها دمّرت أو شوّشت على 549 مسيّرة و55 صاروخاً، فيما فشل نحو 19 صاروخاً في بلوغ أهدافها. وأعلن وزير الخارجية الألباني، فيريت هوكشا، أن مقر إقامة السفير الألباني لدى أوكرانيا تعرّض للقصف خلال الهجوم، واصفاً ذلك بأنه «غير مقبول» و«تصعيد خطير».

وقال زيلينسكي عبر «تلغرام» إن صاروخ «أوريشنيك»، القادر على حمل رؤوس نووية أو تقليدية، استهدف مدينة بيلاتسيركفا في منطقة كييف. وكانت روسيا قد توعدت بالرد على هجوم أوكراني أوقع 21 قتيلاً على الأقل الجمعة.

وأكدت وزارة الدفاع الروسية، الأحد، استخدام «أوريشنيك» وأنواع أخرى من الصواريخ لاستهداف «منشآت القيادة والسيطرة العسكرية» وقواعد جوية ومؤسسات للصناعات العسكرية الأوكرانية. وأضافت أن الهجوم جاء رداً على ضربات أوكرانية استهدفت «منشآت مدنية على الأراضي الروسية»، من دون تقديم تفاصيل إضافية.

إدانات متبادلة

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد ندّد الجمعة بضربة بطائرة مسيّرة استهدفت مهاجع كلية في شرق أوكرانيا الخاضع لسيطرة روسيا، واتهم كييف بالمسؤولية عنها، مؤكداً عدم وجود منشآت عسكرية أو أمنية قرب الموقع، ومعلناً أنه أمر الجيش الروسي بالرد.

وارتفعت حصيلة قتلى تلك الضربة إلى 21 شخصاً، بحسب السلطات الروسية، التي أعلنت أيضاً إصابة 42 آخرين. كما أعلنت السلطات المعيّنة من الكرملين في منطقة لوغانسك يومي حداد على الضحايا.

شباب يمرون وسط دمار في شوارع كييف يوم 24 مايو (رويترز)

وخلال جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي عُقدت بطلب من روسيا، نفى السفير الأوكراني أندري ميلنيك اتهامات نظيره الروسي بارتكاب جرائم حرب، واصفاً إياها بأنها «عرض دعائي بحت»، ومؤكداً أن عمليات 22 مايو (أيار) «استهدفت حصراً آلة الحرب الروسية».

وأدان حلفاء كييف الأوروبيون، ومنهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريتش ميرتس، الضربات الروسية واستخدام صاروخ «أوريشنيك»، في بيانات صدرت الأحد. كما أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن وزراء خارجية دول الاتحاد سيجتمعون خلال أيام «لبحث سبل زيادة الضغط الدولي على روسيا».

معضلة منظومة «باتريوت»

وقال زيلينسكي إنه لم يتم اعتراض جميع الصواريخ الباليستية، مشيراً إلى أن معظم الضربات استهدفت كييف.

وأبرزت الإخفاقات الظاهرة في الاعتراض النقص المزمن لدى أوكرانيا في صواريخ الدفاع الجوي القادرة على إسقاط الصواريخ الباليستية. وتعتمد كييف بشكل كبير على منظومات «باتريوت» الأميركية لاعتراض هذا النوع من الأسلحة، لكن مخزون الصواريخ الاعتراضية لا يزال محدوداً، ويُعدّ من أكثر مطالب أوكرانيا إلحاحاً من حلفائها الغربيين.

وأصبح تطوير بديل محلي الصنع أولوية لدى وزارة الدفاع الأوكرانية، غير أن ذلك يتطلب وقتاً وتمويلاً. وأعلنت أجهزة الطوارئ الأوكرانية تسجيل أضرار في 50 موقعاً عبر عدة أحياء في العاصمة، شملت مباني سكنية ومراكز تجارية ومدارس، إضافة إلى تضرر مبانٍ تابعة للشرطة. واستمرت الحرائق حتى ساعات الصباح، ما عقّد عمليات الإنقاذ مع انهيار بعض المباني جراء الانفجارات.

وقالت سفيتلانا أونوفرييتشوك، وهي من سكان كييف وتبلغ 55 عاماً: «كانت ليلة مروعة، ولم نشهد شيئاً مماثلاً طوال الحرب». وأضافت: «يؤسفني أن أقول إنني سأغادر كييف الآن، لم يعد بإمكاني البقاء. عملي انتهى، كل شيء انتهى، كل شيء احترق».

أما يفهين زوسين (74 عاماً)، فقال إنه هرع لالتقاط كلبه فور سماعه الانفجار الأول، مضيفاً: «ثم وقع انفجار آخر وقذفتنا موجة الصدمة بعيداً. نجونا لكن شقتي دُمّرت بالكامل».

عناصر إطفاء يعملون على إخماد حريق في موقع استهدفه هجوم روسي في كييف يوم 24 مايو (أ.ف.ب)

وفي حي شيفتشينكو في كييف، أصاب القصف مبنى سكنياً من خمسة طوابق، ما أدّى إلى اندلاع حريق ومقتل شخص واحد، وفق أجهزة الطوارئ الأوكرانية.

وقال رئيس بلدية كييف، فيتالي كليتشكو، إن مبنى مدرسة تضرّر أيضاً أثناء احتماء أشخاص بداخله. كما أفادت السلطات المحلية بتضرّر متاجر كبرى ومستودعات في أنحاء المدينة. وسُجلت أضرار في عدة بلدات بمنطقة كييف، بحسب ميكولا كالاشنيك، رئيس الإدارة الإقليمية.

وفي المقابل، أعلنت السلطات الروسية الأحد مقتل مدني في بلدة غرايفورون الروسية بمنطقة بيلغورود الحدودية جراء هجوم بطائرة مسيّرة أوكرانية. وقالت وزارة الدفاع الروسية إن قواتها أسقطت أو شوّشت على 33 طائرة مسيّرة أوكرانية خلال الليل حتى صباح الأحد، بينها مسيّرات فوق منطقة موسكو وغرب وجنوب غربي روسيا وشبه جزيرة القرم التي تسيطر عليها موسكو.