طموحات واسعة ترافق قمة حماية المحيطات برئاسة فرنسا وكوستاريكا

تستضيفها نيس بمشاركة 100 بعثة و50 رئيس دولة وحكومة

تنعقد قمة الأمم المتحدة الثالثة لحماية المحيطات في نيس هذا الأسبوع (إ.ب.أ)
تنعقد قمة الأمم المتحدة الثالثة لحماية المحيطات في نيس هذا الأسبوع (إ.ب.أ)
TT

طموحات واسعة ترافق قمة حماية المحيطات برئاسة فرنسا وكوستاريكا

تنعقد قمة الأمم المتحدة الثالثة لحماية المحيطات في نيس هذا الأسبوع (إ.ب.أ)
تنعقد قمة الأمم المتحدة الثالثة لحماية المحيطات في نيس هذا الأسبوع (إ.ب.أ)

بعد عقدها في نيويورك عامي 2017 و2022، تتأهب مدينة نيس الفرنسية الواقعة على «الشاطئ اللازوردي»، المعروف كذلك بـ«الريفييرا الفرنسية»، لاستقبال قمة الأمم المتحدة الثالثة لحماية المحيطات ما بين 9 و13 يونيو (حزيران) التي يتوقّع أن يحضرها ما لا يقل عن مائة بعثة عالمية، ونحو 50 رئيس دولة وحكومة.

وهذا الجمع الاستثنائي يعكس المخاوف من تدهور أوضاع المحيطات، وتكاثر المخاطر المحدقة بها. ولا يقتصر الحضور على البعثات الرسمية، بل سعى المنظمون لضم المنظمات غير الحكومية، والمعاهد البحثية المتخصصة، وجمعيات المجتمع المدني، والشخصيات الناشطة في هذا الحقل، بحيث أن المدنية الساحلية وجوارها يتأهبان لاستقبال ما لا يقل عن 100 ألف شخص لأسبوع كامل من الاجتماعات الرسمية، والندوات، وحلقات النقاش العلمية وورش العمل.

وفي المحصّلة، يفترض أن تصدر عن قمة نيس «خطة عمل لحماية المحيطات». ووصف الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي سيتشارك الرئاسة مع نظيره الكوستاريكي رودريغو تشافيز روبليس، في بيان صحافي الجمعة، الحدث بأنّه «يُمثّل فرصة جوهرية في مجال حوكمة المحيط. وستمثل اتفاقات نيس إطاراً يجتمع ضمنه المجتمع العلمي من أجل إنذار رؤساء الدول وتوجيه أعمالهم في مجال المناخ، كما تعمل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ. وينبغي أخيراً أن يصبح مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالمحيط حيزاً للتضامن، ندعم فيه البلدان النامية من أجل التكيّف مع الاقتصاد الأزرق الحديث، والتصدي للصيد غير القانوني، وحيّزاً نساعد فيه المجتمعات المحلية والمناطق الساحلية التي تعاني من النتائج المترتبة على التغيرات المناخية».

من جانبه، قال رئيس كوستاريكا، في افتتاحية تضمّنها ملف قصر الإليزيه عن القمة، إن «حماية المحيطات ليست فقط عملاً بيئوياً، بل هي واجب أخلاقي. ولن نتمكن من ضمان كوكب سليم ومزدهر للأجيال القادمة إلا من خلال عمل سريع ومُنسّق»، داعياً إلى اعتبار حماية المحيطات «أولوية» دولية.

إنقاذ المحيطات

تُغطّي البحار والمحيطات نسبة 70 في المائة من مساحة الكوكب. وتتعرّض اليوم إلى ضغوط جمة، مثل آثار تغير المناخ، والتلوث، والاستغلال المفرط للموارد البحرية، مع أنّها تُعدّ عاملاً رئيسياً لانتظام التوازنات البيئية الرئيسية، وتوفير الموارد الغنية والمحافظة على التنوع البيولوجي.

ماكرون وضيفه الرئيس البرازيلي إناسيو دا سيلفا خلال زيارتهما لمعرض فني في باريس الجمعة (أ.ف.ب)

كذلك، فإن المحيطات تؤدي دوراً أساسياً في التبادل الاقتصادي، وتمثّل همزة الوصل الأساسية بين البلدان والمجتمعات البشرية. غير أنها أيضاً منصّة تبرز فيها النزاعات بين الدول المشاطئة، كما هي الحال مثلاً في بحر الصين الجنوبي، فضلاً عن الخلافات بخصوص المناطق الخالصة. يضاف إلى ذلك آثار التنافسات الاقتصادية والجيوسياسية؛ كالقرصنة، وانقطاع الكابلات البحرية، والنزاعات حول الحدود البحرية، والتعدين في أعماق البحار.

ويعود اهتمام فرنسا بهذه التحديات بالدرجة الأولى، لكونها تتمتع بثاني أكبر منطقة بحرية في العالم، حيث تمتد على مساحة 11 مليون كيلومتر مربع وتضم 10 في المائة من التنوع البيولوجي البحري. وكتب جان نويل بارو، وزير الخارجية، في مقال نشرته، السبت، صحيفة «لو فيغارو» أن «المحيط قارة مهملة، بل منسية أحياناً». لكن هذا الحكم لا ينطبق على فرنسا التي وصفها الوزير الفرنسي بأنها «أمة محيطية... ولهذا السبب، تقع على عاتقنا مسؤولية حماية المحيط، ومن أجل ذلك، يتعيّن علينا تعبئة جميع الجهات الفاعلة في المجتمع الدولي في مجال الدبلوماسية الزرقاء».

رغم الحشد الرسمي والخاص، فإن نقطة الضعف الرئيسية للقمة أن ما سيصدر عنها بنهاية المؤتمر، إن كان الإعلان السياسي أو لائحة الالتزامات، يبقى العمل بموجبه طوعياً ويعتمد فقط على حسن نية وإرادة الفاعلين على المستويين الحكومي والخاص. أما علامة الاستفهام الكبرى، فتتناول مشاركة الولايات المتحدة، خاصة بعدما أعلن دونالد ترمب انسحاب بلاده من اتفاقية باريس للمناخ التي يندرج انعقاد قمة المحيطات في إطارها.

أولويات القمة

ثمة ثلاث أولويات سيركز عليها المؤتمرون، وأولها العمل على إطلاق توافق على القيام بمبادرات وعمليات متعددة الأطراف بين الدول الراغبة من أجل المحافظة على المحيطات. وتُركّز الأولوية الثانية على حشد التمويل من أجل الحفاظ على المحيطات والبحار والموارد البحرية، واستخدامها على نحوٍ مستدام لتحقيق أهداف التنمية المستدامة ودعم تنمية اقتصاد «أزرق» مستدام. وتركز الأولوية الثالثة على تعزيز المعارف المرتبطة بعلوم البحار، وتحسين أوجه نشرها من أجل إتاحة اتخاذ قرارات سياسية أفضل.

شرطي يفتش سيدة في مدينة نيس وسط إجراءات أمنية مشددة ترافق قمة المحيطات التي تستضيفها المدينة (أ.ب)

وبالتوازي، أعلنت وزارة الانتقال البيئوي الفرنسية عن تنظيم اجتماع لـ«برلمان البحر»، الذي سيضم 30 نائباً فرنسياً، و30 نائباً أوروبياً، و30 نائباً دولياً من أجل تنظيم نقاش حول التحديات المرتبطة بالمحيطات. وشدّد الجانب الفرنسي على أن الغرض، إضافة إلى الإعلان السياسي، تسهيل قيام تحالفات بينية وإطلاق مشاريع عملية تكون مرتبطة بالتحديات والمخاطر المباشرة التي تعاني منها البحار والمحيطات.

لذا، فإن ملف محاربة تلوّثها بسبب أطنان البلاستيك التي ترمى فيها سيكون على رأس المواضيع المتناولة. وينتظر أن يصدر بيان عن مجموعة من الدول المشاركة يتناول التلوث البلاستيكي. ووفق الأرقام التي ذكرها بارو، فإن 15 طناً من البلاستيك ترمى في المحيطات كل دقيقة، وأن ثلث الأسماك المصطادة تنتمي إلى أنواع تجد صعوبة في التجدد. كما بلغت درجات الحرارة مستويات قياسية الصيف الماضي. فحرارة مياه البحر المتوسط تجاوزت العام الماضي 30 درجة مئوية.

ودعا بارو إلى «التحرك بسرعة أكبر وبشكل جماعي أكثر من أي وقت مضى، لوقف تدهور الأنظمة البيئية وإنقاذ التنوع البيولوجي».

عرض بمسيّرات ضم 2025 طائرة من دون طيار في نيس عشية مؤتمر المحيطات (أ.ف.ب)

ثمة ملف رئيسي آخر يفرض نفسه ويتناول مكافحة الصيد غير القانوني الذي «يقتل النُّظم البيئية البحرية، ويدمر الاقتصادات المحلية، وينتهك حقوق الإنسان من خلال ممارسات قريبة من العبودية الحديثة»، حسبما أفادت به وزارة الانتقال البيئوي الفرنسية. كذلك سيولي المؤتمرون أهمية خاصة باتجاه المصادقة على معاهدة الأمم المتحدة بشأن أعالي البحار التي اعتُمدت في عام 2023، وصدّقت عليها حتى اليوم 21 دولة، والمطلوب أن تصدّق عليها 60 دولة لتصبح نافذة. وتهدف هذه المعاهدة إلى إنشاء مناطق بحرية محمية في أعالي البحار، وإخضاع الأنشطة الصناعية لتقييمات بيئية، وضمان تقاسم عادل للموارد الجينية البحرية. وسيتولى باحثون ومنظمات غير حكومية ومؤسسات دولية مثل اليونيسكو والبنك الدولي عرض أعمالهم حول النُّظم البيئية الساحلية، وأعماق المحيطات، والتنوع البيولوجي البحري.


مقالات ذات صلة

ماكرون يحض إيران وأميركا على خفض التصعيد على خلفية إغلاق مضيق هرمز

أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يعقدان مؤتمراً صحافياً مشتركاً في قاعة المدينة الرئيسية في غدانسك... بولندا 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون يحض إيران وأميركا على خفض التصعيد على خلفية إغلاق مضيق هرمز

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (الاثنين)، الولايات المتحدة وإيران إلى خفض التصعيد وسط تصاعد التوتر في مطلع الأسبوع بشأن مضيق هرمز.

العالم العربي الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

اختتم الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، زيارته إلى فرنسا والتي وصفها بأنها «خطوة مهمة» في مسار تعزيز «العلاقات القائمة على الثقة» بين البلدين.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ماكرون يستقبل رئيس الوزراء اللبناني الثلاثاء

أعلنت الرئاسة الفرنسية، اليوم (الأحد)، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيستقبل رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (باريس )
المشرق العربي جنود فرنسيون تابعون لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان يقفون أمام سكان يلوحون بأعلام «حزب ‌الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

مقتل جندي حفظ سلام في لبنان... و«حزب الله» ينفي مسؤوليته عن الهجوم

قالت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، السبت، إن جندياً من ​قوات حفظ السلام قُتل وأصيب ثلاثة إثر تعرض دورية تابعة لها لإطلاق نار من أسلحة خفيفة في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية سفينة شحن في مياه الخليج العربي (أ.ب)

إيران تعلن فتح مضيق «هرمز» حتى انتهاء الهدنة... وترمب يرحّب

أعلنت إيران، اليوم (الجمعة)، إعادة فتح مضيق «هرمز» بشكل كامل خلال الفترة المتبقية من وقف النار في الشرق الأوسط، وذلك عقب موافقة إسرائيل على هدنة مع «حزب الله».

«الشرق الأوسط» (لندن)

ميرتس يعلن تعميق الشراكة الاستراتيجية بين ألمانيا والبرازيل

رئيس جمهورية البرازيل لويس لولا دا سيلفا (يسار) مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس (د.ب.أ)
رئيس جمهورية البرازيل لويس لولا دا سيلفا (يسار) مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس (د.ب.أ)
TT

ميرتس يعلن تعميق الشراكة الاستراتيجية بين ألمانيا والبرازيل

رئيس جمهورية البرازيل لويس لولا دا سيلفا (يسار) مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس (د.ب.أ)
رئيس جمهورية البرازيل لويس لولا دا سيلفا (يسار) مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس (د.ب.أ)

اتفقت ألمانيا والبرازيل على تعميق شراكتهما الاستراتيجية؛ إذ أشار المستشار الألماني فريدريش ميرتس، عقب المشاورات الحكومية بين الجانبين في مدينة هانوفر اليوم (الاثنين)، إلى توسيع نطاق التعاون في مجالات الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، بالإضافة إلى قطاعَي الدفاع والصناعات العسكرية.

وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، أكد رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني أن «التقارب بين بلدينا أصبح أكثر ضرورة من أي وقت مضى، في زمن يتغير فيه النظام العالمي بصورة جذرية. نريد تعزيز المنافع المتبادلة، ونريد أن نكون شبكة من الشركاء الأقوياء والمتقاربين في التوجهات».

وحدد ميرتس محاور رئيسية للتعاون المعمق المتفق عليه؛ إذ قال: «نريد أن نطور معاً نقاط القوة في اقتصادينا بوصفنا شريكَين تجاريين مهمين». وذكر على وجه الخصوص مجالات مستقبلية مثل التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والاقتصاد الدائري، والتقنيات البيئية، والزراعة.

وأوضح ميرتس أنه من أجل ضمان السلام والحرية، تقرر تكثيف التعاون في مجالَي الدفاع والتسليح.

ولفت ميرتس إلى أن المباحثات تطرقت أيضاً إلى الأوضاع في الشرق الأوسط، وأكد أن كلتا الحكومتَين تدعم بكل قوتها الجهود الرامية إلى تحقيق تفاهم دبلوماسي سريع بين الولايات المتحدة وإيران.

وتُعدّ ألمانيا رابع أكبر شريك تجاري للبرازيل، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بينهما 20.9 مليار دولار أميركي العام الماضي، إلى جانب استثمارات مباشرة بنحو 38 مليار دولار. ويشكل إقليم ساو باولو، الذي يضم نحو 1000 شركة ألمانية، أكبر موقع صناعي لألمانيا في الخارج.


أوكرانيا تطلب من تركيا عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي

جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)
جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)
TT

أوكرانيا تطلب من تركيا عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي

جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)
جانب من لقاء وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والأوكراني أندريه سيبيها على هامش «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» السبت (الخارجية التركية)

وسط ترحيب فاتر من روسيا، بدا أن هناك تدافعاً من أوكرانيا وتركيا لاستئناف المباحثات الرامية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ أكثر من 4 سنوات.

وأكد وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، استعداد الرئيس فولوديمير زيلينسكي لعقد لقاء مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، لافتاً إلى مناشدة تركيا للنظر في إمكانية تنظيم اجتماع رباعي يجمع زيلينسكي وبوتين بحضور الرئيسين التركي رجب طيب إردوغان، والأميركي دونالد ترمب.

وقال سيبيها، الذي شارك في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي اختتم مساء الأحد، والذي أجرى على هامشه مباحثات مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، إن تركيا لديها القدرة على تحقيق «إنجازات فريدة وغير مسبوقة في مجال الدبلوماسية».

أوكرانيا تريد لقاء مع بوتين

وأضاف: «لقد ناشدنا تركيا النظر في إمكانية تنظيم اجتماع على مستوى الرئيسين زيلينسكي وبوتين، مع احتمال مشاركة الرئيسين إردوغان وترمب»، لافتاً إلى أن الجانب الأوكراني، بما في ذلك زيلينسكي، مستعد لهذا الاجتماع.

وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها (إعلام تركي)

وتابع سيبيها أن لدى بلاده مقترحات فعالة، وأنهم يأملون في دور تركيا، الذي قال إنه يمكن أن تلعب دوراً وتسرع عملية السلام المحيطة بالحرب الروسية الأوكرانية، معتبراً أن المشكلة الوحيدة هي أن بوتين يختبئ حالياً.

ومنذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، استضافت تركيا جولات عدة للمحادثات في إسطنبول منذ مارس (آذار) منذ ذلك العام، كما نجحت بالتنسيق مع الأمم المتحدة في التوصل في يوليو (تموز) إلى اتفاقية الحبوب، التي سمحت بإنشاء ممر آمن في البحر الأسود لخروج الحبوب من موانئ أوكرانيا إلى الأسواق ما جنب العالم أزمة غذائية، ولم تصمد الاتفاقية أكثر من عام واحد بسبب عدم تلبية مطالب روسيا.

جولة مفاوضات بين الجانبين الروسي والأوكراني في إسطنبول في 2 يونيو 2025 (د.ب.أ)

وتجددت المفاوضات بوساطة تركيا عبر عقد 3 جولات من المحادثات الروسية الأوكرانية في إسطنبول في 16 مايو (أيار) و2 يونيو (حزيران) و23 يوليو (تموز) 2025، أسفرت عن عمليات تبادل كبيرة للأسرى ومذكرات مسودة تحدد مواقف كلا الجانبين من أجل اتفاق سلام محتمل، دون إحراز تقدم كبير على صعيد إنهاء الحرب.

كما عقدت 3 جولات من محادثات السلام بوساطة أميركية في 23 يناير (كانون الثاني) و4 فبراير (شباط) الماضيين في أبوظبي، و17 فبراير في جنيف، لكن المحادثات توقفت بسبب تركيز واشنطن على إيران.

إردوغان يدفع باتجاه المفاوضات

وأكد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، في كلمة خلال افتتاح «منتدى أنطاليا الدبلوماسي»، الجمعة الماضي، أن تركيا تبذل جهوداً حثيثةً لتكثيف عملية التفاوض بشأن أوكرانيا، وأنها عززت اتصالاتها مع الأطراف المعنية.

إردوغان متحدثاً خلال افتتاح «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (الرئاسة التركية)

وأضاف إردوغان أن تركيا تسعى لاستئناف مسار إسطنبول للمحادثات بين الجانبين، وتعمل على عقد لقاء بين الرئيسين بوتين وزيلينسكي لوضع نهاية للحرب.

بدوره، قال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، خلال إحدى جلسات المنتدى، إن بلاده مستعدة لاستضافة قمة على مستوى الرؤساء أو اجتماعات على الوفود الفنية من روسيا وأوكرانيا.

ولفت إلى أن الرئيس إردوغان أكد في اتصالين سابقين مع الرئيسين بوتين وزيلينسكي استعداد تركيا لاستضافة المفاوضات على مستوى الوفود، وعقد لقاء يجمعهما معاً.

فتور روسي

في الوقت ذاته، أبدت موسكو ترحيباً فاتراً باستئناف محادثات إسطنبول، وقال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إن بلاده تنظر بإيجابية إلى احتمال استئناف هذه المحادثات، «إذا كان شريكنا (أوكرانيا) مستعداً للتفاوض فنحن مستعدون لذلك».

وأضاف لافروف، خلال جلسة في إطار منتدى أنطاليا، السبت، أن مسألة استئناف الحوار مع أوكرانيا ليست هي الأهم في المرحلة الحالية، مؤكداً أن روسيا لم تُجبر أي طرف على الدخول في مفاوضات.

لافروف خلال إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» (رويترز)

وعن مقترح تشكيل تحالف جديد يضم دول الاتحاد الأوروبي وتركيا وبريطانيا وأوكرانيا، قال لافروف: «للمرة الثالثة في التاريخ الحديث، سينطلق تهديد عالمي من أوروبا، وتُبذل كل الجهود لجعل أوكرانيا شرارة هذا التهديد العالمي»، مشدداً على أن لروسيا «خطوطاً حمراء» واضحة، وأن صبرها قد يصل إلى حدوده القصوى في مرحلة ما، ويجب عدم اختبار هذه الحدود.

ووجه انتقادات للموقف الأوروبي لعدم حسم أمره بشأن التعامل الحازم مع روسيا في ملف الطاقة، لافتاً إلى أن أوروبا بحاجة كبيرة إلى الغاز الطبيعي والنفط، رغم رفضها العقود الطويلة مع روسيا، وأن استهداف أوكرانيا أنابيب الغاز أدى إلى إجبار الأوروبيين على شرائه بأسعار باهظة.

وحذّر لافروف من تصاعد انتشار الحركات النازية في أوروبا، عاداً أن سلوك بعض الدول يشكل تهديداً للأمن الدولي وشكلاً من أشكال الحرب العالمية الثالثة، وأكد أن بلاده لديها الخبرة الكافية للتعامل مع جميع هذه التطورات.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ارتياح في روسيا بعد فوز «صديق الكرملين» بانتخابات بلغاريا

ملصقات انتخابية لرومين راديف في صوفيا الاثنين (أ.ب)
ملصقات انتخابية لرومين راديف في صوفيا الاثنين (أ.ب)
TT

ارتياح في روسيا بعد فوز «صديق الكرملين» بانتخابات بلغاريا

ملصقات انتخابية لرومين راديف في صوفيا الاثنين (أ.ب)
ملصقات انتخابية لرومين راديف في صوفيا الاثنين (أ.ب)

لم يُخفِ الكرملين ارتياحه بعد ظهور النتائج شبه النهائية للانتخابات البرلمانية في بلغاريا؛ إذ حمل الفوز الكبير الذي حققه حزب «بلغاريا التقدمية» الذي يقوده الرئيس السابق للبلاد، رومين راديف، المعروف بصلاته الوثيقة مع الكرملين، مفاجأة سارة لموسكو؛ ليس فقط لأن هذه النتيجة جاءت بعد مرور أيام على هزيمة حليف موسكو العنيد رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، في انتخابات مماثلة، ولكن أيضاً لأن راديف دشن عهده الجديد في رئاسة الوزراء بإعلانه، فور ظهور النتائج، عزمَه تنشيط قنوات الاتصال مع روسيا وحل «المشكلات القائمة» عبر حوار براغماتي.

حزب «بلغاريا التقدمية»، الذي رفع طيلة سنوات شعارات تندد بالحصار المفروض على روسيا وتؤكد على وحدة العِرق التي تجمع الروس والبلغار بصفتهم أمة سلافية، فاز بنسبة 44.5 في المائة من الأصوات بالانتخابات البرلمانية البلغارية، وفقاً لبيانات اللجنة المركزية للانتخابات، بعد الانتهاء من فرز جميع أوراق الاقتراع.

الفائز بالانتخابات البلغارية رومين راديف يتحدث للصحافيين بعد إغلاق صناديق الاقتراع في صوفيا الأحد (أ.ب)

وتشير النتيجة إلى نجاح التكتل في اكتساح عدد من مقاعد البرلمان تؤهله لاختيار رئيس الوزراء الجديد ووضع الملامح العامة لسياسة البلاد.

وكان راديف صرح مرات عدة خلال الحملات الانتخابية بمعارضته تقديم أي مساعدات عسكرية لكييف، ودعا إلى إعادة النظر في موقف أوروبا حيال الحرب في أوكرانيا، وإلى العودة للحوار الدبلوماسي مع موسكو.

ولم يتأخر الكرملين في إعلان ارتياحه للتطور، وقال الناطق الرئاسي، ديميتري بيسكوف، إن بلاده «لا يمكن إلا أن تؤكد ارتياحها لإعلان السيد رومين راديف، الذي يتصدر حزبُه نتائج الانتخابات البرلمانية في بلغاريا، بشأن استعداد روسيا للانخراط في الحوار».

ووفقاً لتصريح بيسكوف، فقد سعت موسكو دائماً إلى الحوار مع الدول الأوروبية، لكنها لم تجد بعدُ استجابةً مماثلة.

وأكد الناطق الرئاسي أن موسكو قيّمت بشكل إيجابي تصريحات راديف. ورغم أنه رأى أن «من السابق لأوانه استخلاص نتائج بشأن تغيير جذري في مناخ العلاقات بموسكو»، فإنه أضاف: «نحن، بالطبع، معجبون بتصريحات السيد راديف، وبعض القادة الأوروبيين الآخرين، بشأن استعدادهم لحل المشكلات من خلال حوار براغماتي».

بلغارية تدلي بصوتها عبر «ماكينة تصويت إلكتروني» بمركز اقتراع في صوفيا الأحد (أ.ف.ب)

وجرت الانتخابات البرلمانية في بلغاريا وسط أزمة سياسية، وهي ثامن مرة تُعقد فيها خلال السنوات الـ5 الماضية. خلال هذه المدة، استحال تشكيل حكومة مستقرة.

وسارعت وسائل الإعلام الحكومية الروسية إلى الترحيب بالتطور، وكتبت وكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية أن راديف «يتمتع بثقة كبيرة لدى الشعب، الأمر الذي يثير قلقاً بالغاً في الدول الغربية».

وأوردت الوكالة في إطار استقراء التداعيات المنتظرة في أوروبا حيال فوز راديف، تصريحات مسؤولين وسياسيين، بينهم فاليري هاجر، عضو البرلمان الأوروبي والمقربة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي أعربت عن قلقها إزاء خطر «تشكيل حكومة موالية للكرملين في لحظة حرجة». كما توقفت عند تعليق صحيفة «تلغراف» البريطانية التي كتبت أن راديف قد يصبح «كابوس الاتحاد الأوروبي الأسوأ». وهو تعليق مماثل لإشارة مجلة «بوليتيكو» إلى أن موقف راديف من أوكرانيا «قريب جداً من موقف موسكو، وقد أوضح مراراً وتكراراً رغبته استئناف استيراد النفط الروسي».

الصفحة الأولى لصحيفة بلغارية تحمل عنوان: «من هنا إلى أين؟» في صوفيا الاثنين (أ.ب)

وكتب المعلق السياسي الروسي، ديميتري بافيرين: «بالنسبة إلى بلغاريا؛ هذا كثير. وهذا في حد ذاته قد صحّح شيئاً ما؛ ففي ثامن محاولة؛ سيحصل البلغار على حكومة لا تُعدّ عاراً على أمة سلافية عريقة، وعلى أكبر الشعوب تأييداً لروسيا في الاتحاد الأوروبي، أي دون كارهي روسيا والجبناء؛ لأن راديف ليس من هؤلاء».

وأشار معلقون مقربون من الكرملين إلى أن السياسيين الغربيين «ينهون بعد فوز راديف، بمرارة، احتفالاتهم التي أطلقوها ليلة هزيمة رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان. ويُفترض أن راديف سيتولى الآن دوره بوصفه (مثيراً للمشكلات)». ورجح بعضهم خطوات سريعة بإعلان فتح قنوات حوار مع موسكو ووقف كل أشكال إسهام بلغاريا في تقديم معونات لأوكرانيا.

وأعاد سياسيون روس التذكير بعبارة راديف التي قالها في وقت سابق: «نحن الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تجمع بين الديانة السلافية والأرثوذكسية الشرقية... يمكننا أن نصبح حلقة وصل بالغة الأهمية في هذه الآلية برمتها... لإعادة العلاقات مع روسيا».

رغم ذلك؛ فإن معلقين شككوا في قدرة السياسي البلغاري الفائز في الانتخابات على إطلاق انقلاب كامل في العلاقات بشكل فوري. مع إشارة إلى أنه «لا يمكن لبلغاريا وحدها أن تعالج العداء المتصاعد بين روسيا والاتحاد الأوروبي».

لكن الرهان الروسي، مع ذلك، يبقى كبيراً على السياسي الذي وُصف خلال توليه الرئاسة في بلاده بأنه صديق الكرملين المقرب، مع إشارة لحاجة بلغاريا إلى «زعيم براغماتي ينطلق من أن بلاده بحاجة إلى دعمٍ من السوق الروسية وموارد الطاقة الروسية. لذلك؛ فسيسعى بكل تأكيد إلى إنهاء الحرب الباردة الثانية بكل جديته المعهودة، وقبل ذلك، سيتخلى عن جميع التزاماته تجاه أوكرانيا؛ ببساطة لأن بلاده لا تستطيع تحمّل تكاليفها».

اللافت أن مواقف راديف خلال توليه الرئاسة طيلة سنوات الأزمة الحالية هي التي عززت مواقف حزبه على الصعيد الشعبي، وفقاً لتحليلات خبراء روس. ورغم أن منصب الرئيس يعدّ بروتوكولياً في بلغاريا، فإن راديف نجح في استغلال الأزمة السياسية الداخلية المستعصية لتعزيز شعبيته، ليصبح في نهاية المطاف السياسي الأعلى شعبية في البلاد. كما أن انتقاده المتكرر إدخالَ اليورو عملةً للبلاد، واستمرارَ تقديم الدعم العسكري لكييف، كانا من بين العوامل التي أسهمت في نجاحه.

Your Premium trial has ended