تحرك أوروبي لجذب العلماء الأميركيين المستائين من سياسات ترمب

فون دير لاين تعلن تخصيص 500 مليون يورو إضافية لتحويل أوروبا قطباً جاذباً للباحثين

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تلقي كلمتها في السوربون وتعلن التزامها بتوفير 500 مليون يورو إضافية للبحث العلمي لسنوات 2025 و2026 و2027 (رويترز)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تلقي كلمتها في السوربون وتعلن التزامها بتوفير 500 مليون يورو إضافية للبحث العلمي لسنوات 2025 و2026 و2027 (رويترز)
TT

تحرك أوروبي لجذب العلماء الأميركيين المستائين من سياسات ترمب

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تلقي كلمتها في السوربون وتعلن التزامها بتوفير 500 مليون يورو إضافية للبحث العلمي لسنوات 2025 و2026 و2027 (رويترز)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تلقي كلمتها في السوربون وتعلن التزامها بتوفير 500 مليون يورو إضافية للبحث العلمي لسنوات 2025 و2026 و2027 (رويترز)

جمع غفير استضافته جامعة السوربون العريقة في باريس، الاثنين، بدعوة مشتركة من فرنسا والمفوضية الأوروبية بهدف توفير بديل للباحثين والعلماء، من الأميركيين أو غير الأميركيين، الراغبين في مغادرة الولايات المتحدة التي تضيق إدارة الرئيس دونالد ترمب الخناق على جامعاتها ومعاهدها ومراكزها البحثية على المستويات السياسية والأكاديمية والمالية.

ويريد الأوروبيون أو على الأقل بعضهم، الإفادة من المناخ المتوتر السائد حالياً على الضفة الأخرى للأطلسي بهدف الترويج لـ«النموذج» الأوروبي المفتوح بحثاً عن سد الفجوة العلمية والتقنية الفاصلة بين الضفتين. وإذا نجحت الدعوة الأوروبية الجديدة، فإن ذلك سيؤسس لـ«هجرة» معاكسة للأدمغة، بعدما كان الباحثون والعلماء الأوروبيون ينظرون دوما باتجاه الولايات المتحدة المتقدمة علمياً والأكثر قدرة على تمويل مالهم ومشاريعهم البحثية.

الرئيس الفرنسي مستقبلاً رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ير لاين على مدخل قصر الإليزيه الاثنين (إ.ب.أ)

ولأن جامعة السوربون استضافت مؤتمر «اختر أوروبا من أجل العلوم» الذي اجتذب جمهوراً واسعاً ضاقت مدرجات أكبر قاعاته بوزراء البحث العلمي والأكاديميين والباحثين وممثلي الجامعات والمعاهد العلمية والطلبة، فإن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي كانت له الكلمة الختامية لم يتردد في إطلاق ما سماه «نداء السوربون» باسمه وباسم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين. وجاءت الأخيرة إلى العاصمة الفرنسية مصطحبة المفوضين الأوروبيين المعنيين بهذا الملف. وحتى الاثنين، لم تكن قد برزت ردة فعل أميركية على المبادرة الأوروبية الموجهة بشكل واضح الولايات المتحدة والتي تشكل «مضبطة اتهام» إزاء النهج الذي تسير عليه إدارة ترمب. وبذلك، فإن الأوروبيين يكونون قد فتحوا «جبهة» جديدة مع الشريك الأميركي تضاف إلى الجبهات الخلافية المعروفة وهي: الحربان في أوكرانيا وغزة، والتعريفات الجمركية، وملف البيئة والتصحر، والنزعة الانفرادية للرئيس ترمب في «إدارة» شؤون العالم.

مفوضة الاتحاد الأوروبي للشركات الناشئة والبحوث والابتكار إيكاترينا زاهارييفا تلقي كلمتها خلال المنتدى في جامعة السوربون الاثنين (أ.ف.ب)

«ملاذ للعلماء»

 

اللافت أن ماكرون وفون دير لاين لم يترددا في مهاجمة ترمب وسياساته ولكن من غير تسميته. فالأول، وجه رسالة وصفها بـ«البسيطة» للعلماء والباحثين بقوله: «إذا كنتم تحبون الحرية، فتعالوا وساعدونا على البقاء أحراراً، وعلى إجراء الأبحاث هنا، وساعدونا على أن نصبح أفضل، واستثمروا في مستقبلنا». وبنظره، فإن أوروبا «يجب أن تصبح ملاذاً» للعلماء والباحثين لأن العلوم والبحث العلمي «يجب أن تستند إلى إملاءات الأقلية». واستطرد الرئيس الفرنسي قائلاً: «نداء السوربون يتوجه إلى جميع الأحرار الذين يريدون العمل من أجل العلوم والدفاع عن نموذجنا، الذين يريدون مجتمعا يختارونه وليس مجتمعاً يفرض عليهم، الذين تعتملهم فكرة معينة عن الحرية، ويريدون المساواة بين الرجل والمرأة، والأخوة بين الشعوب، والعثور على أجوبة لتحديات العصر». وتوجه مجدداً للباحثين بقوله: «انضموا إلى أوروبا هذه التي تؤمن بأن ديمقراطيات الغد ستكون أقوى في القضاء على السرطان، وفي تمكين التحول المناخي، وفي اكتساب فهم أفضل للفضاء وقاع البحار العميق، وفي نهاية المطاف، في بناء المعرفة لخدمة التقدم البشري. اتحدوا من أجل هذا النموذج من الحرية والمعرفة والعلم. هذا هو النموذج الذي نؤمن به». وأبدى ماكرون دهشته إزاء المسار الذي تسلكه الأمور في الولايات المتحدة بقوله: «لم يكن أحد يعتقد أن إحدى أكبر الديمقراطيات في العالم ستلغي بضربة واحدة قدرة هذا الباحث أو ذاك على الحصول على تأشيرات دخول. «ولكن هذا ما حصل».

صورة لإحدى الندوات التي عُقدت في منتدى السوربون صباح الاثنين (إ.ب.أ)

 

يحلو للرئيس الفرنسي أن يذكر أن أوروبا أنبتت 500 حاصل وحاصلة على جائزة نوبل، بفضل حرية البحث والإبداع التي تتمتع بها والتي يبدو أن الطرف الأميركي آخذ بمغادرتها. ويريد ماكرون ضخ دماء جديدة لتعزيز البحث العلمي من خلال حث الشباب من الجنسين للالتحاق به «لأن أمتنا بحاجة إلى اجتذاب جميع أنواع المواهب نحو العلوم». ومع كل مناسبة يعيد التأكيد على أن أوروبا «ستواصل بناء استقلاليتها وصلابتها وقوتها من خلال المعرفة والبحث الحر والمفتوح ومن خلال شباب اليوم والغد الذين سينضمون إليها». وأكثر من مرة ذكر ماكرون بأهمية دعوته التي أطلقها، من القاعة نفسها، في عام 2017، من أجل بناء «الاستقلالية الاستراتيجية» الأوروبية بما في ذلك الدفاعية إزاء الولايات المتحدة والتي عادت إلى الواجهة بقوة، وكسبت الكثير من الداعمين بسبب سياسات ترمب وانعدام اليقين إزاء ما سينتهجه بخصوص حرب أوكرانيا ومستقبل الحلف الأطلسي والخوف الأوروبي من تناسيه القارة القديمة لصالح التركيز على التنافس مع الصين. وفتح ماكرون باب التعاون الدولي متخطياً حدود الاتحاد الأوروبي بدعوته دولاً من خارجه مثل بريطانيا والنرويج وسويسرا، لا بل أيضاً الهند للتعاون والعمل المشترك لمواجهات تحديات العصر المتنوعة. وقال مصدر في معرض تقديمه للمناسبة، إن تهديد الحريات الأكاديمية في الولايات المتحدة «تشكل فرصة لنا للدفاع عن مصالحنا الاستراتيجية ورؤيتنا العالمية وإبراز أن أوروبا «تبقى قطباً جاذباً» للباحثين والعلماء. وترى باريس أن الأبحاث يفترض أن تركز على قطاعات رئيسية مثل الصحة والبيئة والتنوع الحيوي والرقميات والذكاء الاصطناعي والفضاء والزراعة.

مسؤولون أوربيون شاركوا في منتدى السوربون وظهرت رئيسة الوزراء السابقة ووزيرة التربية الحالية على يمين الصورة (إ.ب.أ)

 

خطة الاتحاد الأوروبي

إذا كان المال عصب الحرب، فإن حرب اجتذاب العلماء والبحث العلمي لا تشذ عن هذه القاعدة؛ لذا، أعلن ماكرون أن باريس سوف تخصص مبلغ 100 مليون يورو إضافية لاجتذاب الباحثين الأميركيين والأجانب. أما فون دير لاين، باسم الاتحاد الأوروبي فكانت أكثر طموحاً؛ إذ أعلنت أن المفوضية الأوروبية ستوفر مبلغ 500 مليون يورو إضافية للفترة الممتدة بين 2025 و2027 «من أجل تحويل أوروبا لقطب جاذب للباحثين» وأن المبلغ المذكور سيتم ضخه في «مجلس البحوث الأوروبي»، الذي تبلغ ميزانيته بالفعل أكثر من 16 مليار يورو للفترة 2021 - 2027. وقالت أيضاً إنها تريد أن تستثمر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في البحث والتطوير بحلول عام 2030.

بيد أن أمراً آخر تميزت به المسؤولة الأوروبية التي تحدثت قبل ماكرون؛ إذ إنها ذكرت أن الاتحاد الأوروبي المشكَّل من 27 دولة يعتزم «تكريس حرية البحث العلمي في القانون» من خلال قانون استصدار تشريع أوروبي جديد معتبرة أنه مع «تزايد التهديدات في جميع أنحاء العالم، لن تتنازل أوروبا عن مبادئها». وفي السياق نفسه، سعت على إبراز الهوية العلمية لأوروبا بقولها: نحن نختار أن نضع البحث والابتكار والعلوم والتكنولوجيا في قلب اقتصادنا. نحن نختار أن نكون القارة التي تشكل فيها الجامعات ركائز مجتمعاتنا وأسلوب حياتنا.

ليست فون دير لاين معروفة بلجوئها إلى المواجهة، بل تفضل دوماً المعالجات الهادئة، لكنها تخلت، الاثنين، عن هذه العادة لتهاجم سياسة ترمب البحثية من غير تحفظ. وفيما ألغت إدارة ترمب حتى اليوم 380 منحة بحثية، وسعت لإخضاع الجامعات والمعاهد لسلطتها عن طريق حرمانها من المساعدات الفيدرالية، فإن المسؤولة الأوروبية لم تتردد في انتقاد هذه التدابير والتوجهات، ولتؤكد أنه «يمكننا أن نتفق جميعاً على أن العلم ليس له جواز سفر، ولا جنس، ولا عرق، ولا حزب سياسي». وأضافت: «نحن نؤمن بأن التنوع هو أحد أصول الإنسانية وشريان الحياة للعلم. إنه أحد أكثر الأصول العالمية قيمة وتجب حمايته» لتخلص إلى القول إن تقويض البحث الحر والمفتوح «سوء تقدير هائل».

يبقى أن الإعلان شيء والواقع شيء آخر. ورغم التفاؤل الأوروبي، فإن كثيراً من المسألة تطرح نفسها وأولها كيفية التغلب على البيروقراطية الأوروبية وكيفية المزج بين ما يخطط له على المستوى الوطني وما هو من صلاحيات «الخطة» الإجمالية الأوروبية. ولم يتردد بعض الأكاديميين الفرنسيين من التعبير عن «اندهاشهم» إزاء الوعود الجديدة بينما قطاع البحث الفرنسي يعاني من محدودية الموارد.


مقالات ذات صلة

في سابقة... توقيع ترمب سيظهر على العملة الأميركية

الولايات المتحدة​ ترمب برفقة روبيو وهيغسيث يجيب على وسائل الإعلام خلال اجتماع لمجلس الوزراء (إ.ب.أ)

في سابقة... توقيع ترمب سيظهر على العملة الأميركية

أعلنت وزارة الخزانة اليوم الخميس ​أن الأوراق النقدية الأميركية ستحمل توقيع الرئيس دونالد ترمب احتفالا بمرور 250 على استقلال الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى جانب الرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع الخميس في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

ترمب يمدد مهلة استهداف محطات الطاقة الإيرانية حتى 6 أبريل

قال الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب اليوم الخميس إنه سيمدد مهلة شن هجمات على محطات الطاقة الإيرانية عشرة ‌أيام حتى ‌السادس ​من ‌أبريل (⁠نيسان).

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب) p-circle

حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

ارتفع الإنفاق العسكري لكندا والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بنسبة 20 في المائة على أساس سنوي ليبلغ 574 مليار دولار في عام 2025.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس المحكمة العليا جون روبرتس خلال مناسبة في «الكابيتول» (رويترز)

ترمب يطالب بقانون يعاقب «القضاة المارقين»

حمل الرئيس الأميركي دونالد ترمب على السلك القضائي، داعياً الجمهوريين لإقرار قانون لمكافحة الجريمة «يُشدد العقوبات على القضاة المارقين» قبل الانتخابات النصفية.

علي بردى (واشنطن)
خاص نازحون فلسطينيون يمشون إلى جانب خيامهم التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة غزة يوم الخميس (د.ب.أ)

خاص «الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

حذرت وزارة الخارجية الأميركية من عدم التزام حركة «حماس» بنزع سلاحها كما تنص خطة الرئيس دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في غزة مشيرة إلى أن ذلك سيواجه بتبعات صعبة.

محمد الريس (القاهرة)

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
TT

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)

بينما كان وزراء خارجية السبع يتوافدون على بلدة فوـ دوـ سيرني، اتّهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، روسيا بتزويد إيران معلومات استخبارية «لقتل أميركيين» في إطار الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت كالاس، الخميس: «لاحظنا أن روسيا تساعد إيران على المستوى الاستخباري لاستهداف أميركيين، لقتل أميركيين، وروسيا تزوّد أيضاً إيران بمسيَّرات لتتمكن من مهاجمة الدول المجاورة، إضافة إلى القواعد الأميركية». وأضافت: «إذا أرادت الولايات المتحدة أن تتوقف الحرب في الشرق الأوسط (...) فعليها أيضاً الضغط على روسيا لئلا تتمكن من مساعدة (إيران) في هذا المجال».

وجاءت هذه التصريحات لتعيد تسليط الضوء على تخوّف الأوروبيين من تداعيات حرب إيران على الأولويات الأميركية، مع تراجع الاهتمام بملف أوكرانيا في مقابل خطر تفاقم الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته الاقتصادية الوخيمة.

وزير الخارجية الفرنسي يستقبل نظيره الهندي في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

وبدا كأن التاريخ يعيد نفسه، باجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان وكندا) في دير سابق يقع في بلدة فوـ دوـ سيرني التي تبعد عن قصر رامبويه 15 كلم. فقبل خمسين عاماً، دعا فاليري جيسكار ديستان، الرئيس الفرنسي وقتها، قادة الدول الصناعية - باستثناء كندا- لقمة في قصر رامبويه التاريخي الشهير لمناقشة «الأزمة الاقتصادية الناتجة من صدمة النفط» التي نشبت بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى في عام 1973. حينها، وُلدت «مجموعة الست لتصبح لاحقاً مجموعة السبع بانضمام كندا إليها، ثم الثمانية، بانضمام روسيا التي طلب الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إخراجها عام 2014 من المجموعة بسبب حرب أوكرانيا الأولى.

حرب إيران في الواجهة

ينصبّ الاهتمام الأول لوزراء خارجية المجموعة، الذين سينضم إليهم نظيرهم الأميركي ماركو روبيو صباح الجمعة، ونظراؤهم الأربعة الذين دعتهم الرئاسة الفرنسية من كل من السعودية، والهند، والبرازيل وكوريا الجنوبية، على تطورات حرب الشرق الأوسط وتداعياتها. ومنذ صباح الخميس، كان هذا الملف محوراً للاجتماعات الثنائية التي جرت على هامش الحدث الأساسي، كما أن جلسة العمل الخامسة التي ستحصل بعد ظهر الجمعة ستلتئم تحت عنوان: «الوضع في إيران وتبعاته على المنطقة».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مستقبلاً نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان لدى وصوله إلى مقر الاجتماع في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

كذلك، فإن باريس خطّطت لجلسة سادسة محورها «السلام والأمن» في العالم؛ ما سيسمح، وفق بيان أصدرته وزارة الخارجية بعد ظهر الخميس، بالتشاور حول أزمات إضافية، أبرزها الحرب في أوكرانيا وأوضاع غزة والسودان. ودُعي وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها للمشاركة في الاجتماع المخصص لبلاده المتخوفة من انعكاسات حرب الشرق الأوسط على الاهتمام الغربي، والأميركي بشكل خاص، بالحرب الدائرة بينها وبين روسيا منذ أكثر من أربع سنوات.

وتريد باريس خلال ترؤسها مجموعة السبع هذا العام التأكيد على ثلاثة مبادئ رئيسية: التضامن بين الدول، والاستقرار الاقتصادي، والمسؤولية الجماعية. ويتمثل الهدف في تنسيق المواقف والمبادرات من أجل العمل المشترك لصالح السلام والأمن، لا سيما في الشرقين الأدنى والأوسط.

انطلاقاً من هذه المبادئ، فإن اجتماعات فوـ دوـ سيرني، وفق ما صدر عن الخارجية الفرنسية، تدور حول ثلاثة محاور رئيسية. أولها البحث عن تسويات للأزمات الكبرى: أوكرانيا، إيران، السودان، غزة، هايتي، فنزويلا، كوبا، ومنطقة الهندي-الهادئ. كما سيكون لبنان حاضراً بقوة في هذه الاجتماعات وفي اللقاءات الثنائية الكثيرة بفضل التركيز الفرنسي على البحث عن سبل لوقف التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله». وأفادت بيانات الخارجية بأن الاجتماعات الثنائية المتلاحقة التي عقدها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي مع نظرائه وخصوصاً مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، صباح الخميس، والبريطانية إيفيت كوبر، والكندية أنيتا أناند، ركزت في جانب منها على الملف اللبناني.

وتسعى باريس للترويج لـ«ورقتها» الداعية إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وإلى وقف الحرب. وسيكون اجتماع بارو - روبيو، الجمعة، أساسياً ليس فقط بالنسبة للبنان، بل أيضاً للتعرف على الخطط الأميركية الخاصة بإيران، حيث المعلومات الواردة من واشنطن غالباً ما تكون متضاربة.

شكاوى زيلينسكي

يتمثل المحور الثاني بإصلاح الحوكمة العالمية وإعادة الإعمار. وقالت الخارجية الفرنسية إن الهدف من المحور المذكور إطلاق أعمال ملموسة في مجال سلاسل الإمداد الإنسانية وإصلاح عمليات حفظ السلام». ومن المرتقب مشاركة رئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في أعمال المحور المذكور الذي سيتناول أيضاً إعادة ترميم غلاف مفاعل تشرنوبيل الذي تضرر مؤخراً بسبب القصف.

زيلينسكي يتحدّث عبر الفيديو في اجتماع للمجلس الأوروبي 19 مارس الحالي (إ.ب.أ)

وأخيراً، فإن المحور الثالث يدور حول مكافحة التهديدات العابرة؛ أكان ذلك تهريب المخدرات أو الجريمة المنظمة، أو قضايا الأمن البحري والموانئ، والهجرة.

وشكا الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة مع صحيفة «لوموند» من تضارب الرؤى بين كييف وواشنطن إزاء النوايا الروسية ورغبة موسكو في التوصل إلى اتفاق سلام. وأكد مجدداً أن الضغوط الدولية وحدها يمكن أن تدفع الرئيس بوتين للبحث عن السلام. وسبق له أن أشار إلى أن الإدارة الأميركية تربط الضمانات الأمنية التي قد تقدمها لأوكرانيا بتنازلها عن منطقة الدونباس الشرقية لصالح روسيا، التي تجعل من الحصول عليها شرطاً رئيسياً لتوقف الحرب. بيد أن كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ورئيسة وزراء أستونيا السابقة، عبَّرت، عقب اجتماعها بوزير خارجية فرنسا، عن «قلقها» إزاء الضغوط الممارسة على كييف. وقالت إنها تمثل «نهجاً خاطئاً بكل ⁠وضوح. إنها بالطبع ‌استراتيجية ‌التفاوض ​الروسية؛ إذ يطالبون بما لم ‌يكن لهم يوماً. ولهذا السبب؛ نحذر أيضاً من ‌الوقوع في هذا الفخ».

انتظار وزير الخارجية الأميركي

غير أن الهمّ الرئيسي لوزراء المجموعة عنوانه القلق من السياسات الأميركية ومن مستقبل إمدادات الطاقة والوضع في مضيق هرمز.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن المشكلة الأساسية تتمثّل في «انعدام الرؤية الواضحة بالنسبة لما ينوي الرئيس ترمب القيام به بسبب تصريحاته المتغيرة بين ليلة وضحاها، وانعكاس كل ذلك على الوضعين السياسي والاقتصادي، ليس في منطقة الخليج وحدها، بل على الصعيد العالمي». فشركاء واشنطن لم يتم التشاور معهم قبل اندلاع حرب إيران بالتنسيق والتنفيذ بين واشنطن وتل أبيب.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى جانب الرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع الخميس في البيت الأبيض (إ.ب.آ)

من هنا، التعويل على حضور ماركو روبيو الذي تُعلَّق عليه الآمال لتوفير مقاربة عقلانية ومقنعة لما تريد بلاده القيام به بعد نحو الشهر من سقوط أول الصواريخ والقنابل على إيران. كذلك، يريد ممثلو الدول السبع أن يتعرفوا على الخطط الأميركية لإتاحة الملاحة الحرة في مضيق هرمز. وبكلام آخر، فإن الوزراء الحاضرين يريدون التعرف على مصير الحرب على إيران، وصورة اليوم التالي، ومستقبل إمدادات الطاقة، والدور المطلوب منهم؛ لأن غالبيتهم أعلنت الاستعداد للمساهمة في تأمين الملاحة في المضيق المذكور.

ونقلت «رويترز» عن كريستوف غومار، الجنرال السابق في الجيش الفرنسي ومسؤول المخابرات العسكرية فيه، قوله إن «موقف الولايات المتحدة يُعدّ عنصراً مزعزعاً لاستقرار النظام الدولي لجميع الأطراف، ليس فقط لأعضاء مجموعة السبع، بل أيضاً للصين وللكثير من دول العالم».

لم تنس مجموعة السبع الصعوبات التي تواكب عادة بلورة بيان مشترك عقب اجتماعاتها، خصوصاً عندما تكون إدارة ترمب طرفاً فيها. لذا؛ ولتحاشي الإشكالات والجدل، فإنه من غير المقرر أن يصدر عن اجتماع فوـ دوـ سيرني الذي يعدُّ تحضيراً لقمة السبع المقررة في مدينة إيفيان الفرنسية بين 17 و19 يونيو (حزيران). وقبلها، سوف تستضيف فرنسا اجتماعاً مماثلاً يوم 30 مارس (آذار) لوزراء المالية في المجموعة.


حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
TT

حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)

ارتفع الإنفاق العسكري لكندا والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بنسبة 20 في المائة على أساس سنوي ليبلغ 574 مليار دولار في عام 2025، على ما أظهرت بيانات جديدة، الخميس.

ويطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب دول الحلف البالغ عددها 32 بزيادة إنفاقها الدفاعي، داعياً أوروبا إلى تحمل المسؤولية الأساسية عن أمنها، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وأشار تقرير لـ«الناتو» إلى أن كل الدول الأوروبية الأعضاء وكندا تجاوزت الآن الهدف المحدد بتخصيص ما لا يقل عن 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، وهو هدف تم تحديده في عام 2014 بغرض تحقيقه في مهلة أقصاها 2024. ومنذ ذلك الحين، وتحت ضغط ترمب، حدد الناتو هدفاً جديداً هو 5 في المائة بحلول 2035.

ولدى عرضه التقرير قال الأمين العام للحلف مارك روته: «أتوقع من أعضاء الحلف في قمة (الناتو) المقبلة في أنقرة أن يُظهروا أنهم يسيرون على طريق واضح وموثوق نحو تحقيق نسبة 5 في المائة».

وحققت ثلاث دول فقط هدف 3.5 في المائة العام الماضي، وهي بولندا ولاتفيا وليتوانيا. وزادت كل الدول إنفاقها العسكري العام الماضي، لكن ثلاثاً منها سجلت انخفاضاً طفيفاً في نسبة الإنفاق مقارنةً بناتجها المحلي الإجمالي.

في المقابل، تراجعت النسبة للولايات المتحدة من 3.30 في المائة عام 2024 إلى 3.19 في المائة، وفي جمهورية التشيك من 2.07 في المائة إلى 2.01 في المائة، وفي المجر من 2.21 في المائة إلى 2.07 في المائة.


تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
TT

تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في أحدث هجوم له على أوروبا، انتقادات لاذعة لقادة القارة لرفضهم المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. وقال على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي: «إنهم يشتكون من ارتفاع أسعار النفط التي يُجبرون على دفعها»، لكنهم يرفضون «مناورة عسكرية بسيطة هي السبب الوحيد لارتفاع أسعار النفط».

ومهما بدت تصريحاته اندفاعية، فإنها تسلط الضوء على حقيقة أعمق؛ وهي أن ترمب وضع قادة أوروبا أمام معادلة مزدوجة. فالإغلاق الفعلي للممر المائي الاستراتيجي من جانب إيران أشعل أزمة طاقة شاملة في أنحاء القارة. ومع الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، الذي يثير غضب الناخبين في مختلف أنحاء أوروبا، تزداد الضغوط على القادة لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً لإعادة فتح خطوط الشحن.

شبح حرب العراق

لكن في الوقت نفسه، تتّجه الرياح السياسية في أوروبا بشكل كبير ضد الحرب، ما يرفع تكلفة مشاركة أوروبا فيها. فالحملة العسكرية تتعرّض لانتقادات من كثير من الأوروبيين، خصوصاً على اليسار، الذين يرون أنها غير مبررة وغير قانونية، وأنها تهدد النمو الهش في أوروبا. كما لا يزال القادة يستحضرون حرب العراق، التي دعمتها بريطانيا، وندمت عليها لاحقاً. وقال جيرار أرو، السفير الفرنسي السابق لدى إسرائيل والولايات المتحدة: «نحن منقسمون كعادتنا. الأوروبيون يُظهرون ضعفهم على عدة مستويات. نحن في حالة صدمة كاملة مما يحدث».

ورغم المخاطر السياسية، هناك أسباب قوية تدفع أوروبا لضمان عدم إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. ففي ألمانيا، تجاوز سعر البنزين 2 يورو للتر، أي ما يعادل 9.48 دولار للغالون، ما أجبر برلين ودولاً أخرى على اتخاذ إجراءات مكلفة، مثل بحث خفض الضرائب ووضع سقوف للأسعار للتخفيف من الصدمة.

وقال بيتر ويستماكوت، السفير البريطاني السابق لدى فرنسا والولايات المتحدة: «لدى الأوروبيين مصلحة كبيرة في فتح المضيق أمام ناقلات النفط والتجارة الأخرى، وفي إظهار أنهم حلفاء موثوقون للدول الخليجية».

ورغم الضغوط التي يمارسها ترمب على أوروبا، فإنه لم يُسهّل على قادتها دعمه. إذ لم تُشاور الولايات المتحدة حلفاءها بشأن العملية المشتركة مع إسرائيل ضد إيران، بل لم تُخطر غالبيتهم مسبقاً. وجاء غياب التنسيق بعد فترة متوترة صعّد فيها ترمب تهديداته بالسيطرة على غرينلاند، وتقلّب في دعمه لأوكرانيا.

ومنذ ذلك الحين، وجّه ترمب إهانات إلى القادة الأوروبيين، ولا سيما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي بذل جهوداً كبيرة لكسب وده. وقال إنه «ليس ونستون تشرشل»، قبل أن يروّج لمقطع ساخر يُظهر رئيس الوزراء وهو يرتجف قبل مكالمة هاتفية مع الرئيس.

انتقاد الحلفاء

وحتى عندما دعا الأوروبيين إلى زيادة مساهمتهم، لم يخلُ حديث ترمب من الانتقاص منهم، إذ قال إن الولايات المتحدة لا تحتاج فعلياً إلى قدراتهم العسكرية. ويرى دبلوماسيون ومسؤولون عسكريون أن ذلك يكشف دافعه الحقيقي: دفع أوروبا لتحمل المخاطر السياسية للانضمام إلى الحملة العسكرية.

ويشير محللون إلى أن أوروبا يمكن أن تسهم في عملية عسكرية في المضيق، عبر نشر كاسحات ألغام أو سفن حربية لمرافقة الناقلات، لكنهم يرون أن قيمة مشاركتها السياسية تفوق أهميتها العسكرية. وقال ميشال ياكوفليف، الجنرال الفرنسي المتقاعد والمخطط السابق في «الناتو»: «قد يكون من المفيد وجود مزيد من السفن، لكن هذا ليس طرح ترمب». وأضاف: «لو كان مستعداً للقول إن حجم المشكلة يتطلب موارد إضافية، لكان الحساب مختلفاً». وتابع: «لكن بما أنه قلّل من قيمة المساهمة العسكرية الأوروبية، فهذا يعني أن المسألة سياسية». وأشار إلى أن القادة الأوروبيين مُحقّون في عدم منح ترمب غطاءً سياسياً، لأنه لم يوضح أهدافه الاستراتيجية أو يطرح مساراً للخروج من الحرب. وكان الرئيس قد قال إن «محادثات جيدة جداً» جارية لإنهاء القتال، وهو ما سارعت إيران إلى نفيه.

وأضاف ياكوفليف أن تشكيل تحالف لتأمين المضيق يتطلب اتفاقاً على نطاق العملية ومساهمات كل طرف وسلسلة القيادة وقواعد الاشتباك، وهي عملية قد تستغرق شهرين على الأقل.

وفي الأسبوع الماضي، خفّف قادة أوروبيون، إلى جانب نظرائهم من آسيا والخليج، من معارضتهم للمشاركة في مثل هذه العملية، لكن بيانهم جاء حذراً، إذ قال: «نُعرب عن استعدادنا للمساهمة في الجهود المناسبة لضمان المرور الآمن عبر المضيق».

تحالف ما بعد الحرب

ويعمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلف الكواليس للحصول على تفويض من الأمم المتحدة لعملية تضمن بقاء المضيق مفتوحاً بعد انتهاء النزاع، فيما طرح مسؤولون في الاتحاد الأوروبي فكرة توسيع مهام بعثات الحماية البحرية القائمة في المنطقة.

وقال أرو إن أوروبا، بالنظر إلى تاريخها في التفاوض مع إيران بشأن برنامجها النووي، يمكن أن تلعب دوراً دبلوماسياً أكثر فاعلية في إنهاء النزاع. لكنه أضاف أن أوروبا مكبّلة بثلاثة عوامل مترابطة: عدم ثقة ترمب ببروكسل خصوصاً بعد رفضها دعم الحرب؛ ومخاوفها من أن يؤدي استعداؤه إلى الإضرار بأوكرانيا؛ وشكوك إيران فيها نظراً للتردد الأوروبي في مواجهة واشنطن بشكل أكثر وضوحاً. وختم قائلاً: «يمكننا أن نؤدي دور الوسيط، لكن ترمب يفضل الباكستانيين»، مضيفاً أن «الإيرانيين لا يثقون بنا أيضاً؛ فهم يعتقدون أننا ندعم الأميركيين».

*خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»